<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>حسين البرغوثي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%BA%D9%88%D8%AB%D9%8A/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/حسين-البرغوثي</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Mon, 21 Apr 2025 11:13:40 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>حسين البرغوثي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/حسين-البرغوثي</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>المقابلة الأخيرة والكاملة مع حسين البرغوثي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20434</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 29 Mar 2021 16:28:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d9%85%d9%84%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8/</guid>

					<description><![CDATA[<p>نشرت صحيفة "الحياة الجديدة" مقابلةً مع حسين البرغوثي في ٩ أيار/مايو ٢٠٠٢، كما قامت مجلة "الهدف" بنشرها ضمن ملف عن البرغوثي في كانون الثاني/يناير ٢٠٠٢. أجراها معه كل من: زياد خداش، ومالك الريماوي، ووليد الشيخ. وقد حصلنا في "رمّان" على المقابلة من المصدر الأساسي لها. وبعد المقارنات وجدنا أن المقابلة التي لدينا، تُنشر للمرة الأولى كاملةً، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20434">المقابلة الأخيرة والكاملة مع حسين البرغوثي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div dir="rtl">
<p><span style="color: #7f8c8d;">نشرت صحيفة "الحياة الجديدة" مقابلةً مع حسين البرغوثي في ٩ أيار/مايو ٢٠٠٢، كما قامت مجلة "الهدف" بنشرها ضمن ملف عن البرغوثي في كانون الثاني/يناير ٢٠٠٢. أجراها معه كل من: زياد خداش، ومالك الريماوي، ووليد الشيخ. وقد حصلنا في "رمّان" على المقابلة من المصدر الأساسي لها. وبعد المقارنات وجدنا أن المقابلة التي لدينا، تُنشر للمرة الأولى كاملةً، وهي بعدد كلمات يزيد عن ضعف المنشور في "الحياة الجديدة" و"</span><a href="https://fada.birzeit.edu/handle/20.500.11889/6550" target="_blank" rel="noopener">الهدف</a><span style="color: #7f8c8d;">"، ما يصل إلى قرابة ألفَي كلمة. هنا، المقابلة الكاملة مع الحاضر حسين البرغوثي.</span></p>
</div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: تبدو الآن متصالحا مع المكان، الناس، العائلة، الوطن... في السابق كنت مختلفاً جداً مع كل شيء. ما الذي حدث؟ </span></p>
<p dir="rtl">أبدو فقط. في ثمانينات القرن الماضي كانت الخرائط مفروزة إلى منظمة تحرير، وإلى احتلال، وإلى أجهزة تابعة لكليهما. بعد أوسلو وانهيار الاتحاد السوفيتي والمتغيرات التي حدثت على الساحة العالمية والمحلية والعربية، أعيدت صياغة الأمكنة الذهنية، إضافة إلى نظام الأشياء، هذا كان يعني النظر إلى الخارطة الجديدة بمفاهيم جديدة، تسمح بقراءة أدق وأسلم وأكثر مغامرة من القراءات السابقة. مثلاً، لم تعد كلمة "يسار" تعني ما كانت تعنيه، ولا كلمة "سلطة"، لم تعد العلاقة بين الأشياء والكلمات واضحة، وكان يجب تقديم مفاهيم جديدة للوعي. أحد المفكرين السود، كورنل وست، كتب مقالة تدعى "المثقف النبوي" أو "الناقد النبوي"، لا أذكر العنوان بالضبط، واستفدت منه. يقول بأن أمام المثقف أربعة حلول لمأزقه الوجودي: إما أن يندمج المثقف في التيار السائد، أو أن ينغلق على نفسه في عزلة مطبقة، أو أن يكون خارج التيار السائد ويطمح أن يكون في داخله، أو، وهذا هو خياري، أن يحتفظ باستقلالية رؤياه، وأن يتعامل مع أفضل ما هو موجود في التيار السائد وفي خارج التيار السائد، وأن يكون "ناقدا نبويا".</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: أعتقد أن المقارنة بين بيئة (وست) وثقافته ومرجعياته الحياتية الاجتماعية، وبيئة فلسطينية الثقافة، فيها بعض التعسف أو عدم العدالة. (أعني خصوصيات المرحلتين أو البيئتين).</span></p>
<p dir="rtl">الخصوصيات دائماً موجودة. أنا أتكلم هنا عن الخيارات الثقافية، وعن الاستفادة من تجارب آخرين ممن وجدوا أنفسهم "أقلية" في ضمن ثقافة سائدة وأقوى منهم. عندما تتأمل قوى المعارضة عندنا لا تستطيع أن تنظر إليها بشكل مطلق على أنها تمثل الجديد والنقي، والبديل الرؤيوي، مقابل الفساد والشر في السلطة الفلسطينية. وفي داخل السلطة أيضا توجد أجنحة متعددة، بعضها أفضل بكثير من المعارضة وبعضها أسوأ بكثير، أي أن خرائط الوعي ليست واضحة، إن استخدمنا التمييز بين سلطة ومعارضة فقط. حتى داخل الأفراد، الأمور تداخلت واشتبكت، وهذا يدعو إلى إعادة صياغة للعلاقة بين الأشياء والكلمات، بحيث أحافظ على رؤياي، وأنتقي الأفضل، بغض النظر عن كونه سلطة أو معارضة، وأحافظ على مسافة نقدية بيني وبين كل شيء. هذا يعني إطلاق سراح الفكر من القوالب الجاهزة، التي كانت سائدة وكافية، نحو فهم فيه مغامرة، ويمكن أن يخطئ ويصيب. لا يجب أن نحيا مرتعبين من الخطأ. وهكذا يتحرر الفكر ويغامر ويتجدد.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: لكن نصوصك لم تتغير. الشك والاغتراب والرفض والرؤية المغامراتية أو الجنون الفني المحموم؟</span></p>
<p dir="rtl">هذا دليل آخر بأنني "لم أتصالح" مع الواقع. أعتقد أنني أطرح في نصوصي بدائل رؤيوية، ولا أرى أن الواقع يتطابق مع هذه الرؤى، وهذا هو الحفاظ على استقلالية الرؤيا، وهو لا يعني أن ما هو موجود يتفق مع رؤياي، أو أن رؤياي مألوفة وسائدة. الموقف النقدي عندي يحافظ على مسافة نقدية ورؤيوية كافية، وعلى أفق للمستقبل. في نصوصي تغيرات جذرية، ودقيقة، نقلات في الوعي، نضوج أكثر، ولكنها ليست نشيداً لما هو سائد إطلاقاً.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: كيف يمكن طرح بدائل رؤيوية، وأهم مفهومين (السلطة والمعارضة) هما مفهومان غير واضحين وملتبسان؟</span></p>
<p dir="rtl">رؤياي لهذه النقطة تقول ما يلي: ما دام هناك جهاز دولة من أي نوع، توجد مشكلة. لا توجد دولة تتفق مع رؤياي، ولا أية دولة، مهما كان شكلها، يمينية أو يسارية أو اشتراكية. هذه هي رؤياي الداخلية. أحلم بمجتمع لا دولة فيه. ولست من المثالية لكي أحلم بأن هذه الرؤيا قد تتحقق خلال قرن، مثلاً. ستكون هناك دول طوال حياتي، وحياة أجيال قادمة. وهذه وقائع مهمة لا يمكن أن نعزل أنفسنا عنها. ويجب أن تجد مخرجاً ما بين وجود واقع أنت تراه خارج رؤياك، ووجود رؤيا نقدية خارج واقعك. في الواقع نتعامل مع التاريخ وليس مع المثل، لأن التعامل مع المثل المجردة يقود إلى عبادة الشخص لنفسه. أنا نيتشوي هنا: أرى أن جميع التاريخ الإنساني خلق فكراً يقول: "لا للحياة"، وخلق حياة تقول: "لا للفكر"، وهذا أساسي لفهم المرض في الثقافة. إذن مسألة الرؤيا لا أقصد بها الوضع في فلسطين، ولا الرؤيا الدينية أو السياسية، بل رؤيا تعيد تقييم القيم في التاريخ كله.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: قال محمود درويش يوماً ما معناه: إن كل شيء قيل، وإن أقصى ما يمكن قوله، تنويعات على لحن متكرر. هل قلت كل شيء؟</span></p>
<p dir="rtl">بمقدار ما أعلم في الشعر العربي زهير بن أبي سلمى كان أول من قال: لا نقول إلا كلاماً مكروراً، وعنترة بن شداد كرر ذلك في مطلع معلقته "هل غادر الشعراء من متردّم؟"، لكن هذه الأقوال لا تغلق التاريخ. دائماً هناك تشابه، ودائماً يوجد اختلاف، ولن يتوقف الاختلاف، ولن يتوقف اللعب مع التشابه، ولا أرى في وجود التشابه مأساة، ولا في وجود الاختلاف فضيلة. كل شيء، فلسفياً، يختلف عن، ويتشابه مع، غيره.</p>
<p dir="rtl">والآن، رداً على سؤالك، أعتقد أنني لم أقل كل شيء، ولكنني قلت شيئاً ما، ضئيلا، ربما، ولم أقل الكثير مما أرى.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: نصك المدهش، "حجر الورد"، يبدو محتفظاً بطاقة سحرية سرية. حدثنا عن هوية هذا النص. الذي يبدو كأنه بلا مرجع، وعن دوافعه. </span></p>
<p dir="rtl">هو محاولة رؤية للتاريخ أحرم فيها ما يدعى بـ "الواقع" من كونه المقياس أو المعيار القيمي، الأخلاقي أو الفني أو الجمالي، للنص.</p>
<p dir="rtl">هدفي كان تحويل الواقع ذاته إلى سطح لامع آخر ، مجرد نص آخر، أو خيار فقط، وأن أسلب منه كونه "مرجعية ثابتة" أو "صحيحة" بالضرورة. كنت أطمح إلى تحويل الواقع بواسطة النص إلى نص آخر، لأن الواقع " العادي" كما رسخ في المدرسة "الواقعية "، مثلاً، رسخ باعتباره المرجعية الأولى للخيال والروح، وهذا مبتذل، لذلك يجب تجريد الواقع من زعمه أنه يستطيع، كما هو، كواقع سائد، أن يكون مقياساً.كنت أحلم بنص يشبه "ألف ليلة وليلة": في داخله يوجد عالم كامل كلما أبحرت فيه شعرت بأن لا صلة بينه وبين " الواقع العادي".</p>
<p dir="rtl">هاجس آخر في "حجر الورد" كان دفع اللغة نحو أقصاها، نحو الموسيقى المحضة. عندما تتحول اللغة إلى موسيقى محضة، تتحول إلى لعبة أصوات، أو تختفي كمفردات، تصبح موسيقى أو محض إيقاعات. وكنت أنوي على دفعها أيضاً نحو الفن التشكيلي، أي لكي تتحول إلى لوحة فنية ملونة، بمقدار ما يمكن، أي إلى "لون" محض. وفي هذه المساحة المتطرفة بين موسيقى لغة تكاد تنهار إلى موسيقى محضة، ولغة تكاد تنهار إلى لوحات محضة، يحدث فعل جذري هو انهيار الخطاب السائد، أي خلق "طريقة أخرى" للقول، لا مألوفة ولا سائدة، ونقدية، طريقة "تحول القارئ" بدل أن ترمم قيمه المألوفة. وفي هذه المساحة من الانهيارات تنفتح ثغرة جديدة لرؤية الرؤيا التي تحدثت عنها. "حجر الورد" هو رؤيا للرؤى، لكيف نرى.</p>
<p dir="rtl"> تبلورت فكرة "حجر الورد" في حوارات طويلة مع الفنان التشكيلي إبراهيم المزين. وكان عليه أن يرسم رؤياه هو، في مجموعة لوحات تعبر عن رؤياه، وليست "تعليقا" على النص الذي كان علي أن أكتبه تعبيراً عن رؤياي الخاصة. ثم ننشر اللوحات والنص معا، بحيث لا تكون اللوحات مجرد تعليق أو ترجمة، أو ملحقة بالنص ولا يكون النص ملحقاً باللوحات ، فيكون هناك "تخالف" بين النصين يفتح الباب واسعاً للمتناقضات، والرؤى.</p>
<p dir="rtl">اعتقد أن النصوص الأدبية عموماً، ربما بسبب بنية المجتمع العربي، تجنح إلى التشابه مع بعضها، وتطمح إلى التصالح، أما أنا فأطمح إلى بنى تقود إلى تناقض متوتر محفور في داخل القصيدة، مثلاً. أطمح لقصيدة تستوعب "الأسعار في الحسبة"، على رأي محمود درويش، وتدخل إلى داخلها الحياة بكل جزئياتها وتفاصيلها الصغيرة والمتنوعة، ولا تنعزل إلى مجرد غنائية بسيطة. هذا أيضاً له صلة بالمتناقضات: أن التناقض بين الأدب والحياة جعل الأدب منعزلاً عن نبض الحياة الدائم، وهذا أحد الجذور التي قادت إلى قصيدة النثر، فقصيدة النثر كانت تريد صلة اكبر بإيقاعات الحياة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: هذا يقودنا إلى سؤال ضروري. هل لديك مشروع شعري، تطمح إليه وتفكر فيه كهاجس.</span></p>
<p dir="rtl">نعم ، لكنه ليس مشروعي الوحيد، بمعنى أن الرؤيا التي أتكلم عنها تتجلى في أشكال وأنواع أدبية مختلفة: بالسينما أو بالنص أو بالكتابة النثرية أو النقد الثقافي أو بطرق متعددة أخرى.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: كيف تستطيع أن توفق بين قصيدة تحاول أن ترسم ضجيج الأشياء وتحول الواقع إلى نص وقصيدة تسعى إلى أن تكون "كوناً موسيقياً"؟</span></p>
<p dir="rtl">في الموسيقى، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يدعى كل ضجيج موسيقى، ولا تستطيع أن تلتقط أي صوت لتقول هذا موسيقى رغم أنه يمكنك أن تخلق موسيقى من أي ضجيج أو مادة خام. في القصيدة، ككون موسيقيّ، هناك حدود فنية، يعني أنه يمكن أن تتدهور موسيقى النص إلى ثرثرة عادية لا تثير أحداً، أو إلى " نشاز"، الحياة اليومية خيال أدبي فقير جداً. والشرط الفني للشعر ليس هو الانسجام مع فقر الخيال في الشارع ، باسم "الواقعية". إذا كان هناك فقر، تستطيع أن تضعه داخل النص كتعبير عن فقر الخيال، وليس عليك خلق نص هو نفسه فقير الخيال، كواقعه اليومي. في الفن قد تدخل الأسطوري في اليومي، أو اليومي في الأسطوري، أو كما قال محمود درويش: "الواقعيّ هو الخياليّ الأكيد"، الشرط الفني هو " الخيالي الأكيد". إنني أجرب هذا، وآمل أن تكون هذه التجارب ناجحة إلى حد معقول. التجارب تقترح اقتراحات معينة. أنا لا أعمل للوصول إلى الكمال، ولا تهمني فكرة الكمال، ليس هذا هو هدف التجربة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: ما قصدته هو كيف تكون اللغة أداة حمل الرؤيا وموضوعها في آن، أي كيف تتمكن من حمل رؤاك، بعد أن تكون قد صدعتها وزلزلتها؟ </span></p>
<p dir="rtl">اللغة ليست "أداة"، بالعكس، اللغة نفسها رؤيا، إن كانت محافظة في خطابها فهذا يعني نقصاً في الرؤيا نفسها. والمحافظة، عندي، نوع من الجبن. الرؤيا ليست خارج اللغة كي "تترجمها"، بعد ذلك، إلى لغة. بالعكس، إنها تولد في اللغة وباللغة، وولادتها تعني "تحويلاً" في علاقة المفردات ببعضها، وفي إيقاعها، في "معناها". أريد خلق نص "يحوّل" بدل أن "يعكس"، ويتأمل بدل أن يستريح بكسل.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الشيخ: أشعر أحيانا أن أفكارك توجد خارج اللغة، مع أنك دائماً تقول أن لا شيء خارج اللغة. </span></p>
<p dir="rtl">أقصد باللغة، في حديثي السابق، "الخطاب"، أي نسقاً معيناً من "القول"، طريقة معينة في الكلام. في داخلي توجد لغتان أو شكلان للخطاب: لغة أتكلم بها، بالمعنى العادي، ولغة أخرى أكتبها .عندي فصام لغوي ، فلم أصل إلى حد أن "أتكلم" كعراف، ولكن لا أكتب كما أتكلم. هذا فصام بين ما أكتبه وما أتكلمه في الحياة اليومية. اللغة التي أتكلمها منطقية، عقلية، تفتقر إلى الأبعاد التصويرية والمجازات، مثلاً.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: هل تكتب إذن عكس الذي تتكلمه؟ </span></p>
<p dir="rtl">ليس "عكسه"، فالمسألة أعقد من مجرد "قلب بسيط للمعادلة"، لكن أختلف جذرياً في الكلام عني في الكتابة. مثلاً، تدربت جيداً على الفلسفة والمنطق والإحصائيات والأبحاث، على "العلوم الدقيقة"، ولكن في الفن والأدب "الدقة ليست هي الحقيقة"، كما قال سيزان على ما أذكر، والبحث ليس قصيدة. عقلي يشتغل بالطريقتين، ومن الصعب التوفيق بينهما.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الشيخ: أرى أن لديك مشروعاً فلسفياً كبيراً. قد تحتمل الفلسفة أشياء لا تحتملها اللغة، ولكن أنت تقدم جزءاً من هذا الفكر الفلسفي الموجود في ذهنك وتحوله إلى نصوص، ولكن الموجود أكبر وأشمل.</span></p>
<p dir="rtl">لدي مشروع فلسفي أيضاً. تربيت لفترات طويلة، وحتى بالمعنى الأكاديمي، على اللغة الفلسفية الجافة، والتي تقوم على مجادلات منطقية، مثل المنطق الرياضي. لكني اكتشفت لاحقاً أن هذه اللغة ذاتها تقوم بقمع الذات ويجب نقدها وتجاوزها. لهذا لم تتحول الفلسفة عندي إلى الهدف، هي أداة أيضاً يتم تجاوزها: استخدامها بتجاوزها -أو تجاوزها باستخدامها- ولكنها ليست هي الحل بالضرورة. لذلك، مثلاً، في رسالة الدكتوراه، جادلت بأن هناك اختلافاً جذرياً بين منطـق القلب ومنطق العقل، وأرى أنه يمكن استخدام المنطقية في الفن، علماً بأن الأدب والفن يلائمهما منطق القلب. لهذا أستخدم العقل وانتقده، والقلب كذلك، لأن قلباً بلا عقل قلب مجنون.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: تحدثت عن ضجيج الشارع اليومي، وهذا الضجيح يومي وعادي، فكيف ستنقل لغة هذا الضجيج اليومي إلى اللغة الثانية التي تكتب بها؟ </span></p>
<p dir="rtl">أعتقد أن القلب يقوم بعملية فلترة أو تصفية لما يأتي من الخارج وينقيه من الشوائب. صعب أن تصيغ عملية "الفلترة" هذه منطقياً، لكن لو كنت ماراً في الشارع وسمعت كلاماً كثيراً جداً، من كل هذا الكلام سألتقط أية قيمة فنية في جملة معينة. مثلاً، مرة سمعت في سوق الخضار بائعاً يقول: "هذه البطاطا من صنع الخياطة"، وأعجبني التعبير، واستخدمته في قصيدة ما في ديوان "الرؤيا": سماء منسوجة بيد الخياط. هذا هو الفرق بين اللغة التي أحكيها واللغة "المفلترة". أنت تقيم حواراً دائماً بين ذاكرتك الفنية وبين واقعك اليومي، حواراً يحوّل موقفك الجمالي. ت.س.إليوت قال: "إن الموهبة تقترض أما العبقرية فتنهب" وأرى أن طموحي هو أن أستطيع نهب كل ما يقوله الشارع لتحويله إلى نصوص، لكن يبدو حتى الآن أنني لا أستطيع إلا أن اقترض، رغم طموحي النهبي، وهذا يعني تحويلاً جذرياً في الأشكال الفنية بحيث تكون قادرة على استيعاب ما تنهبه. لجأت، مثلاً، للكولاج في النص. في "جاز شرقي" دمجت بين الأغنية العامية، والشعر الكلاسيكي، والنثر، والاقتباس، ودمجت التفعيلات، واستخدمت البحور القديمة، والتفعيلة، وهكذا. بالتالي، فإن الإيقاعات تتغول، وتتلاطم، وهذه طريقة في قول ما أريد، وفتح الطريق للمتناقض مع نفسه وغيره، وليس للمنسجم والمتناسق الذي يعيد "المألوف" فيناً إلينا.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: ذكرت أن القلب وحده دون عقل مجنون، أليست هذه محاكمة للقلب من خلال مقاييس العقل   ومركزيته؟</span></p>
<p dir="rtl">ما أسميه بالقلب، أو ما سماه التاريخ بذلك، سيفهم بشكل خاطئ، إذا ما تم تصوره مستقلاً عن المنطق، سواء أكان منطقاً أسطورياً أو رياضياً عقلياً. القلب لا ينمو وحده. هناك جدل قائم بين العقل والقلب. القلب أيضاً ينضج ويتطور مثله مثل العقل، لذلك يمكن أن أقول شخصياً إنني انتقد القلب بالعقل. في نص "الضوء الأزرق" هناك جملة بهذا المعنى: كما يوجد تخلف عقلي يوجد تخلف قلب، أعني هناك متخلفون عاطفياً أيضاً. وهذا يعني العمل الدائم على تطوير القلب. مثل آخر هو مصطفى سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال": عقله ضخم، لكن فيه تخلف قلب، فهو يقول بأن الآخرين قتلوا فيه القدرة على الحب، مثلاً، هذا تخلف قلبي. وهناك قلوب متوحشة، ونازية، وجرائمية. ولا أقبل بها. اللعبة بين العقل والقلب ضرورية في أية رؤيا. وأنا ضد أن يوضع العقل في قفص الاتهام باعتباره لا يعني شيئاً، وضد أن يرفع القلب دون أية شروط إلى مستوى الألوهة أو النبوة. هناك جدل عميق بين العقل والقلب، كالجدل بين رحم الأم والجنين. نيتشة قال في "هكذا تكلم زرادشت" بأن العقل يجب أن يكون بمثابة أحشاء للقلب.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: مبكراً جداً كتبت هواجس الروح الخفية وأسرارها وقواها، في مرحلة كان فيها البوح بهذه القضايا يشبه اتهاماً بالخيانة. الآن الكل يتحدث بلا توقف عن الحداثة أو أدب ما بعد أوسلو. هل أدب ما قبل أوسلو عار أو سبة في جبين الثقافة الفلسطينية؟ وما هي الحداثة؟</span></p>
<p dir="rtl">في السياق الأوروبي، للحداثة معان مختلفة، تمتد لقرون ويوجد جدل حولها. أما عندنا فالحداثة صيغة أفضل التفكير بدونها. أما أن أدب ما قبل أوسلو شتيمة، وأدب ما بعد أوسلو نبوة، فحكم فيه منطق مبتذل. دعني أفصل قليلاً في فهمي الخاص للحداثة، إن كان لا بد من هذا. الحداثة، عربياً، عملية تفاعل بين مناطق كانت تابعة للعثمانيين، ومناطق أوروبا التي كانت تدخل في الرأسمالية. هذا أنتج جدلاً خاصاً بين الرأسمالية الأوروبية والبنى السائدة، ما قبل الرأسمالية، عند العرب. مثلاً، مسألة "التحديث" في الجيش، والعلوم، والفكر، إلخ، كانت مطروحة نتيجة للشعور بـ " التخلف" أمام أوروبا. هذه مسألة واجهت روسيا، أيضاً، فقام بطرس الأكبر بمحاولة تحديث، تشبه محاولة محمد علي باشا في مصر، لاحقاً. هذه الحداثة العربية يجب أن توضع في سياق استعماري. عملية التحديث عندنا حدثت ضمن سياق تبعية، مثل غزو نابليون لمصر، واحتلال القوى الأوروبية للعالم العربي وتحويله إلى "مستعمرات". لذلك فالحداثة عندنا أخذت، ولم تزل، أشكالاً مختلفة عنها في أوروبا، والفكر الحداثي عندنا له أشكال مختلفة عن حداثة أوروبا.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: ما يجري في الحياة الثقافية الفلسطينية هل هو انتصار لرؤية أم هو خضوع لمنطق الهزيمة السائدة، بمعنى هل هو تقدم إلى الأمام، أم هروب إلى الخلف من مواجهة اخطبوط العولمة وامتداداته المحلية؟</span></p>
<p dir="rtl">هذا يرتبط بالسؤال السابق. تستطيع المجادلة بأن الثقافة العربية بعد "عصرها الذهبي" في القرون الوسطى، دخلت مرحلة هزيمة تاريخية لم تخرج منها حتى الآن. إن النهضة الأوروبية، التي بدأت تحت تأثير الثقافة العربية، في القرن الثاني عشر، كما يجادل بريفو، بدأت عملية صعود متواصل، وانحدرت الثقافة العربية، مقارنة بها. والهزيمة الفلسطينية بعد أوسلو وسقوط الاتحاد السوفيتي جاءت ضمن هزائم متتالية وتاريخية ، وتستطيع أن تقول أيضاً إن الفكر العربي بمقدار ما كان يحاول الخروج من هذه الهزيمة، فإنه أيضاً نتاج للهزيمة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: وماذا عن الهزائم الفلسطينية تحديداً، لا نستطيع إطلاق هذه الصفة بشكل عام على الثقافة الفلسطينية. يمكن أخذ نماذج مختلفة بأشكال مقاومة وأشكال تساوق وأشكال هزيمة، لكن يجب أن نكون أكثر حذراً من إطلاق التعميم. هناك فروق كبيرة ما بين رسام ورسام، وكاتب وكاتب، أما أن جو الهزيمة حاضر، فهذا صحيح، وهي شرط مفروض عليك أن تتعامل معه. </span></p>
<p dir="rtl">مثلاً، ما معنى قول محمود درويش "سجل أنا عربي" أمام الحاكم العسكري الإسرائيلي؟هذا تأكيد للعروبة والانتماء العربي أمام هزيمة. و"سجل أنا عربي" قصيدة مقاومة، لكن لم تكن هذه المقاومة لتبرز لو لم يكن الشاعر يحيا في جو هزيمة: إقامة دولة إسرائيل وفرض الحكم العسكري على العرب الذين صمدوا في أرضهم وتحولوا إلى أقلية مهزومة في وطنهم. وما معنى التأكيد على فلسطينيتك، أصلاً، أو عروبتك، لولا وجود هزيمة وخطر محو وجود. إن شرط الهزيمة موجود، ليس فقط في الأدب المهزوم، بل في الأدب المقاوم. وهذا ينطبق على ما قبل أوسلو وما بعده.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: ما هو دور المثقف تجاه ما يجري من فساد وانحرافات وتخريب؟</span></p>
