<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>سوريا - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/سوريا</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sun, 21 Sep 2025 13:12:53 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>سوريا - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/سوريا</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ستارلينك في دمشق</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36550</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 13 Sep 2025 13:38:35 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36550</guid>

					<description><![CDATA[<p>"(الكتابة) بيتُ الوجود"، بَتصرُّفْ، بالإذن من مارتن هايدغر. توقَّفت عن الكتابة قبل قرابة عشر سنوات. لم أنقطِع عن فضاءاتها وعوالمها تماماً، بيد أنَّ علاقتنا الحميميَّة صارت محصورةً في مسافةٍ آمنة أو لنَقُل عن طريق وساطات: تَرجمات ما بين كتبٍ ومقالات ودراسات، وتكليفات بنصوصٍ أدبيَّة أو مقالات معرفيَّة كتبتُها وتُرجمَت مباشرةً إلى لغاتٍ أخرى دون أن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36550">ستارلينك في دمشق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong>"(الكتابة) بيتُ الوجود"، بَتصرُّفْ، بالإذن من مارتن هايدغر.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">توقَّفت عن الكتابة قبل قرابة عشر سنوات. لم أنقطِع عن فضاءاتها وعوالمها تماماً، بيد أنَّ علاقتنا الحميميَّة صارت محصورةً في مسافةٍ آمنة أو لنَقُل عن طريق وساطات: تَرجمات ما بين كتبٍ ومقالات ودراسات، وتكليفات بنصوصٍ أدبيَّة أو مقالات معرفيَّة كتبتُها وتُرجمَت مباشرةً إلى لغاتٍ أخرى دون أن تُنشَر بالعربيَّة، وبضع أوراقٍ بحثيَّة للجامعة ومراكز دراسات، بالإضافة إلى العمل على مراجعة عشرات الكتب في الأدب وصنوف شتَّى من المعرفة والعمل على تحريرها أو تدقيقها لجهة اللغة. على الرغم من ذلك، ومقارنةً بالسنوات ما بين 2011 إلى 2016، فلا أعتبر أنَّني كتبتُ أيَّ حرف، هكذا ببساطةٍ ووضوح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأعوام آنفة الذكر، ولنسمِّها الذهبيَّة، كتبتُ في النضال والثورة والمجتمع والسياسة والسينما والأدب وغيرها من مجالات، وما زلت أعتبر نفسي من الصفوة الأكثر حظَّاً إذ قُدِّر لي أن أنشر عدداً من نصوصي النثريَّة والشعريَّة في الملحق الثقافيِّ لجريدة النهار اللبنانيَّة قبل إيقاف نشره في عام 2015. المهمّ، وباختصار، كانت الكتابة جزءاً أصيلاً من روحي؛ الحامل الموسيقيَّ لمنظوري الخاصّ إلى عالمٍ أحتفي بأفراحه وكوارثه على هيئة حروف وكلماتٍ تتداعى على الورق أو شاشة الكمبيوتر مثل راقصة باليه رشيقة تكاد أن تطير كما ريشة شفَّافة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كتبتُ في دمشق، وفي بيروت، وفي الإسكندريَّة والقاهرة، وفي إسطنبول. وطالما اعتدتُ في كلِّ رحلةٍ من مدينةٍ إلى أخرى أن أنسى بعضَ أغراضي- قميصاً هنا، أو كتاباً هناك- لكنَّني لم أكُن على درايةٍ أنَّني سأنسى الكتابة بمجرَّد أن أغادر إسطنبول. كانت الأخيرة تَعني بالنسبة إليَّ ما كتبتُه وأنا فيها كعنوانٍ لواحدٍ من آخر نصوصي في ملحق النهار "الطبعة الأولى لمدينتي القديمة"، في إشارةٍ إلى دمشق. سافرتُ إلى السويد بفضلِ الكتابة، بل ودعيتُ هناك بـ "كاتبٍ ضيف" مع احتفاءٍ مبالَغٍ به، وللمفارقة أنَّني حملتُ معي من إسطنبول كلَّ شيءٍ إلَّا الكتابة التي كانت نفسها بمثابة تذكرة طيراني إلى هناك؛ تركتُها تائهةً في أزقةٍ إسطنبول التركيَّة والكرديَّة والعربيَّة والفرنسيَّة والإيطاليَّة والأرمنيَّة والكرديَّة؛ كائناً يتحدَّث كلَّ لغات العالم لكن لا صوتَ له؛ حروفاً مفكَّكةً تتسوَّلُ عند كلِّ قارعةٍ وناصيةٍ كنايةً من هُنا ومجازاً من هناك لكن بلا طائلٍ ودونما فائدة؛ حَمْلاً كاذباً.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>"ما تبحثُ عنه يبحثُ عنك"، جلال الدين الرومي.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أوَّل مرَّةٍ عادَت الكتابة لتداعبَ فيها مخيِّلتي من جديدٍ بعد كلِّ ذلك الانقطاع كنتُ حينذاك في قاهرة المعزّ، قبل قرابة عامٍ ونصف. مقاهي القاهرة الشعبيَّة، كباريها ونيلها، أرصفتها الكسيرة كقلوب العاشقين، حزنُ جدران صالات السينما المغلقة التي تحوَّلت اليوم إلى شمَّاعات للأحذية، وبالطبع المشهد اليوميّ الأكثر تعبيراً عمَّا تمرُّ به المنطقة، وأعني: عبورَ المشاة لشوارعَ عريضةٍ وسريعة، دونما إشارة مرورٍ أو نفقٍ أو جسر، ودونما إضاءةٍ حتَى، وللمفارقة: دونما وَجلٍ من المارّة أو السائقين على حدِّ سواء! فيلم "مصريّ" طويل، في كنايةٍ عن أنَّنا بطريقةٍ ما، مِلؤُها الفوضى والعشوائيَّة والاعتباط، نَعبُر إلى الضفَّة الأخرى في كلِّ مرَّة. من المنطقيّ ألَّا نعبُر، ولكنَّنا لسببٍ ما ننجح بالعبور! والحقيقة أنَّ القاهرة، حتَّى في ظرفها الحاليّ، لا تزال تغري بما هو أكثر من ذلك بكثير، وأوَّل ما تغري به هو الحبُّ، وكيف لا وأنت تسير خفيفاً على أوتار الجمال، عابراً للتاريخ نحو أزَّقة نجيب محفوظ ومحمَّد عبد الوهاب وصلاح عيسى ومحمَّد خان وعاطف الطيِّب و و و...! بل لم تشأ القاهرة أن أغادرها دون أن تحفر آثارها في جسدي مادَّةً ومعنى: فقبل أن أسافر عنها ألمَّت بي نوبةٌ قلبيَّة كادت أن تودي بحياتي. ولقدرٍ لا أعرفه، وبفضل بنات القاهرة وأبنائها على اختلاف الجنسيَّات، نجوت في الدقائق الأخيرة. عملتُ لاحقاً أنَّ لديَّ "ندبةً" ستظلُّ حاضرةً في القلب مدى الحياة على إثر موت بعض الخلايا. والحقُّ أقول إنَّ ذلك أدخل إلى قلبي كثيراً من سرورٍ وعزاء؛ كيف لا والقاهرة قد تمسَّكَت بقلبي لئلَّا أرحل عنها حتَّى خلَّفت أظافرها فيه ندبةً ستظلُّ تخبرني أبد الدهر أنَّها خالدةٌ معي، وَسطَ الحشا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>"الحياة لا تُفهَم إلَّا إلى الوراء، لكنَّها لا تُعاش إلَّا إلى الأمام"، سورن كيركجور (كيركغارد).</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عدتُ إلى دمشق. ثلاث كلماتٍ لا تكفي لاختصار أزمنةٍ شديدة الكثافة والتعقيد. غادرتُها في الأيَّام الأخيرة من عام 2012، وها أنا أعود إليها في أواسط صيف 2025، بصلعٍ في الرأس، وندبة في القلب، والكثير من الشوق والحزن واللوم والصخب، وبحبٍّ ما زاده المنفى إلَّا أصالةً ونضجاً ورسوخاً. دخلتُ إلى المدينة النائمة تعباً في صباح يوم سبت، كانت شبه فارغةٍ إلَّا من بعض شرطة المرور وعمَّال النظافة. لم أميِّز أوكسجينها في بادئ الأمر. لكن أوَّلُ ما فعلَتهُ بي هو أنَّها وضعَت حدَّاً لقلقي المزمن من ذاكرتي التي أصبحت في السنوات الأخيرة انتقائيَّةً حتَّى بدأت أشكُّ أنَّني سأصاب بألزهايمر مبكِّراً، وهو قَلَقٌ بطبيعة الحال ينطوي على بعض الراحة. قريباً من باب شرقي، اجتاحني دفقٌ لا محدود من الشخوص والذكريات والأماكن، من مراحل عمريَّةٍ مختلفة، ومن بيئات تكاد أن تكون متنافرة، بما في ذلك أصدقاء دراسة في مراحل ومقاعد متعدِّدة، وأصدقاء ومعارف عمل، وأوساط ثقافيَّة مُهمَلة وصعاليك و"مخيَّمجيَّة" عتاة، ثمَّ بالطبع أدرينالين المظاهرات الطيَّارة والمسائيَّات في جوبر وبرزة، الاعتقال، المستشفيات الميدانيَّة، غياب الأصدقاء لأسباب ووجهات مختلفة .... تأتي المشاهدُ أحياناً بدقَّة 4k، وفي أحيان أخرى غائمةً كزجاجة بيرة "مشبَّرة"، كما يقول رفاق الحانات في مصر. ثلاث عشرة سنةً غبتها عن هذا المكان، وغيَّبتهُ مثلَها عن ذاكرتي عدا عن بعض الكوابيس التي يتشاركها اللاوعي الجمعيُّ لأبناء وبنات جيلي الذين عرفوا رعب الحواجز، فنرى أنفسنا كلَّ مرَّة، ونستغرب في كلِّ مرة، نركض لاهثين هاربين من مطاردةٍ عبثيَّة في خرائط حاراتنا وأزقَّتنا. على هذه الصورة، كان الوطن يصرُّ أن يتسرَّب من شقوق الذاكرة. ينصحني الطبيب بالمشي، وهذا ما أدأب عليه منذ عودتي؛ ساعةٌ أو ساعتان على نحوٍ شبه يوميّ، أُنعِش فيها قلبي وروحي وبصري. أتجوَّل في أزقَّة مدينتي القديمة، أجتمعُ بأصدقائي الصامدين الذين لم يغادروها، لكنَّها برغم ذلك صارَت منفاهم أيضاً في آن. نعيدُ اكتشافها معاً، تعريفَها، نجرِّب أن نتعاطى شؤونها بموضوعيَّة باحثٍ إثنوغرافيّ، لكنَّنا نفشل في كلِّ مرَّة أمام خطوط الزمن على أحجارها، فنحزن؛ ثمَّ نفشلُ أمام تَعبِ شيَّابها، فنَشيب. تُنعشُني قراءةُ لافتات المحالّ التي لم تتغيَّر منذ طفولتي؛ أسماء العائلات الدمشقيَّة في الحميديَّة والبزوريَّة وباب شرقي والقيمريَّة والقشلة وباب سريجة وباب الجابية. تُذهلني وتطمئنُني في آن. لا ينفي هذا أنَّ آثار السنوات العجاف الأخيرة بائنة بشدَّة على كلِّ تفاصيلها، لكن هذا قدر المدينة- التاريخ، أو ربَّما لعنتها. وهكذا، أرى نفسي طفلاً، يشتري بعض "الموالح" من محمصة البيرقدار في شارع مدحت باشا؛ أو يعود من مدرسته "المحسنيَّة" وأقصى شواغله الوجوديَّة في الدنيا أن يتيح أهله له ساعةً إضافيَّة من اللعب مع أقرانه؛ ثمَّ أرى نفسي أركض حتَّى أكاد أطير بعد مظاهرة الشعلان، أو بين أزقَّة الميدان، أو القابون، أو مخيَّم اليرموك، أو أو أو .... ثمَّ أرى طائرة مروحيَّة فوق منزلنا القديم في شارع بغداد، تقصفُ جوبر. قبل أيَّامٍ قليلة، رأيت ما فعلته تلك الطائرة بجوبر. لا أدري إن كانت مفرداتٌ من قبيل ركام أو حطَّام أو هشيم أو رماد تكفي للتعبير عن قساوة المشهد. نبكي بحرقةٍ، بصمت، سيولاً تنحفر أخاديد على أرواحنا، على نكبتنا، وعلى ضمير وُلِد ميتاً في هذا العالم. أعودُ وأمشي، في مدينتي؛ أتجوَّل في جامعها الأمويّ وحوله؛ ألاحقُ روائح الرأفة منبعثةً من قبورِ أوليائها؛ وسكينةَ الشموع منعكسةً على أيقونات كنائسها؛ واللونَ الأزرق للافتات التعريفيَّة بمعالمهما، وصوتَ أمّ كلثوم مساءً ينبعث من جهاز تسجيلٍ قديم وهي تغنّي: "القلب يعشق كلّ جميل" لتطرب به مجموعةُ رجالٍ في السبعينات من أعمارهم أمام محالّهم في أحد خانات البزوريَّة، يجلسون على كراسي الخيزران، بكامل أناقتهم ودفئهم وكأنَّهم هاربون من لوحةٍ لمستشرقٍ في دمشق في القرن التاسع عشر. وهكذا أمشي بلا هدف، وكلُّ الهدف دمشق.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>"الفضاءُ الذي نحبُّه هو كونٌ مُصغَّر"، غاستون باشلار.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ختاماً، ما علاقة ستارلينك بكلِّ ما سبق؟ حسناً، منذ فرار بشَّار الأسد من البلاد وعودتنا إليها، وخاصَّة من المنافي الغربيَّة، وبسبب سوء خدمات الإنترنت المحلِّيَّة وتأثير العقوبات الدوليَّة، شاع استخدام أجهزة ستارلينك للإنترنت الفضائيِّ كحلٍّ بديل. بيد أنَّ هذه تحتاج حتَّى تعمل بكامل استطاعتها إلى ما يُسمَّى بالقبَّة، أي إلى مجالٍ خالٍ من أيِّ معوِّقاتٍ أمام إشارات الأقمار الاصطناعيَّة. ذكرتُ هذا التوصيف التقنيَّ المبسَّط لأقول إنَّني اكتشفت هذه الأيَّام أنَّ علاقتي بالكتابة هي في الواقع أشبه بعلاقة ستارلينك بقبَّته؛ فتلك المدن، بيروت والإسكندريَّة والقاهرة وإسطنبول، كانت قبَّتي، ومركزها دمشق، حيث تتعاظم تلك الإشارة إلى حدٍّ تجتاحني فيه كاملاً حتَّى أشعرَ بحاجةٍ إلى الكتابة لا تقلُّ عن الحاجةُ إلى الهواء الذي أتنفَّسه.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36550">ستارلينك في دمشق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36125</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 11 Aug 2025 12:26:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36125</guid>

					<description><![CDATA[<p>تبدو الثقافة السورية اليوم في حالة من التوتر والتصدع العميق، ليست مجرّد سجلّ تاريخي أو مجموعة ممارسات اجتماعية، بل هي ساحة صراع بين إرث فكري تنويري غني وجذور متجذرة في الحداثة، من جهة، وبين موجات متجددة من الخطابات الطائفية والهوياتية التي تصاعدت بشكل ملفت بعد عام 2011، من جهة أخرى. هذا الصراع ليس مجرد تنازع [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36125">بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">تبدو الثقافة السورية اليوم في حالة من التوتر والتصدع العميق، ليست مجرّد سجلّ تاريخي أو مجموعة ممارسات اجتماعية، بل هي ساحة صراع بين إرث فكري تنويري غني وجذور متجذرة في الحداثة، من جهة، وبين موجات متجددة من الخطابات الطائفية والهوياتية التي تصاعدت بشكل ملفت بعد عام 2011، من جهة أخرى. هذا الصراع ليس مجرد تنازع بين أفكار، بل هو انعكاس لصراع أوسع داخل المجتمع السوري نفسه، حيث تكشفت هشاشة البناء الثقافي أمام الضغوط السياسية والاجتماعية، وفُجّرت الفجوات التي كانت مكبوتة أو مغلّفة في أزمنة سابقة. فالانتقال من ثقافة تنويرية حداثية، تؤمن بالمواطنة، والهوية الجامعة، وقيم الدولة المدنية، إلى ثقافة مسيسة طائفياً وهوياتياً، يمثل انهياراً نوعياً في العلاقة بين الفرد والمجتمع، كما بين الفرد والدولة، وهو مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بفقدان المشروع الثقافي الوطني الذي كان يجمع السوريين على اختلاف خلفياتهم.</p>
<p dir="rtl">ولا يمكن لهذا التحول أن يُفهم بوصفه مجرد تراجع إلى ما هو تقليدي أو بدائي، بل هو تمزق بين زمنين ثقافيين متباعدين؛ زمن مضى، حيث كان الانتماء إلى الدولة والمواطنة والعقلانية الفكرية يشكل الأساس الذي تبنى عليه الحياة الثقافية والاجتماعية، وزمن راهن يهيمن عليه انكفاء على الذات الطائفية أو القومية الضيقة، ما أدى إلى تشرذم الهوية السورية وتفكك نسيجها الاجتماعي. هذه الردات الثقافية ليست فقط انعكاساً للمآسي السياسية والاجتماعية، بل هي إعادة إنتاج لمنطق الصراعات على السلطة والنفوذ عبر الثقافة، حيث تُوظّف الهويات الطائفية كأدوات للهيمنة والتفرد، فتتقلص معها الفرص الحقيقية لإعادة بناء ثقافة وطنية جامعة قادرة على توحيد المجتمع السوري في مواجهة تحديات المستقبل.</p>
<p dir="rtl">بالتالي، فإن مأزق الثقافة السورية الراهن هو تجسيد لحالة أعمق من الانكسار في الرؤية الوطنية، وانهيار للحوار بين الأطياف الفكرية والثقافية المختلفة، وهو ما يجعل من استعادة الإرث العلماني والحداثي الذي عايشه المجتمع السوري منتصف القرن العشرين، ضرورة ملحة ليس فقط للحفاظ على الهوية الثقافية، بل لاستعادة أفق سياسي واجتماعي يضمن حداثة مجتمعية قادرة على التعايش والازدهار.</p>
<p dir="rtl">لقد كانت الثقافة السورية، حتى نهاية التسعينيات، تحتفظ بنقاشات فكرية غنيّة، كانت العَلمانية، ونقد الدين، والماركسية، والعقلانية، هي محاورها الأساسية. أسماء كصادق جلال العظم، وياسين الحافظ، وعزيز العظمة، ومحمد الجابري (رغم مغاربيّته)، شكّلت الوعي النقدي السوري والعربي بمجمله. لكن مع صعود النيوليبرالية الاستبدادية في العقد الأول من الألفية الجديدة، وازدياد تغوّل النظام في قمعه للسياسي والثقافي معًا، بدأت هذه النقاشات تخبو، وتحلّ محلّها تعبيرات مائعة عن "الخصوصية الثقافية" و"الإسلام السوري المعتدل" و"الدولة الحضارية"، وصولًا إلى العهد الذي انفجرت فيه الثورة، فوجدنا أنفسنا أمام ثقافة مفرغة من أدواتها النقدية، وأمام مجتمع سقط بين فكي خطابين: خطاب النظام الاستبدادي الأمني، وخطاب المعارضة المتطيّف والمسلّح.</p>
<p dir="rtl">ضمن هذا السياق، يمكن فهم ظاهرة الانبعاث المتأخر لخطابات الهويات، وتحديدًا الخطاب السني السياسي، الذي بدأ يُعيد قراءة التاريخ من بوابة "النهضة الأموية" تارة، و"الدولة السنية الكبرى" تارة أخرى. هذا التوجه لا يمكن فصله عن الانهيار الرمزي للهوية الوطنية الجامعة، ولا عن تراجع الإرث النقدي العلماني الذي مثّله صادق العظم في كتاباته. العظم، كما حلّله عزيز العظمة، لم يكن مفكرًا عابرًا للزمن، بل كان، على العكس، رجل لحظة نقدية بامتياز، لحظة استبطان الفوات، ومحاولة درء الكارثة.</p>