<p dir="rtl">هذا سؤال إشكالي، في الماضي حمل المثقف أكثر بكثير مما يحتمل، وسمي هذا، مثلاً، بـ "بالدور". يبدو أن هذا "الدور" نجح في جعل الكثير من الفلسطينيين مثقفين سياسيين، مساهمين في السياسة، لكن كانت له نتائج سلبية على الأدب. وبالتالي فمفهوم الدور قابل للجدل: هل يوجد للمثقف دور؟ وإذا وجد ، فهل هذا الدور كما يتصوره الشارع أو الناس أو السياسيون؟ في رأيي أن الإجابات التي أعطيت على هذه الأسئلة كانت ساذجة. مثلاً، هل "دور" المثقف هو تحويل لغة الخطاب السائد؟ أم لا؟ وإذا لم يحولها هل هو يخضع للنظام السائد؟ كثير من المثقفين لم يحولوها وكانوا منصبين كممثلين للثورة، وهل هذا الدور "ثوري" أو ضروري؟ وعن أي مثقف نتكلم؟ وما هو المثقف؟ أسئلة كثيرة. لكن أعتقد بأن للمثقف دوراً واعياً أو غير واع، لكن ما هي ماهيته ومساحته، وأين يعمل وكيف يعمل، هذه مسائل تمت الإجابة عليها بأشكال ساذجة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: هل للمثقف دور في الحياة العامة غير تحويل اللغة؟ لماركيز مثلاً دور كبير في حياة بلاده الاجتماعية والوطنية والسياسية، وكان ناظم حكمت مقاتلاً حمل السلاح، كذلك غسان كنفاني وأراغون وبابلو نيرودا. في بلادنا لا مواقف للمثقفين ولا دور لهم في شيء.</span></p>
<p dir="rtl">أعتقد أنه توجد مواقف في حالة ماركيز. ماركيز واحد من المثقفين، وهناك مثقفون أخرون كانوا منعزلين جداً عن سياق الأحداث التي تحدث، آخرون انتحروا، مثل ماياكوفسكي، أو حاوي، أو جنّوا، مثل غوغول، أو تركوا وطنهم كلياً، إلخ. رؤياي الخاصة هي أن على المثقف حفر طرق رؤيا جديدة، وطرق حياة جديدة، ليس فقط طرق فكر، بل طرق حياة، أيضاً. أعني أن يقوم بـ "إعادة تقييم" للقيم والأحكام، حفريات جديدة في الوعي، تقود إلى تجاوز مرض التاريخ الأصلي، وهو نفي الفكر للحياة والحياة للفكر. مثلاً، أرى أن الأديب الذي يقوم فقط بتعداد الخسارات والبكاء، وتأليه الضحايا، والموت، أديب يساهم بشكل غير واع في هذا المرض وستكون نتائج أدبه على الثقافة سلبية. لذلك عندما أرى الآن أعمالاً أدبية قائمة على فكر جوهره ندب الذات والشفقة عليها وجلدها ورفض كل شيء، فإنني أشك في هذا الفكر أكثر مما أشك في الفكر الرجعي المباشر. وأحد السياقات المنطقية لهذا الفكر هو قيادة الثقافة نحو العدمية، وأنا هنا أتكلم نيتشوياً. مسؤولية المثقف هنا تقع في رؤية أراها بديلة لهذا ومن نمط آخر. هذا ما كنت أبحث عنه. في أعمالي الأخيرة مثل "حجر الورد"، و"مرايا سائلة"، و"الضوء الأزرق"، أحاول تقديم إجابات في هذا الاتجاه، وأسئلة، ولست معنياً بالمشاعر التي تفيض بالسلب ضد الحياة. الفكر الذي يقف ضد الحياة قاد إلى جنون الفكر وإلى حياة مجنونة. دور المثقف يحدث ضمن موقفه من هذا، ليس فقط من الحياة السياسية. بطريقة أخرى، السياسة، عندي، كالدولة، كلها علامة على وجود مأساة الاغتراب عن وفي الحياة. أطمح لمجتمع بلا سياسة. السياسة عندنا، مثلاً، وعند غيرنا، شكل من أشكال التوحش الروحي، من إقامة نظام لقردة يتسلق الواحد منها الآخر، على رأي نيتشة، هؤلاء يمثلون ثقافة المرض، ثقافة الهوس بالقوة، الهوس المنحرف بالقوة والفساد، والاستهلاك، لذلك فإن دور المثقف في رأيي هو دور الناقد الجذري للأشياء، ليس الجذري بمعنى الذي يقول "لا" جذرية، الجذري هو الذي يفهم مرض التاريخ بشكل جذري، ويقدم رؤية حقيقية للمخرج نحو تاريخ آخر، تاريخ، على رأي ماركس، لم يبدأ بعد، ضمن هذا الكلام كل شيء قد يقود إلى نقيضه. كل شيء قد يخدع. الدور الذي أراه هو هنا. أين تؤدي دورك هنا.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: هل تصل النصوص إلى القارئ وحدها أم هي بحاجة لعلاقات ومجاملات؟ أنت تبدو عازفاً عن العلاقات الشخصية مع الأدباء؟ هل هذا أخر وصول نصوصك كما يجب إلى قارئها العربي كما هو مفترض؟</span></p>
<p dir="rtl">بالتأكيد هناك ضرورة للعلاقات العامة، ولكن لا أرى أن دوري الشخصي هو أن أشتغل كرجل "علاقات عامة"، فهي تدخل، فـي أحيان كثيرة، في نظام "القردة التي يتسلق أحدها الآخر"، ولست مستعداً للتحول إلى قرد حتى ولو في أول السلم وفي "الطليعة". أؤمن بجملة قالها رايش، يمكن أن تفسر موقفي من كل ذلك: إذا كانت أفكاري صحيحة فستنتشر وحدها، وإذا لم تكن صحيحة فستموت وحدها. إذا كانت في رؤياي أية أهمية أو حقيقة ما فستنتشر وحدها ولن تنجح العلاقات العامة في تسويق نص رديء، إلا إلى حين. هناك دروس مهمة في التاريخ حول هذا. في الاتحاد السوفيتي السابق: رفعت بيروقراطية الدولة كتاباً إلى أعلى مرتبة ممكنة، ولكنهم انتهوا كلهم. وفي الولايات المتحدة أيضا رفعوا كتاباً لأنهم يعملون في استخباراتهم، ولم ينجحوا في "تخليدهم"، وانتهى هؤلاء بعد مرحلة. هذه هي تجربة التاريخ: ما هو حقيقي سيبقى. الصوفيون مثلاً، إلى أي مدى عزلوا تماماً، وبعد قرون تم إحياؤهم. وآخرون لقرون دعمتهم امبراطوريات، وصاروا عابرين في كلام عابر. في العلاقات العامة، هناك الكثير من انعدام المسؤولية. عرض مرة علي أن أكتب الأغاني لفرقة صابرين، وقالوا لي إن اتفاقاً حدث، وإن الأغاني ستطبع في ثلاثة ملايين نسخة. وقد أرعبتني الفكرة: هل أنا جاهز كي أحكي لثلاثة ملايين شخص ما أريد؟ هل لدي ما أقوله، حقاً، بمسؤولية؟ الكثير من أدباء العلاقات العامة وفنانيها لا يتحملون المسؤولية بهذا الاتجاه. أنا عاجز عن إدارة شبكة للعلاقات العامة. لذلك لو نصبت ملكاً لأهملت مملكتي وانغمست في الجنون.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الشيخ: فيما يتعلق بالدولة وزوالها، أعتقد أن هذه وجهة نظر شيوعية. أليس كذلك؟</span></p>
<p dir="rtl">من بداية شبابي، بدأ لدي تحوّل جذري من الاهتمام بالسياسة إلى الاغتراب، إلى درجة أنني تخصصت في الاغتراب في الأدب والفن والدين، وتوصلت إلى نتائج، ولم أزل أؤمن وأعرف أنها صحيحة. ما دام هناك طابع فظائعي للعالم، فأنت أمام اغتراب جذري، والرأسمال هو شكل أعلى من الاغتراب الفظائعي (ألوهية الربح والمال). والدولة هي تنويعات أو صياغات مختلفة على هذا الاغتراب. وعندي قناعة بأن عدم زوال أسس الاغتراب ستبقى مجموعة من المسائل تتكرر في التاريخ، مثل الدولة. سمّ وجهة نظري شيوعية أو اغترابية أو ما شئت. ما زال جوابي أن مجتمعاً فيه دول هو مجتمع مغترب، وأرى أن تجاوز الاغتراب يجب أن يترافق مع تجاوز الدولة. هذا رأيي ولن أغيره. أنا أحترم ماركس كمفكر، ولكن ما هو معروف عند يسارنا بماركس كاريكاتير،لا غير. الشيوعية، عندي، ليست "مذهباً"، بل تسمية لحركة تجاوز حديثة، حركة تاريخ نحو ما بعد الرأسمالية. ولست غبياً إلى حد تخيل أن الرأسمالية خالدة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: هذا سؤال قد لا يوافق على توجيهه كثيرون لكن الذين يعرفون حسين البرغوثي لا يتحرجون من ذلك: هاجس الاقتراب من الموت، هل قربكم من منابع مجهولة من الفن والحياة؟</span></p>
<p dir="rtl">بالتأكيد، التجربة مع الموت تكشف بعداً آخر، وتعيد تفسير ما سبق وفسرته، أعني تثيرها جساً أو حدساً بالكون أو ماهيته، وهذا حدس أعي أنا قبل غيري أنه التفسير الذي أعطيه للكون. أي تفسير يبقى تفسيراً، وليس هو بالضرورة إجابة على ماهية هذا الوجود، لكن يبقى هنالك حدس بغموض هذا الوجود. حتى قولك أن هذا الوجود غامض هو من تفسيراتك، لذلك هاجسي ليس الموت بهذا المعنى. الخوف من الموت على رأي نيتشه هو قرف من الحياة. أنا لا أخاف من الموت لأنني لا أقول لا للحياة. هاجسي هو الحياة، والموقف الخائف من الموت ساهم في بناء الفكر المضاد للحياة الذي تكلمت عنه سابقاً. صار الموت (أي الموقف ضد الحياة) طموحاً، وعلى رأي المتنبي "كفى بك داء أن ترى الموت شافياً"، وهذا موقف يجب قلبه لكي أقول أولاً نعم للحياة، وعندما تعيش الحياة بكل امتلاء، فإن الموت هو خاتمة النشيد وليس تراجيديا. المرض زاوية نظر في معنى الصحة والعافية، والعافية زاوية نظر إلى المرض، وأنا أنحاز كليا للحياة المعافاة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الشيخ: أشعر أحياناً عندما أقرأ ما تكتب أنك لا تخفي نساءك. ثمة نساء محتجزات خلف كلماتك، وقلما ظهرت المرأة الشبقة والعادية. </span></p>
<p dir="rtl">عندما تقول أحرفاً تركبها معاً لكي تعطي ما يسميه العرب القدماء باللفظ الجزل، فأنت تحول اللغة لكي تأخذ نمط القوة الذكورية. وعندما تنسج اللغة لكي تتحول إلى منديل فأنت تنسج الأنثى. هذا الجدل بين الذكورة والأنوثة في نصوصي موجود في كل سطر.</p>
<p dir="rtl">أحياناً تبدو اللغة وكأنها تقتحم أو تجتاح، وهذا موقف فيضاني يمكن أن تسميه بالذكوري. ومرات تنحسر اللغة مثل الموج في الجزر، وهذا نوع من الأنوثة. ويمكن أن تقول إن هذه العلاقات بين ذبذبات الفيزياء داخل اللغة هي أيضاً علاقات لذة، أو نشوة، وجزء من مشروعي الذاتي هو إعطاء اللذة في الموسيقى والتصوير، إعطاء اللذة باعتبارها الموقف الأساسي من الحياة، لذلك ففي "حجر الورد" أو "الضوء الأزرق" هناك تحويل لطاقة الحزن والانكسار إلى نشوة: الموسيقى هي نشوة الأحرف والمفردات، حتى عندما تقول الكلمات معنى عن الحزن والانكسار، أعالجها بدقة موسيقية لكي تصبح النشوة هي السائدة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الشيخ: أنت تميل إلى الهزيمة أمام الأنوثة إذن؟</span></p>
<p dir="rtl">لا، أنا أبحث عن توليفة من اللذة، التي يمكن تسميتها لذة الذكر والأنثى، الموجودة في اللغة. موقف من اللذة يجتاح الاثنين ويسوقهما أمامه، أتذكر مقطعاً كتبته ولم أنشره:</p>
<p dir="rtl">"لست من بين الإناث ولست من بين الذكور، ولست أيضاً بين بين فأنا اختفاء النهر عند لقاء الضفتين." اللذة ليست فقط جنسية، بالمعنى العادي للكلمة. في رأيي أن الرقص الحقيقي لذة، مثلاً، والكتابة لذة. أجمل ما أكتبه يكون عندما تتحول اللغة إلى لذة عالية. عندما ترى زهرة فأنت تشعر بلذة ما، والكلمات زهور. دعني أطرح نقطة أخرى هنا: "المرأة"، ما يسميه الذكور بهذا الاسم، ليس أكثر من تخيلاتهم وهواجسهم حول "الآخر". مفهومهم للمرأة "ذكوري"، مثل مفهوم السيد عن عبيده. المرأة، كالكون، ليست واضحة إلى هذا الحد. ولن يوضحها أن تأخذ بأفكار كل من هب ودب عنها، في تاريخ جعلها تابعة للذكورة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الريماوي: هذا يعني أنك لا تصف اللذة، إنما تكتبها في النص.</span></p>
<p dir="rtl">نعم، نعم. أعيشها في النص.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: مصادر تفكيرك مستمدة من لغات ثلاث: الهنغارية. العربية والانجليزية، ما مساحة التلاقح والتضارب بين هذه اللغات؟</span></p>
<p dir="rtl">علاقة اشتباك خصبة جداً، أخصب بكثير مما لو كنت أحيا داخل لغة واحدة. وهذه الاشتباكات لها القدرة على تغريبك عن لغتك الأم وعن ذاتك المنحصرة في لغة واحدة فقط. بالهنغاري لا أستطيع أن أكتب الشعر، لا أعرف الإيقاعات. لا أستطيع أن أسمعها كشخص تربى عليها. وهي لغة ناعمة، وحتى الآن عندما أقرأ إليوت أو شكسبير لا أحس بالإيقاعات كما يحس بها شخص إنجليزي. أنا أقرب إلى لغتي الأم، خاصة في الأدب. أحياناً يحدث اغتراب عندي عن اللغة العربية. كنت أحلم وأفكر بالهنغاري والإنجليزي لفترات طويلة. فقدت الصلة بالقراءة باللغة العربية لفترات طويلة. وبالتالي كنت "أرحل" بين الثقافات المختلفة، ولا أقيم في أي منها.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;"> خداش: المساحة بين العبارة والتفكير، أي اللغة، أوسع وأعمق؟ </span></p>
<p dir="rtl">كل لغة هي بنية ذهن مستقلة. الخصوبة هي أن ترى الذهن وهو يعمل بنظم مختلفة، وطرق أخرى للتفكير بحيث أنك بلغتك الأم تبدأ في إدراك المتناقضات، تبدأ في رؤية لغتك الأم بطريقة مختلفة، وترى خصوصياتها. مثلاً، في اللغة العربية يوجد "اسم المكان"، مثل "محجر" أو "مطار"، وهذا لا يوجد في الهنغارية أو غيرها. ستبحث هنا في العلاقة بين اللغة كفعل (مثل: طار) ومكان الفعل، مثل "مطار". اللغة العربية قواعدياً مبنية بطريقة مختلفة، هذا يجعلك تعي جماليات اللغة العربية، وهذا لا يعني أن اللغات الأخرى غير جميلة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: ما العلاقة بين الريف والمدينة في حياتك وإبداعك، والعلاقة بين فلسطينيتك وكونيتك؟</span></p>
<p dir="rtl">فلسطينيتي ثانوية وتافهة بالنسبة لكونيتي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: لكن المحلية أو الوطنية هي طريق الكونية أو العالمية .</span></p>
<p dir="rtl">المحلية لا تعني الانتماء لأيديولوجيا، مثلاً. المحلي عندي مختلف. الإنسان يعود إلى الذاكرة دائماً. ذكرياتي ليست قروية مئة بالمئة، لكن ذاكرتي ذات طابع ريفي. وهذا التكوين انتبهت له لاحقاً. وحاولت تحويله لإخراج الريف من ريفيته، يعني النجوم والزيتون والليل والقمر، وبقية الرعويات. هذا الوعي الفلاحي/الرعوي يطغي على الشعر في فلسطين، مثلاً، وموجود في كل مكان من العالم العربي، من المغرب إلى الخليج. وهو استمرار لتاريخ سحيق بدأ مع استئلاف الماشية والثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث، و هناك حنين أساسي إلى الريف والبداوة في الإبداع العربي. هذا تكوين خطر لأنه يفصل بيننا وبين التجربة المعاصرة الحديثة. أحاول أن أدمج المدينة المعاصرة والريف والبداوة في توليفة من نمط مختلف، أي من نمط يشير إلى رؤياي الأبعد غوراً، في "الضوء الأزرق"، مثلاً، أو في "حجر الورد". لا يمكننا أن نرمي بذاكرة طويلة وخصبة كهذه في صناديق القمامة، ولكن طريقة رؤيتنا المحافظة لها، وانفصالنا عن زمننا المعاصر لنا ليس حلاً أيضاً. أحاول أن أتصل بالذاكرة هذه وأن أحولها وأجعلها رؤيا معاصرة قادمة من المستقبل وليس من الماضي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: الاحتفاء بظاهرة الشعراء الشبان مبالغ فيه. ألا تتفق معي؟</span></p>
<p dir="rtl">قلت لهم ذلك: تأكدوا من الحساب، فأنتم من سيدفعه. يمكن أن تختار ما تشاء ولكل شيء ثمن. يجب أن تتأكد من خياراتك، أوضحت تخوفي من أن يقود "الضجيج الإعلامي" حولهم إلى نتائج كارثية عليهم. لا أريد في المستقبل أن أتحمل مسؤولية ذلك، ادفعوا الحساب وحدكم.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">خداش: من هي التجربة الشابة التي هزتك أكثر من غيرها؟ </span></p>
<p dir="rtl">التجارب ككل غير متوقعة. ظاهرة الشعراء "الشبان" هي نتيجة الفسحة التي جاءت بعد أوسلو وانهيارات المرحلة، وهي مساحة جديدة تكونت في سياق التسعينات، أساساً. لم أكن أتوقعها لكن كنت أعتقد أن هناك صوتاً جديداً سيجيء. بالمقابل لا يجب أن يبالغ الشعراء الشبان في تقييم تجربتهم. لا أريد هنا أن أذكر أية أسماء بخاصة، كيلا يفهمني الآخرون بشكل خاطيء.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20434">المقابلة الأخيرة والكاملة مع حسين البرغوثي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«الصوت الآخر: مقدّمة إلى ظواهرية التحوّل»... قراءة البرغوثي لـ &quot;ذوات&quot; الإنسانية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20433</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس سمحان]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 28 Mar 2021 10:18:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%85%d9%82%d8%af%d9%91%d9%85%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b8%d9%88%d8%a7%d9%87%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"في البدء كانت اللغة" إذا أردنا تجنب إرشادات حسين البرغوثي للقارئ في الكتاب، فإن هذه الجُملة له تُكثف كثيرًا مما قاله دون حشو ولا لغوٍ في أطروحته للدكتوراه والمعنونة بنفس عنوان الكتاب. عند الاطلاع على صنف الكتاب أو جنسهِ من العنوان، فستجده يندرج في "النقد – الفِكر"، ولكن من قرأ للبرغوثي قبلًا، فسيجد أن هذا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20433">«الصوت الآخر: مقدّمة إلى ظواهرية التحوّل»... قراءة البرغوثي لـ &quot;ذوات&quot; الإنسانية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">"في البدء كانت اللغة" إذا أردنا تجنب إرشادات حسين البرغوثي للقارئ في الكتاب، فإن هذه الجُملة له تُكثف كثيرًا مما قاله دون حشو ولا لغوٍ في أطروحته للدكتوراه والمعنونة بنفس عنوان الكتاب. عند الاطلاع على صنف الكتاب أو جنسهِ من العنوان، فستجده يندرج في "النقد – الفِكر"، ولكن من قرأ للبرغوثي قبلًا، فسيجد أن هذا الكتاب يستعمل الأسلوب الأدبي نفسه في الكتاب، حتى يكاد كون النقد أدبًا. ولأنه يبني مشروعه على بناء دريدا وفوكو، فسنجد أنه يكاد يعمل أدبًا في الفكر، وفِكرًا في الأدب دون إعطاء أية خصوصية شكلية للعمل الأدبي. </p>
<p dir="rtl">يُقدّم حسين البرغوثي في كتابه (حوّله إلى العربية عبد الرحيم الشيخ، وصدر عن <a href="https://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener">الدار الأهلية </a>في عمّان، ٢٠٢١) هذا قراءة تفكيكية غير مُقيدّة ولا مُحددة لعدة مقولات متداخلة، وهو ما عبّر عنه في المُقدّمة، طارحًا مقولات وتقنيات النص الذي يقرأه القارئ في الكتاب. وتشبه هذه القراءة البرغوثية (إن صح التعبير)، قراءة دريدا في كتابه "صيدلية أفلاطون".  </p>
<p dir="rtl">يبدأ البرغوثي تمهيده بإشارته إلى أن التاريخ الإنساني في عملية انبثاق كما هي الطبيعة، وأن الإبداع يعرف هنا على أنه نشاط ذاتٍ واعية بذاتها، ولها غاية، وأن هذا يميز تحولات الذات عن غيرها من العمليات الطبيعية، لأن الذات محددة لغويًا، وليس ثمة من وعيٍ بالذات بلا لغة. ويشرح في المقدمة أنه يحاول تقديم مفهوم موحد للإبداع (بوصفه خلقًا)، ومعرّف كعملية تحول، أي أنه ليس مخلوقًا من العدم.</p>
<p dir="rtl">ينطلق البرغوثي في شرح مقولات أطروحتهِ، مبتدئًا بأن الحضارة المادية هي الصورة الموضوعية لنشاطنا الواعي بذاتهِ، ويوضح، إذا كان فرويد يرى في نشاط الدماغ البشري في أثناء الحلم مفتاحًا لفهم الذات، فإن باريس ونيويورك والأهرامات مفاتيح أكثر أهمية لفهم "ذوات التاريخ". يجيئ هنا البرغوثي بوضع الجسد الإنساني بوصفهِ طبيعيًا، فإنه له فاعلية، تمامًا كما للطبيعة فاعلية في تشكيل نفسها. ويميّز البرغوثي النشاط الإنساني في كتابه عن النشاط البركاني، بتسمية النشاط الإنساني "الذات الواعية بذاتها".</p>
<p dir="rtl">وفي مقولته الثانية، يقول بأن الصورة الفعلية جزء من الطبيعة الخارجية، وأنه ما من شيء "لا عقلاني" أو "خيالي" في الطبيعة الخارجية، فكل شيء يكون داخل الطبيعة، يلتزم بقوانينها، وحتى التهيؤات "اللاعقلانية" التي ينتجها الدماغ، تكونُ قد أنتجت بما يتوافق مع القوانين الحيوية والكيميائية والطبيعية التي تحكم الإنسان ككائن حيّ، وهو ما يذكرنا بهانز بلومنبيرغ، في محاولته لشرح معقولية إنتاج الأسطورة والعقل الأسطوري. ويشرح الكاتب لاحقًا بأن تعبيرات مثل "فوق الطبيعة" لهي افتراض لاهوتيّ، فلا شيء في الطبيعة فوقها أو تحتها. </p>
<p dir="rtl">أما مقولته الثالثة، فهي أن الطبيعة الخارجية غير المحولة، تتحول على يد الإنسان ومن صورة وعيه بذاتهِ، فلا شجرة مُقدسة، ولكن الإنسان يعمل على تشخيص القوة الطبيعية، عبر تحول خيالي أو تخييلي. يفصل البرغوثي في هذه المقولة تعريف ما هو طبيعي بالطبيعة، بحيادها التام عن المفهوم، ويؤكد أننا نحن ومن بُنانا الذهنية نعطيها النظريات والمنطق والمفاهيم.</p>
<p dir="rtl">وفي المقولة الرابعة، يؤكد الكاتب على أن الجسد الإنساني أيضًا وبوصفهِ موضوعًا فيزيائيًا يخضع لنفس عملية التخييل، ويتغير تلقيه حسب الخلفية المرجعية للذات، ويشرح بأن الجسد في ملحمة جلجامش وفي القرآن والعهد القديم، يفسر الجسد على أنه من صنع الله، وهناك الجسد الجيد والسيء، وفي الشعر يفسر الجسد جماليًا وفي الاقتصاد يوصف على أنه عنصر يمكن التحكم به مثل أية آلة. يُلخص البرغوثي مقولته الرابعة في أن الخيال مقولة تجريدية مقسمة نظريًا إلى ثلاثة مقولات فرعية، الأولى: خيال الطبيعية الخارجية وغير المحولة فعلًا. الثانية: خيال الطبيعة المحولة فعلًا/الحاضرة المادية. الثالثة: خيال جسد الإنسان، وهو مقولة فرعية من الطبيعة المحولة فعلًا. </p>
<p dir="rtl">ويتحدث البرغوثي مُسهبًا في تفسير استخداماته اللغوية للكلمات، ويوضح بأن اللغة نفسها جملة من تجريدات المقولات، وليس ثمة "معلومات" ولا "دلائل" متاحة لنا كبشر إلا عبر اللغة، ويشرح بأن الشيء يكون عينيًا، يعني أن لا يكون مجردًا على الإطلاق، وهذا وهم محض يتخطى العقل البشري، فلكي يكون شيء ما عينيٌ بحق، يجب أن يكون مُجردًا بحق. </p>
<p dir="rtl">استند الكاتب إلى عدة تقنيات وافتراضات في كتابة الكتاب وهي أن الموضوعية في دراسة "الخيال"، فعل خياليّ. ولا يخاطب البرغوثي "العقل المنفصل" للقارئ، بل يخاطب ذاته، ويسعى إلى جعل القارئ يعيش تجربة انبثاق الصور، وليس فقط عبر نظام المقولات المعطاة، بل عبر العديد من الأنظمة، فهو وكما أشرنا، يوضح أن المقولات المرجعية، تُعين للإنسان مفاهيمه ونظرته للجسد والإنسان والطبيعة والخيال، ولكن البرغوثي لا يلتزم بنظام مقولات واحد، ويحطم القيود والحدود بينها، ويصنع لغة مكونة من جملة من الأنظمة.</p>
<p dir="rtl">يترك البرغوثي للقارئ، إن كان بوسعه، اختزال التعين المقولاتي للنص في معيار واحد، ولكن دون تغيير جذري في المقولة، ويطلب من القارئ ألا يختزل كلانية نصه في هذه الفكرة أو تلك، وألا يقرأه بوصفهِ إسهابًا للمقدمة، ولكن أن يقرأه كما يقول دريدا على نحوٍ "تشتيتيّ".</p>