<p dir="rtl">في ظل الصعود المتسارع للتيار السني السياسي والثقافي، تجلى بوضوح تفاقم معضلة سرديات التفوق الثقافي التي أعادت إنتاج نموذج هيمنة طائفي يُسقط قيم التعددية والتنوع، ويكرّس لهيمنة ثقافة واحدة على حساب بقية مكونات المجتمع السوري. هذه السرديات، التي حاولت استعادة دور الطائفة السنية بالتفوق Sunni Supremacy كمركز لا يُنازع في الهوية السورية، لم تكن مجرد رد فعل لحالة الضعف السياسي، بل كانت جزءًا من مشروع أوسع لتفكيك المركز الطائفي التقليدي الذي سيطر على مفاصل الدولة، وتحويله إلى فضاء مفتوح للنفوذ الطائفي والسياسي المتنازع عليه. إذ تحولت الدولة السورية، التي كانت تحكم عبر منطق سيادة مركزية واضحة، إلى حالة من "سيولة طائفية" متزايدة، حيث فقدت الدولة قدرتها على فرض مشروع وطني جامع، وتحوّل حكمها إلى توزيع نفوذ طائفي متشظٍ، يعكس حالة انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي. هذا التحول أدى إلى انهيار البنية الوطنية الجامعة، وتحول الفضاء العام إلى ساحة صراع هويات متصارعة تتنافس على شرعية الهيمنة، على حساب قيم المواطنة والعقلانية والسيادة الوطنية. في هذه الأجواء، لم تعد الدولة ككيان جامع قادرة على احتواء التنوع السوري، بل غدت ساحة لتقلبات ومناكفات طائفية متحركة، ما يعزز من حالة الانقسام ويجعل من إعادة بناء الدولة الوطنية مهمة في غاية التعقيد والصعوبة، إذ يحتاج الأمر إلى إرساء مشروع سياسي ثقافي جديد قادر على تجاوز هذه الهيمنة الطائفية Sectarian Dominance ، واستعادة فكرة الدولة الجامعة التي تحتضن الجميع دون استثناء</p>
<p dir="rtl">في مقاله "صادق العظم واستبطان الفوات"، يقدّم عزيز العظمة قراءة فلسفية عميقة لموقع العظم في مشروع الحداثة العربية، لا كمفكّر حداثي وحسب، بل كمفكّر فوتيّ، أي وعي مأزوم بحالة التخلّف. إنه وعي مفارق: يرى نفسه منتمياً إلى عالم العقل والأنوار، لكنّه في الوقت ذاته يدرك تمامًا استحالة تحقيق هذه الأنوار في واقع عربي طارد للحداثة. العظم كان واعيًا لهذا التناقض، وكتابه "نقد الفكر الديني" ليس إعلانًا ضد الدين، بل إعلان ضد آلية اشتغال العقل الديني في مجتمعات فشلت في التنوير، وأحبطت مشاريع العقلانية.</p>
<p dir="rtl">وما يثير القلق هو أن ما شهده الخطاب الثقافي بعد الثورة لم يكن عودة إلى الدين الشعبي التقليدي فقط، بل تطييفًا عنيفًا لهذا الدين، وفرضًا له كهوية سياسية بديلة للدولة المنهارة. لم يعد النقاش يدور حول مكانة الإسلام في المجتمع، بل حول من يمثّل الإسلام السني "الحقيقي"، ومن يحق له أن يتحدث باسم "الأمة"، بل وباسم سوريا أيضًا. ومن هنا جاءت ظاهرة استدعاء الأمويين بصفتهم "نموذج الدولة السنية"، وكأن المطلوب الآن هو محو قرن من السجال العلماني والتنويري، والعودة إلى بدايات ما قبل الوطنية.</p>
<p dir="rtl">لا يعني هذا أن التيار العلماني قد اختفى تمامًا من المشهد الثقافي والاجتماعي السوري، لكنه تعرض لعملية انكماش حادة خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى تهميشه وفقدانه للفضاء الحيوي الذي كان يشغله سابقًا. هذا التيار، الذي كان يومًا ما حاضنًا لتيارات فكرية متنوعة تدافع عن قيم العقلانية، والمواطنة، والفصل بين الدين والدولة، أصبح اليوم محصورًا في دائرة ضيقة من النخب المثقفة والمفكرين المستقلين، الذين يعملون غالبًا في هامش المشهد العام، أو داخل فضاءات معرفية محدودة ومتخصصة. مفكّرون مثل ماهر مسعود وياسين الحاج صالح وغيرهم، لا زالوا يكتبون من موقع نقدي علماني واضح، يطرحون أسئلة جوهرية حول الهوية، والحداثة، والدين، والسياسة، ويحاولون المحافظة على قيم التنوير والعقلانية في وجه تصاعد الخطابات الدينية والسياسية المتشددة.</p>
<p dir="rtl">غير أن واقع الحال يؤكد أن الصوت الذي يعلو في الفضاء العام السوري، سواء عبر الإعلام، أو الخطابات السياسية، أو حتى في الساحات الشعبية، هو صوت الدعوة إلى "الخلافة"، أو "حكم الشريعة" أو "حكم السنة إلى يوم القيامة"، أو على الأقل "المرجعية الإسلامية" للدولة السورية القادمة، وهو صوت يعكس تحوّلًا دراماتيكيًا في موازين القوى الثقافية والسياسية. هذا الصعود للخطاب الديني والمرجعية الإسلامية لا يُعبر فقط عن قوة تنظيمية أو سياسية، بل يكشف عن فراغ ثقافي واجتماعي تركته تراجع التيار العلماني، وغياب مشروع حداثي جامع قادر على استيعاب التنوع السوري، والتعبير عن تطلعاته بمستوى وطني حقيقي.</p>
<p dir="rtl">كما أن هذا التحول يُظهر أيضًا عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع السوري في مفاهيم المواطنة والهوية، حيث تغدو الدين والسياسة متداخلين إلى حدّ كبير، ويتحول الخطاب الديني من كونه مكوّنًا ثقافيًا روحيًا إلى أداة للهيمنة السياسية والتموضع الإيديولوجي، ما يزيد من تعقيد المشهد ويُعطل فرص التفاهم الوطني الشامل. وفي هذا السياق، يواجه التيار العلماني تحديات جسيمة في استعادة مكانته وتأثيره، تتطلب إعادة بناء خطاب فكري قادر على تجاوز الانقسامات الطائفية، واستعادة القيم الجامعة التي تُعلي من شأن العقلانية والحوار والتسامح.</p>
<p dir="rtl">يبدو من المهم استحضار إرث العَلمانية السورية، ليس بوصفها مجرد فصل بين الدين والدولة، بل بوصفها نمطًا من أنماط التفكير الذي يجعل من العقل أساسًا للشرعية، ومن المساواة أساسًا للسيادة. إن التراث العلماني في سوريا، رغم هشاشته، قدّم نماذج مهمة في القرن العشرين، مثل دستور عام 1950، ومداولات الجمعية التأسيسية التي ناقشت حقوق المرأة والمواطنة واللغة الرسمية، ونصّت على الحريات السياسية. وقد لعبت النخب اليسارية والليبرالية المتصالحة مع العَلمانية دورًا محوريًا في تلك المرحلة، رغم أنها كانت نخبوية ولم تستطع تأسيس قاعدة جماهيرية.</p>
<p dir="rtl">اليوم، ونحن في خضمّ التحوّلات العنيفة التي عصفت بسوريا، ووسط التمزق بين الطوائف، والانفجارات الهوياتية، واختفاء فكرة "الدولة الوطنية" من التداول، يغدو استحضار هذا الإرث العلماني ضرورة ، ليس لأن العلمانية حلّ سحري، بل لأنها تتيح لنا التفكير في مجتمع لا يُختزل في طائفة أو دين أو إثنية أو شخصية دينية تستأثر بقرار المجتمع و تفرض العزلة. إنها الأفق الذي يمكننا من خلاله إعادة بناء الدولة باعتبارها عقدًا مدنيًا، لا مجرد توازنات طائفية أو انقلابات هوياتية. إن التطييف الذي اجتاح الخطاب الثقافي، حتى في أوساط مثقفي الثورة،  لا سيما بعد سقوط الأسد  في ديسمبر 2024، لا يعكس فقط تحولات اجتماعية، بل يعكس أيضًا انقطاعًا معرفيًا حادًا عن تقاليد النقد. ولعلّنا بحاجة الآن إلى العودة إلى أعمال صادق جلال العظم لا كتراث فقط، بل كممارسة نقدية قابلة للتجدد، تتيح لنا إعادة التفكير في السؤال السوري خارج ثنائيات النظام/المعارضة، أو السني/العلوي/ الدرزي/ الشيعي، أو الديني/العَلماني.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36125">بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title> المثقف السوري من الثورة إلى الدولة: أدوار جديدة أم أعباء قديمة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35625</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Jun 2025 08:06:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35625</guid>

					<description><![CDATA[<p>يروي المثقف السوري حكاية معقدة من الخوف والحياد والتواطؤ، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة وتتشابك فيها معارك المعرفة مع سطوة الاستبداد، منذ أن استولى حزب البعث على السلطة عام 1963. حينها، بدأ المثقف السوري يعيش تحت وطأة سلطة تسعى لاختراق المجال الثقافي وتطويعه خدمةً لأهدافها السياسية وترويجًا لسرديتها الأمنية والعسكرية وتوظيف النخب الثقافية متحدثين باسم هذه [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35625"> المثقف السوري من الثورة إلى الدولة: أدوار جديدة أم أعباء قديمة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يروي المثقف السوري حكاية معقدة من الخوف والحياد والتواطؤ، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة وتتشابك فيها معارك المعرفة مع سطوة الاستبداد، منذ أن استولى حزب البعث على السلطة عام 1963. حينها، بدأ المثقف السوري يعيش تحت وطأة سلطة تسعى لاختراق المجال الثقافي وتطويعه خدمةً لأهدافها السياسية وترويجًا لسرديتها الأمنية والعسكرية وتوظيف النخب الثقافية متحدثين باسم هذه الرواية. تعمّد فيها نظام الأسد ( الأب والابن)  رسم سياسة مزدوجة تجاه النخب الثقافية: سياسة احتواء ناعمة وسياسة إقصاء عنيفة؛ وسياسة إرضاء وسياسة ترهيب، ليسير المشهد الثقافي بطريقة مخابراتية أمنية لا مجتمعية فكرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سياق الاحتواء، أُنشئت اتحادات رسمية مثل اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحفيين، وقدّمت جوائز الدولة التشجيعية، وفتحت مساحات ترويج إعلامية للمثقفين الذين أبدوا استعدادًا لتجميل صورة النظام أو لتبرير سياساته. وجاءت نقابة الفنانين السوريين لتنظيم عمل فني جامع يضم الفنانين السوريين تحت سقف واحد، وهو السقف الذي حدده آل الأسد بحكمهم للبلاد. أبرز المدافعين عن سياسات النظام كان الشاعر السوري علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس) الذي لم يتوانَ يومًا عن مهاجمة الثورة والمعارضة السورية متبنيًا رواية نظام الأسد في "حربه ضد الإرهاب"، ودريد لحام الذي كان يعلن ولاءه لنظام الأسد في كل محفل فني ولقاء تلفزيوني. هؤلاء دفعتهم رغبة جامحة بالتملق لسلطة الأسد، إذ رؤوا أن هذه السلطة هي سبيل الخلاص متجاهلين إرادة الشعب الحقة بالتغيير. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سابقًا، لم يتردد نظام الأسد الأب في اللجوء إلى القمع ضد من رفض الاصطفاف وراء تغريد جوقة البعث؛ فكان الاعتقال مصير كثيرين، مثل ميشيل كيلو وعارف دليلة، والمنع من النشر لاحق كتّابًا معارضين، والنفي أُجبر عليه آخرون أمثال صادق جلال العظم. هذه السياسات الثنائية أدت إلى إنتاج مشهد ثقافي مشوّه؛ بدا فيه المثقف إما تابعًا أو مقصيًا أو منكفئًا؛ ليتابع نظام الأسد الابن حملة القمع الممنهجة التي استهدفت المثقفين والفنانين الذين عبّروا عن دعمهم للحراك الشعبي أو انتقدوا سياسات النظام، ليكون من أوائل الفنانين والمثقفين الذين اعتقلهم النظام الناشطة الحقوقية ريما فليحان، الممثلة مي سكاف، والكاتبة والمؤلفة التلفزيونية يمّ مشهدي، وفادي زيدان، ونضال حسن، وسارة الطويل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الأرض، تنوّعت أساليب القمع بين الاعتقال التعسفي والتعذيب والتصفية الجسدية ومصادرة الممتلكات والتضييق المهني، ما دفع العديد منهم إلى المنفى أو الصمت القسري. ومن أبرز حالات الاعتقال والتصفية زكي كورديللو وابنه مهيار اللذان اعتقلا في أغسطس 2012 بعد مداهمة منزلهما في دمشق، ولا يزال مصيرهما مجهولًا حتى اليوم، وعدنان زراعي الكاتب الدرامي الذي اعتُقل في بداية 2012 وتعرّض لتعذيب شديد، وسمر كوكش الفنانة التي حُكم عليها بالسجن خمس سنوات بتهمة تمويل الإرهاب بعد اعتقالها دون محاكمة لمدة عام، ومحمد رشيد رويلي الكاتب والأديب الذي قضى تحت التعذيب في نوفمبر 2012 بمدينة دير الزور، ومحمد أكرم رسلان رسام الكاريكاتير الذي توفي تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز التابع للنظام. ولم تقتصر ممارسات النظام على الاعتقال والتعذيب، بل شملت أيضًا مصادرة الأملاك إذ أصدر النظام قرارات بمصادرة ممتلكات عدد من الفنانين المعارضين، منهم أصالة نصري وفارس الحلو ويارا صبري وكندة علوش وعبد الحكيم قطيفان وجمال سليمان. كما تعرّض عدد كبير من الفنانين للتهجير القسري بعد تلقيهم تهديدات بالقتل أو الاعتقال، منهم جمال سليمان وسامر المصري ويارا صبري وعبد الحكيم قطيفان، والمخرج هيثم حقي وفارس الحلو وكندة علوش ومكسيم خليل وجهاد عبدو. وحتى الفنانين الذين حاولوا التزام الحياد لم يسلموا من التضييق إذ أُجبروا على إعلان الولاء العلني للنظام لضمان سلامتهم واستمرارهم المهني، وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 14 فنانًا سوريًا، منهم أربعة قضوا تحت التعذيب، واعتقال 50 فنانًا لا يزال تسعة منهم قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري. تعكس هذه الانتهاكات حجم القمع الذي مارسه النظام السوري ضد المثقفين والفنانين الذين استخدموا أدواتهم الثقافية والفنية للتعبير عن تطلعات الشعب السوري، ورغم المخاطر استمر العديد منهم في النضال من أجل الحرية والكرامة سواء من داخل السجون أو من المنافي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل هذا الواقع، تشكلت أنماط مختلفة من المثقفين؛ فإضافة إلى المثقف الموالي الذي خدم النظام بوعي أو بدون وعي، مبررًا ممارساته القمعية ومدافعًا عن «ثوابت» الدولة الأمنية، مثل وائل رمضان وسلاف فواخرجي ودريد لحام وأدونيس، ظهر المثقف الصامت الذي اختار الانكفاء على ذاته، محافظًا على مسافة آمنة من السلطة، إما خوفًا من البطش أو قناعة بعبثية المواجهة؛ والمثقف المعارض والمنفي، الذي انحاز لقيم الحرية والديمقراطية ودفع ثمن ذلك سجنًا أو نفيًا أو تهميشًا كاملًا.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b> أسئلة مصيرية ووجودية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، طُرحت على المثقف السوري أسئلة مصيرية جديدة، وانقسم المثقفون حينها بين من انخرط بوضوح في الثورة ودعم حراك الشارع المطالب بالحرية والكرامة، وبين من اكتفى بالمراقبة، إما خوفًا من تعقيدات المشهد أو لعدم وضوح البدائل، وبين من واصل دعم النظام تحت ذرائع «الخوف من الفوضى» أو «المؤامرة». ورغم انخراط بعض الأسماء الثقافية الوازنة في صفوف الثورة، بقي صوت المثقف عمومًا أقل بروزًا مقارنة بالنشطاء السياسيين والميدانيين، لأسباب تعود إلى تآكل استقلاليته خلال عقود الاستبداد، وضعف تقاطع المثقفين مع قواعد اجتماعية أوسع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، عاد النقاش حول «وظيفة المثقف» بقوة إلى الواجهة، ولا سيما في ظل التجاذبات بين النخبة والعوام وبين الرسمية والشعبوية. لقد صار واضحًا أن إعادة بناء سوريا الجديدة تقتضي ثقافة سياسية مختلفة جذريًا عن ثقافة الخضوع والتبعية. يُنتظر من المثقف اليوم أن يغادر موقع التبرير أو الحياد السلبي، ليصبح طرفًا فاعلًا في مشروع تأسيس دولة مدنية ديمقراطية. تقع على عاتقه مهمة استعادة استقلاليته الفكرية والمساهمة في صياغة خطاب جديد يعزز قيم الحرية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، ويقطع مع إرث ثقافة الخوف والتواطؤ. إن سوريا ما بعد الاستبداد تحتاج إلى مثقف قادر على النقد والمساءلة وعلى تجسير الهوة مع المجتمع، بعيدًا عن النخب المعزولة أو المؤسسات الرسمية المفرغة من مضمونها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>المشاركة السياسية بين النقد والبناء</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، يبرز سؤال محوري حول دور المثقف في بناء الدولة الجديدة: هل يجب أن يظل المثقف في موقعه النقدي الخارجي، أم أن المرحلة تفرض عليه الانخراط المباشر في مؤسسات الدولة والمساهمة في صياغة مستقبلها؟ في السياق السوري، يواجه المثقف تحديات كبيرة في تحديد موقعه ودوره في المرحلة الانتقالية. من جهة، هناك حاجة ماسة لحرية التعبير والرأي في سوريا الجديدة ما بعد الأسد. تتيح هذه الحرية للمثقفين السوريين المشاركة في صياغة الدستور وبناء مؤسسات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، إضافة إلى تطوير سياسات التعليم والثقافة التي تعكس تطلعات الشعب السوري. ومن جهة أخرى، على المثقف أن يحافظ على استقلاليته الفكرية والنقدية، لتجنب الوقوع في فخ التبرير والدعاية الذي ساد في العهود السابقة؛ وألا يتحول إلى بوق سلطة يعيد تشكيل خطابها كما حصل مع مثقفي بلاط الأسد وحاشيته. ربما يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه المثقف السوري اليوم في كيفية التوازن بين الانخراط في بناء الدولة الجديدة والحفاظ على دوره النقدي المستقل. فالمشاركة السياسية للمثقف يجب أن تكون مبنية على قيم الحرية والعدالة والمساواة، وأن تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون المثقف حذرًا من الانخراط المفرط الذي قد يؤدي إلى فقدان استقلاليته وتحوله إلى أداة في يد السلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع الحفاظ على استقلاليته الفكرية والابتعاد عن التسييس المفرط، المثقف الحقيقي هو الذي يسهم في بناء الدولة، دون أن يفقد قدرته على النقد والمساءلة؛ إذ إنه في امتدادٍ لمسؤوليات المثقف السوري في المرحلة الانتقالية، لا يتوقف دوره عند المساهمة في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بل يتعمق ليشمل إعادة صياغة الخطاب الثقافي برمّته، بحيث يتحول من خطاب نخبوي ضيق إلى خطاب وطني جامع يعزز المواطنة ويعكس التعددية الحقيقية للمجتمع السوري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شأنهم شأن أي ثائر، دفع المثقفون السوريون ثمنًا باهظًا لمواقفهم الفكرية والسياسية. فوفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال أكثر من 156,000 شخص، بينهم مثقفون وأكاديميون، معتقلين أو مختفين قسريًا حتى ديسمبر 2023 . كما تشير تقارير أخرى إلى أن آلاف المثقفين السوريين تعرضوا للاعتقال أو النفي خلال العقود الماضية، ما أدى إلى تفريغ الساحة الثقافية من الأصوات النقدية .