<p dir="rtl">هل يحق للكاتب أن يخبر القارئ كيف يقرأ نصوصه؟ إن عاملنا النص النقدي أو الفلسفي على أنه نصٌ أدبي، وإن عاملنا النص كما يطلبُ منّا البرغوثي، فإن نصيحته تقودنا مُباشرة إلى تلك توجيهاته وأن نغوص في قراءة النَّص بما ينطبق مع تحولاتنا، وأنظمة مقولاتنا، لأن الموضوعية في قراءة النص، حسب البرغوثي، "خيال". </p>
<p dir="rtl">يشرع البرغوثي في كتابه محاولًا تقديم شرحٍ أو تعريفٍ لما هو الإلهام أو الإبداع، ويحقق ما قاله في المُقدّمة، بأنه لن يلتزم بنظام واحد أو مقولات موّحدة، بل بكسر الحدود والقيود من بينها، لمحاولة صوغ سؤالٍ أو فهم للإبداع. ومثل فرويد، ينطلق البرغوثي من النُّصوص الأدبية المتداخلة، جلجامش والعهد القديم والأوديسة والقرآن، وذلك عبر عقد قراءة متروية Closed Reading للنصوص التي يتحدث فيها الله أو صورتهِ، محاولًا تفسيرًا "الأنا" الناطقة أو حسب كلامه "اللا أنا"، والتي تبدو خارج الإنسان، وخارج الطبيعة. </p>
<p dir="rtl">عبر إشارته للمقولات المختلفة، وأساطير الخلق المتعددة، فهي تتلاقى في عدة نقاط منها، أن الإنسانَ، خُلق على صُورة الإله، ولكنه ليس إلهًا، فالإله، خالقًا يُحيل مرجعيًا إلى نفسهِ، ولكن الإنسان، مخلوقًا، يُحيل مرجعيًا إلى خالقهِ، وعليهِ فكل ما يفعله الإنسان، حُدد مسبقًا من أزلٍ موجود قبله، ويعود إليهِ، ومن هُنا كان محاولة الإنسان في نسبة الإلهام والإبداع إلى نقطة خارجه، مثل ربات الشعر أو شياطينه أو الآلهة أو الحُلم. وبتحليل الأمر على نموذج الدائرة، لا النموذج الخطيّ، يكون الله/الخلق/الإلهة، في مركز الدائرة، يكون الإنسان في هامشها، ويحاول الإنسان على الدوام أن يلتمس لنفسهِ لمسة من المَركز، فيحاول الخلق والإبداع على الدوام، ولكنه يبقى في النهاية مخلوقًا. </p>
<p dir="rtl">يرى الإنسان أن أناه وذاته تحديد إيجابي واعٍ، وبالتالي، بإن كل ما يفعله، ولا يراه لائقًا أو سلبيًا يتحول إلى تأثير يقع خارج هذه الأنا، فكل الشخصيات الدينية أو الملحمية، ولحظة الخطأ، تنسب الفعل إلى مؤثر خارجي، مثل وسوسة والشيطانِ أو غواية الإلهة وغيرها. يختصر البرغوثي هذا بقولهِ، أن كل تحديدٍ واعٍ، سواء كان في المركز أو في الهامش، بوسعهِ أن يفيض ليتخطّى حدوده الخاصّة، وينتهك حدود الآخرين، فالتدخل الإلهي هو انتهاك "الما لست أنا" للأنا، وقد أوضح البرغوثي في كتابهِ قبل هذه النقطة، أنّ لكل أنا، بما هي تحديد واعٍ وإيجابي، "لستُ انا" خاصة بها. </p>
<p dir="rtl">جدير بالذكر أنّ الأنا التي يتحدث عنها الكاتب في الفصل الأول، هي الأنا الفردية بما هي "I’m" في الإنجليزية، مثل أن يقول أحدهم "أنا محامٍ"، وفي الفصل الثاني سيكون الحديث عن أنا بما هي Ego، عامّة، ولاحقًا سيكون الحديث عن الـ Egos، بما هي ذوات تاريخية. </p>
<p dir="rtl">وبالعودة إلى بداية الفصل، يستخلص البرغوثي بأن الإلهام والإبداع الذي ينتج الفن في الأوديسة، هو تقليد إلهي في أصله، أي من روح الإله، فلا يكون الإلهام هو الإبداع من العدمِ، فهذا أمر يخص الله، بل أن تصمم شيئًا جديدًا من المادة الخام المغروسة فيك. ما تقوم بهِ "الأنا" فعلًا هو استخراج ماء الفن من بئر "الـ لست أنا" في داخل الأنا.</p>
<p dir="rtl">يقفز البرغوثي إلى العصر الحديث، وإلى مقاربة لوركا عن الإبداع في مقالته "اللعب ونظرية الدويندي" والذي يعرف على أنه "جني منزلي مغرم بإخفاء الأشياء، تكسير الصحون، التسبب في الإزعاج، وجعل نفسه مصدرًا للحرج". يشرح لوركا بأن الدويندي قوة غامضة لا يمكن لأحد تفسيرها، وهو كائن تلقائي وجني يهرب من الدوائر والخطوط، ويرفض كل ما نعرفه للحدود المسبقة. تتركز صفات الدويندي في اللاعقلانية والشيطنة والافتتان بالموت. مصدر الإلهام هنا، يتحدى المعروف، ويقامر الهاوية، فهو لا يعيش في داخل الحدود، بل يتحداها. </p>
<p dir="rtl">وقبل الإكمال، يأتي البرغوثي بمثال جلجامش، ورفضهِ الزواج من عشتار لما فعلته بعشاقها السابقين، وكيف حولّتهم ومسختهم إلى كائنات أخرى. تكون "أنا" جلجامش هنا مذعورة وخائفة من التحول إلى هوية أخرى. يدركُ جلجامش أن عليه البقاء داخل حدودهِ، وألا يقترب من "ما لستُ أنا"، كي لا تخطف أناه من نفسها ولا تُنفى.</p>
<p dir="rtl">من هنا يرى لوركا أن الدويندي، هو قوة الموت، وأن الإلهام في إسبانيا، لمسة من الدم، ورقصة على حافة الهاوية، وذلك عبر الخروج عن الحدود ومسافة الأمان. الإلهام الإسباني، ليس أنثويًا مثل ربات الشعر عند اليونان، بل هو ثورٌ يعني وصوله دائمًا "تغييرًا جذريًا في الأشكال والصوّر" هذا التغير هو التحول الذي يحصل لحظة الخطر في رياضة مصارعة الثيران، أن يقامر فيها المصارعِ حياته على حافة الخطر. يقول لوركا "إسبانيا هي البلد الوحيد الذي يُعتبر فيه الموت فرجة وطنية".</p>
<p dir="rtl">ينقضي الإلهام عند لوركا في التحديد الحقيقي للصورة، أن ترقص مع نفيك ومع ما لستَ أنا، رقصة وجودية على حافة الحاوية، وإلا فإن إلهامك يكون غناءً للحدود والمشاعر القديمة التي لا تنتج تحوّلًا. إن الإلهام عند لوركا يعني أن تفتح نافذتك لطائر الموت الأسود.</p>
<p dir="rtl">يبدأ البرغوثي الفصل الثاني بما انتهى منه الفصل الأول، وهو نقد نيتشة للكوغيتو الديكارتي، لأن الإسناد إلى "الأنا" في مقولة أنا أفكر، إذن: أنا موجود" يُعبّر عن افتراض وربط ميتافيزيقي جاء من خارج عملية التفكير. ويستشهد أيضًا بنقد لاكان الذي فكك فيه الأنا، حيث يرى أن زيف هذه العبار، يخلق ميتافيزيقا يكون الإنسان الحديث متيقنًا فيه من كونه ذاتهِ، حتى في لحظة اللايقين من الذات. يشرح البرغوثي بأن وحدة الذات والموضوع المتوسطة باللغة هي الصورة، حتى أن المفاهيم الأكثر تجريدًا ونأيًا، هي صور أيضًا. ومن وجهة نظر الموضوع، لا توجد صورة تخلق من العدم، بل لها أساس مادي أولانيّ. </p>
<p dir="rtl">يوضح الكاتب لاحقًا أنّ الأنا بوصفها حضورًا لغويًا، لا يمكن أن توجد منعزلة، بل ضمن شبكة مفاهيمية كاملة، فالقارب لا يعرف كقارب لوحده، بل بعلاقتهِ مع البحر، وكذلك الآن، فهي توجد بعلاقة مع الكينونة نحويًا وصرفيًا، وبالعلاقة مع الفعل "أنا أفعل هذا وذاك"، لأن الأنا فاعلة وصاحبة فعالية، وهنا تكون "أنا أفكر" صورة مشهورة عن جملة "أنا أفعل". تعرف مقولة ديكارت "يقينيَّة الأنا في كينونتها بالعلاقة مع يقينيتها المباشرة في فعاليتها التفكيرية"، أما نيتشة فيرى الأنا نفسها في هذه الحالة تفسيرًا، وخلقًا لأسطورة جديدة.</p>
<p dir="rtl">وبناءً على ما وصل إليهِ من نقاشٍ لتلك الآراء، يفكك البرغوثي الذات بين الخيالي والواقعيّ مُشيرًا إلى حاجة للتخلص من ميتافيزيقية الذات، وخلق ذات جديدة مُتحررة، وهذا حتى نتمكن من إيجاد صُورة جديدةٍ من الإبداع الإنساني، صُورة، تكون قادرة على التحرر من إرث اليونان، لأن الذات الديكارتية، ذات إيديولوجية، وهو ما سيمسح لنا بإيجاد خطاب حقيقي وواضح وغير مُبهم، ويؤكد على تعاطفه في هذه النقطة مع دريدا وفوكو.</p>
<p dir="rtl">انطلاقاً من الأساطير القديمة، والوسطى، والمعاصرة، وتوضيح معقولية كل منها، في تفسيرها، وعبر استخدام الوسيط اللغوي، يحاول البرغوثي أن يقول بإن كل "ذاتية" في التاريخ تتكون من عدة مُحددات، وهي وعي الذات في علاقاتها بشخص آخر، وعلاقتها بشيء آخر، وعلاقتها بذاتها، وحين يجيئ إلى العصر الحديث، فيقول إن أسطورتنا هي التحليل النفسي، ولدينا عالَم علويّ، وعالم سفلي، والواقع الذي نعيشه، مشيرًا إليها في الأنا، والأنا العليا، والهو، ويشير الكاتب في الكتاب إلى أن الأسطورة، "ليست أسطورة ما دام الواحد يعبدها".</p>
<p dir="rtl">لا يتوقف الكتاب عن عملية النقاش الفعال والقراءة المتروية بإمكانية غير منتهية للفهم، فهو يعود في الفصل الثالث للتأكيد على أننا نحن من نبدأ عملية التحويل دائمًا للطبيعة الخارجية، ونتحكم فيها ونستعملها أو نسيء استعمالها بحيث تصير موضوعًا. "إن عملية إبداع الحضارة هذه، هي "مَوْضَعَة". إن إبداع الخيال هو "تَخيُّل".</p>
<p dir="rtl">ويبني مُستخدمًا نموذج فرويد في أن الإنسان يتكون من مادة جسدية (أنسجة) ومن طاقة يجب أن تفرغ قبل تشكلها اجتماعيًا ومن مادّة نفسية مقبولة اجتماعيًا، فهو يرى بأننا لسنا ذواتًا، بل صرنا ذواتًا، وفعل الصيرورة هذا غير متوقف، فتشكل الذات عند الطفل لا يكون لحظة الميلاد، وإنما لحظة التذكر، وعملية "المَوْضَعة" هي التي حولتنا من محض أشياء أو كائنات في الطبيعة إلى فاعلين، فالصفّة تُعطى بالفِعل. "الهوية هي دومًا فعل، أنا ما أفعل".</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20433">«الصوت الآخر: مقدّمة إلى ظواهرية التحوّل»... قراءة البرغوثي لـ &quot;ذوات&quot; الإنسانية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مربّي الآلهة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20432</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[كفاح فني]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 28 Mar 2021 09:28:28 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b1%d8%a8%d9%91%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%84%d9%87%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عرفت حسين*   هامش *رافقته في الأيام العشرة الأخيرة من حضوره الفيزيائي في مشفى رام الله الحكومي، وفي اليوم الأخير عند الفجر أسلم حضوره لشكله الآخر، وأسلمته لديدن الطقوس ورحت أبحث عن شكل وجوده الآخر وأهدئ من لوعة فقدي بنص عنونته حينها بتمارين في حجر الورد، كان لـ «حجر الورد» بيننا حكيات ونوادر، فقد كان [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20432">مربّي الآلهة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">عرفت حسين*</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">هامش</span></strong></p>
<p dir="rtl">*رافقته في الأيام العشرة الأخيرة من حضوره الفيزيائي في مشفى رام الله الحكومي، وفي اليوم الأخير عند الفجر أسلم حضوره لشكله الآخر، وأسلمته لديدن الطقوس ورحت أبحث عن شكل وجوده الآخر وأهدئ من لوعة فقدي بنص عنونته حينها بتمارين في حجر الورد، كان لـ «حجر الورد» بيننا حكيات ونوادر، فقد كان يسميني دون أن أعرف ابن حجر الورد، قائلاً: "ذهب منذ عشر سنوات ليقرأ حجر الورد ولَم يرجع بعد" أما ما كنت أعرفه فهو أنه كان قلقاً علي من «حجر الورد» قلق من أن يتلبسني ويفقدني لغتي. هذا القلق الوجودي ليس علي وحدي بل علينا كجيل "لا تجوز عليه قواعد اللغة"، بالإضافة لإسهاماته فينا ولنا وإصراره علينا أن نبحث عن الجميل الطازج الكوني حتى في خصوصيتنا المحلية، ما يبقي حسين حاضراً رغم أنف الغياب، هذا الحضور الأثيري يتماسك ويتخذ شكل وجود ربما غير فيزيائي لكن يتبلور بقليل من الحب و"قلب المنظور" - كما كان يحب أن يسِم الشعر - وقياس موضوعي للفراسخ التي سبرناها في أغوارنا كنتاج لصدفة أو قدر وجوده بيننا. هذه الـ "نا" متوترة ومتشعبة ومتناقضة إلا في كونها "نا" من توليف حسين.</p>
<p dir="rtl">أنا لا أحاول أن أثبت شيئاً هنا لكن سأحاول أن أقول قلبي كاملاً إن استطعت أو بعضاً منه مع هذا الرجل الظاهرة. يقول رولان بارت في خطاب الأحبة: "الموت ليس إلا شكل من أشكال الحياة كالبلوغ إلا أنه أكثر تطرفا". فما الذي يجعل الموت بهذا التطرف؟ أعتقد كثرة الأحياء ومركزية فهمهم للوجود وقدرتهم على النسيان ومتابعة الحياة، وبنظرة خاطفة على طقوس الفقد سنجد أنها لا تخص الموتى بل ولأقولها بفجاجه هنا، هي احتفاء الأحياء بحياتهم ووضع الموت في إطار آمن، كأحجار الموقدة مع النار وكل أشكال الاحتواء، فالماء في الكوب وحوض الاستحمام مدجن وأقل خطورة منه في البحر والنهر، ماذا أحاول أن أقول هنا؟ "لا لم يمت"، ربما، لكن الأرجح هو أن الموت موضوع ذاتي ويراه كلٌّ كما يراه، لكن بالتأكيد أنا لا أحاول التخفيف من وطأة وجسامة الموت وثقله الذي استحوذ على انشغال التفكير البشري منذ أول جرح على جدار الكهف إلى هذا "الرذاذ الإلكتروني الذي يلفح وجهي الآن" </p>
<p dir="rtl">حضر حسين قبل أن التقيه بثلاثة أعوام وتعلمت من حكايا تروى تقريبا على لسان كل من عرفه، وعرفته وتعلمت الكثير منه أثناء رفقتي له، وأتعلم وأعلم عنه حتى الآن وأعتقد أني سأبقى كذلك، حتى بعد أربعة عشر عاماً من أرتدائه زي وجوده الآخر، يمكنني القول أنه لا يمر يوم علي دون أن أتذكره أو أروي قصة عنه أو أقتبس اقتباسا منه أو أعيد التأمل بجملة من جمله، ناهيك عن إدراكي واعترافي بأنه لم يكن من الممكن أن أكون ما أنا عليه لو لم ألتقيه بل ربما ما كان يمكن أن أكون البتة لو لم يظهر في حياتي، وأعتقد أن كثيرين مروا به أو مر بهم يعتقدون كذلك.</p>
<p dir="rtl">ذات مرة انتدبني أحد الأصدقاء للقاء وفد من الحزب الشيوعي السويدي على ما أذكر وفي نهاية اللقاء عرضوا علي توصيله ووافقت وقبل أن نصل مكان نزولي بلحظات نظرت إليّ واحدة منهم بطريقة غريبة وقالت لقد كنت هنا قبل عشرة أعوام وأريد أن اسألك عن شخص التقيته آنذاك، نظرت إليها وقلت: حسين البرغوثي. قالت نعم وكيف عرفت؟ لا أذكر الآن كيف أجبتها ذاك الوقت، لكن حقيقة كيف عرفت؟ في العالم قلة قليلة يمكنها أن تثير انطباعا يدوم لعشر سنوات وحسين جميل البرغوثي واحد من هذه القبيلة التي أسميها أنا جزافا بالقبيلة الزرقاء.</p>
<p dir="rtl">"حينا تقدد المرآة ضحكته وحينا تهذي اسمه الرحب" حسين، جمل الجمل الجميل لا يمكن أن نصفه وننصفه أذا قلنا شاعراً أو فيلسوفاً أو مفكراً أو أديباً ولا حتى لو قلنا أنه كلها مجتمعة لأنه ظاهرة مرت على الأرض ولم تتركها كما أتت، بل لم تتركها، فقد أثر حسين في الهوية الإبداعية لجيل كامل من الأدباء الذين أصبحوا مؤثرين بدورهم وأخذ يتدحرج هذا الأثر المنتقى بدقة جراح وتشخيص ذكي حين قدم نقده القاسي للذائقة الشعرية المحلية، وقدم مقترحه البديل منتجا عبر عمله المترامي كما ونوعا وعبر النظرية والتنظير كما في «أزمة الشعر المحلي» و«سقوط الجدار السابع» وسلسلة المحاضرات العشر الشهيرة بيننا، وعبر لقاءات لا نهائية كانت تتم بمن حضر ودون ترتيب مسبق يفيض بها كنهر عارم بشغف معرفي معدٍ ومكثف حيال تقريبا أي شيء، وفي خواتيم أعماله تمكن حسين من مزج كل شيء بكل شيء في توليفة رصينة وبين الهندسة والنار بين العقل والقلب بين ما نحن وما نحًِن إليه.</p>
<p dir="rtl">هذه "النحن" الغامضة والمتدحرجة لأن أجيالاً أخري وسكان لغات أخرى طرأت وستطرأ عليها كلما رشح منه نزر، فقبل أعوام زارتني شابة فرنسية بعيد ترجمة سأكون بين اللوز للفرنسية لتتأكد أن العالم الذي كتب منه وعنه موجود ولا أدري إن كان قد خاب ظنها أم لا لأن خيبة الظن من سمات الكتابة الجيدة حين نحاول التحقق من تفاصيلها دون أن نقيم وزناً لكونها خيانة المبدع للواقع وفقا لتطلب غريزة الجمال</p>
<p dir="rtl">الجزء الواضح من هذه" النحن" هو ما كان يعرف بظاهرة ضيوف النار الدائمون أو ما أطلق عليه لاحقا تسمية الشعراء الشباب، هذه التسمية لم تكن تروق لحسين لكنه لم يعترض عليها إلا أنه كان يفضل تسمية شعراء بلا أب، فلماذا بلا أب إن كان هو الأب الحقيقي لهذه الظاهرة؟ لأن حسين لم يكن يسعى لنسخ نفسه فينا بل كان يسعى أن يخلق أندادا له والند لا يكون صدى ولا يغسل من نفسه الآخرين إلا عبر الاعتراف بهم كما فعل هو في ديوان "رسائل من المنفى" اعترافا بمحمود درويش ومظفر النواب وتتبعا لأثرهما فيه، وهذا معروف بالاستطيقيا كما لدى ت س إليوت بوعاء الصهر؛ أي أن الإبداع هو توليفتك الخاصة لكل ما أثر فيك هنا. أنثر الظل على جملتين هامتين من تعاليم حسين الأولى عن الكونفوشيوسية: "المعلم الجيد هو من يعلم تلاميذه قتله والتلميذ الجيد هو من يقتل معلمه" والأخرى عن بودلير على ما أعتقد: "إذا كان الإبداع سرقة فالعبقرية نهب" فحسين استباح الأفضل من عالمه المعرفي وأباح أفضل ما لديه بمعيارية التجاوز أو "كما تعلم هو من طريق محارب مسالم" لدان ميلمان: "لقد كنت دائما استثنائياً بمعيار عادي أما الآن فأنا عادي بمعيار استثنائي"</p>
<p dir="rtl">فلا أب لك هي معيار الاستباحة التي معيارها التجاوز من أب نيتشوي كما كان يصف نفسه، تعلم سر جلجامش وانكيدو بالترفع عن الخلود المستحيل لخلود ممكن. هذا الخلود ما كان ليتحقق لو كنت أنا أو نحن صدى لصوت حسين، وأعتقد أنه كان يدرك ذلك، ففي "العشر الأواخر" كان يتحدث لصديق قائلا إنه "يعتقد أن الحياة كانت عادلة معه فقد أخذت منه بقدر ما أعطته"، استفزتني هذه الجملة من شخص بقامته الثقافية ولم أعرف منه سوى العطاء ويترك ليموت هنا وهكذا في حين يرسل ابن أخت وزير الثقافة في حينها إلى فرنسا لتوضع الجبيرة لرجله المكسورة، فعبرت عن احتجاجي بسؤال؛ وماذا أعطتك الحياة يا حسين؟ فأجاب وبدون تردد "أنتم".</p>
<p dir="rtl">حسين لم يكن يحمل مشروعه فحسب بل كان أيضا يرعى غزلان مشاريعنا ويحاول أن يحميها من انعدام اللون والبنية وخلل الثقافة وعوارض الاحتلال ومن السقوط على صورتها في المرض النرجسي، فكان يقول دائما "إن أخطر شيء على المبدع ذاته" وأحيانا كان يستخدم مصطلح "حفلة على الذات". التقيته ذات يوم وكان غاضبا منا فسألني إن كنت وافقت على عقد لقاءات تلفزيونية معنا قلت له عرضوا علي ولم أوافق لأني لا أحب الظهور وهذا النوع من الظهور بالذات، فقال بما معناه لقد أنجزت عدة دواوين ورواية وكتابين في النقد الفني ولم أحتفل على ذاتي بعد، أما أنتم فلم تصدروا ديوانكم الثاني بعد وعاملين حفلة على ذاتكم. شعرت بالرضا أني خارج "النحن" هنا لأني لم أوافق، ولم أنشر ديواني الأول بعد، هذه الرعاية لنا ‪لم تكن اعتباطية وفيها من الحب ما يشعرنا بالاستثناء ومن القسوة  ‬ ما يرفعنا ولم أفهم أنا إلا متأخرا أنها استراتيجيته في تعليمنا، وكان يسميها العتبات فلا يفتح عتبة قبل أن نتجاوز التي قبلها وهنا سأتحدث عن تجربتي أنا معه، فكلما عرضت عليه نصاً كان يعطيني شهادة ثلاث أرباع للغة والموسيقى والبنية ويبقي ربع منقوص للدقة الروحية لأنه كان يعتقد إن الكاتب مسؤول أيضا عن عافية القارئ فلا ينبغي أن يكتب من أو عن مرض التجربة إلا إذا هضمه وتعافى وتأكد من دقة المعرفة الروحية وعافيتها: "لا شأن للعالم بأمراض الكاتب" و "هناك من يعكرون الماء ليوحوا بالعمق"</p>
<p dir="rtl">هذا الربع الذي كان يبقيه منقوصا هو مسافة الرأس الإضافية التي من الممكن لي بلوغها لو بذلت أقصى ما لدي أو ما يعرف بمنطقة النمو المجاور لدى فيجوتسكي، هذا الربع لا ُيبلغ لأنه عتباتي ما أن تجاوزه حتى تصبح على بعد ربع آخر من العتبة التالية ودواليك إلى أن تتوقف عن النمو وهو الربع الذي يفصل الجمال عن الواقع الذي لا بد من خيانته كما يفتح حسين أبواب "الضوء الأزرق" وقد أهداني إياه بعبارة "مع الحب الذي لا كلام عنه" وعن هذا الحب سأتلعثم في ما تبقى من هذه الشهادة وعلى الأرجح فيما تبقى من العمر كلما حاولت الكلام عنه</p>
<p dir="rtl">كنت وقبل إن أدرك من أنا وما في أو على من من يتجاسرون على الموت انتحارا وبعد الجولة الأخيرة من هذا التجاسر، التقيت حسين كما في العادة مصادفة وكما في العادة يتحدث وكأنه يعرف ما في قلبي. قال كثيرا في تلك المحادثة لكن ما أذكره حتى الآن هو ما جعل تلك المحاولة هي الأخيرة: "إذا كان لا بد ألهو مع الموت لكن لا تذهب معه" وبعدت أن توقفت عن الذهاب مع الموت صار يجيني على شكل هجمات إحداها كانت في الدانمارك ذات صباح وأنا أتحدث مع صديق مناصر للقضية الفلسطينية وصديقة أميل لها وأنكر، وكان حديثنا في غور سحيق عن فهم الفهم، فجأة شعرت أني أعرف كل شيء وأن وجودي يفلت مني ويتطاير عن جلدي كالبخار. ارتعبت وتركتهما وتركت العمق ورحت أتمشى في الشوارع. في الليل عاودتني الحالة مع عوارض جسمانية استدعت نقلي للمشفى حيث أُبقيت تحت المراقبة في قسم القلب لمدة أسبوع قبل أن تشخص الحالة بهجمة ذعر ونسميها نحن هجمة موت، وعندما عدت أخبرت حسين بالحادثة والتشخيص فضحك حتى قبل أن أنهي، استفزني ذلك فقلت يا حسين الحالة حقا مرعبة فلماذا تضحك أجاب "هذه إشارة على انتهاء الادعاء وبدء النبوة" وذات مرة أضعت روحي في امرأة لم تُضع روحها فيّ، وكنت التقيها كل يوم مبرراً ذلك لنفسي بذريعة أني سأخبرها بأنها ستكون المرة الأخيرة التي نلتقي فيها وبقيت التقيها يوميا لمدة شهرين وأخبرها يوميا أنها آخر مرة نلتقي، لا أذكر متى أخبرت حسين بالقصة قبل أن أتوقف عن لقائها أو بعد لكن أذكر ما قاله لي"إذا كنت تعتقد أن قلبك يعمل عند عقلك فأنت بهلوان" وقال كما في "الضوء الأزرق" على ما أعتقد "كلنا في خدمة السيدة" ولما سألته من السيدة قال "القلب".</p>
<p dir="rtl">كنت أزوره بمشفى رام الله الحكومي إبان عودة ظهور المرض فنخرج ندخن ونتمشى في الشوارع حول المشفى، وذات مرة كان صامتا على غير عادته وصمت أنا أيضا، وفي لحظة عودة من الشرود تفقدته ولم أجده جواري. كان قد تأخر عني بضع خطوات وكان يحدق في الأرض، عدت إليه وحدقت في ذات الاتجاه لأعرف ما الذي أثار انتباهه فلم أر أي شيء خاص، فسألته إذا كان هناك شيء فقال "أحيانا أشعر بنوع غريب من الحنين لأن أحضن عشبة وأغمض عيني الإغماضة الأخيرة"، وبعد أن اشتد المرض عليه وافق أن يذهب إلى مشفى في تل أبيب لتلقي علاج كيماوي غير متوفر في البلاد وكنت أزوره متسللا وعادة ما كان قرار كهذا لا يتخذ إلا على عتبات السكر العليا، وما إن أصل إلى هناك أفقد تمالكي وأجهش بالبكاء وغالبا ما كان هو من يهدئ من روعي بعبارة من طراز "لا تقلق يا رجل ففينا ما وراء الفيزياء" ولا أدري إن كان يقصد إن حضوره سيمتد إلى ما ورائها أم أن طاقته على مقاومة المرض سوف تكون ما فوق فيزيائية لأن كلاهما حق، فهو على الأقل بالنسبة لي ولآخرين أعرفهم لا يزال حاضرا، وتعاليمه لا تزال سارية حتى لدى أناس لم يلتقوه، وهو أيضا لم ييأس قط وقاوم إلى النفس الأخير مع أن كل المؤشرات الفيزيائية كانت تشير إلى نهاية أقرب من الآن، وفقا لآراء الأطباء الفيزيائيين، أما هو فكان يحرك أبرة إيمانه نحو الطب البديل حيث كان هناك دواء استجلب من لبنان قيل إنه ينفع في حالات لم يعد للطب فيها سوى تسكين الألم، أُدخلت جرعة أو جرعتين ثم منع الاحتلال دخول الباقي بدواع أمنية.</p>
<p dir="rtl">قبل العشر الأواخر، انقطعت عن زيارته بسبب الاجتياح ولأنه احتج في آخر زيارة لي له على عدم تمالكي لنفسي، ومعه كل الحق لأن زياراتي صارت تنضوي على عبء رفع معنوياتي في وقت هو أحوج ما يكون لكامل طاقته، وكان قد عاد في وقتها إلى "البيت الذي قرب الرمل" على حد تعبير آثر وإلى الحديقة التي أراد إن يأكل من خضارها "صحن سلطة". أعاد الاحتلال اجتياح رام الله وفرض حظر التجوال في كل مدن الضفة الغربية المحتلة والمعاد احتلالها،  في هذه الأثناء ساء وضع حسين ونقل إلى مشفى رام الله ولم أعلم إلا في أول يوم من رفع حظر التجول من صديق ذهبت أطمئن أنه لم يزل حياً كما كنا نفعل في تلك الأيام فأخبرني أن حسين في المشفى وحالته سيئة وأنه سأل عني فذهبنا لزيارته ولم أكن أعلم أن هذه الزيارة ستطول لعشرة أيام هي "العشر الأواخر" وفِي ذاك اليوم وفي أول لحظة اختلاء سألته إن كان غاضبا مني كما سُرب إلى فقال: "لا تصغي لمفاتيحهم" وهذه الـ "هم" أيضا فضفاضة ومتزحزحة.</p>
<p dir="rtl">في تلك الزيارة حدث الكثير ومنه ما سيظل لي وله وللحب الذي لا كلام عنه لكنه أوفى تعاليمه لي ولآخرين ثم "شعر كمن جاء ليودع سكان الأرض، شعر بالحاجة إن يمضي، شعر وفعل. وكان من الكبرياء بحيث لا يبقى من القوة بحيث لا يصلب" (حجر الورد)</p>
<p dir="rtl">وكما قلت، أسلمته لديدن الطقس وطفقت أبحث عنه في شكل وجوده "الممتد في الطبيعة" كما قال هو في فيلم صديقه صبحي الزبيدي "آخر سبع دقائق مع حسين البرغوثي". فوجدته في قطه ولدت ذاك الصباح أسميتها شمسه لأنها شقراء بالكامل، وكما علمت لاحقا فإن من النادر إن تكون القطة الأنثى شقراء بالكامل ولهذا يسمونها الأميرة أو الغريبة، هجرت أمها مبكرا وأتتني وكان موائها على شكل جمل لغوية وكان لها وجهة نظر صائبة في صديقاتي، ووجدته في راهب بوذي زرنا معبده في كوريا ولم انتبه لتفاصيل وجهه في البداية لأن نظارتي لم تكن معي ولأني كنت مشغولاً في الزمجرة على جنود أمريكيين عائدين من "الخدمة" في العراق صادف أنهم يزورون المعبد بنفس الوقت، ولما اختارني من بين الكل لأقرع معه الجرس وجدت ملامحه كملامح حسين على شكل كوري وكدت أقول "تسو أفأنت هو"(مرايا سائلة)، ووجدته في فحل خَيل بنّي بعد أن زارني أحد الأصدقاء الذين لم يلتقوا بحسين وجاء ليخبرني بحلم رأه في حسين. قال كان كالأسد وحقيقة حسين في بعض صورة كذلك بالذات عندما كان شعره طويل، وقال لي هذا الصديق: كان يسأل حسين وحسين يجيب بلغة عليا ومعرفة طازجة -وهو يفعل كذلك حين يزورني في الحلم أيضا- وأنه أجاب على كل أسئلته باستثناء واحد هو عني إذ قال له "الحصان البنّي وفقط" وقال صديقي: حاولت إن أستدرجه ليقول أكثر أو يوضح لكنه رفض وأصر قائلا: الحصان البني وفقط. في ذلك اليوم وبعد انتهائي من العمل مررت بقطعة أرض كنّا نجلس فيها أحيانا عندما نتجول حول المستشفى، تحت زيتونتين متينتين فكان فحل الخيل البني مربوطا بهما، لم ألتقط الإشارة في البداية، وبعد أن قطعت عدة أمتار انتبهت وعدت لأقف بموازاة الفحل فتلوت السلام عليه وسألته إن كان هو. أومأ الحصان ودق بحافره الأرض عدة مرات وهو ينظر لي، اقشعر بدني وخفت أن أتحقق أكثر فأفسد الإشارة.</p>
<p dir="rtl">وختاما، سأذكر الحادثة التي قال لي فيها جملة قسمت حياتي إلى قسمين غير متساويين، كان أيضا إبان الانفصال عن امرأة أضعت فيها روحي ولم تفعل هي المثل، فكنت في حالة من انعدام تقدير الذات، قلما آكل وأكثر من الشرب وفي صباح يوم أردت أن أخرج من هذه الحالة فذهبت لأستحم، وحين خلعت ثيابي ونظرت للمرآة لم أعرف نفسي. في المساء كالعادة كنت أمارس عبادة الشرب في مطعم كان باتا زمان الذي أصبح اليوم زيت وزعتر، وقبل أنهي تعبدي بقليل نحو الغيبوبة أطل حسين، رتب على كتفي وجلس معي على الطاولة قلت له: أتيت في الوقت المناسب، فقال: خير؟ قلت له: أريد أن أسألك سؤالاً أريدك أن تجيبني عليه بصراحة. قال: تفضل. فقلت: ما الذي تراه في لتسألني في بداية كل فصل أذا كان لدي ما يكفي للتسجيل وتمضي كل هذا الوقت معي وتحدثني عن كل هذه الأشياء؟ لأني اليوم نظرت في المرآة ولم أجد شيئاً. ضحك حسين وقال: إنها عادة قديمة لدى الآلهة؛ أن تربي آلهة مثلها.</p>
<p dir="rtl">انتهت رقعة هذه الشهادة ولم تفرغ جعبتي من جمله وحكاياه لكن آمل أن أكون قد نثرت ولو ظلا قليل على كيف كان حسين "يربي الآلهة"، "في بلاد هجرتها الآلهة".</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20432">مربّي الآلهة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حسين البرغوثي مسرحياً... ترجمةً وكتابةً</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20431</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عيد عزيز]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 27 Mar 2021 09:06:37 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%ba%d9%88%d8%ab%d9%8a-%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d9%8b-%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9%d9%8b-%d9%88%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%a9%d9%8b/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في اليوم العالمي للمسرح</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20431">حسين البرغوثي مسرحياً... ترجمةً وكتابةً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">من حسين الى هاملت:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">إنَّ الزمانَ مخلَّعٌ من مفاصلهِ ورتاجِ بابه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">كيدٌ لعينٌ أن أكون أنا ولدت، </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لأعيده لنصابه.</span><br />
 </p>
<p dir="rtl">قدم الشاعر والكاتب والمفكر حسين البرغوثي الكثير من الأعمال الأدبية والشعرية على مستوى الشعر والسيرة الذاتية والنثر والمسرح والسينما والأغنية والنقد الأدبي.</p>
<p dir="rtl">حيث كان استثناءً فكرياً وفنياً ولغوياً فيما قدم.</p>
<p dir="rtl">سأتناول هنا بشكل خاص المسرح على قلة إنتاجه، على الصعيدين التأليف والترجمة. على صعيد التأليف قدم للمسرح مسرحية  "لا لم يمت"٬ و"موسم للغرايب"٬ و"وجوه"، و"المزبلة"، و"حفلة على غفلة"، و"ساحة الورد". أما على مستوى الترجمة فقد قام بترجمة مسرحيتين لوليم شكسبير هما "هاملت" و"روميو وجولييت".</p>
<p dir="rtl">في البداية سيكون الحديث عن الترجمة والتي يعتبرها حسين البرغوثي "استزراعاً" للنص المترجم٬ حيث ذكر في مقالة له عن الترجمة الجديدة لمسرحية هاملت ونشرت في مجلة الكرمل عام 1997 (عدد 50، ص 251-254):</p>
<p dir="rtl">"لا توجد ترجمة حرفية أبدا للأدب، فمن يحاول ترجمة "البحر الطويل" حرفياً للإنجليزية مثلاً معتوه. قال دريدا بأنها الترجمة "تحويل" وقال جبرا أنها "حب" وأما أنا فأراها “استزراعاً"، نقلاً لجذور النص من تربة أصلية، من نسق ثقافي ما إلى تربة ونسق جديدين. مثلاً، من جغرافيا "بلاد تموت من الثلج حيتانها" إلى "اغفاءة زرقاء تحت الشمس والنخيل في حرارة الصحراء العربية ".</p>
<p dir="rtl">عند قراءة مسرحية "هاملت" ومسرحية "روميو وجولييت" بترجمة حسين البرغوثي٬ تجد معنى ما قاله مجسداً لغوياً وفكرياً وحرفياً. إن الترجمة "استزراع"، وهذا ما قام به حيث عمل البرغوثي على النحت بمفردات اللغة العربية لجعل النص المسرحي الشكسبيري ابن البيئة العربية، وضمن السياق العربي. فيجد القارئ المسرحيات حكايات عربية صيغت بأجود المعاني اللغوية، وهذا حدث دون المساس بجوهر الحكاية والحبكة والدراما داخل النص. حيث حافظ على العلاقات والترابط الدرامي للمسرحيات وجعلها عربية. المترجم لم ينقل الحكاية والتجربة الدرامية الشكسبيرية فقط، إنما استطاع أن ينقل جوهر دراما وحكاية وشخصيات شكسبير ومشاعرها العامة والخاصة والتفصيلية لكل شخصية من الشخصيات. فعلى مستوى المعالجة  الفكرية اللغوية٬ سأختار هذا المنولوج الذي  أنتج فيه البرغوثي فكراً مغايراً لغوياً وموازياً لمنطق شخصية هاملت في بيئتها الجديدة، وسنلاحظ هنا  دراسة أعمق للمنطق اللغوي لشخصية مثل شخصية هاملت عرف عنها الذكاء، التردد، والتلاعب اللغوي بالكلام، والانتقام في تركيبتها الدرامية. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وجودي أم عدمي: هذا هو السؤال </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أمن نبلٍ في النفسِ المعاناة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">من مقاليعِ الدهرِ ومن نبالهِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أم حملُ السلاحِ ضدّ بحرٍ من بلاياهُ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وبصدّها، ننهيها. أن أموتَ-أن أنامَ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">-ليس إلاّ- وبهذه النومةِ أن </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أقول ننهي وجعَ القلب، وألفاً من نوازلِ الطبيعةِ التي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هي إرثُ هذا اللحم، إنه لكمالٌ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أتمناهُ بتقوى.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أن نموتَ-أن نحلم، ربّما، ونعم، فهنا المشكلُ:</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">إذ إن أيّةَ أحلامٍ في</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">سباتِ الموتِ قد تأتي، بعد أن</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">نخلعَ عن روحنا ما يغلِّفها من ثيابِ الفناءِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هذه، تجبرنا أن نتروَّى.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هذا ما يجعلُ طاقةً من حياةِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طويلةِ كهذه،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وإلاّ فمنْ هو هذا الذي يتحمّلُ منا سياطَ الزمن</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وإهاناته، تجاوزاتُ الظالمِ، غطرسة المتكبّرِ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أوجاع حبّ يقابل بالاحتقار</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">مماطلةُ القضاءِ، صلافةُ المنصبِ، الازدراءُ الذي يلقاهُ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ذو القدرِ والصبرِ ممن لا قيمةَ له،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لو كان بإمكانه أَن يسدَّد كلَّ الحساب، بنفسه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وبخنجرٍ عارٍ؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ومن يتحملُ أعباءه،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أن يئنِّ ويعرقَ تحتَ أحمالِ حياةٍ منهكة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لولا أنَّ الخوفَ من أمرٍ قد يلي الموت</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ذلكَ القطرُ المجهولُ الذي لا يعودُ مسافرٌ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">من وراءِ حدوده، يحيِّر الإرادة،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ويحملنا على أن نتحمَّل ما لدينا من المكاره</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">بالأحرى، بدل الهروب لأخرى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لا نعرف عنها؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هكذا يجعل هذا الوعي منّا كلَّنا جبناءْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يمرضُ لونُ القرارِ الأصيلِ حين يلقي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">عليه الفكر ظلاله الشاحبةَ الاصفرار،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ونهرَ المشاريعِ العظيمةِ والأزخمِ موجاً</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يحوّل هكذا، من هذا التأمّل، تيارات مجراه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ويخسرُ اسم "الفعل  رويدك الآن رويدك</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أوفيليا الجميلة&#x200d;- يا حورية، في صلواتك</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أذكري كلَّ خطاياي.</span></p>
<p dir="rtl"> أما على مستوى الفراسة اللغوية وعمق التعبير الحسي والنفسي للشخصيات واشتباك مشاعرها مع لغتها المنطوقة، سأختار هذا المقطع الذي تجلت فيه قدرة المترجم في الغوص في أعماق الشخصيات وأبعادها النفسية المركبة، ونجح في إنتاج سياق ومفردات عربية معبرة عن مكنونات هذه الشخصيات.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: إن كنت عفيفة وجميلة، فعفافكِ يجبُ أن يجعلَ الوصولَ إلى جمالك باباً - حرام.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أوفيليا: أيوجدُ للجمالِ شريكٌ للتداول، يا سيّدي، خيرٌ من العفاف؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: نعم، بالضبط، فقوة الجمال تحوّلُ العفاف مما هَو عليهِ إلى قوّاد، بأسرعَ من قدرةِ الجمالِ على تحويلِ العفافِ إلى صورته. كانَ هذا القولُ يوماً من الأضداد ولكن الآن زمننا يمدّه بالبرهان. أجبتك في ذاتِ يوم.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أوفيليا: حقّاً، سيدي، وزرعت فيَّ الاعتقاد بذلك.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: إن تزوجت سأعطيكِ هذا الوباء كمهرٍ: لو كنتِ طاهرةً كالجليدِ، نقيةً كالثلج، لن تنجي من المذمّهَ. اذهبي إلى "دير راهبات"، اذهبي، والوداع. أو إن كنت تحتاجينَ لأنَ تتزوجي، تزوجي أبلهاً، فالرجالُ العقلاءُ يعرفونَ بما يكفي أيّ بهائمَ تجعلنَ منهم، إلى الدير اذهبي، وبسرعة أيضاً. الوداع.</span></p>
<p dir="rtl">وعلى مستوى الطبقات الاجتماعية وعلاقة اللغة المنطوقة على لسان الشخصية بجلدتها الاجتماعية والاقتصادية المنتمية إليها لم يغفل المترجم هذا الجانب الذي يمايز المستويات الاجتماعية والعلاقات التي تربط هذه المستويات بالشخصيات، ونوع اللغة المستخدمة بالتعبير لهذه الشخصيات.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هوراشيو: السلام عليكم يا سيّدي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: سعيدٌ برؤياك ترفلُ في العافيهْ. أنسيتَ حاليَ أم أنتَ هوراشيو؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هوراشيو: نفسُهُ، يا سيّدي، خادم لك للأبدْ.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: يا سيّدي وصديقي، أبادلكَ تلكَ التسميةْ. ليتَ شعري، أي شيء أبعدكْ عن "ويتنبرغ"؟. مرسيلاس؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">مرسيلاس:سيّدي؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: تسرّني رؤيتكْ. (لبرناردو) عمْ مساءً.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(لهوراشيو): ليتَ شعري، أيَّ شيءٍ أبعدكْ عن "ويتنبرغْ"؟ .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هوراشيو: قلبٌ يهربُ يا سيّدي الطيبْ.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: لن أسمعَ هذا من عدوّكَ، لن تقترفَ العنفَ على أذنيّ بحيث أومن بالشهادةِ منكَ ضدّكْ. أعرفُ عنك بأنَّك لستَ من يهربُ، قل لي، إذن، ما الذي أتى بكَ نحو قلعةِ "الزينورْ"؟ سنعلِّمكَ الشربَ بعمقٍ قبلَ أن ترحلْ.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هوراشيو: جئتُ يا سيّدي لحضورِ تشييعِ أبيكْ.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: لا تسخرنْ بي يا زميلي في الدراسةْ. ربّما جئتَ هنا لحضورِ عرسِ أمي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هوراشيو: بعدَ الجنازةِ جاءَ الزفافُ بسرعة ٍ يا سيّدي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: إنَّهُ التوفيرُ في المصروفِ إنّهْ.... يا هوراشيو، قدّم خبزَ الجنازة بارداً فوقَ مائدةِ العرسْ. ليتني في الآخرة كنتُ قابلتُ شرَّ عدو ٍ ولم أرَ ذاكَ اليومَ، يا هوراشيو. أبي، أظنُّني الآن أرى أبي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هوراشيو: أينَ يا سيّدي؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: في عيونِ القلب يا هوراشيو.</span></p>
<p dir="rtl">لم يبحث البرغوثي في ترجمة "هاملت" و"روميو وجولييت" على المفردات المرادفة للنص الإنجليزي، بل خلق سياقا وبيئةً لغويةً عربيةً مناسبةً لهذه المفردات، ومن ثم بحث في جذور اللغة العربية ليصل إلى أصدق وأدق المعاني والمفردات العربية. وهذا الفعل الدراماتورجي الشعري واللغوي والفكري الذي قام به المترجم على كل المستويات بالنص: المستوى اللغوي والفكري والنفسي لكل شخصية ومنطقها وقاموسها اللغوي والتباين الاجتماعي والنفسي بينهما، وبهذا "الاستزراع" الفكري والعاطفي والحسي لجوهر النص الشكسبيري خلق نصاً بجوهر وجذور اللغة العربية، مما جعل من "هاملت" و"روميو وجوليت" تحفاً لغوية عربية المنشأ. إن السياق العربي الذي أنتجه البرغوثي لمسرحيتَي "هاملت" و"روميو وجولييت" جعل من النصين استثناءً على مستوى الترجمة والغوص في طبقات اللغة العربية.</p>
<p dir="rtl">وأعتقد أن البرغوثي تقدم على جبرا إبراهيم جبرا إذا ما أردنا المقارنة بين الترجمتين على مستويات مختلفة سواء على صعيد الروح العامة للنص والموسيقى الشعرية والقراءة والتلقي والجانب الفلسفي في اللغة التي استخدمها.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت: عشرونَ ألفَ روحٍ وعشرونُ ألفَ دوكةٍ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لن تكفي لحسم أمر قشَّةِ تبنٍ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">إنها قرحةٌ متقيحةٌ في جسم من السلمِ والثروةِ الطائلةِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">قرحةٌ تستفحلُ في داخلهِ، ولا تبدي للخارجِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أسبابَ موتِ الإنسان.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">شكراً لك، يا سيّدي، بتواضع.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">روزنكرانتز: </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">سألتكَ، مولاي، أن غشي </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هاملت:</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">اذهبْ قبلي بقليلٍ، سألحقُ حالاً.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(يخرجُ الكلُّ ما عدا هاملت)</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">كلُّ مناسبةٍ تشهدُ ضديّ، وتهمزُ ثأري المتواني</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ما هو الإنسان إن كانَ أسمى خيرهِ أن ينامَ ويأكلُ؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">محضُ حيوانٍ لا غير.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وبالتأكيدِ إنَّ اللهَ لمّا صاغنا أعطى لنا فهماً لننظر خلفنا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وأمامنا، لم يعطنا هذه القدرةَ والعقلَ الأشبهَ بالألوهيةِ كي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يتعفَّن من ركوده.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">والآن، أكان ما بي نسيانٌ حيوانيٌّ، أمْ وسواسُ التفكيرِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الدقيق في نتائج فعلي-</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فكرةٌ لو قسِّمتْ أرباعاً لكان رُبعها حكمةٌ.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وثلاثةُ أرباعها جبناً.</span></p>
<p dir="rtl">أما على صعيد التأليف، يبدو لي أن مسرحية "لا لم يمت" كانت أنضج تجارب التأليف المسرحي لديه. فالفرضية الدرامية مكتملة ومشبعة دراماتورجياً دون زيادة أو نقصان، ولا توجد أي زائدة لغوية داخل المسرحية وهذه من المرات القليلة التي نجد فيها نصاً مسرحياً فلسطينياً منسوجاً بلغة وحكاية أصيلة، وليست تقليداً لأحد ولا نسخاً عن أحد. فمسرحية "لا لم يمت" تقوم على حوارات أصيلة ومفردات خاصة تخدم البناء الدرامي للمسرحية، وهنا أيضاً لم يغب عن البرغوثي المؤلف سبر أغوار الشخصيات لغوياً واجتماعياً واقتصادياً. </p>
<p dir="rtl">مارس البرغوثي الترجمة والتأليف بنفس الاحترافية اللغوية، ووظف عمق المعرفة الفكرية واللغوية لديه لتقديم هذه الأعمال سواء للترجمة أو للتأليف.</p>
<p dir="rtl">بقي أن أشير إلى أن كلاً من مسرحية "هاملت" ومسرحية "روميو وجولييت" ومسرحية "لا لم يمت" لم تنشر حتى اللحظة.</p>