</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من بين هؤلاء، برزت شخصيات مثل مي سكاف، التي جمعت بين الفن والنشاط السياسي حتى وفاتها في المنفى، وسمر يزبك، التي وثّقت تجربة الحرب واللجوء من منظور نسوي وإنساني، وعبد الله فاضل وحسيبة عبد الرحمن مثالين على المثقفين اليساريين الذين عانوا السجن والتعذيب، لكنهم ظلوا متمسكين بقيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية .</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، يُستحضر مفهوم "المثقف العضوي" لأنطونيو غرامشي، الذي يرى أن المثقف يجب أن يكون مرتبطًا بقضايا مجتمعه، لا منعزلًا في برج عاجي. كما يُستأنس برؤية إدوارد سعيد في كتابه "المثقف والسلطة"، حيث يؤكد على ضرورة أن يكون المثقف صوتًا للحق في وجه السلطة، حتى وإن كان ذلك على حساب راحته الشخصية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تجديد الخطاب الثقافي السوري يتطلب مراجعة نقدية للإرث الثقافي، وتحريره من رواسب البعثية والطائفية، وإعادة الاعتبار للتعددية الثقافية. كما يتطلب دعم حرية التعبير، وتشجيع ثقافة الحوار، وإنتاج سرديات وطنية جامعة. وفي ظل الثورة الرقمية، يمكن للمثقف استثمار الفضاء الرقمي لإعادة بناء الفضاء العمومي، وتوسيع دائرة التأثير الثقافي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>تجديد الخطاب الثقافي </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في امتداد لمسؤوليات المثقف السوري في المرحلة الانتقالية، لا يتوقف دوره عند المساهمة في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بل يتعمق ليشمل إعادة صياغة الخطاب الثقافي برمّته، بحيث يتحول من خطاب نخبوي ضيق إلى خطاب وطني جامع يعزز المواطنة ويعكس التعددية الحقيقية للمجتمع السوري. فبعد عقود من تسخير الثقافة لخدمة الأيديولوجيا البعثية، التي طمست التعددية الثقافية السورية وروّجت لخطاب قومي مركزي ضيق، بات من الضروري الشروع في مراجعة نقدية للإرث الثقافي السوري. فعليًا، لا عني هذه المراجعة محو الماضي، بل غربلته بوعي مطلق لينتج لدينا تحرير الإنتاج الثقافي من رواسب البعثية والطائفية والأيديولوجيات المغلقة التي هيمنت على العقود الماضية، وإعادة الاعتبار للثقافات المهمّشة وللهويات الوطنية المتعددة ضمن نسيج اجتماعي واحد. في هذا السياق تبرز أهمية إعادة تعريف دور "المثقف العضوي"، ليصبح المثقف السوري جسرًا بين النخب والجماهير، وليس ناطقًا باسم السلطة أو منعزلًا في أبراجه العاجية. لم يعد مقبولًا أن يبقى المثقف حبيس الحلقات الضيقة أو المؤتمرات المغلقة، بل عليه أن ينخرط عمليًا في الحياة العامة، مسهمًا في بناء سياسات تعليمية وثقافية جديدة، مشاركًا في صياغة الدستور، وفي تعزيز العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع تغيير طاقم وزارة الثقافية السورية، لا بد من إيجاد أدوات تجديد الخطاب الثقافي في سوريا تتطلب دعمًا فعليًا لحرية النشر والتعبير، وتشجيع ثقافة الحوار النقدي والتسامح، مع إنتاج سرديات وطنية جامعة تُعيد الاعتبار للتنوع السوري بمختلف مكوناته العرقية والدينية والمناطقية. كما تفرض المرحلة المقبلة على المثقف مواجهة تحديات معقدة، أبرزها التصدي لخطابات الكراهية والانقسامات الطائفية التي عمّقتها الحرب، والعمل على توثيق ذاكرة الانتهاكات بهدف بناء ذاكرة جمعية عادلة تكون جزءًا من عملية المصالحة الوطنية. ومع صعود الفضاء الرقمي، صار أمام المثقف فرصة نوعية لتوسيع دائرة تأثيره عبر استثمار وسائل الإعلام الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي لإعادة بناء الفضاء العمومي السوري، وتعزيز الحوار المفتوح وتسهيل تداول الأفكار بين مختلف فئات المجتمع، داخل الوطن وخارجه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تجديد الخطاب الثقافي السوري ليس مشروعًا نخبويًا معزولًا، بل رافعة أساسية لبناء سوريا الجديدة، دولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع، وتصون حقوق الأفراد والمجموعات في ظل نظام سياسي تعددي حديث. المثقف السوري اليوم مطالب بألا يكتفي بالتنظير ولا بالتاريخ، بل أن يكون جزءًا من عملية إعادة التأسيس الثقافي على أسس الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، وهذه مسؤولية لا يجوز التفريط بها بعد كل هذا الثمن الذي دفعه السوريون.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35625"> المثقف السوري من الثورة إلى الدولة: أدوار جديدة أم أعباء قديمة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35493</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أخبار]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 11 May 2025 09:41:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أخبار الثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35493</guid>

					<description><![CDATA[<p>صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان" (Readings in Syria Prison Literature: The Poetics Human Rights) ضمن سلسلة ترجمان. وهو من تأليف ريبيكا شريعة طالقاني، وترجمة حازم نهار. ويقع في 312 صفحة، شاملًا تقديم المترجم ومقدمة وخاتمة ومراجع وفهرسًا عامًّا، إضافةً إلى قائمة رسوم وصور توضيحية. على الرغم [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35493">أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div class="book-details">
<div id="ctl00_PlaceHolderMain_ArticleContent__ControlWrapper_RichHtmlField" class="ms-rtestate-field" aria-labelledby="ctl00_PlaceHolderMain_ArticleContent_label">
<p>صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان" (Readings in Syria Prison Literature: The Poetics Human Rights) ضمن سلسلة ترجمان. وهو من تأليف ريبيكا شريعة طالقاني، وترجمة حازم نهار. ويقع في 312 صفحة، شاملًا تقديم المترجم ومقدمة وخاتمة ومراجع وفهرسًا عامًّا، إضافةً إلى قائمة رسوم وصور توضيحية.</p>
<p>على الرغم من أنّ المؤلفة طالقاني اعتمدت مقاربة تستند إلى الكتابة الأكاديمية، من خلال توظيفها دراسات أدب السجون وحقوق الإنسان، فإنّ الكتاب يظلّ في متناول جمهور واسع من القراء، فهو لا يهدف إلى تقديم سردية تاريخية عن السجون السورية، ولا إلى أرشفة مسار الحركات الحقوقية في البلاد، ولا إلى توثيقٍ شامل للاعتقالات والتعذيب والانتهاكات، وإن كنّا نطلّ على جوانب من هذه السياقات في أثناء القراءة، فإنّ الغاية الأساسية للعمل تتجلّى في تعريف القارئ بأدب السجون السوري، ومضامينه المتعلّقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، فضلًا عن تتبّع تطوّر أشكاله الإبداعية وتنوّع تعبيراته عبر الزمن.</p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-35498 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L.jpg" alt="" width="1400" height="2097" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L.jpg 1400w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L-200x300.jpg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L-684x1024.jpg 684w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L-768x1150.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L-1025x1536.jpg 1025w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/71ej6rIcW2L-1367x2048.jpg 1367w" sizes="(max-width: 1400px) 100vw, 1400px" /></p>
<h2>أدب السجون: حقوق الإنسان متوشحة "بويطيقا"</h2>
<p>يمثّل الكتاب إضاءة لافتة على العلاقة المتشابكة بين الكلمة والحق والحرية؛ إذ إنه ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلًا مقاومًا وأخلاقيًّا، لا يقلّ شجاعة عن البقاء ذاته في أقبية القمع. في هذا الإطار، يعقد الكتاب مقارنة بين أدب السجون في سورية وتجارب مشابهة في العالم، مثل تجربة نيلسون مانديلا وعبد الرحمن منيف، كاشفًا عن طابعٍ خاص بالسجون السورية يتسم بوحشية متفرّدة، تجعل من كل كلمة تُكتَب من داخلها أو عنها عملًا بطوليًّا أخلاقيًّا ومقاومًا.</p>
<p>تعرض أعمالٌ مثل القوقعة لمصطفى خليفة، ومن تدمر إلى هارفارد لبراء السرّاج، نماذجَ حيّة من هذا الإبداع في وجه القمع. وحتى قبل عام 2011، كتب معتقلون أعمالًا كاملة، مثل عماد شيحة الذي ألّف ثلاث روايات خلال أسره، وظلّ بعضها سرًّا حتى وجد طريقه إلى النشر.</p>
<p>في هذا السياق، تتحوّل الكتابة من مجرد توثيق فردي إلى دفاع عن الذاكرة، وإلى صوغ صوت جماعيّ يواجه النسيان والإلغاء، ويُصرّ على تثبيت معاني العدالة والكرامة. والفكرة المركزية التي تنهض عليها الدراسة هي الربط بين أدب السجون وخطاب حقوق الإنسان، بما يشمله من منظومات وقوانين ورموز. فترى المؤلفة أنّ نصوص هذا الأدب تقدّم مشاهد اعتراف سردية لا تُظهر فداحة المعاناة التي يكابدها المعتقلون فحسب، بل ترتبط في الوقت نفسه بخطاب حقوق الإنسان العالمي، بما يحوّل هذه النصوص إلى أدوات وعي سياسي وأخلاقي.</p>
<p>من هنا، تتناول طالقاني مفهوم "بويطيقا الاعتراف"، فتدرسه فنيًّا وأسلوبًا، وتربطه بمفهوم الاعتراف السياسي الذي يُعدّ من الركائز الأساسية في خطاب حقوق الإنسان الحديث، خصوصًا في القرن العشرين. ولم يكن اعتمادها مصطلح "البويطيقا" في عنوان الكتاب ترفًا لغويًّا محضًا، بل هو استدعاء واعٍ لمفهوم نقدي ذي جذور فلسفية وجمالية عميقة؛ لأن الكتاب يعالج النصوص الأدبية ووثائق حقوق الإنسان بوصفها مادة فنية ومعرفية، ويستقصي الكيفية التي تُحدث بها هذه النصوص أثرها الجمالي والحقوقي في آن.</p>
<p>أما البويطيقا، فهي كلمة يونانية ارتبطت باسم أرسطو، الذي عنون بها كتابه الشهير فن الشعر. وعُرفت بالفرنسية Poétique وبالإنكليزية Poetics، وكلتاهما متحدرة من الكلمة اللاتينية Poetica المشتقة من الكلمة الإغريقيةPoietikos ، لتحمل في هذه اللغات كلّها معانيَ تتصل بصناعة الشعر ونظريته وفنونه. أما في الثقافة العربية، فقد تنوّعت ترجمتها وتجلّياتها، فوردت بصيغٍ شتّى: نظرية الشعر، وفن الشعر، وصناعة الشعر، وقواعده، وصوغ اللغة الشعرية، والإنشائية، والبنية الشعرية، والشاعرية، والشعريات، وغير ذلك؛ ما يعكس ثراء هذا المصطلح وتشعّب دلالاته في الحقول الأدبية والنقدية.</p>
<h2>أدب السجون في السياقَين العالمي والحقوقي</h2>
<p>ينقلنا كتاب أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان لاحقًا إلى مقاربة أدب السجون في السياق العالمي، مؤكّدًا أن تجربة الكتابة خلف القضبان ليست حكرًا على سورية أو على المنطقة العربية. ويعرض نماذج من تجارب سجناء سياسيين أو أفراد من الأقليات في الولايات المتحدة الأميركية، ومعتقلي غوانتانامو، ومهاجرين مثل الكردي الإيراني بهروز بوجاني، الذي فاز بجائزة أدبية مرموقة عن كتابه لا صديق إلا الجبال.</p>
<p>ويكشف الكتاب عن تداخُل هذا الأدب مع دراسات حقوق الإنسان، حيث باتت السرديات الفردية، كالروايات والمذكّرات، أدوات أخلاقية وحقوقية، وفق ما يتجلّى في أعمال كاي شافير وسيدوني سميث. ويتوقف عند الجدل النقدي في الأدب العربي حول تصنيف أدب السجون أيضًا، بين مَن يراه شهادة مقاومة، ومن يعتبره عملًا أدبيًّا صرفًا، كما في كتاب نزيه أبو نضال أدب السجون.</p>
<h2>تحولات الكتابة بين الألم والجمال</h2>
<p>تستعرض المؤلفة تطورات هذا الأدب في ستة فصول متكاملة، في ضوء "التحول التجريبي" في الأدب العربي الحديث، وتبرز كيفية تجاوز أدب السجون السوري الوظيفة التوثيقية إلى فضاء أدبي وجداني يتفاعل مع الأسئلة الجمالية والوجودية الكبرى.</p>
<p>يتناول الفصل الأول مسألة تصنيف "أدب السجون" بوصفه نوعًا أدبيًّا قائمًا بذاته، مشددًا على أهمية النظر إليه من زاوية سياسية، على الرغم ممّا يحيط بهذا التصنيف من إشكالات نظرية. ويتوسّع الفصل في عرض المناقشات الدائرة بين الكتّاب والباحثين حول اعتبار أدب السجون جنسًا أو نوعًا أدبيًّا، مستعرضًا المسارات المختلفة لنظرية النوع الأدبي في هذا السياق. وعلى الرغم من أن المؤلفة تدرك ما يكتنف هذا التصنيف من معضلات وحدود، فإنها ترى في استخدام مصطلح "أدب السجون" ضرورة سياسية لا غنى عنها. وانطلاقًا من هذا الفهم، يُدرَس أدب السجون بوصفه نوعًا أدبيًّا محدّد المعالم، وقد طغى على مقاربته في النقد الأدبي العربي، غالبًا، البُعد التوثيقي والجنوح إلى النزعات التوفيقية التي تحاكي أحيانًا أسلوب تقارير حقوق الإنسان؛ ما يحجب الأبعاد الجمالية والإنشائية الكامنة فيه.</p>
<p>وينطلق الفصل الثاني من حادثة أطفال درعا التي كانت الشرارة الأولى لانطلاق الثورة السورية، ليربط هذه الحادثة بمفهومَي "الاعتراف" و"الهشاشة الأدبية"، مستندًا في مقاربته إلى نظريات تيرانس كيف، وجوديث بتلر، وبريان تورنر. ويقدّم من خلال ذلك مفهوم "بويطيقا الاعتراف" بوصفه تجلّيًّا لفشل النظام الحقوقي التقليدي، ومحاولةً لتشكيل وعي عاطفي جديد لدى القرّاء. وتفترض المؤلفة أنّ التحول السريع الذي جعل من قصص أطفال درعا رمزًا للانتفاضة السورية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوعات الاعتراف والهشاشة والتعاطف، وهي موضوعات تتجلّى بوضوح في القصص القصيرة لكتّاب مثل سميرة خليل وغسان الجباعي، وكذلك في مسرحية وديع اسمندر. وانطلاقًا من دراسات الاعتراف في النظرية النقدية ونظرية حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال كيف وبتلر وتورنر، ترى المؤلفة أنّ بويطيقا الاعتراف في أدب السجون السوري تستحضر أشكالًا بديلة من الهشاشة، قد تعكس خطاب حقوق الإنسان التقليدي أو تتجاوزه أحيانًا لتقع خارجه، مشكِّلةً بذلك إمكانيات جديدة للكتابة ولإعادة تمثيل المعاناة.</p>
<p>ويعالج الفصل الثالث تمثيلات التعذيب كما تتبدّى في الأدب وتقارير حقوق الإنسان، ويُجري مقارنة دقيقة بين صوت الضحية المغيّب في التقارير الحقوقية، والذات المتكلمة والناطقة بوجعها في النصوص الأدبية، كما في كتابات فرج بيرقدار وحسيبة عبد الرحمن. وانطلاقًا من المناقشة التي قدّمها الفصل الثاني حول مفهومَي الهشاشة والاعتراف، يُتابع هذا الفصل تحليل تلك المفارقة، ليقدّم قراءة مقارنة لطريقة تصوير التعذيب في أدب السجون السوري وفي الخطاب الحقوقي التقليدي. ويظهر من خلال أعمال، كقصائد الشاعر بيرقدار والروائية عبد الرحمن، أنّ تجربة التعذيب تتجلّى في النصوص الأدبية بطرائق تتخطى ما توفره تقارير حقوق الإنسان، سواء من حيث العمق الإنساني أو الأثر السردي. ويعتمد الفصل على هذه الأعمال الأدبية ليبحث في إمكانيات تمثيل التعذيب بصورة تتسم بالحميمية السردية، وإعادة تأكيد مركزية صوت المعتقل بوصفه ذاتًا ناطقة، لا مجرد موضوع حقوقي أو رقم في وثيقة، بل بوصفه كيانًا حيًّا يتحدث عن ألمه ويعيد بناء صورته من رماد القهر.</p>
<p>ويتناول الفصل الرابع تمثيل الزمان والمكان في أدب السجون السوري وتقارير حقوق الإنسان، مشيرًا إلى كيفية معالجة هذا الموضوع في أعمال مثل خمس دقائق وحسب ومن تدمر إلى هارفارد. وينطلق من مناقشة ادعاء ياسين الحاج صالح أنّ السجن "نمط من أنماط الحياة" لآلاف السوريين، ليحلل كيفية تمثيل الزمان والمكان، مستندًا إلى الدراسات الحديثة في جغرافيا السجون، مثل أعمال دومينيك مويران ومايكل فيلدر. ويستعرض الفصل أعمالًا أدبية أخرى مثل مذكرات هبة الدباغ خمس دقائق وحسب، ومجموعة بيرقدار الشعرية حمامة مطلقة الجناحين، ليبيّن أنّ أدب السجون السوري يعيد إنتاج الجغرافيا العاطفية التي يعيشها المعتقلون من خلال تجربتهم الحقيقية.</p>