<p dir="rtl">ننهي بهذا الحوار من المسرحية.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الأم: لماّ.. لما الناس بطلت تحلم، في ليلة قمر، "خبز وحشيش وقمر."</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طاهر: خبز وحشيش وقمر.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الأم: ترك في سفينه مضوية في المينا. في هذيك الليلة..</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طاهر: آه.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الأم: في هذيك الليله حلموا أهل البلد حلم واحد، نفس الحلم: انهم بسبحوا في نهر، بسبحوا، والدنيا قمر، مشلحين، والنهر اخذ منهم ناس، وخلى ناس، وناس غرقوا وناس قطعوه. نهر اللي بسبح فيه بيصير ينسى. وصاروا ينسوا. نسيوا. وبطل حدا يحلم. وبوك لحاله اللي سبح فيه بس ظل يحلم.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طاهر: بشو؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الإم : هذا اللي طول حياتي  خايفة احكيلك اياه.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طاهر: شو هو حلمه؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الإم: ظل يحلم انه المهدي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طاهر: المهدي المنتظر؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الإم: آه، المهدي المنتظر. ما اسمه مهدي. وبعدها قللي "أنا القائم". سمى حاله القائم.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20431">حسين البرغوثي مسرحياً... ترجمةً وكتابةً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المتاهة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20430</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 26 Mar 2021 13:06:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%a7%d9%87%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يقول حسين البرغوثي: "في المتاهة الأسطورية الشهيرة كان لا بد من خيط مربوط بخارج المتاهة يتشبث به الداخل فيها كي يستطيع العودة بالخيط. وهذا الخيط الإدراكي هو "المألوف" و"المتذكر" و"المعروف" والمفارقة أنني كنت أبحث عن المألوف في اللامألوف، عن الذاكرة القديمة في الجديدة عن المعروف في المجهول. أعني بأن التعرف على المتاهة نوع من أنواع [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20430">المتاهة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">يقول حسين البرغوثي: "في المتاهة الأسطورية الشهيرة كان لا بد من خيط مربوط بخارج المتاهة يتشبث به الداخل فيها كي يستطيع العودة بالخيط. وهذا الخيط الإدراكي هو "المألوف" و"المتذكر" و"المعروف" والمفارقة أنني كنت أبحث عن المألوف في اللامألوف، عن الذاكرة القديمة في الجديدة عن المعروف في المجهول. أعني بأن التعرف على المتاهة نوع من أنواع "الاستئلاف" وليس "الألفة"(1).</p>
<p dir="rtl">المتاهة هي ما لا نعرفه، والخيط هو ما نظننا نعرفه، هكذا يخبرنا حسين!</p>
<p dir="rtl">من دون عظيم جهد، يعلم جميعنا أن المتاهة التي قصدها حسين، هي تلك المركزية في مخيالنا الإنساني الحديث/الحداثي، والآتية من مركزية يونانية. هي المتاهة التي بناها ديدالوس لملك كريت، والتي حبس فيها  الأخير الميناطور المتوحش؛ النصف بشر، النصف ثور، ابن الثور الأبيض الذي أتى به بوسيدون لملك كريت، ليكون أضحية للآلهة، ولكن زوجته الملكة هامت به، وأقامت علاقة جنسية معه، ليكون الميناطور.</p>
<p dir="rtl">خرج تيسيوس من المتاهة -نفسها، قد تكون!- منتصرًا بعد أن أعطته أريانا لفة خيوطٍ حمراء، دلته على طريق الخروج.</p>
<p dir="rtl">بيد أن المتاهة متاهة، وما من شيء سواها يشبه من قريب دماغ الإنسان: ومهما بدا الأمر هي خيط ملتف ينطلق من مركزٍ ما ونحوه، إلى جوهر ما، هل منها خروج، وهل لها خيط، أم أن حسين اقترح الاستئلاف كممارسة دماغية.</p>
<p dir="rtl">ديدالوس الذي بنى المتاهة هو من سلم الخيط لأريانا لقهر المتاهة، والميناطور فيها. والميناطور على عكس كل مناهج الأنثروبولوجيا والتاريخ والأكاديميا الابستمولوجية "الدوغمائية" (كما يصفها ميشيل مافيزولي)؛ هو حالة التباس تكسر الفصل المدعى بوجاهة بين المتوحش والمستأنس أو المدجن. ولنقس عليه أشكالًا أخرى من "الفصولات" (محاولة لنحت جمع لكلمة "فصل"، لا علاقة له بعملية الفصل ذاتها، لعل الالتباس هنا يطال الموضوع واللغة التي تتناوله!)، الميناطور هو التباس الطبيعي والاجتماعي/الثقافي، الأليف والمتوحش، لعل هذا ما عناه حسين حين فصل بين الاستئلاف كعملية، والألفة كموضوع، ما فعله حسين هنا -أو هناك- هو أنه عكس لغويًا محاولات فك الالتباس عن مضمون المتاهة – الميناطور.<br />
<img fetchpriority="high" decoding="async" alt="" height="518" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Scan-5_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">لكن لنعد للميناطور، أو بالأصح لديدالوس، باني المتاهة، ومالك مفتاحها. "وجب اعتبار ديدالوس ميكانيكيًا ومعماريًا صانع آلات أوتوماتيكية ودمى متحركة، ناهيك بالمدن وبالمباني: بطل جوال انتمى لشملٍ من صناع ومفسري ألغاز كانوا محط أنظار الملوك"(2). بل هو قاهر الملوك أغامينوني وأغاميمنون ومينوس وكوكالوس، حتى أنه قد فرضت عليهم الحماية منه، إلى أن طالهم وتفنن في قتلهم، وجدير بالذكر أن مينوس هو من منع ديدالوس حريته، في النهاية، لأن مالك المتاهة، يمكنه أن يحكم على أي شخص بالتيه!</p>
<p dir="rtl">أيمكننا القول أن ديدالوس هو العقل بمركزيته الحداثية، الذي بنى لنا المدن واللغات وألعابنا الحداثية، وأن الميناطور هو التباسها من داخلها ومن داخل بدنها المادي، الذي سيؤدي إلى هدمها وتفكيكها، وانتقالها إلى "ما بعد"؟ وهل استشرافات حسين البرغوثي هي محاولات لاستئلاف ما لا يؤتلف، أو استئلاف "كل ما هو صلب يتحول إلى أثير".(3)</p>
<p dir="rtl">هو العقل الذي لم يعد يستحق شفقة أحد؟ هنا ثلاثة شخصيات مركزية عندما نتحدث عن الشفقة:</p>
<p dir="rtl">الميناطور – الالتباس بين كل المعرّفات، وفشل النحت أمام المنحوت، أو "اللامسمى" بالمنطق البرغوثي.</p>
<p dir="rtl">ديدالوس – مستحوذ التيه وباني المتاهة، الذي يدور في دوائر هو أيضًا بين امتلاك المعضلة (المتاهة) ومفاتيحها معًا، كإله حبيس القدرة والاستطاعة.</p>
<p dir="rtl">"مهما يكن، كان خيط ديدالوس يربط ويحل كباطن قوقعة وتعاريج كهوف وممرات خفية، تبين عن سراديب مدينة معادية. العبقرية البنائية الحقيقية تتطور بعملٍ شمولي مغاير مفككًا الكبير والصغير بالتقنية نفسها المطواعة والمبهمة والذكية في اتجاه مسارب الخروج المحتملة، لأن المخترع الذي يهلك نفسه بيديه لا يستحق شفقة أحد".(4)</p>
<p dir="rtl">الخيط هو البحث عن المألوف في اللامألوف، عن الذاكرة القديمة في الجديدة، عن المعروف في المجهول، التعرف على المتاهة نوع من الاستئلاف، وليس الألفة.</p>
<p dir="rtl">يقدم لنا عبد الرحيم الشيخ متاهة البرغوثي بالقول أن لها أشكالًا متنوعة، "فمتاهة البداية تنشأ نتيجة الغموض المفرط أو الوضوح المفرط (...) وأمّا الوضوح، فيسببه سوء تفاهم استيهامي بين "الأنا" ومحيطها، سواءً في إنتاج نص يشبه المتاهة، كالخط المستقيم الذي تُخطط استنادًا إليه مدينة متعددة الميادين؛ أو في إعطاء تفسير له بغية إنتاج معنى يصير متاهة جديدة. فالمتاهة إذن؛ "حالة ذهنية" ناشئة عن ظروف تحيط بواقع "الأنا الواعية" الذي تعيشه، وتحول دون بلوغ اليقين".(5) متاهة البرغوثي هي العودة الدائمة إلى ما درجنا على فهمه مألوفًا، يقينيًا.</p>
<p dir="rtl">المتاهة في نص البرغوثي، هي حالة الالتباس التي مثلها الميناطور، والتي لا تحتويها الكتب ولا هندسة ديدالوس، الذي اتفقنا أنه لا يستحق! هي حالة العودة إلى الشيء نفسه بلا جدوى.</p>
<p dir="rtl">لنا هنا أن نتأمل أكثر من نموذج لاستئلاف ما لا نظنه أليفًا، ولم نألفه حتى، في موضوعيته، إنما فعلنا بطقس عابر طقوسي، لم نمتلك فيه الحق في المعنى والخيال.</p>
<p dir="rtl">"إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ* قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا". (القرآن)</p>
<p dir="rtl">....</p>
<p dir="rtl">"وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" (القرآن) </p>
<p dir="rtl">يوسف لم يقل أنه يريد بل رأى فحسب، لم يعانده أحد بالقول أنها رغبته، لكن في النص التوراتي، تنبه يعقوب إلى مافي بال ابنه: "ولما قصهُ على أبيه وإخوته انتهره أبوه وقال له: "ما هذا الحلم الذي رأيته؟ أنجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك إلى الأرض؟"(6)</p>
<p dir="rtl">لم يصرح  يوسف بشهوة السلطة، ترك الأمر ملتباسًا "متائهيًا" (محاولة ملتبسة أخرى للنحت اللغوي، لمواجهة التباس الفكرة والمتاهة). ننظر نحن الآن إلى القصة من خارجها، أي من خارج متاهة الالتباس، لكن حينها في بدن/جسد النص/القصة – المتاهة لم يكن الأمر إلا ملتبسًا. في البئر لا جهات، كان البئر ثمنًا لطمع يوسف في ما لا يحق إلا للآلهة، البئر متاهة يوسف، التي وصفها حسين. هي وهمه الذهني، وأن الأنا نقطة الثبات والمركز الذي يجب العودة إليه دائمًا، لكن بتأويل يفتح باب "الاستئلاف":</p>
<p dir="rtl">"رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ" (القرآن)</p>
<p dir="rtl"> بمعنى آخر لحظة البئر هي لحظة المتاهة والخيط معًا، البئر متاهة يوسف العارف برؤياه، وكلاهما حوادث لغوية.</p>
<p dir="rtl">هنا يمكننا تتبع ألعاب حسين باللغة.</p>
<p dir="rtl">يصبح استئلاف ما لا يستألف أمرًا لازمًا، والألفة محض خديعة (شكرًا حسين!).</p>
<p dir="rtl">لا مانع لدينا أن نقبل حلم يوسف حين طلب من مظاهر الألوهة ما لا يحق له، فنحن نألفه ونستألفه معًأ، حتى وإن كان الأمر متعارضًا مع صريح الألوهة. ولكننا نرفض إبليس الذي أظهر إيمانًا وحدانيًا حاسمًا حين طُلب منه أن يسجد لغير الله، ولا نستألف ما ألفناه منه في الصورة النمطية عن المعصية!</p>
<p dir="rtl">تلك حالة "اللامسمى" المتاهية، وراء حدود الوعي وأشيائه.</p>
<p dir="rtl">هنا يكون المخرج من المتاهة، بعودة الإدراك إلى الأنا المتعرفة، هنا لنا أن نستوعب التباسنا بين يوسف وإبليس، لكن بين ذاكرتين توحيديتين، يسميها حسين ال  Déjà-vu، بين كليهما معًا.</p>
<p dir="rtl">إبليس له في المتاهة نصيب؛ حكاية السجدة، وهو الخارج من متاهة الالتباس الرباني الآمر بالسجود إلى الحسم التوحيدي (مؤمن-كافر، جنة-نار، طاعة-معصية، وغيرها!)، إبليس أدخله الإله بئرًا متاهةً وحرمه الخيط التأويلي اللغوي الذي منحه ليوسف قبله، بئر إبليس هو انحباسه في ظلنا، نحن نسل آدم. </p>
<p dir="rtl">إبليس على عكس يوسف، خاطر بالإفصاح أمام الإله عمّا في باله حين رفض السجود، الانحباس في المتاهة: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" (القرآن)، طُرد إبليس لصراحته، وفض الالتباس بخروج عن ثنائيات فرضت عليه. فخاف الإله من تلك الحقيقة، فمنع آدم عن شجرة المعرفة في الجنة، وتحايل في الأسباب، كان أقرب ما يكون حينها لديدالوس، الذي طمس فكرة الميناطور في ما بعد.</p>
<p dir="rtl">يرفض إبليس استئلاف ما لا يؤتلف بالنسبة له: "قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ" (القرآن)، تقول الأفعى في العهد القديم: "لن تموتا، لكن الله يعرف أنكما يوم تأكلان من ثمر تلك الشجرة تنفتح أعينكما وتصيران مثل الله تعرفان الخير والشر". إبليس والأفعى كانا خيط ديدالوس بيد ديدالوس – الله.</p>
<p dir="rtl">يقول حسين أن في الجنة أربع ذوات كلها عاقلة واعية لنفسها: الرب وآدم وحواء والأفعى، آدم يعرف بأنه ليس الرب، ولا الأقعى ولا حواء، إنه آدم. وكذلك الرب والأفعى وحواء،  كلها "ذوات" تعرف نفسها بالطريقة المنطقية ذاتها، فهي ليست كذا وكذا، الاختلاف يأتي من التعين.</p>
<p dir="rtl">هم إذن لم يكونوا في المتاهة، بقدر ما لم يكونوا خارجها.</p>
<p dir="rtl">الميناطور في متاهة ديدالوس، هل يتعين ليختلف، أم اختلف بتعيينه؟ ومن هو آخره؟</p>
<p dir="rtl">ليس الأمر بهذا الحسم، يا حسين!</p>
<p dir="rtl">عوقب آدم بالطرد، لأنه أكل من شجرة باعثة على/للـ الفهم، كانت تلك محاولته للاستئلاف، فنحن لا نستألف ما لا نعرفه تمامًا ولا نعرف ما لا نستألفه تمامًا. فهم آدم بمسارات في الاستئلاف أن الحقيقة العارية خطر عليه، "أدرك أن الجنة التي كان فيها مثل الموت، حيث للآخرين أن يرونه عاريًا تمامًا".</p>
<p dir="rtl">يرشدنا حسين إلى تأمل "المعاد إدراكه"(7)، "فما نراه ليس غريبًا ولكنه يتغرب، يفقد خرائطه المألوفة، أعني سيداتي سادتي، بأن المألوف يشبه منديلًأ شفافًا جدًا ملقى على وجه الأشياء، وعند لحظة معينة في المتاهة يسقط المنديل، فيبدو وجه الأشياء غريبًا تمامًا، لم نره من قبل"(8).</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الموت</span></strong></p>
<p dir="rtl">للفن التشكيلي القدرة على إضاءة ما نريد من المتاهة هاهنا، أو ما نظننا نألفه دون أي استئلاف.</p>
<p dir="rtl">الموت، ثانيةً، وموت حسين نموذجًا!</p>
<p dir="rtl">ذلك الأكيد الغريب بيننا.</p>
<p dir="rtl">يرسم كلود مونيه زوجته كاميل وهي تحتضر، يستألف مونيه الموت هنا، داخل متاهة الحياة، فيقف وزوجته على حدود غير المعرّف، المتكرر بتكرار الحياة، بين ذاكرتين، حية وميته، أو طرفي خيط - متاهة. هو يجسد مبدأ النقص الذي يخبرنا به موريس بلانشو؛ "ففي داخل كل كائن يوجد هناك عدم كفاية"(10) لا يسعى للاكتمال إنما يكتفي بنقصانه، بتعيين ما ينقصه، على غير سعي للاكتمال. ما يحدث هنا هو فكاك من ثنائيات الحداثة، وخيوطها وآلهتها، وديدالوسييها (نحت آخر!).</p>
<p dir="rtl">اختلاف لا يأتي بتعين الذات وحدها، لكن بتعيين الفقد والنقص كمتاهة، والكمال دون علاقة اعتباطية بينهما، هنا خيط آخر للمكوث في المتاهة لا الخروج منها، ما يقوله حسين: "لا أكتب المتاهات، بل "حكمة المتاهات"، وكتابي نفسي. مثلما قلت في "ما قالته الغجرية": من علمك الرقص؟ ثالت: متاهة"(11)، من دون (الـ) الـ...."تعريف".</p>
<p dir="rtl">نسأل الميناطور عن هويته، أي منهما؛ لا يدري، ولا مونيه.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="Camille Monet On Her Deathbed, Claude Monet, 1879" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/camille-monet-on-her-deathbed-claude-monet-1.jpg" width="876"></div>
<p> </p>
<p dir="rtl">بقدر ما يستحضر الاستئلاف المعرفة، أو يفضي إليها، والمعرفة لها سلطتها، إلا أنه يتضمن أيضًا ترويضًا للخوف، دون تعريفه لازمًا.  والخوف كموضوع من مفاتيح فهمنا لذواتنا. "أنا أفعل، آكل، أشرب، أتنفس، أعمل" كلا الجسد يأكل، يشرب، يتنفس، يتذكر (...) أنا أستطيع تشريح أفكاري وكأنها ضفدع. ولذا، فإن بوسعي أن أرتبط بنفسي كما ترتبط ذات بموضوع، وعي الذات هو عملية الربط هذه بعينها".(12) </p>
<p dir="rtl">يمنحنا حسين مسشترفًا موقعية (نحت آخر، ملتبس برسم ملتبس، عن فكرة  غير ملتبسة!) مختلفة، في مقاربة ثنائية الذات والموضوع، والخوف كما الحب والجنس والرغبة والهيام والألم، تجارب معرفية وموضوعية، لأنها ذاتية.</p>
<p dir="rtl">يسجل فريدناند فيكتور إيغون ديلاكروا، في النسخ الستة المكررة من لوحته "المسيح على بحيرة طبريا"، مشاعر الخوف، من الماء، والماء صنو الآلهة ومنه الحياة ومتخيلات الألوهة، والمسيح نصف إله نصف بشري، تمامًا كجلجامش، وكائن من أنصاف غير متمازجة كالميناطور.</p>
<p dir="rtl"> المسيح يشكو ضعفه، في موج متلاطم، وجلجامش يُشكى من جبروته إلى الآلهة ثمة خوفان متراكبان هنا في هذا التناص بين أنصاف الآلهة هنا، كلاهما في المتاهة، بخيطيهما: الضعف وقلة الحيلة، والبطش والتجبر، وكلاهما خاصتين  تنتصر لنصف منهما على الآخر، ولا تليق لا بإله على التمام، ولا إنسي على التمام؛ البطش على الإله، والضعف على الإنسان. هما المسيح وجلجامش؛ مونولوج الميناطور في المتاهة، هما سؤاله لنفسه عن نفسه، أيحق له الكلام، أتخرج المتاهة عن حكمة ديدالوس الإله؟<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="Christ on the Lake of Gennezaret, Eugène Delacroix, 1854" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Eugene_Delacroix_-_Christ_on_the_Sea_of_Galilee_-_Google_Art_Project-2.jpg" width="1422"></div>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="Christ on the Lake of Gennezaret, Eugene Delacroix, 1854" height="600" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/christ-on-the-lake-of-gennezaret-18541_jpgLarge.jpg" width="739"></div>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="Christ on the Sea of Galilee, Eugène Delacroix Description Artist, Eugène Delacroix, 1854" height="824" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Eugene_Delacroix_-_Christ_on_the_Lake_of_Gennezaret_-_WGA06219-2.jpg" width="1030"></div>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">تلك هي حكمة المتاهة التي أنبأنا بها حسين، وعلمت الغجرية الرقص، متاهة في لوحات فيرناند لها ملهاة تتجذر رأسيًا في تكرارات العمل الفني، وكأن البحر هو المتاهة.</p>
<p dir="rtl">المتاهة التي ساوت بين جلجامش والمسيح، في اختلافهما عن بعضهما. تلك هي المتاهة التي جعلت دراسة نماذج تكرارية من الأعمال الفنية والتشكيلية، شكل من أشكال تفكيك هيمنة وسلطة نظريات تاريخ الفن، بكل هفواتها وأخطائها. وأن تلك التكرارية إنما شكل مقاوم، ومحدد لسيرورة التاريخ التعبيري للفنون (جورج كوبلر)، دون أن تكون الحاجة لتوثيق التغيرات أمرًا مشروطًا في دراسة التكرارات في المتاهة.</p>
<p dir="rtl">تضيء المتاهة البرغوثية هنا على منطق "الاختلاف والتكرار"، الدولوزية (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز) كشكل من أشكال الاستئلاف. وأن الهوية مهما ائتلفنا معها كإجابة هي مصطنعة، نتجت بوصفها أثرًا بصريًا عن لعبة أعمق، هي لعبة الاختلاف والتكرار، غير البادية عيانًا. ذلك التكرار في الانكشاف على الذات والموضوع، الذي يستلزمه استئلاف كل ما هو مختلف، مهما كانت درجة تطابقه، هو ما يخلف الاستئلاف ويمتحن الألفة.</p>
<p dir="rtl">بقي أن نقول أن الترحال داخل المتاهة المونولوج، واستئلاف كل ماهو من الذاكرة والهوية واللغة ومقولاتها والمخيال وتحيزاته، أمر دافع للتأمل والدرس، كما للرقص، تمامًا كما كان يفعل بيكاسو مع أعماله الفنية.</p>
<p dir="rtl">يخبرنا البرغوثي أن المكان فكرة في عقل أحدهم، ولأن نصوص حسين هي أمكنته ومتاهاته، كانت الحاجة إلى شعرية التجريب، والتشريح، والإتاحة، والتشتيت (13)، بحثًا عن صوت الآخر في كل الأصوات التي فينا ومعنا ولنا، في متاهاته، وبيدنا خيطه.</p>
<h5> </h5>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>الهوامش:</strong></span></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">1. حسين البرغوثي،<a href="https://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener"> الفراغ الذي رأى التفاصيل،</a> (عمان، الأهلية، 2018)، ص 64، 65.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">2. مانليو بروزاتين، قصة الخطوط، ترجمة السنوسي استيته (المنامة، هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018)، ص 18.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">3. المقولة تنسب إلى كارل ماركس، متنبئًا بها لمستقبل الحداثة، وقد فصّلها مارشال بيرمان بالتحليل في كتابه الذي حمل تلك الجملة عنوانًا عن أزمات الحداثة السردية والمدينية معًا</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">4. مانليو بروزاتين، قصة الخطوط، ترجمة السنوسي استيته (المنامة، هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018)، ص 44.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">5. حسين البرغوثي، الصوت الآخر، مقدمة إلى ظواهرية التحول، (عمان، الأهلية، 2021)، ص9.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">6. يُنظر: بلقيس الكركي، إرادة الكتابة، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، ص 148.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">7. حسين البرغوثي، الفراغ الذي رأى التفاصيل، (عمّان، الأهلية، 2018)، 65.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">8. المصدر نفسه، ص 65.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">9. حسين البرغوثي، الصوت الآخر، مقدمة إلى ظواهرية التحول، (عمان، الأهلية، 2021)، ص206.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">10. Maurice Blanchot, La Communaute’ Invouable, (Paris, Les E’ditions de Minuit, 1983), p 15</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">11. حسين البرغوثي، الصوت الآخر، مقدمة إلى ظواهرية التحول، (عمان، الأهلية، 2021)، ص8.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">12. حسين البرغوثي، الصوت الآخر، مقدمة إلى ظواهرية التحول، (عمان، الأهلية، 2021)، ص 206.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">13. من مقدمة عبد الرحيم الشيخ لكتاب الصوت الآخر؛ مقدمة إلى ظوارهية التحول، حسين البرغوثي (عمان، الأهلية، 2021).</span></h5>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20430">المتاهة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«سقوط الجدار السابع»... سيرة الصعالكة والمجانين </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20429</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 25 Mar 2021 12:03:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a9-%d9%88%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>قبل عشرين عاماً على كتابه "الضوء الأزرق" (٢٠٠١)، الذي كتب فيهِ في وصفه نفسه: "أنا تحت سطحي من الشّرور ما يجعل أمّي تتمنّى لو لم تكن قد ولدتني"؛ كان حسين البرغوثي مستغرقاً في بحث طبيعة تلك الشرور تحت سطح كتّاب آخرين في كتابه/بحثه الفلسفيّ "سقوط الجدار السابع" الصادر عام ١٩٨١، (وعام ٢٠١٨ بطبعة جديدة عن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20429">«سقوط الجدار السابع»... سيرة الصعالكة والمجانين </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">قبل عشرين عاماً على كتابه "الضوء الأزرق" (٢٠٠١)، الذي كتب فيهِ في وصفه نفسه: "أنا تحت سطحي من الشّرور ما يجعل أمّي تتمنّى لو لم تكن قد ولدتني"؛ كان حسين البرغوثي مستغرقاً في بحث طبيعة تلك الشرور تحت سطح كتّاب آخرين في كتابه/بحثه الفلسفيّ "سقوط الجدار السابع" الصادر عام ١٩٨١، (وعام ٢٠١٨ <a href="https://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener">بطبعة جديدة </a>عن الدار الأهلية في عمّان). يمكن الادّعاء أنّ ما بحثَهُ حُسين في نفسه في كلّ من "الضوء الأزرق"، و"سأكون تحت اللوز" (٢٠٠٤)، كان قد بحثهُ من قبل في عوالم أدبيّة أخرى، وكان بحثاً في مفهومه الرئيسيّ الذي يستندُ إليه في "سقوط الجدار السابع"، وهو "السبب الرئيسيّ"؛ أي نقطة الارتكاز الأرخميديّة التي يستندُ إليها الفرد في النّظر إلى نفسهِ وإلى موقع نفسه في العالم. كان حُسين يشعرُ بمرارة اللاتطابق بين عالمه الداخليّ والخارجيّ، بين ذاته كما كان يعتقد أنّها يجب أن تكون وبين الخارج؛ بين فهمه للحياة وعدم قدرته على عيشها كما يفهمها، قبل أن يجد سلامه النهائيّ تحت شجرة اللوز. </p>
<p dir="rtl">يستندُ الكتاب إلى مفهوم "السبب الرئيسيّ" كمفهوم شارح لمعضلة الصراع النفسيّ في الأدب حديثاً وقديماً، فغياب أو تأزّم السبب الرئيسيّ يعني الدّفع بالشخصيّة الأدبيّة أو الإنسانيّة إلى عالمٍ من الفوضى النفسيّة أو عالمٍ من الانسجام النفسيّ في حالة انسجام الفرد مع سببه الرئيسيّ. ينشأ الصّراع النفسيّ في الأدب كما يعتقد حسين عن التناقض بين العالم الداخليّ بحاجاته ومواضيع هذه الحاجات في العالم الخارجيّ. فالحياة ليست إلّا عملية بحث عن حلّ لهذ االتناقض، محاولة بحث عن تحقيق التطابق بين حاجةٍ داخليّة وموضوعها في العالم الخارجيّ. ويكون فهم الحياة، أي معرفة الذات لماهيّة الحياة، لسببها الرئيسيّ في الحياة، أرقى أشكال التعبير عن حاجات الفرد الداخليّة. بينما عيشها هو محاولة المطابقة بين الحاجات الداخليّة والعالم الخارجيّ لتحقيق "الكلّية"؛ أي انسجام الفرد مع نفسه، مع الآخر ومع الطبيعة.</p>
<p dir="rtl">من هنا ينشأ الصراع النفسيّ كشكلٍ من أشكال الشقاء الحادّة نتيجة لعدم قدرة الفرد على تحقيق الكلّية، ما يعني فقدان الذّات. ومن هنا يكون "سقوط الجدار السابع"، بحثاً في الشقاء، وفي انعدام الكلّية. وستركّز هذه المقالة على معالجة الكتاب لكلّ من الفيلسوف الروسيّ "سكوفورودا"، المتنبّي، وشخصيّة هاملت لشيكسبير، وأخيراً لأدب الروائيّ الروسيّ دوستويفسكي. </p>
<p dir="rtl">يمثّل "سكوفورودا" طريقة "التخلّي عن العالم الخارجيّ" للوصول إلى السعادة المطلقة وحالة الكلّية، إمّا من خلال الانسجام مع قوّة كونية عُليا كالصوفيين والبوذيين، أو خداع الذات كما فعل "سكوفورودا"، الذي قرّر أن يغيّر فهمه للحياة بعد محاولة تغييرها كي يعيش بسعادة. </p>
<p dir="rtl">في واقع روسيا المتخلّف الأرستقراطيّ، أدرك "سكوفورودا" أنّ عليه بدلاً من البقاء متألّماً لعدم قدرته على العيش كما يرغب، أن يشكر الله "الذي جعل كلّ ما هو ضروريّ سهل المنال، وجعل كلّ ما هو صعب المنال غير ضروريّ". أي أنّه رأى في القناعة الدينيّة طريق السعادة من خلال تنازله عن رغباته وخداع نفسه وإجبارها على الاعتقاد أنّ الأشياء الضروريّة والتي هي في متناوله هي الأشياء التي يرغبُ فيها حقاً. ذلك يعني أنّه مهما تغيّرت الظروف فلن تجلب إليه إلّا أشكالاً مختلفة من السعادة، لكنّ البرغوثي يعتقد أنّ سعادته هي "زائفة"، و"ليست إلّا شقاءً مقنّعاً لأنها تقوم على التنازل عن رغباته إن كان تحقيقها صعباً"(ص.٣٣). <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="524" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٩٧٦٦٧٨٩-3.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">تخلّى "سكوفورودا" إذاً عن العالم الخارجيّ، ومثله، حاول الصوفيُّون والهنود القدماء تحقيق الكلّية بواسطة الانسحاب من العالم الخارجيّ إلى داخلهم؛ فتوحّد الصوفيُّون مع قوّة كونيّة أعلى، وتخلّى البوذيُّون عن العالم الخارجيّ الذي لا يجلبُ غير الشقاء. لكنّ هناك من اختار الصّدام مع العالم الخارجيّ، وكانت المعاناة من نصيبهم؛ المعاناة التي "هي شكل من أشكال الشقاء، من أشكال انعدام الكلّية"، النّاشئ عن انعدام إمكانيّة تحقيق التطابق بين العالم الداخليّ والخارجيّ في واقعٍ معيّن، "فلا الحياة تسمح للفرد بأن يعيشها ولا الفرد يريد التنازل عن أيّ جزء منها". </p>
<p dir="rtl">تنشأ المعاناة عن السّعي وراء إشباع حاجة جوهريّة في ظلّ فشلِ الفرد المتواصل في تحقيقها؛ وللمعاناة شكلان، أوّلاً، منذ أن كان لكلّ فردٍ تصوّر معيّن عن نفسه كما هي عليه في الواقع وآخر عن كيف يجب أن تكون، أي الأنا الواقعيّة، والأنا المثاليّة، ينشأ شكل المعاناة الأوّل عن التناقض التناحريّ بين شقيّ فكرة الذات الذي يشلّ قدرة الفرد على تحقيق الكلّية بين الفرد ونفسه. أمّا الشكل الثاني فيكمن في التناقض التناحريّ داخل "فكرة الغير" التي تتكوّن من شقّين؛ الغير كما هو والغيرُ كما يجب أن يكون. والغير يعني كلّ ما يقع خارج الفرد، فإن كان الغير واقعاً اقتصادياً فقيراً، ولَّدَ في الذات عقدة نقصٍ لكونِ خارجها ليس كما ينبغي به أن يكون. وعقدة النقص تمثّل انفصالاً عميقاً بين الأنا الواقعية والمثالية، بين الغير الذي لو كان كما يجب أن يكون لكان من الممكن للأنا المثالية أن تكون كما يجب أن تكون، وبين الغير الذي كما هو ويشلّ قدرة الأنا المثالية على الكينونة، ويُجبرها على "القناعية"، المساومة والتلوُّث بالواقع لغاية الوصول إلى وضعيّة تتمكن فيها من أن تكون أخيراً كما تريد. </p>
<p dir="rtl">يُعدُّ المتنبّي مثالاً على الذّات المتمزّقة بين تصوّرها عن نفسها وواقعها؛ فالصّراع عند المتنبّي ينشأ من فشله المتواصل في أن يعيش كما يتصوّر أنّه يجب أن يعيش، ولكن ومنذ أن كان السبب الرئيسيّ عند المتنبّي هو ذاته التي يعبدُها ويُقدِّرها فوق كلّ شيء آخر، فاصطدامه بواقعها الاجتماعيّ يؤدّي به إلى تأكيدٍ مبالغٍ فيه لنفسه، وذلك ما يسمّيه حسين بالمُكابرة؛ أي عدم الاعتراف بوجود هوة عميقة بين واقع الشخص وتخيّلاته عن نفسه. وتشكّل المكابرة آليّة نفسية جديدة تعبِّرُ عن الفخر بالذات؛ فمعاناة المتنبّي هي معاناة فرد يدافع عن نفسه، التي يقدّرها فوق كلّ شيء آخر، حتّى اللحظة الأخيرة في "حياة صعبة ولكنّها الحياة الوحيدة كما تقول أغنية أمريكية، وهو لا يريد خسارتها مهما كلّف الثمن". وذلك ما يجعلُ من حياته جحيماً دائماً، كان يمكنُ أن يودي به إلى الجنون لولا حيازته لمنفذٍ نفسيّ لتفريغ شحناته النفسيّة المتأزّمة وهو الشّعر. لكنّ المُتنبّي الذي اضطُّرَ إلى العيش تحت وطأة أناه "القناعيّة" المادِحة للأمراء، المُتسوِّلة، المُتحايلة والانتهازيّة؛ رغم هذا كلّه، كان لا يزال متمسّكاً بالأمل وبقوّة. بأمل الخلاص من المعاناة ماضياً وحاضراً، والخلاص من القناعيّة وحالة الانشطار التي هو عليها بين ما يتخيّله عن نفسه ولا يستطيع أن يكونه وبين ما هو مُضطَّرٌ لأن يكون عليه في الواقع (ص.١٠٣-١٠٢). </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">غياب السّبب الرئيسيّ عند هاملت ودوستويفسكي</span></strong></p>
<p dir="rtl">بعد الإيمان بسبب رئيسيّ كونيّ كالله أو البراهمانا، أو اجتماعيّ كالقبيلة، أو ذاتيّ كالذّات وعبادتها، أو عُموميّ كالشيوعيّة أو الإنسانيّة، ينتقلُ حسين إلى مرحلة أخرى في الأدب اتّسمَت بعدم الإيمان الثابت بأيّ سبب رئيسيّ والتي يصفُها بمرحلة "التمزّق النفسيّ الحاد". مرحلة كان الشقاء فيها يواصل تقدمه وانعدام الكليّة تواصل زحفها في مرحلة جسّدَتها مأساة هاملت لوليم شيكسبير. </p>
<p dir="rtl">كانت مأساة هاملت الشكليّة هي في عدم قدرته على الإتيان بفعلٍ حقيقيّ بعدما قتل عمّه والده وتزوّج أمه واستولى على العرش. لكنّ مأساته الحقيقيّة كانت أنّ هاملت لم يكن يؤمن إيماناً ثابتاً بأيّ شيءٍ ولا حتّى بنفسه. فالسبب الرئيسيّ غير ثابتٍ مطلقاً، ونتيجة ذلك تكون على لسان هاملت:"البقاء أم الموت؟ هذا هو السؤال!"(ص.١٣٣). </p>
<p dir="rtl">نصفُ مؤمنٍ ونصفُ ملحد؛ متردّد في قتل نفسه، في قتل عمّه، ويرى العبثيّة في كلّ شيء، عبثٌ أن يفعلَ شيئاً، وعبثٌ ألَّا يفعل شيئاً، يقفُ متردداً بين هذا وذاك، غير قادر على عيش الحياة أو تحقيق الكلّية، غير قادر على خداع نفسه لأنّ عقله يرفض الإيمان بأيّ شيء بعد الموت. شكّ دائم، احتقارٌ للذات واحتقار للآخرين؛ تلك هي دورة أفكار هاملت اليوميّة، وتنبع عدم قدرته على إنهاء صراعه النفسيّ الداخليّ من عدم قدرته على اتخاذ قرارٍ للإتيان بفعلٍ حقيقيّ وهو ما يَعودُ إلى افتقاره لسبب رئيسيّ يستندُ إليه في تفكيره بنفسه وبالعالم.  </p>
<p dir="rtl">لا يمكن للسبب الرئيسيّ في نظر حسين إلّا أن ينتَمي إلى شيءٍ من ثلاثة؛ سبب ميتافيزيقيّ يتجاوز الطبيعة كالإيمان بالله أو كائنٍ أعلى، أو سبب طبيعيّ كالإيمان بالنار أو الطوطم أو الطبيعة، أو سبباً اجتماعياً كالإيمان بالشوعيّة، المال أو الذات. إلّا أنّ هاملت لم يؤمن بأيّ قوّة ميتافيزيقيّة، وإدراكه لقذارة الإنسان وقبحه منعه من الإيمان بأيّ سبب رئيسيّ اجتماعيّ، وفي ظلّ غياب الإله وغياب المعنى، كان هاملت يشعرُ بالغرابة، بالسقوط في كون واسع يستحوذُ عليه الشعور بالعبث وانعدام المعنى. </p>
<p dir="rtl">هنا يظهر العبث على مسرح شيكسبير، فلا شيء يعني شيئاً على الأرض، لا الإنسان ولا الطبيعة، ومنذ أن كان الإنسان لا يعني شيئاً، فلم يكن ممكناً له أن يكون سبباً رئيسياً لهاملت، بل كان النقيض من ذلك. فقد اختبر هاملت انحطاط الإنسان وجانبه المظلم عندما شعَرَ أنّه يعيش في بيئة ملوّثة وقذرة، بيئة مليئة بالمكائد والقبح البشريّ المتمازجِ بأقنعة عواطفٍ نبيلة. هناك شعَرَ هاملت أنّه هو الآخر كان مُلوّثاً ببيئته، وامتدّت إليه طِباع الآخرين، فلم يكن حتّى قادراً على الإيمان بنفسه كسبب رئيسيّ يستند إليه. وفي حالة تأزّمٍ نفسيّة كتلك التي عاشها كان لا بدّ من مخرجٍ أو آليّة نفسيّة لتفريغ الشحنات الداخليّة المتأزّمة في موضوعٍ خارجيّ. كان للمعرّي والمتنبّي الشعر منفذاً لأناهم المثاليّة، لكنّ هاملت لم يكن شاعراً وذلك ما صعَّدَ أزمته النفسيّة إلى الدّرجة التي لم يعد فيها قادراً على التّفكير المنطقيّ، إلى حالة "اختلال العلاقة بين العالم الحقيقيّ والعالم الخياليّ"، ما دفع بهِ إلى نوعٍ من أنواع المرض النفسيّ الذي طبع أدب القرن التاسع عشر والعشرين كما في أدب دوستويفسكي.  </p>
<p dir="rtl">كلّ شخصيّات دوستويفسكي هي هُوَ؛ "فدوستويفسكي نفسه ليس بشراً، بل مستشفى من الأمراض النفسيّة، ومكتبة من الفلاسفة وسرباً من الأنبياء المتديّنين، وقطيعاً من المجرمين، وحفنة من الأنبياء الاجتماعيين، ولكن متّحدين في شخصٍ واحد"(ص.١٩٤). والمرحلة التي يمثّلها دوستويفسكي هي مرحلة انهيار الذات على نفسها، و"هنا يصبح البحث عن الذات هو المهمّة الحقيقيّة". في هذه المرحلة يفقد الفرد الكلية مع الطبيعة، مع نفسه ومع المجتمع ويصبح الشقاء كاملاً، ولا طائل من وراء البحث عن الذات في المجتمع أو الطبيعة، ويكونُ انسحابُ الفرد إلى عالمه الداخليّ، إلى ذاته الممزقة، محاولة أخيرة ويائسة لترميم نفسه وتحقيق الكلّية.  </p>
<p dir="rtl">لا تملك شخصيّات دوستويفسكي أيّ نقطة "ارتكاز أرخميديّة"، أي، سبباً رئيساً، فهي كما يقول كما يقول الناقد جورج لوكاتش:"هم أناس متوحّدون، أناس يعتمدون على أنفسهم اعتماداً كاملاً في معرفتهم للحياة ولمحيطهم، أناس يحيون بعمق وبحدّة داخل نفوسهم بحيث تظلّ أرواح الآخرين عندهم أرضاً مجهولة للأبد"(150). </p>
<p dir="rtl">يأخذُ حسين بطل رواية "مذكرات من العالم السُّفليّ"، مثالاً لتلك الشخصيّة الدوستويفسكيّة المتوحّدة؛ "إنّه مختلف وغريب عن هذا العالم، وكلّما تعمّق إدراكه لذاته زاد رفضه لها، وازداد أيضاً شعوره بفقدان هويّته وفراغه الداخليّة، لكنّه لا يستطيع أن يغيّر نفسه، لماذا؟ "لأنّه لا يوجد ما أتغيّرُ إليه""(ص.١٦٣). لا هو يستطيع أن يكون هو ولا يستطيع أن يتغيّر إلى شيءٍ لأنّ ليس ثمّة من شيءٍ يكونه بدلاً من نفسه. مع ذلك فإنّ ما يريده هو أن يحقّق الأصالة الذاتيّة، أن يكون ذاتاً أصيلة، وربّما يكون مفهوم الأصالة الذاتيّة، مفهوماً شارحاً لمفهوم السبب الرئيسيّ؛ أيّ أن يكون الإنسان ما يريدُ أن يكونه، لأنّه يستطيع أن يكون ذلك الشّيء، لأنّه حرٌّ بالأساس ليكون أيّ شيء. تماماً كما يصفُ بطل المذكّرات رغبته في "أن يحيا وفق إرادته الخاصّة". لكنّ الحريّة بإمكانها أن تكون مرعبة عندما لا يستطيع الإنسان معرفة ما يفعلُ بها؛ "الحرية المرعبة ليست حرية حقيقيّة"، كما يكتب حسين، لأنها تستحوذُ على الفرد وتُصبحُ وجهاً آخر للعبودية وتولِّدُ فيه قلقاً، وانعداماً للثقة بالنّفس واحتقاراً للذّات. تلك هاوية شخصيّات دوستويفسكي التي تحيا في عوالم نفسيّة مُضطَّربة؛ راسكلنيكوف قتل المرابية بحثاً عن الكلّية، ومن الكلّية بحثاً عن الحقيقة الأخلاقيّة، وإيفان كارامازوف مجرم بحقيقته الأخلاقيّة التي تبيح كلّ شيء:"إذا لم يكن هناك إله، فكلّ شيء مباح"، والرّجل المضحك حاول ارتكاب جريمة فتقل نفسه؛ لكنّ عقل إيفان العميق ليس سبباً رئيسياً يستندُ إليه، بل أداة لتحطيم السّبب الرئيسيّ، كذلك جريمة راسكلنيكوف؛ كلّهم شخصيّات عائمة في كونٍ واسعٍ إلى جانب هاملت، يقفون بتردّد وهم يُحدِّقون في انعدام المعنى وغياب التّفسير. التردّد الذي ربّما رافق حسين في تنقّله بين قريته كوبر، وبلدة بيرزيت، إلى لبنان، هنغاريا وسياتل، قبل أن يتمكّن قبل النهاية بقليل من إيجاد سببه الرئيسيّ تحت شجرة اللوز.  </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20429">«سقوط الجدار السابع»... سيرة الصعالكة والمجانين </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حسين البرغوثي واقفاً على الصّدع اللامرئي أبداً</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20428</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 25 Mar 2021 11:14:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%ba%d9%88%d8%ab%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81%d8%a7%d9%8b-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d8%af%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%85/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"تمشي بين الأفعى والأفعى، أحكمَ من خطوة موسى في البحر الأحمر، لكن تلدغك الأشياء المعروفة وطريق حياتكَ عارية ومخيفة" حسين البرغوثي. رحلَ الكاتب الفلسطينيّ حسين البرغوثي عن عالمنا قبلَ تسعة عشر عامًا، عن عمر ناهز 48 عامًا، وهما رقمان لصيقان في وعي الفلسطينيّ، ووعي العربيّ، يحملان في طيّاتهما موجزًا لتاريخ سياسيّ ووطنيّ ووجوديّ. أن يرتبطَ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20428">حسين البرغوثي واقفاً على الصّدع اللامرئي أبداً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">"تمشي بين الأفعى والأفعى، أحكمَ من خطوة موسى في البحر الأحمر، لكن تلدغك الأشياء المعروفة وطريق حياتكَ عارية ومخيفة"</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">حسين البرغوثي.</span></p>
<p dir="rtl">رحلَ الكاتب الفلسطينيّ حسين البرغوثي عن عالمنا قبلَ تسعة عشر عامًا، عن عمر ناهز 48 عامًا، وهما رقمان لصيقان في وعي الفلسطينيّ، ووعي العربيّ، يحملان في طيّاتهما موجزًا لتاريخ سياسيّ ووطنيّ ووجوديّ. أن يرتبطَ هذان الرّقمان بعُمر الكاتب، سنوات حياته، أو سنوات رحيله عنّا، يهبُ الواقعَ بعدًا آخر يُردّ فيه إدراك الواقع إلى الإحساس به، معالجته عبر الإحساس، ثمّ إخراجه بدلالات جديدة تنسِفُ المعرفة الأولى به وتضعهُ في موقع المساءلة حول علاقته بالإنسان وذاكرته ووعيه بالمَكان سردًا وذاكرةً وحقيقةً.</p>
<p dir="rtl">لقد راحَ حسين البرغوثي إلى أقصى الرّهان على التّفكير الوجوديّ بالذّات، وبالتّالي كانت رحلةُ الوَعي، الصامت، رحلة "شلَحت" العالَم أولا، تقشّفَت من البرّانيّ الماديّ بعد أن زعزعت أسئلته عن الذات، لتقتحمَ الجوّانيّ وتمتلئ به. لا يمكنُ أن يمنحكَ حُسين وأنت تقرأه، شعرًا وسيرةً وفكرًا، لحظةً من الطمأنينة، وإن بدَت طمأنينة البلاغة في الكتابة باعثةً على دفء المألوف اللغويّ، إلاّ أنّ داخل هذا المألوف اللغويّ نَسفٌ لبراءة اللغة والأفكار، نسفٌ لـ "العادة" وانفلاتٌ من براثن براءة "النّظر" إلى الأشياء مقابل "رؤيتها".</p>
<p dir="rtl">في علاقته الإشكاليّة مع الإدراك، كانَ البرغوثي يرسمَ صورةً تجريبيّة لا يقينيّة، تقيمُ مسافةً حسيّة حذرة بينها وبين المعرفة ليحدّد في النهاية علاقته مع المكان المتصدّع، أكبر تحدّياته، فيقول:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"في الانجليزيّة تفرقة لطيفة بينَ إدراك الشيء لأوّل مرّة، (cognition) وبينَ إعادة إدراكه (recognition). الأوّل إدراك جديد، أما الثّاني فمعرفة متكرّرة، متذكّرة، أي نمط إدراكٍ يُعادُ إنتاجه، نوعٌ من أنواع "العادة". فما أبحثُ عنه، عمليًا في هذا المكان هو الخروج منه، أي العودة من مكان جديد مُدَرك لأوّل مرّة إلى مكان قديم سبَق وأدركتُه. وهذه العودة للمألوف هي غايَتي".</span></p>
<p dir="rtl">من هنا، كانت طريق البرغوثي في الكتابة، طريقًا متحوّلة، تذهبُ باتجاه انحراف الوعي المتأخر عن المكان وعن الكتابة في حالتهما البدئيّة. في خرائط مساحته الذّهنيّة كانَ دائمَ القلق، يصادِرُ البديهيّ بأسئلة مشبوهة حولَ ذاكرته، ذاكرة المكان، والانخراط في متاهة السّؤال حول ذاكرِتَيه، ذاكرة البداية وذاكرة العَودة إلى البداية. ذاكرة المألوف، وذاكرة اللامألوف، ليسقطَ، على حد قوله، المنديلُ في المتاهة، ويصير وجه الأشياء غريبًا، بالمفهوم البريختيّ. </p>
<p dir="rtl">إنّ علاقة البرغوثيّ، ابن قرية كوبَر، بالمكان، الصّغير (القرية)، والوسطيّ (فلسطين)، والكبير (العالَم) هي علاقة ديالكتيكيّة مصدوعة ولامرئيّة مع مفهوم "الأمكنة"، حيثُ المكانُ حمّال أوجه، وحيث هويّته هويّة مفارقات، وعلاقةُ حضورٍ يحكمها بحثٌ عن غيابِ المكان نفسه فيه، أو غياب الأثر الذي يعمق الصّلة بالمكان أكثر. لهذا، كان شاعرًا ومفكرًا ومؤسسًا لجماليّة الفقدان، هذا الفقدان الذي تجده في خلقِ مساحة فاصلة معطّلة زمنيًا على الدوام بين حضوره في المكان والمكان الحاضر فيه، وفي هذا الفقدان تتحرّكُ مسيرة "الوعي المهزوم" داخل "زمن مهزوم" تحكمه الخسارة. </p>
<p dir="rtl">وربّما يتواصلُ هذا الفقدان، ليشملَ حتّى فقدان الإدراك الذي يتعرّى من المسمّى منتقلاً إلى اللامسمّى، ويتنصّل من الموجود باتّجاه الوجود: </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"في لحظات فقدان الإدراك يا سادة، أشعرُ بطاقةٍ روحيّة غامضة، قدرة على التّحديق في الأشياء أو بالأحرى، في حضور الأشياء وتبدو وكأنها بلا تاريخ، أو كأنني بلا ذاكرة، قابلية لمحو أسماء الأشياء أو بالأحرى الإشارات أو اللغة، ويبدو وكأن الأشياء تتعرّى من أسمائها ويبزغ ما يسمّيه لاوتسو بـ "اللامسمّى"، إنّه حضورٌ شاملٌ لشيء وراء اللغة، إطلالة للوجود أكثر ممّا هي للموجود".</span></p>
<p dir="rtl">اختار حسين البرغوثي -دائم السّؤال دائمَ الإجابة- بطولتَه الفلسطينيّة بنَفسه، وقد تأسست بطولة على القلق والشكّ والعَودة إلى المُدرَك بصفته لا مألوفًا، وداخل هذه المساحة العريضة، تحمّل مسؤوليّة قلقه تجاه الوجود، وتجاه المكان الفلسطينيّ المُحمّل بأزمة الحرية، على الصّعيد الفكريّ والمادّي. حتى وهو يبحث في مفهوم المكان في القصيدة العربيّة، تطرّق البرغوثي إلى "انفصاميّة" الأنا في الشّعر العربي، وزعزعة الهويّة الذاتية وهي تنتقلُ من البرّاني اللغويّ إلى الجوّانيّ المتشظّي، رادًا إيّاه إلى علاقة مركّبة مع المكان.</p>
<p dir="rtl">كَتَب حسين، في أعماله النثريّة والشعريّة والفكريّة، كل المفردات الكبرى، والأفكار الكبرى لما تعنيه فلسطين: البداية، النهاية، المكان، الزمن، الذاكرة، الانتفاضة، وغيرها، وخلقَ في علاقته معها ديالكتيكيّة تتأسس على الإحساس بالغموض والتعدد والقلق: الفراغ، الكَون، اللامسمّى، المألوف، الغريب، الصمت، الأنا، الوعي المهزوم، الألم، وغيرها. عوضَ اختصار المكان في المفردات، وسّع الشاعر المفردات في قلب المكان، وعبر ديالكتيك القلق أثّث "الرّؤية" الحقيقيّة لعلاقته بالمكان من خلال تحويله إلى رهينة التأويلات والتعدّد، مغازلا إيّاه بتأصيل تفاصيله.</p>
<p dir="rtl">المكان، وخرائطه، هو مكانٌ لا يتواجدُ بوصفهِ مكانًا خارجَ الكاتب، بل هو "لا مسمّى" متوطّنٌ داخل القلق العصابيّ للكاتبِ، القلق الذي يولّدُ دلالات نفسيّةً لهذا المكان، وما حوله، ويمهد الطريق لتداعيات أخرى تَسقطُ على "الما حَول" وتهبه دلالات وتأويلات، فيصبحُ الضّوءُ ضوءين، والذاكرةُ ذاكرتين:  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"وأنا واقف فوق الخرائب تلك، شعرتُ بفَرقٍ شاسع بينَ نوعين من "الضوء": القمر والنيون في المستعمرة. كان الأخير مُرتّبًا، ومهيمنًا، حادّ البياض، منتشرًا حتّى وراء الأسلاك الشائكة، التي تعزلُ كلّ مستوطنة عن محيطها، أشبه ما يكون بـ "رؤيا مسلّحة" باحتلال بصريّ، ومعمار ضوئيّ لدَولة تهذي حتّى في منامها برؤى مسلّحة ومضاءة بالنيون. وبدَت المستعمرة كلّها كتابًا في النفس أيضًا: في العلاقة بين "القوة" و "الضّوء" لم يدرس أحدٌ بعد العلاقة بين القوّة والضّوء!"</span></p>