<p>أما الفصل الخامس فيخصص سجن تدمر موقعًا رمزيًّا للقسوة، ويحلل اللجوء إلى السريالية في بعض الأعمال الأدبية، معتبرًا أن هذه السريالية هي شكل من أشكال المقاومة لمحاولة محو ذاكرة العنف التي تعرّض لها المعتقلون في هذا السجن. من خلال أعمال مثل رواية القوقعة، يرى الفصل أن الكتابات عن سجن تدمر تنتج أشكالًا من المراقبة تكذّب الرواية الرسمية التي تنكر ارتكاب الدولة انتهاكات حقوق الإنسان عقودًا. كما تفقد اللغة قدرتها على التعبير عن التجربة القاسية، فيلجأ المؤلفون إلى النزعة السريالية لتمثيل أشكال القسوة والمعاناة الإنسانية في السجن.</p>
<p>ويتناول الفصل السادس الكتابات التي تمزج السرد الذاتي بالتخييل ما بعد الحداثي، متأثرةً بالمنفى، ليجعل أدب السجون امتدادًا لكتابة المنفى والمقاومة المزدوجة، من خلال التحليل العلمي لمؤلفات ما بعد الحداثة التي تبتعد عن تقنيات السرد التقليدية لكتّاب، مثل باتريسيا واو ومارك كوري وآخرين. ويناقش انتشار الميول الذاتية والخيالية، حيث يعكس هذا التوجه تساؤلًا نقديًّا عن قدرة السرد على التعبير عن تجربة السجن بشفافية، على النقيض من تقارير حقوق الإنسان. كما يرتبط هذا النوع من السرد بحالات النفي والإبعاد التي عاناها المعارضون السياسيون قبل ثورة 2011 وبعدها. وهكذا، يوضح الفصل أن بعض مؤلفات أدب السجون تتماهى مع الكتابة عن المنفى، معتبرةً إياها جزءًا من تجربة المقاومة المزدوجة.</p>
<h2>الحق في الصورة: السرد البصري بوصفه مقاومة</h2>
<p>بدلًا من خاتمة تقليدية، يختم الكتاب بتأمّل دور الإنتاج البصري في توثيق الاعتقال والثورة، من خلال أعمال "أبو نضارة" وفيلم "سُلَيمى"، وغير ذلك. تأسّست مجموعة "أبو نضارة" قبيل الثورة، وقدّمت نفسها من خلال ما سمّته "سينما الطوارئ"، وسعت إلى اختراق ضجيج الإعلام بألسنة الضحايا الحقيقيين. وتطرح المجموعة مفهوم "الحق في الصورة" حقًّا إنسانيًّا، وترفض التمثيلات النمطية للضحايا، ساعيةً إلى تقديم سرديات تحافظ على كرامة الإنسان وتمنح المعتقَل حق التعبير عن ذاته، لا أن يُختزل في صورة مذلّة ومهينة.</p>
<p>ويتناول الكتاب أعمال محمد ملص أيضًا، مثل "سلّم إلى دمشق" و"باب المقام"، التي تجسّد ثنائية الاعتقال والثورة، وتربط بين قمع الماضي وجراح الحاضر. وكذلك فيلم "المريض السوري"، الذي نتابع فيه قصة طبيب فقد مريضه المعتقل، ليُعتقل هو لاحقًا. أما "المعتقل غير موجود" فيحكي عن أمّ تبحث عن ابنها المفقود. ويعرض فيلم المجموعة الطويل "سجن صيدنايا ... يرويه السوري الذي أراد الثورة"، شهادات حيّة قدّمها معتقلون سابقون.</p>
<p>إنّ هذه الأعمال كلها تعيد التفكير في حقوق الإنسان مفهومًا مرنًا، وتقدم السرد البصري وسيلةَ مقاومة تُكمل الأدب، وتمنح الصوت لأولئك الذين صودرت ذاكرتهم.</p>
<p>يمثّل كتاب أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان إضافةً نوعية إلى رصيد المكتبة العربية، لما ينطوي عليه من تداخلٍ عميق بين الأدب وحقوق الإنسان، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي؛ إذ إنه لا يكتفي بمجرّد توثيق معاناة المعتقلين السوريين بل يسمو بهذه المعاناة إلى مقام الكتابة الأخلاقية والجمالية، ويمنحها بعدًا إنسانيًا عصيًّا على المحو، ونافذًا إلى الوجدان. إنه يكشف عن قدرة الكلمة والصورة على مواجهة الاستبداد، ويطرح أفقًا جديدًا لتأمّل مفهومَي العدالة والكرامة، مؤسّسًا لوعي أدبيّ لا يفصل بين الجمال والدلالة، ولا بين الفن والحقيقة. إنه كتاب لا يُقرأ بعين العقل فقط، بل يُنصت إليه بوصفه شهادةً ناطقة بالمقاومة، وصوتًا حيًّا للمنسيّين أيضًا.</p>
<p>ولا يقتصر هذا الأدب على الرواية والمذكّرات بل يمتدّ ليشمل أجناسًا أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والشعر والمسرح أيضًا؛ ما يجعل تعدّده الفنّي يُغني مضمونه، ويمنح قضاياه تراكمًا تعبيريًّا متجدّدًا.</p>
</div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35493">أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فلسطين وسوريا... كيف تعود كل منهما إلى الأخرى؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35087</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ناجي الخطيب]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 19 Mar 2025 18:18:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35087</guid>

					<description><![CDATA[<p>"بوعزيزي" كان نموذجاً للقهر والفقر والبطالة وانعدام الأفق للشباب العربي، من المحيط إلى الخليج. لقد كان رمزاً لتحفيز الثورات الشبابية في حركة عارمة من الثورات الاجتماعية والديمقراطية في المقام الأول، ما كان بمثابة دخول العالم العربي بأكمله عصراً جديداً لحركات مطلبية لتأمين الخبز والحرية والكرامة المهدورة. لقد فاجأت الثورة التونسية العالم أجمع عام 2011، وكانت [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35087">فلسطين وسوريا... كيف تعود كل منهما إلى الأخرى؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">"بوعزيزي" كان نموذجاً للقهر والفقر والبطالة وانعدام الأفق للشباب العربي، من المحيط إلى الخليج. لقد كان رمزاً لتحفيز الثورات الشبابية في حركة عارمة من الثورات الاجتماعية والديمقراطية في المقام الأول، ما كان بمثابة دخول العالم العربي بأكمله عصراً جديداً لحركات مطلبية لتأمين الخبز والحرية والكرامة المهدورة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد فاجأت الثورة التونسية العالم أجمع عام 2011، وكانت مولداً لسلسة الثورات المتعاقبة في كل من مصر وسوريا تحديداً. ويمكن اعتبار هذه الثورة تكملةً لسلسلة الثورات السابقة لها، مثل الانتفاضة الفلسطينية عام 1987؛ الربيع الجزائري "القبائلي" عام 1988؛ الربيع التونسي مطلع عام 1990؛ ربيع دمشق مطلع عام 2000. ولكن لم يسبق لأي سابقة "ثورية" إحداث مثل هذا الطوفان "التسونامي" السياسي الذي سوف يغير ملامح المنطقة العربية ككل. إن إرجاع كل هذه الثورات إلى "عامل العولمة المتسارعة"، أو إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشرت بكثافة، وبين الشباب تحديداً، أو إلى تأثير القنوات الفضائية، إنما هو تحليل قاصر، وإن لعبت هذه العوامل بعضًا من هذا الدور هنا وهناك. إن المركزي في هذا المشهد هو وصول النظام الرسمي العربي إلى مستويات متقدمة من الانحطاط السياسي والمجتمعي والاقتصادي، والقمع الأعمى والوحشي، وهو أكثر الأشكال تعبيراً عن بداية تآكل المنطق الاستبدادي واكتشاف الجموع لقدراتها على التغيير الذي طال انتظاره.</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الربيع العربي والقضية الفلسطينية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا، بدا -وللوهلة الأولى- دخول المجتمعات العربية لحقل السياسة المحظور عليها دخوله منذ بدايات تشكل الدولة "الحديثة" السايكس-بيكوية لحقبة ما-بعد الاستعمار المباشر في المشرق العربي. وقد حمل هذا الدخول معه موضوعياً استعادة الشعوب للقضية الفلسطينية من أيدي الأنظمة، التي صادرتها لاستخدامها أداةً لستر عوراتها الكثيرة وأداةً لتبرير قمع الشعوب، بحجة التحضير لمعركة التحرير الكبرى لفلسطين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد كان الربيع العربي ينذر بدخول المنطقة في مرحلةٍ ستعود القضية الفلسطينية فيها إلى جدول الأعمال، وإن لم تبد بالفعل قضيةً مهمةً ومُعلَنة في الحراكات الشعبية العربية. لقد كانت فلسطين في الجوهر من هذه الحراكات، رغم إزاحتها إلى مواقع خلفية؛ إذ شكلت على الدوام جرحاً مفتوحاً في الضمير الجمعي العربي، ورمزاً لإهانته ومثالاً على خطورة المشروع الصهيوني على المنطقة العربية، أراضيها وأمن شعوبها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان لا بدّ للنظام الرسمي العربي من اجتراح خطاب مضلل على شاكلة ما صرح به وزير الداخلية السوري في 28 يناير/كانون الثاني 2012، واصفاً المتظاهرين السوريين ببساطة "خارجين عن القانون"، و"عملاء مدفوعي الأجر لزعزعة استقرار سوريا وإضعافها"، وهي "القلب النابض للعروبة" و"القلعة المنيعة ضد العدو الصهيوني".