<p dir="rtl">الحيّز/المكان الخرب والسّليم، هو حيّز يثوّر ويغرّب، ويقودُ إلى الأشياء التي لا تُعطى تعريفًا واحدًا ومسارًا واحدًا تبتلعه فضيحة التّكرار وفضيحة المستنفذ. وبالتالي تصيرُ رؤيته رؤيةً تولّدُ طبقات من رؤى تكشفُ عن مسافة مؤلمة بين المعروف خارجَ الرّوح، وبين المعروف داخله، وتصيرُ الذاكرة ذاكرتين: ذاكرة ضحيةّ سوريالية، وأخرى جلادة سورياليّة: "وبدا لي أنني أرى ذاكرتين معاً: ذاكرة الأفاعي التي تزغرد وهي تطير، وذاكرة من رؤى وأساطير مسلّحة تحلم بإبادة الأفاعي (أولم يقل اسحاق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، في الانتفاضة السابقة، بأن العرب "أفاع"؟). وبينَ الذاكرتين، ذاكرة الضحية  وجلادها، ما يشبه الوادي، أو "الهوّة"، صدع عميق ما، وأنا واقف على هذا الصّدع اللامرئيّ.</p>
<p dir="rtl">ولا حاجةَ لأن نقولَ إنّ حسين البرغوثي كان كاتبًا يعاني. والمعاناة وجوديّة وجدانيّة تأخذ شكل الصّمت، وشكلَ التأمّل في الأشياء والظواهر. هذا التأمّل الذي يضربُ الصّمت في قاعدته، صمتٌ لا ينبعُ من فراغ، صمتُ طافحٌ بالإجابات، بتعبير هكسلي، صمتٌ ملولٌ و"بوليفونيّ" أشبه بميكانيزم يقوده إلى حفرٍ أكثر في كلّ ما له علاقة بهويّته في العالَم، في فلسطين، في كوبر، في أقصر مسافةٍ بينَه وبينَ التأمّل في الظواهر:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"والصّمتُ موسيقى. هذه حكمة قديمة. ولكن قلّة تعرف أن الصّمت أنواع. في "الدّير الجوّاني" نوع غريب من الصّمت، والدنيا قمر، والهواء صقيعيّ. مثلا، أمام مغارة رومانيّة ذاتَ باب صغير ومستطيل كان فيها، قديماً، حوض ترسّبت فيه مياه فوق هياكل عظميّة متحلّلة، وجماجم، ودمّره لصوص الآثار بحثًا عن الذهب."</span></p>
<p dir="rtl">ولعلّ أكثر ما يشدّ في مشروع البرغوثيّ الصّامت في قلقٍ، الوادع في غليانٍ، قُدرتَه على أن يقولَ/يكون الفلسطينيّ الّذي لا يمكنُ أن يقوله أحدٌ غيره. هذا الفلسطينيّ الذي "يلعبُ" دون أن يُحاسَب على لعبته. ذلكَ لأن لُعبَته جاءَت صامتةً تجادلُ الذات، تخرجُ وتدخل في عُمق المكان المتصدّع، وتستكشفُ الهوية/الهويّات، فلا يعودُ من مسارٍ واحدٍ لتعريف الأشياء، ولا تعودُ الرؤية أحاديةً لا للبداية ولا للنهاية. خيانةً للتعريف، ووفاءً للتجريب المعلَن عنه في هامش الكلام، المترامي في المسافات. فلا تعود من قدرة على احتمال مبدأ لخيار: إمّا أو:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"قل: يا أيها الشفق الأخضر، الأحمر، المترامي في المسافات، قد خيّرتني بينَ اغترابي عنها وبينَ اغترابي فيها قفارُ البلاد، فقلتُ: يعزّ علينا الخيار."</span></p>
<p dir="rtl">اللاخيار، اللامسمى، اللاواصل.. كلّها صفاتٌ وسمَت مشروع البرغوثي الموغل في سيره نحو البراري. ولا عجبَ أن يُعلنَ عن كونِه وكينونته المتعدّدة الواثقة من حتميّة تحولاتها، ليكون الأمير، وفرعون والعبيد والمسافة والسّجون، قاصدًا صياغاتٍ أخرى:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"سمّه ما شئتَ، أو كَيفَ اشتهيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هو الخروج عن الذي سمّيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وهو الاشتهاء لغير ما كنتَ اشتهيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">فسمّه الرّقصَ النقيض،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صياغة أخرى عنيت".</span></p>
<p dir="rtl">يعودُ حسين البرغوثي على الدّوام إلى البدايات، مكانًا،  يستثيرُ غرابَته بنظرةٍ تكسرُ رتابة الزّمن الحاضر الذي يكتب فيه. يكسرُ ملل اللحظة الحاضرة، ملل زمنه، بلَوعة المكان الأوّل، بنَفخِ الحركة والحكاية فيه من جديد. وهو بهذا، يُشكّل وعيَه من جديد، أو وعيًا جديدًا، دون حاجةٍ لأن يخرجَ عنه، أو يطلبَ، استجداءً، تعاطفَ الجماعة. هذه العَودة إلى المكان الأوّل، إلى البداية المتصدّعة، التي تطالب الذات بالاستكشاف بدلاً من الاحتفاء بالحنين، وهو استكشاف يحوّل الواحد المجرّد والبرّانيّ والمُبصَر بالعين، والضاج بالأصوات، إلى متعدّد صامت جوّاني، وتنقل المكان الجغرافيّ، بصفته موضعًا أو محلاً للإقامة، إلى مكانٍ هندسيّ لا حدود له، أو على الأصحّ حقيقة نفسيّة تعبّر عن البرغوثي، المتمكن فيه من جديد، ليشكّل علاقته به، كما يجبُ للفلسطيني أن يشكّل علاقته بالمكان، بعد أن يستقر (المكان) ويهدأ. </p>
<p dir="rtl">تُرى هل تجاوزَ البرغوثي زمنه بسرعة ضوئيّة لا يمكن حتى اللحظة تخيّلها؟ هل ابتلَع المكانَ والهويةَ وأفرز أمكنةً وهويّات ظلّت في سيرورة متحوّلة، ولم تصل بعدُ إلى اكتمال ونضوج؟ </p>
<p dir="rtl">مشروع حسين البرغوثيّ الفكريّ، هو مشروع وقوفٍ وتأمّل في الصّدع، مشروعٌ بُتِرَ قسرًا توقّف عند حدود الرقم المصدوع "48". هذا المشروعُ الّذي يحفرُ عميقًا في ما وراء السّؤال وانشطاراته يبني علاقةً ماهويّة مع أسئلة فلسطين الحداثيّة، على المستوى السياسيّ والنفسيّ والجغرافيّ والمعرفيّ. وربّما هذا الدخول/الخروج/الدخول من المكان وإليه هو الأجدر والأنجع في التعاطي مع أسئلة الوجود الفلسطينيّ، الأسئلة المبتورة التي لم يكتمل نضوجها بعد لأنّها ظلّت أسئلة مرميّة على هامش العَمل الوطنيّ. من سيكملُ مستقبلاً مشروع البرغوثيّ المبتور، هذا الذي "ضربه القَمر"، أو هذا النبيّ الذي ضيّعه أهله، وربّما، هذا الذي رأى المكانَ عاريًا؟</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20428">حسين البرغوثي واقفاً على الصّدع اللامرئي أبداً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حسين البرغوثي في قصيدة &quot;التحوّلات&quot;... المعنى ومأساويّة انقطاع الألفة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20427</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ملك عفونة]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 24 Mar 2021 10:29:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%ba%d9%88%d8%ab%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85/</guid>

					<description><![CDATA[<p>الهلع وانقطاع الألفة تروي إحدى قصص الدراويش حكايةَ نابش فضلات غشيَ في سوق العطّارين، فحاولوا إيقاظه بمختلف أنواع العطور الفوّاحة فلم يستيقظ، فجرّبوا بكريه الرائحة فاستيقظ، وصرخ: هذا عطرٌ حقًا. كلّ واحدة من هذه الحكايات تنطوي على حكمة صوفيّة، تَرِدُ في البداية تلميحًا ثمّ تَفِدُ تصريحًا. وحكمة هذه الأقصوصة تتلخّص في العبارة التالية: "عليك أن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20427">حسين البرغوثي في قصيدة &quot;التحوّلات&quot;... المعنى ومأساويّة انقطاع الألفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الهلع وانقطاع الألفة</span></strong></p>
<p dir="rtl">تروي إحدى قصص الدراويش حكايةَ نابش فضلات غشيَ في سوق العطّارين، فحاولوا إيقاظه بمختلف أنواع العطور الفوّاحة فلم يستيقظ، فجرّبوا بكريه الرائحة فاستيقظ، وصرخ: هذا عطرٌ حقًا.</p>
<p dir="rtl">كلّ واحدة من هذه الحكايات تنطوي على حكمة صوفيّة، تَرِدُ في البداية تلميحًا ثمّ تَفِدُ تصريحًا. وحكمة هذه الأقصوصة تتلخّص في العبارة التالية:</p>
<p dir="rtl">"عليك أن تتجهّز للتحوّل الذي لا يكون فيه شيءٌ من الأشياء التي ألفتها." [1]</p>
<p dir="rtl">تبدو للوهلة الأولى جملةً مرعبة، ثم يتبدّد الرعب مع مواصلة القراءة سطرًا لاحقًا:</p>
<p dir="rtl">"بعد الموت، سيتحتّم عليك الاستجابة لمؤثّراتٍ (غريبة)، أتيحت لك هنا فرصةٌ مُسبقة لاختبارِها" [2]</p>
<p dir="rtl">يكمن الرعب في التلميح، في السياق المجهول للحكمة، ثمّ تحلّ الطمأنينة مع الوضوح. فالهلع والأمان حالات شعوريّة مرتبطة بمأثّرات لحظيّة. الرعب المتعلّق باختفاء كل ما نألفه جملة واحدة وإلى الأبد، والذي يتعمّق مع ضرورة الاستجابة لهذا التغيّر الراديكالي القادم، يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بمجهوليّة زمن الحدث، التي تقتضي أيضًا عنصر الصدمة، واحتماليّة وقوعه في حياتنا الدنيا، أي حسب نظامنا الرمزي الذي أصبح مرنًا إلى درجة التسرّب إلى اللاوعي، وباشتغاله المستقلّ هناك (في اللا وعي) انتفت حاجتنا إلى فهمه ومواجهته.</p>
<p dir="rtl">إذا اختفت فجأة كل العلائق المادّيّة والاجتماعية التي أنشأت رمزيّات هذا النظام الرمزي، سنجد أنفسنا في العراء. مهما كان هذا العراء ممتلئًا بعلائق ماديّة واجتماعيّة أخرى، سيظلّ منفصلًا عنّا، ولن يصبح لنا هذا الكون الجديد بيتًا، بالمفهوم الذي يقارب فيه هايدغر وجودنا اليوميّ، وذلك ببساطة لأننا لم ننشأ به بطريقة عضوية تسمح له بالتسرّب إلى اللا وعي، بل رُمينا فيه محمّلين بذكرى نظام رمزي آخر، سيكون حضوره مصدر رعبنا بعد أن فقدَ كلّ ما يمكن أن يلتصق به ليشكّل لنا المعنى، مثل سبايدر مان اختفت من حوله فجأة أثناء طيرانه كل ناطحات السحاب التي يوجّه خيوطه نحوها ورفض الهواء الذي حلّ مكان الواجهات المتلاشية (رغم أنه عليل ومنعش في الأعالي) استجداءَ خيوط العنكبوت للالتصاق. بلا واجهات (بيئة موضوعية)، لا معنى لقدرات الرجل العنكبوت الخارقة (الذاتيّة).</p>
<p dir="rtl">حين ننتقل إلى الجملة التالية، ونكتشف أن اختفاء كلّ ما هو أليف سيحدث في الآخرة، بعد الموت، نتنفّس الصعداء، وندرك أنّنا سنحيا في أمان ما حيينا هنا. أمّا القيامة فحياة أخرى تجبّ سابقتها وكلّ شحناتها الرمزيّة، ونبعَثُ إثرها كما يُبعثُ معنا المعنى، الذي، ربّما يكون الرعب منطقه، وحينها قد لا يكون الرّعب مُرعبًا، بالمعنى الذي نألفه، لأنّ "التحوّل" سيحدث حينها على الألفة ذاتها، لا على المألوف. </p>
<p dir="rtl">لكي لا يصبح تحوّل الأشياء حولنا مرعبًا، عليه أن يشملنا أيضًا، هكذا يكفّ عن كونه مواجهة بيننا وبين الأشياء المتحوّلة. أمّا السيناريو الأكثر رُعبًا، فهو أن نتحوّل نحن وتبقى الأشياء حولنا كما هي، هذه هي "الحال" التي يصبح عليها الثوّار مثلًا، ويكون هذا التحوّل فعل انفصالٍ عن "البنية الحضاريّة السائدة" [3]، وتجاوزٍ لهذه البنية، ولكن إلى أين؟ إلى "سائد" جديد، علينا أن نخلقه من خلال ممارستنا الثورية، أي أننا إذا تحوّلنا وجب علينا بالمثل أن نحوّل العالم معنا، أن ندفعه ليستألفنا بدلًا من أن نستألفه، إن لم نستطع أن نحوّل العالم معنا، إن استعصى على التحوّل، سنقع في مأزق، وسيصبح تعايشنا مع البنية الحضارية التي تجاوزناها ضربًا من الجنون والانسلاخ المتدرّج عن الذات حتى لا يبقى منها سوى شبحها الماضي، "حالة" الشبحيّة هذه هي الكينونة الوحيدة الممكنة للثائر في عوالم ما بعد الثورات المُجهضة. التحوّل مقرون دومًا بالأسى إن لم يكون شاملًا، ذاك أنّ التحوّل فعلُ انقلاب، هو التغيّر الذي لا رجعة عنه من حال إلى حال، ومتى بدأ التحوّل، لا يمكن للأشياء العودة إلى نصابها السابق، وهذا ينسحب على الألفة، متى فُقدت الألفة مع "حالٍ" ما لا يمكن استرجاعها، وإن عادت فتعود وحشًا من وحوش الذاكرة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">شهوة تحوّل المعنى </span></strong></p>
<p dir="rtl">يبلّغنا حسين البرغوثي منذ الأسطر الأولى من قصيدة التحوّلات أن الصلة التي يُنشئها بين ما كتبه وما عناه هي صلة ترتكز على النّفي لا التّحديد، أي أنّه بدلًا من الإشارة إلى الأشياء التي يشترك فيها المعنى، يكوّن قصيدته من الأشياء التي تشترك في عدم تكوين المعنى، فيمارس بذلك ما يشبه تجريدًا لغويًّا* معكوسًا - أو <span style="color:#7f8c8d">"سمّه: الرقصَ النقيض"</span>.** ورغم أنّ المعنى يقع خارج القصيدة تمامًا، خارج شكلها ومحتواها وتصاويرها ومخيالها وبنائها وذاكرتها وزمانها، فهذا لا يقول إنّ القصيدة لا معنى لها، أو إنّ القصيدة منفصلة تمامًا عن معناها، ولكنّهما يرتبطان بعلاقة "غير مألوفة"، علاقة متحرّكة، ثائرة، مشحونة، على صفيح من الجمر، علاقة أبديّة الفاعليّة، خلافًا للصلة المرتكزة على التّحديد، كأن نقول أنّ ما نعنيه هو هذا وهذا وذاك، ثمّ ينتهي المطاف الشّعري وترتاح العبارة في معناها ويعمّ السكون. ولكن على عكس ما قد نتوقّع، فإن الصلة النافية في هذا السياق موجبة، بينما الصلة المُحدِّدة سالبة. وبهذا تحضر "التحوّلات" في القصيدة منذ اللحظة الأولى لتأسيس العلاقة بينها وبين معناها.</p>
<p dir="rtl">يقول الشاعر:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صياغةً أخرى قصدتُ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">عنيتُ "غيرَ" صياغتي الأولى و"غير" صياغتي الأخرى،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وما سأصيغُ.</span></p>
<p dir="rtl">في الصياغة الأولى، لا تتّضح المشكلة كما تتضّح مع الصياغة الأخرى، التي كان الشاعر -قبل تحقّقها- يعوّل عليها في إيضاح المعنى الهارب. فالصياغة الأولى تجربة فاشلة لإيضاح معنى، أي أنّها مُحمّلة بالأمل، أمل النجاح في الصياغات القادمة، فالأمل، مثل الرّغبة، شيء مؤجّل دومًا ومسلوخ عن حاضره، ومثل الرغبة تمامًا، فإنّ تحقق الأمل يعني انتهاؤه، إنّه مصيره المأساوي [4]، فالأمل شرنقة عليها، كي تواكب سيرورتها وتُخرج الفراشة التي تحبسها إلى النور، أن تتمزّق. ولكن مع كلّ صياغة أخرى، مع كلّ تجربة أنضج بالضرورة من سابقتها، يتعمّق هذا الفشل بدلًا من الاقتراب من النجاح، ممّا يكشف أن الفشل ليس المشكلة الحقيقية، بل الاستحالة: استحالة اجتماع المعنى مع الصياغة في لحظة واحدة. المسألة هنا زمنيّة، فالمعنى "يتحوّل" مع كلّ صياغة مُتحقّقة، الصياغة هي موت جسد المعنى وتحرّر روحه على أمل أن يتلبّسها جسد قادم، كما في تناسخ الأرواح: "<span style="color:#7f8c8d">أرى روحًا بلا جسدٍ أرى، جسدًا بلا روحٍ</span>". ولكن التناسخ المُشتقّ من فعل نَسَخَ لا يؤدّي هنا إلى التّطابق، فهناك تحوّل يجري في كلّ عملية نسخ، في كلّ محاولة تكرار، كما ينبّهنا دريدا في كتاباته الشهيرة عن الاختلاف والخِلاف والإخلاف، مشيرًا إليها بالفرنسيّة في كلمة واحدة هي Différance، والتي يقترح كاظم جهاد أن يترجمها بهذه الصورة: اخـ(ت)ـلاف [5]. فمن أجل تعريف كلمة واحدة أو الوقوف على معناها، علينا استخدام كلمات أخرى، وكلّ واحدة من هذه الكلمات تحمل تعريفاتها الخاصّة وكهذا إلى ما لا نهاية من الركض في حلقة لغوية مفرغة، ناهيك عن وحدة المعنى في الكلمة نفسها باعتبارها ترتيبًا معيّنًا من الحروف. ما يهمّنا من هذا الحوار كلّه هو المعنى المُرجأ، المؤجّل، وما تحمله صفة الإرجاء من تغيّر. لهذا السبّب يجرأ الشاعر -رغم تردّده وعجزه أمام تفلّت المعنى- على تسميته بالتحوّل:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أسمّيه: "التحوّل"،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">سمّيه ما شئتَ أو كيف اشتهيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هو الخروج عن الذي سمّيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وهو الاشتهاءُ لغير ما كنتَ اشتهيتَ.</span></p>
<p dir="rtl">يبدو التحوّل باعتباره اسمًا للمعنى هو التحديد الوحيد أمام كلّ هذا النفي، ولكنّه في الوقت ذاته نفي آخر، لا يتحقق من خلال أداة النفي، بل هو متضمّن في "التحوّل"، والتحوّل صيرورة لحظة تنفي ما قبلها وسينفيها ما بعدها، ولهذا يتّكئ عليها الشاعر، الذي يحرص حتى فيما يُثبته على التملّص من الثبات ومن تبعاته المُعقلنة، ولذا نراه يُثبِت بناءً على كيفيّة شهوانيّة رغائبيّة (إيروسيّة) لا عقلانية (لوغوسيّة)، فهو يسمّي التسمية التي يشتهيها، مُطمئنًا سريعًا إلى تحوّل اشتهائه، ليتموضع المعنى هذه المرّة في اشتهاء التحوّل، فالمعنى المُشتهى يتحوّل وكذلك تتحوّل شهوة المعنى والشاعر يشتهي تحوّل المعنى اللانهائي في قوله: "<span style="color:#7f8c8d">شيئًا لا يُحدّ وليس تفهمه الحدود</span>". على خلاف الرغبات الأخرى، إن تحقق هذه الرغبة لا يُفقدها شيئًا من جوهرها، فكلّ تحقّق لهذه الرّغبة هو بحدّ ذاته تولّدُ جديد لها.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">القصيدة والقصد، المعنى والمُعاناة</span></strong></p>
<p dir="rtl">يصرّ الشاعر على مقاربة المعنى بلغة الجسد التائق إلى اللذّة، دون أن يتخلّى عن كمال الرغبة غير المتحقّقة، فيقول "قصدتُ ملذّة من غير هذا النوع". على عكس الرّغبة التي تنتهي مع تحقّقها، فإن الملذّة لا تبدأ إلّا بتحققها، أي أنّ اللذة لا تعيش في زمان قصدها، ولا يمكن للذّة المقصودة إلّا أن تكون رغبة في حينها، وهكذا يتحقّق التزامن المستحيل للقصد والمقصود في قصيدة حسين البرغوثي، من خلال تكامل عمليّة التحوّلات، لينمذج لنا التقدّم غير الخطّي لزمنيّة المعنى الشّعري، في سرديّة مشهديّة يوجد خلالها المعنى في حالة تداخل زمني، يتكدّس مستقبله داخل فقاعات تتطاير في هواء لحظته الحاضرة قبل أن تثقّبها إبرة التحوّل ناثرةً محتواها الذي يشقّ عليها الاستمرار في حمله عبر هواء الحاضر. استمرار هذا التداخل الزمني إذن محتوم بالمعاناة، مُعاناة تثاقل مستقبل المعنى على هواء حاضره، ممّا يستدعي التحوّل لتخليصه لحظيًّا من هذا المُعاناة. </p>
<p dir="rtl">إذا أخذنا الجذر اللغوي للـ "قصيدة" بعين الاعتبار، ننتبه إلى أنّها دومًا في "حالٍ" من القصد. وهو حالٌ فاعلٌ غير ساكن، إنّه حالُ مُحاولة، واقتراب، وملاحقة، وانبثاق... أي، حالُ مشقّة و"عناء". أن تكتب قصيدة يعني أن تقصد، أن تقصد يعني أن تعني. أحيانًا يقول الشاعر: قصدتُ... وأحيانًا يقول: عنيتُ... وما بين العَنْي (مصدر عنى) والعناء (مصدر عنا) ألفٌ قائمة، وفعل قيامها هو فعلٌ شاقّ، وفي غضونه يتحوّل المَعنى إلى مُعاناة إيذانًا بانثقاب الفقاعة.</p>
<p dir="rtl">يشير فرانكو بيفو بيراردي إلى مشقّة احتمال (تحمّل) الرغبة المنزوعة عن احتمال (احتماليّة) تحقّقها؛ عن لذّتها؛ عن التمتّع بموضوع هذه الرغبة، مُقتبسًا عن هيراقليطس قوله: "من العسير مُقاومة الرّغبة؛ لأنها تنتزع ما تشتهيه من أرواحنا." [6] ماذا يحدث للرغبة التي لا تتحقّق؟ ينظر فرويد إلى الحلم باعتباره ذُهانًا، ويؤوّله على أنّه إشباع رمزيٌّ للرّغبات المتسرّبة إلى اللا وعي من خلال عملية الكبت، حيث يمارس موضوعُ الرغبة المكبوت تأثيرًا انتقائيًّا [7] على محتويات الحلم، موجّهًا إيّاه نحو سيناريو يحقّق تلبيةً رمزيّة للرغبة. "سمّه: حُلُمًا"، يقول حسين البرغوثي، عن الظهور الشعري للمعنى المكبوت في صياغات القصيدة، التي يعتبرها الشاعر "تنازلات الروح كي ترضى بنصف النصف"، وهكذا نجد في كلٍّ من الحلم لدى فرويد والقصيدة لدى حسين البرغوثي استعاضةً بائسة ولكن لا مفرّ منها عن التحقّق الفعلي للمكبوت، ولكنّ روح حسين البرغوثي المتنازِلة على شكل قصيدة، هي تخفيفٌ لمعاناة روح هيراقليطس التي "تنتزع منها الرغبة المكبوتة ما تشتهيه". </p>
<p dir="rtl">يبحث الشاعر في قصيدته عن الحُلُميّة الأجدر بارتياد ذهان المعنى، كما لو كان يبحث عن أفضل خسارة استعاضيّة، فيعيد ترتيب "المألوف" بمحض إرادته وبجهد ذاتي خالص في سلسلة من التعابير والصياغات والتصاوير التي لا يُبقي فيها من علاقات الأشياء المألوفة في الواقع أثرًا، خالقًا لروحه المُتنازلة نظامًا رمزيًّا فريدًا وجديدًا، يدعوها إليه قائلًا:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">إذن تعالي،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">خارج المألوف، نحو صياغةٍ أخرى</span></p>
<p dir="rtl">مُنبّهًا القارئ إلى ذلك منذ البداية، حين يقول:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صياغةً أخرى قصدتُ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">]...[</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"غير" العشبِ، "غيرَ" الأرض، "غير" القبلة الأولى،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وغير القبلة الأخرى،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وما كنتُ استسغتُ، وما أستسيغ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وغير هذا النَفَس المألوف.</span></p>
<p dir="rtl">هكذا إذن يبلّغنا الشاعر أنّه سيغرّب لنا العشب والأرض والقبلة الأولى وكلّ ما يتناوشه نَفَس الواقع المألوف عن نظامه الاجتماعي الرمزي ويلقي به في علائقيّة مختلفة، تدلّ فيها الدوالّ على مدلولاتٍ أُخَر. ومثلما تُنتزع الصور من واقعها البصريّ إلى مصافّ الحلم، ينتزع حسين البرغوثي الكلمات من واقعها اللغوي "العجوز" إلى مصافّ الشعر، مُخلّصًا اللغة من علاقات "<span style="color:#7f8c8d">السأم المتوارث</span>" المألوف، وزاجًّا بها في علاقات غريبة، مستوحشة، مرعبة، يخبرنا أنّه "<span style="color:#7f8c8d">يمنحُ فيها مملكته للخراب، ومنزلته للطوفان</span>"، لتصبح هذه التحوّلات المأساويّة "<span style="color:#7f8c8d">مدخله للأراضي الجميلة</span>" التي يستفيق فيها نابش الفضلات على رائحة العطر التي يشتمّها أنفه لأوّل مرّة دون حِكَمٍ أو عِبَر. </p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تعقيبات:</span></strong></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">* التجريد اللغوي هو نزع الصّفات الخاصّة عن مجموعة من الأشياء والإبقاء فقط على الصفات العامّة التي تشترك بها هذه المجموعة من أجل وضعها ضمن فئة اسميّة واحدة.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">** كلّ العبارات الواردة في النص بلون رمادي هي اقتباسات أو تحويرات عن اقتباسات من قصيدة "التحوّلات" للشاعر حسين البرغوثي.</span></h5>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">المصادر:</span></strong></p>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">[1] Idries Shah (1969): Tales of the Dervishes: Teaching Stories of Sufi Masters Over the Past Thousand Years. E. P. Dutton & CO., INC: New York, p.145</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ترجمة الكاتبة للجملة الأصليّة:</span></h5>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">“You must prepare yourself for the transition in which there will be none of the things to which you have accustomed yourself.”</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[2] المصدر السابق. ترجمة الكاتبة للجملة الأصلية:</span></h5>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">“After death your identity will have to respond to stimuli of which you have a chance to get a foretaste here.”</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[3] أدونيس (2005): زمن الشعر. دار الساقي: بيروت، ط6، ص207.</span></h5>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">[4] Bloch, E. (1964): Something’s Missing: A Discussion between Ernst Bloch and Theodor W. Adorno on the Contradictions of Utopian Longing, in The utopian function of art and literature: selected essays (1996). Translated by Jack Zipes and Frank Mecklenburg. Cambridge, Mass.: MIT Press. بتصرّف من الكاتبة</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[5] كاظم جهاد (1997): من الهويّة إلى الاختلاف: سياسة دريدا. مجلة الكرمل، عدد 50، ص 65-79.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[6] فرانكو بيفو بيراردي: بين الرغبة والمُتعة. ترجمة غير منشورة لفريق مُدام.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[7] سيغموند فرويد (1978): الأحلام والهذيان في الفن. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر: بيروت. ط1، ص 69.</span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20427">حسين البرغوثي في قصيدة &quot;التحوّلات&quot;... المعنى ومأساويّة انقطاع الألفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«الضفة الثالثة لنهر الأردن»... اللغة وطناً</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20426</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سومر شحادة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Mar 2021 17:46:51 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b6%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%af%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%b7%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تحملنا رواية «الضفة الثالثة لنهر الأردن» للشاعر الفلسطيني الراحل حسين البرغوثي (1954-2002) على التساؤل حيال طبيعة الضفة التي قصدها؛ إذ تستطيع العبقرية ابتكار مفاهيم خاصّة بها؛ بوسع الشاعر أن يَصطلحَ مكان إقامة حبيبتهِ بــالجهة خامسة. والنهر الذي نعرف له ضفتان، بوسِعهِ أن يصطلحَ له ضفة ثالثة. تُجمِع كثيرٌ من القراءات على اعتبار الضفة الثالثة التي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20426">«الضفة الثالثة لنهر الأردن»... اللغة وطناً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">تحملنا رواية «الضفة الثالثة لنهر الأردن» للشاعر الفلسطيني الراحل حسين البرغوثي (1954-2002) على التساؤل حيال طبيعة الضفة التي قصدها؛ إذ تستطيع العبقرية ابتكار مفاهيم خاصّة بها؛ بوسع الشاعر أن يَصطلحَ مكان إقامة حبيبتهِ بــالجهة خامسة. والنهر الذي نعرف له ضفتان، بوسِعهِ أن يصطلحَ له ضفة ثالثة.</p>
<p dir="rtl">تُجمِع كثيرٌ من القراءات على اعتبار الضفة الثالثة التي يعنيها البرغوثي، هي الغربة. وهذا رأي لهُ جدارتهُ، لا سيما أنّ الكتاب جزءٌ من سيرته عن فترة دراسته في هنغاريا؛ حيثُ يذكر أماكن عاش فيها، وأشخاص خاض معهم تجارب عديدة. حتى أنّ الرواية برمتها، رسالة إلى حبيبتهِ "دانا"، وهي فتاة مضت إلى مصيرها، فيما انتهت سيرة البرغوثي في السجن، بما لذلك من رمزية.</p>
<p dir="rtl">لدى الشّاعر الفلسطيني كلّ ما يصنع فرادة المنفى، وأكثر ما يصنع تلك الفرادة هي وطنه؛ الفردوس المفقود، الذي تسبّب فقدانهُ بشتاتٍ مترامٍ. فلسطين بلدٌ محتل، يصارع أبناؤه من أجل حق العيش والتنقّل، وتشير رواية السيرة الصادرة في الطبعة الأولى سنة 1984 (صدرت <a href="https://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener">بطبعة جديدة </a>عن الدار الأهلية في عمّان، ٢٠١٧) إلى ما يخصُّ الأفراد، لا في شؤون نجاتهم، فهذهِ متعذرة تعذّر الوطن. وإنّما في التشرّد، في الابتعاد الذي لا يلبثُ أن يصير قيوداً صلبةً غير مرئية، تربطهم بالأرض الأولى، وبالنسبة إلى الفلسطيني، إلى الأرض الضائعة المحتلة. بذلك في الوقت الذي تصيرُ فيهِ كلّ أرضٍ احتمال انتماء، يُعلَّق الفلسطيني إلى انتماءٍ ينازعهُ الفراغ. إنّه معلّق إلى مكان، أكثر ما يكون حرّاً بالتعاطي معهُ، في الذاكرة. وهو بذلك شخص لا يريدُ، ولا يستطيع أن ينسى.</p>
<p dir="rtl">يرى مدنهُ، كأنّها مدنٌ لا يعرفها. إذ إنّه حبيسُ واقعين؛ أحدهما يطلقهُ إلى العالم، والآخر يقيدهُ بسلاسلِ الحنين إلى أرضٍ لم تعد موجودة، وفقَ تصوّرهِ لها، سوى في ذاكرتهِ. ماذا بوسعِ شاعرٍ، وهو يفكّرُ في غربتهِ، حيال مكان يستطيعُ فيهِ أن يكون حرّاً وأن يعيش كما لأيّ إنسان آخر أن يعيش وأن يحبّ ويتأمّل وينجح في دراستهِ وأعمالهِ. ماذا بوسعِه، وهو يبحث عن مكان يستطيع عبرهُ أن يقول إنّه ضائعٌ يبحثُ عن فردوسٍ مفقود. ماذا بوسعهِ أن يفعل سوى أن يتيح لعبقرية الشعر في كتابٍ سردي، بأن تقدّم لهُ وطناً لا يُنتَزع، ولا يجاريهُ أحدٌ فيهِ، إنّ الضفة الثالثة التي وصل إليها الشاعر؛ هي اللغة.</p>
<p dir="rtl">وفرادةُ الكتاب، لا التجربة التي يحكي عنها، ولا المقولات التي تُعنَى بأن تجعل الحياة أكثر بساطة بالنسبة إلى من لا يملك من أمرهِ شيئاً، لكنّ الفرادة التي يقع عليها كتاب البرغوثي هي سيلهُ المتدّفق العذب، الذي يضمّ فنوناً كثيرة إلى ضفافهِ البليغة، فالرواية أشبه بشريط سينمائي لمشهدٍ واحدٍ طويل، يدورُ الشريط ويدور، يمتدُ العرض ويشمل صور الغربة العميقة عن المكان وعن الذات. لكن أيشكلُ فرقاً بالفعل، أن تكون الضفة الثالثة هي اللغة لا الغربة؟</p>
<p dir="rtl">الغربة قد تصير وطناً بديلاً، لكنّ اللغة تحفر عميقاً في الوطن الأم؛ تبحثُ عنه، تناديهِ، تنشد عودته، وتعيدُ ابتكارهُ، مثل من يستعيدُ حقاً. بذلك فالبرغوثي يستجير باللغة، وقد استنزف ممكناتها، حتى لا يفقد صورةَ بلده، إنّه يكتبُ عن بلدٍ، يفترضهُ، كي لا يصير منسيّاً، كما في هذا المقطع: "وصلتُ حيفا، مدينة لم أرها في حياتي. شوارعها الخالية أذكرها جيداً والأوراق المرمية في الساحات أذكرها جيداً ولكن لا أعرف المدينة ولا الشارع ولا البيوت. أزقة مضيئة بمصابيح صفراء من القلق في ساحات تتفرّغ منها الأزقة مثل متاهات صمّمها مهندس خاص لمشردين من نوع خاص"<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="533" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Scan-7_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">ليسَ مثل اللغة وطناً للهاربين، للذين يشتكون غياب المستقبل وفرار الماضي، وهم عرضة للطرد والاعتقال والتفتيش. وما يلبثُ العالم الذي يعيشون فيهِ أن يتحوّل إلى مجرد ذكرى لقصص مبتورة، لإقامات غير آمنة، وتشرّد غير منتهٍ بين البلدان، كما لا يلبثُ العالم الداخلي يعبرُ بهم متاهات الوحدة والخوف والحنين والحبّ القصيّ. مسوّغات كثيرة للشخصيات التي رافقت حياة البرغوثي، تجعلُ اللغة هي الضفة الثالثة التي كان يرومها دائماً. لا لتمكّنهِ وحساسيته اللغوية، وإنّما لأنّه يتحدّث عن أناسٍ لم يتح لهم أن يعثروا على أنفسهم في غمرة البحثِ عن أوطان رحيمة. تبتكرُ لغة البرغوثي مفاهيمها، ويحمل السرد فكرهُ الخاص، ومهما بدا الواقع ملحاً إلا أنّ الشاعر أبقى على تحفظاتهِ، وفكر في حلولٍ حملها إلى متتالية، تكادُ تنشقّ عنها اللغة، تولّدها، بقدر ما يولّدها الواقع، هنا يتحدّث عن الثورة في متتالية تنجبها لغة متداعية سببية: "الشرط الأول للتقدم هو أن نتقزّز من أنفسنا حتى نهرب منها! مسألة بسيطة! العالم الثالث يعبد أوروبا وأوروبا تعبد أمريكا وأمريكا لا تعبد شيئاً ما عدا حرباً عالمية ثالثة. فلنحوّل عقد النقص إلى تقزّز والتقزّز إلى ثورة والثورة إلى احترام الذات".</p>
<p dir="rtl">في سعيه الحثيث الذي ينتهي بهِ غريباً بين ناسٍ غرباء في شوارع يألفها، بدا البرغوثي وكأنّه يختبر مجدداً اغترابهُ. يقول "لكلّ شعب فردوسه المفقود الخاص به، ولكلّ واحد منا فردوسه المفقود الخاص بهِ، ولكلّ فردوسٍ أساطيره الخاصة" وما إن نعرف أنّ الرواية رسالة إلى حبيبةٍ غائبة، ندرك أنّ الفردوس المفقود؛ هو الحبّ. والأسطورة التي لجأ إليها للتعبير؛ هي اللغة. الوطن ليس غائباً البتّة، غير أنّه ينوس بين هاتين القيمتين، يَشغلُ هذين الفضاءين مهدوراً ومستحيلاً.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20426">«الضفة الثالثة لنهر الأردن»... اللغة وطناً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«حجر الورد»… &quot;وجهي يحتملُ أقنعةً عدّة&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20425</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس العيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Mar 2021 11:12:56 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%ac%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%87%d9%8a-%d9%8a%d8%ad%d8%aa%d9%85%d9%84%d9%8f-%d8%a3%d9%82%d9%86%d8%b9%d8%a9%d9%8b-%d8%b9%d8%af%d9%91%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ارتبط «حجر الورد» لديّ بذكرى خاصة حدثتْ في الأيام الأخيرة التي قضيناها في المستشفى برفقة حسين البرغوثي بعد أن أخبرنا الطبيب بصعوبة علاجه. وكان وقتها ما يزال متوهجاً بطاقته وقدرته على الحوار والمجادلة وفضول للمعرفة لم يخبُ تحت وطأة المرض. ظلّ حضوره مدهشا حتى وهو في السرير، بذهنٍ متوقّد رغم الإنهاك الشديد نتيجة المرض والعلاج [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20425">«حجر الورد»… &quot;وجهي يحتملُ أقنعةً عدّة&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">ارتبط «حجر الورد» لديّ بذكرى خاصة حدثتْ في الأيام الأخيرة التي قضيناها في المستشفى برفقة حسين البرغوثي بعد أن أخبرنا الطبيب بصعوبة علاجه. وكان وقتها ما يزال متوهجاً بطاقته وقدرته على الحوار والمجادلة وفضول للمعرفة لم يخبُ تحت وطأة المرض.</p>
<p dir="rtl">ظلّ حضوره مدهشا حتى وهو في السرير، بذهنٍ متوقّد رغم الإنهاك الشديد نتيجة المرض والعلاج الكيماويّ. كنّا في الليلة الأخيرة متوقعين رحيله بين ساعة وأخرى، ونقضي الوقت في التدخين والصمت المتقطّع وانتظار شيء نخاف حدوثه. إلى أن بدأنا بسماع الدقّات على الشاشة الطبيّة تتسارع، فهرعنا حول سريره. اقتربتْ منه بترا وأمسكتْ بيديه وهي تبكي وتقول آخر كلماتها له. واقتربتُ منه حاملا نصّ «حجر الورد»، وبدأتُ بقراءته، كنتُ أقرأ عليه أحبَّ النّصوص إلى قلبه مع تقطّع أنفاسه الأخيرة. أقرأ دون توقّف أو انقطاع، وبصوتٍ عالٍ، وأقرأ حتى الإجهاد الذي يخالطه إحساس بفقدان وشيك. كنتُ أراه يموت، وكلماته تنهار من فمي على محياه، وهو مغمضٌ عينيه بوداعة الملائكة، وبوجهٍ شاحبٍ.</p>
<p dir="rtl">استمررتُ في القراءة كأنّها كانت الخيط الأخير الذي يربطه بالحياة، كما قال الصديق محمود أبو هشهش حينها. الأطباء والممرضون ينظرون من باب الغرفة إلى مشهد سرياليّ: "شخص يقرأ شعراً على شخص مريض يموت، يودّعه بكلمات غير القرآن". بدونا لهم كمشعوذين. أقرأ "أتى كنبيٍّ ومضى كنبيّ من عالمٍ آخر ومن حلمٍ مختلف، علامةً بُعثتْ من قوى أعلى حتى هو لم يكن واعيا بها...".</p>
<p dir="rtl">كنتُ أقرأ نصّه بأخطاء لغويّة فادحة من شدّة الإرهاق والتعب المتواصل والمتراكم منذ عدة أيام، وبسبب دمعتين كبيرتين التصقتا بعينيّ، لم أعد أرى الكلمات بوضوح من خلالهما، وأنا أنتقل من سطر إلى آخر، ومن صفحة إلى أخرى. وكان مفاجئا لي في تلك اللحظة أنّه لم يعبّر عن امتعاضه، أو يقطّب حاجبيه، فكنتُ بين لحظة وأخرى أنظرُ إلى وجهه متوقعّا إشارةَ غضبٍ منه كما هي عادته إذا أخطأ أحدنا في قراءة نصٍ أمامه.</p>
<p dir="rtl">بدت كأنّها محاولة أخيرة ويائسة لإعادته إلى الحياة بخطأٍ لغويّ! لكني شعرتُ للمرة الأولى أنني في مأمنٍ من نقده! وكان هذا مُريحاً ومُحزناً بشكلٍ قاسٍ في تلك اللحظة. وقرأتُ حتى لم أعد أشعر بصوتي، لم أعد أشعر بالكلمات، ولا من حولي، إلى أن توقّفتْ دقّات الشاشة!</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ثراء اللغة</span></strong></p>
<p dir="rtl">أوّل ما يشدّ الانتباه في «حجر الورد» هو اللغة التي يوظّفها النصّ. فهي تأخذ من الشعر كثافة العبارة، وثراء التشبيهات والاستعارات وغرابتها وعمقها. وتأخذ منه أيضا تعرّجاته اللغويّة وقفزاته البعيدة، كقوله "وكأنّه لم يكن يعي حدوده، كنهر يفيض" وقوله "ومحيطات أخرى ظلّت فيه خارج العبارة". وتأخذ من النثر تدفّق السرد وانفلاته، وحريّة الوصف والتوالد المستمر. فالنص في النهاية مزيج من كلّ هذا: ليس رواية بالمعنى الحكائي للكلمة، فيفتقد لحبكة ولبناء نامٍ ومُرَكّب للشخصيّات، وليس قصيدة لأنّه في الأساس يروي قصّة تتفاعل فيها شخصيّات عدّة. </p>
<p dir="rtl">وتبلغ هذه اللغة ذروتها بما تحتشد به من هواجس وأفكار فلسفيّة ومآثر أدبيّة وقصص ميثولوجيّه متعددّة المشارب. جانحةً  أحياناً إلى لهجة نبويّة في القول، مدفوعة بهاجس رؤيويّ يطمح إلى إعادة تعريف الأشياء، كقوله "الصوت سوط" و"الذاكرة متحفٌ ميتٌ" إلخ. وهذا النزوع الرؤيوي يأخذ شرعيّته الفكريّة والفنيّة من سلطة "المعلم"، الذي جاء كنبيٍ ومضى كنبيّ، صاحب القول ورأس الحكمة المُفترض.</p>
<p dir="rtl">بالإضافة إلى ذلك، يتخلّل السرد اقتباسات قرآنيّة وأدبيّة من النفري إلى ابن عربي والشعر العربي القديم. اقتباسات تصل غالباً إلى حدّ التقمّص، فهي ليست إضافات على النصّ بل جزء من بنيته. كوصفه لقدوم "المعلّم" بأنّه جاء من كهفٍ بعد أنّ نام فيه سبعة قرون. فالنص هنا لم يقتبس هذا القول القرآني فقط، بل اقتبس القصّة أيضا. لذا فهو يتجاوز فكرة الاقتباس إلى حالة التقمّص الكامل لهذه القصّة القرآنيّة وإدماجها في النصّ بحيث تصبح جزءاً من السيرة الشخصيّة لهذا "المعلّم" الذي يذهب إلى السوق بعملة قديمة ولا يتعرّف عليها أحد. كل هذه المعارف والرؤى التي تتقاطع في النص تجعل منه كما يقول حسين البرغوثي نفسه "سمفونيّة من الأصوات وأصداء التاريخ". وهذا ما يجعل من لغة «حجر الورد» مشحونة بالإشارات، متعدّدة المستويات، مدهشة بجمالياتها، وعصيّة على التلخيص. ويقول حسين البرغوثي عن ذلك في <a href="https://www.husseinbarghouti.com/portfolio/%D8%A3%D8%AC%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%84%D9%85-%D8%AD%D8%B1%D9%81%D9%8A%D9%8B%D8%A7-%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D8%A8/" target="_blank" rel="noopener">حوار</a>:</p>
<p dir="rtl">"كنتُ في «حجر الورد» أريدُ جملاً تشعّ بالإيحاءات، وكنتُ أسأل نفسي كيف أربطها، أنت - كقارئ - تربطها بالإيقاع الآخر. هذه مشكلتكَ أنت. فالجمل قابلة للربط. لا يوجد منطق بمعنى سبب ونتيجة لكي يربط هذه الجملة بتلك، أو بين فقرة وأخرى، أو أين بداية ونهاية عبارة وأخرى أو صوت وآخر". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">التاريخ كمسرح مفتوح</span></strong></p>
<p dir="rtl">يبدو التاريخ أمام هذا "المعلم" أو "النبيّ" مسرحاً مفتوحاً، يتنقّل بين أزمانه وحُقبِه كأنّه يصعد الدرج من طابق إلى آخر، أو كمن ينعطف من شارع إلى آخر يليه. نجده في مقهى للعب النرد في تدمر القديمة، ثم نجده في قصر في أصفهان، ثم في بيت في طنجة وقبل هذا كان في كهف ونام سبعة قرون إلخ. يتنقل بين الحقب الزمنيّة برشاقة وتلقائيّة، ويندمج في حيوات شخصيّات عادية بسيطة وميثولوجيّة قديمة. ولأنّ كلّ نص أدبيّ يحمل في ثناياه ما يعلن عن هويته الفنيّة، فإننا نستشهد هنا بهذا المقطع الذي يشكل مفتاحاً مزدوجاً لبناء هذا النص ولشخصيّة "المعلّم" نفسه: </p>
<p dir="rtl">"وأدركتُ لاحقاً أنه يرى العالم بطريقة مختلفة، فيرى العالم متزامناً، ما حدث قبل عشرة آلاف سنة، ربما في زاغروس، موجود في ذاكرته كغرزة تطريز بقرب غرزة أخرى هي ما يحدث عندنا الآن في أصفهان، فالأزمنة متجاورة وليست متتابعة". ويضيف السارد قائلاً: "ولذا تكلّم عن حياته التالية، وعن أين كان في حياته السابقة، وبدا كعالم ينهض من أنقاض عالم". </p>
<p dir="rtl">فهو يعيش الأزمنة كلها دفعة واحدة، الماضي متاح، والحياة السابقة، والماضي الموغل في القدم أيضاً، كلها في مستوى واحد، متجاورة، وهي مكان صالح للعيش والمغامرة، ومساحة لاكتشاف الذات، والتفاعل، وهي كلها في النهاية أجزاء من السيرة الكلية لشخصيّة "المعلم"، وللسارد أيضاً، الشخصيّة الموازية له في النص. </p>
<p dir="rtl">ويتحرّك السرد بشكل تقوده معرفة الكاتب الواسعة العميقة بالحضارات القديمة، وتاريخ الثقافات والأدب والفن، وجغرافيا المدن وحتى طرق القوافل القديمة. وهي في الأساس معرفة ذهنيّة تتدفق في شبكة السرد. لذا يبدو أنّ هناك حاجة عميقة في أجزاء من هذا النص للإبهار، إبهار القارئ، وإحداث الدهشة من كثافة المعرفة. ويبدو هذا مشروعاً وله ما يبرّره في أجزاء من النص، وغير مبرّر في أجزاء أخرى منه، كتوظيفه لفيلم «ذهب مع الريح» في النص، "فسكارليت" إحدى الشخصيّات الرئيسيّة في هذا الفيلم الشهير، الذي صدر في نهاية الثلاثينيّات من القرن العشرين، تخرج من الفيلم وتصبح زوجة السارد. لكن ما لذي تضيفه شخصيّة مثل "سكارليت" إلى هذا النصّ؟ هذا الفيلم المُنتج على الطريقة الهوليووديّة، رغم شهرته الكبيرة، عُرف بتكريسه للكثير من الكليشهيّات عن العبيد والأفارقة. شخصّية "سكارليت" في الفيلم لا تحمّل رمزاً، يضيفُ معنىً خاصاً إلى النص، غير أنها جزء من فيلم ناجح، ومن هنا يأتي هذا الانبهار ربما الذي يجعل حسين يوظّفه في النصّ.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="519" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Scan-1_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تقليديّة في نص ما بعد حداثي</span></strong></p>
<p dir="rtl">العلاقة التي تحكم السارد كمريد بمعلمّه "النبيّ" علاقة تقليديّة رتيبة، تنمّ عن فوقيّة وتمنح المعلّم السلطة والمعرفة الكليّة وكأنّه مصدر الحقيقة والدهشة الدائمة. الحوار بين الشخصيتين ليس متكافئاً، فالسارد كشخصيّة تلميذ مأخوذ بالمعلّم الذي يناديه بكلمة "عبد". وإن كانت هذه العلاقة تستمدّ منطقها من الموروث الصوفيّ الذي يتداخل في النصّ، ولها ما يبرّرها على هذا المستوى، إلا إنها تنمّ عن علاقة تراثيّة لا تنسجم مع نص حرّ كـ «حجر الورد» يُكسّر قواعد الزمن، وبنيته، ويغيّب حدود الأمكنة، ويملك حريّة السفر بين الثقافات والأساطير. فنحن هنا أمام نص ما بعد حداثي يختار بناءً فنيّاً متحرّراً من قيود النوع، والتجنيس الأدبيّ، وقد بدا متحرّراً من أيّ قيد فنيّ أو شكليّ أو موضوعيّ. ولهذا فإن هذه العلاقة التقليدية تُفقد النص شيئاً من بريقه، وتوهجه وجسارته. </p>
<p dir="rtl">وإن كان هذا مثلباً بالمعنى الفنيّ، فهناك أيضاً تناقض نجده أحياناً على مستوى السرد. فيقول السارد واصفاً معلّمه "تعاليمه كانت بلا فائدة" (ص.3)، ثم يناقض ذلك لاحقا بقوله "فلم نعد بعده مثلما كنّا عليه من قبل" (ص.5). ويقول في مكان آخر "كان كشفقٍ، ولم يهتمّ أحد" (ص.4). ثم يناقض هذا "كنا نلتفّ عليه كزنزانة، فينبسط كبحر وينسرح" (ص.7). ويقول أيضا "وكان واضحاً، ووضوحه يخيفنا" (ص.12). ثم يناقض هذا بالقول لاحقاً "لكنّه كان أبعد مما يجب، لا ذاك ولا هذا، غامضا، وراء اللغة" (ص.14).</p>
<p dir="rtl">هل قصد المؤلّف هذا التناقض وما الغاية منه؟ فليس في النص ما يشير إلى أيّ تحوّل في شخصيّة "المعلم"، أو في شخصيّة السارد نفسه الذي يطلق الصفات، وبالتالي تغيّرهما من حالة إلى أخرى. بل تبدو شخصيّة "المعلم" ثابتة، من بداية النص إلى آخره، وهذا الثبات هو ما يمنحها القدرة على إسداء الوصايا وتقرير حقائق الأشياء. لذا فإنّ التناقض هنا من الصعب تبريره، والبحث له عن مخرج فنيّ. حتى لو "كانت اللغة في «حجر الورد» ليست للإيصال، ولا هي واسطة بين الذات والواقع" كما يقول حسين، فإنّ هذا التناقض يستنزف النص، ويربك القارئ، ويحدث خللاً في فاعليّة الوصف. فلا معنى لهذا التناقض الذي لا يعكس تحوّلاً في الشخصيّة الموصوفة، أو يعبّر عن تغيّر في وجهة نظر السارد.</p>
<p dir="rtl">«حجر الورد» (٢٠٠٢، وصدر <a href="http://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener">بطبعة جديدة </a>عن الدار الأهلية في عمّان، ٢٠١٧) عمل تجريبيّ مدهش في جوانب منه، لا سيّما على مستوى اللغة، لكنه يبدو مرتبكاً على مستوى البناء الكليّ للعمل، حيث يبدو تقليديّاً في جانب، وما بعد حداثي في جانب آخر. لكنه يبقى نصّاً ثريّاً بعوالمه، يفتح آفاقاً جديدة، بجرأته، وعمق المعرفة التي تشعّ منه. و«حجر الورد» هو اسم لحجر من أكثر القطع الأثريّة شهرة في العالم، ويسمى la pierre de la rose، حجر كبير من الجرانيت مع نقوش باللغتين المصريّة واليونانيّة، وقد كان حاسما لفكّ الرموز الهيروغليفيّة المصريّة من قِبل الباحثين. هل اختار حسين هذه التسمية من هذا الحجر؟ على كلّ حال، فهما يتقاطعان في الروح والهويّة.  </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20425">«حجر الورد»… &quot;وجهي يحتملُ أقنعةً عدّة&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-12 04:12:17 by W3 Total Cache
-->