</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد انحسار ثورات "الربيع العربي" وهزيمتها، ورغم كل التغيرات التي أحدثتها أو مهّدت لها في البيئات العربية، بدت الكيانات السياسية الفلسطينية، في معظمها، بمثابة الغائب الأكبر عن كل هذه المناخات، بل الحائر الأكبر في كيفية التعاطي معها؛ إذ</span> <span style="font-weight: 400;">لم تفهم الطبقة السياسية الفلسطينية، بمختلف تياراتها، ظاهرة الربيع العربي، وهي التي نشأت وترعرعت على ادّعاءاتٍ تتعلّق بتثوير العالم العربي، إذ ثار الأخير بمعزل عن الحركة السياسية الفلسطينية، وذلك ضمن أجنداته الخاصة به لنيل حقوقه بالحرية وبالخبز، بمعزلٍ عن "قضية العرب المركزية الأولى".</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>مع أو ضد الحرية؟ مواقف فلسطينية وعربية متناقضة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدخل عدم الفهم هذا الحركة الوطنية الفلسطينية، بفصائلها من صغيرها إلى كبيرها، إما في مواجهات واحتكاكات مجانية مع شعوب المنطقة، أو في تحالفات مع أنظمة الاستبداد علانيةً ضد شعوبها. وهذه المواقف المتناقضة عادت بنتائج كارثية على التجمعات الفلسطينية في عدد من بلدان المنطقة؛ إذ قدّمت بذلك للأنظمة وسائل للتلاعب بجموع اللاجئين في هذا البلد أو ذاك، ما كان لا بدّ له إلّا وأن ينعكس سلباً على صورة الفلسطيني ودوره، ومكانة قضيته من مجمل قضايا هذه الشعوب المنتفضة ضد حكامها وسياساتهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد انعكس هذا الأداء السلبي للطبقة السياسية الفلسطينية على حالة التعاطف المبدئي، بل والفطري، مع قضيتهم ومع كفاحهم من أجل حقوقهم. فعلى سبيل المثال، وقبل ثورات الربيع العربي، تعاطفت كل الفصائل الفلسطينية مع احتلال صدام حسين للكويت عام 1990، من دون التبصّر بأثر هذه الخطوة على شعب الكويت، ولا على وضع مئات الآلاف من الفلسطينيين المقيمين في ذلك البلد، ولا على دلالات تحالف حركة تحرر وطني، يفترض أنها تمثل محرومين من الحرية ومن الوطن، مع نظام استبدادي، فضلًا عن دعمها احتلاله لبلد آخر. هذا التحالف مع النظام العراقي، الذي كان بمثابة إجماع فلسطيني رسمي كامل، تكرر في سوريا؛ إذ أبدت معظم فصائل العمل الوطني الفلسطيني (باستثناء حماس، لعمق علاقاتها الأخونجية بنظيرتها السورية) تحالفاً مع النظام الأسدي، رغم تاريخه الحافل بقتل شعبه، بما فيهم فلسطينيي سوريا وذكريات مجزرة تل الزعتر التي شارك فيها النظام الأسدي، ولم تكن بعدُ بعيدةً عن الأذهان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا التناقض الفاضح قد يعود بجذره العميق إلى قصور إدراكات هذه الحركة لضرورة الربط بين مفهومي التحرير والتحرّر بشكل عام فلسطينياً (التحرير يتطلب التحرر الاجتماعي والفكري وتحرر الإنسان الفلسطيني ودمقرطة ثقافته السياسية والمجتمعية)، وبشكل خاص (تحرر الإنسان العربي من أنظمته الاستبدادية)، وذلك لحقيقة أن تحرير فلسطين يتطلب جهداً شعبياً عربياً مشاركاً للنضال الفلسطيني في مهماته التاريخية المعقدة. إن العلاقة الجدلية ما بين تحرر الإنسان العربي من نظمه الاستبدادية وتحرير فلسطين كانت غائبة عن الوعي السياسي الفلسطيني، وإن تمظهرت بخجل من وقت إلى آخر دون أن تترسخ عميقاً في هذا الوعي فتصيغ موقفاً فلسطينياً حازماً بصدد ضرورة تحرر هذه الشعوب من أنظمتها الوظيفية والمرتبطة بالمراكز الإمبريالية وبإسرائيل، وبالحركة الصهيونية إجمالاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا، كان التحالف مع البعض من هذه الأنظمة يتناقض في جوهره مع هدف التحرير الفلسطيني المنشود. ولعله في السياق ذاته أيضاً، يأتي رفع القضية الفلسطينية إلى مكانة القضية المركزية (نظرياً وخطابياً) مجرد مناورة لذرّ الرماد في عيون الشعوب العربية، لكيلا تكتشف تلك العلاقة المتينة ما بين هذه الأنظمة والكيان الصهيوني كمستعمرة ورأس حربة للتغلغل الرأسمالي-الإمبريالي في المنطقة المشرقية، وفي عمق مفاصل النظام الرسمي العربي. وهكذا أيضًا، راكم النضال الفلسطيني عامل عجز إضافي لبناه المختلة أصلاً، وذلك في إهماله لعلاقة النضال الوطني الفلسطيني بواقع المجتمعات العربية، وبمتطلباتها وأولوياتها وحاجاتها ونضالاتها من أجل الخبز والحرية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا التواطؤ الفلسطيني مع النظام الرسمي العربي هو من قدمَ فلسطين وقضية شعبها لقمةً صائغة في فم هذا النظام المتحالف مع الإمبريالية وإسرائيل. إذ إن وهب بعض هذه الأنظمة "صك براءة" وطنية وقومية (أنظمة "جبهة الرفض" السابقة و"محور المقاومة" اللاحق الذي أُضيف له النظام الإيراني) جعل من قضية فلسطين مطية لهذه الأنظمة، لتكريس شرعيتها، وتبرير سياساتها السلطوية تجاه شعوبها، ولهيمنتها على موارد البلاد والعباد، الأمر الذي لا يستقيم لا مع التحرر ولا مع التحرير. لقد كان هذا السقوط للبعض الفلسطيني هو أول البوادر للتدهور التدريجي للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وصولاً لعقد اتفاقيات "أوسلو" المشؤومة التي استندت إلى شعار "</span><span style="font-weight: 400;">يا</span><span style="font-weight: 400;"> وحدنا" (من المتوقع أن نكون لوحدنا على ضوء "الخيانة" الفلسطينية لطموحات الشعوب العربية بالتحرر من جلاديها من "أبطال" الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة).</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>في وسط كل هذا الضجيج: أصوات عربية حرّة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا، لا بدّ من الإشارة إلى وجود بعض الأصوات الحرة التي لم تستسلم لتيار التخبط الفلسطيني الجارف هذا، وقد تكون تجربة المنظمة الشيوعية العربية القصيرة (1974-1975)، بمكوّنها الفلسطيني المركزي، وإن ضمت العديد من السوريين واللبنانيين إلى صفوفها، هي أولى الإرهاصات "الفلسطينية" المتمفصلة مع حقوق الإنسان العربي بالحرية والتحرر، وذلك باتجاه عكسي مع توجهات كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بيمينها ويسارها. فلقد كانت هذه المنظمة الفلسطينية-السورية-اللبنانية تجربةً حيّة لربط الحقوق الوطنية الفلسطينية بقضايا الإنسان العربي وحقوقه بالحرية والعدالة الاجتماعية؛ فالحقوق لا تتجزأ، كما هي المنظمة "العربية" التي لا تتجزأ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، نقتطف ما كتبه وائل السوّاح عن هذه التجربة الفريدة في نهاية مقال له: "لا يذكر معظم السوريين اليوم مناضلي "المنظّمة الشيوعية العربية"، ولكنهم يعرفون اللوحة الفاتنة التي رسمها يوسف عَبَدلكي بعنوان "دمشق، سبت الدم"، التي تؤرخ لليوم الذي أُعدم فيه الأعضاء الخمسة للمنظمة، كما يذكرون على الأرجح القصيدة الفاتنة لنزيه أبو عفش عن شهداء المنظمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي مقال آخر، يتابع قائلاً: "في النصف الثاني من سبعينات القرن...، كان رموز المنظمّة الشيوعية العربية يشعلون خيال وضمير اليسار السوري الجديد. لم تخلِّف المنظّمة إرثاً نظرياً، ولم تعش طويلاً لتخلِّف إرثاً نضالياً، ولكن مناضلي المنظّمة كانوا أيقونات عاشت في قلبنا طويلاً"</span><span style="font-weight: 400;">.<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">1</sup> هذا الإرث الثوري الذي خلفته "المنظمة الشيوعية العربية"، تابع فعله السياسي لكي يلتقط المناضل الفلسطيني (ابن بلدة بيرزيت)-السوري-العربي-الأممي، سلامة كيلة، في شعاره الشهير: "من أجل تحرير فلسطين، نريد إسقاط النظام" (2011)</span><span style="font-weight: 400;">.<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">2</sup></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد كانت إرهاصات "المنظمة الشيوعية العربية" ونضالات سلامة كيلة وغيره لتشكيل "الحزب الثوري العربي" الجامع للنضال الوطني (فلسطين) ونضال الشعوب العربية (وعلى رأسها الشعب السوري)، اجتماعياً وطبقياً، تمثِلُ تلك المحاولات للتصدي لذلك السلوك السياسي (غير المقبول وطنياً وأخلاقياً) لمعظم الفصائل والقوى الفلسطينية في تحالفاتها مع أنظمة التبعية للاستعمار الجديد، تلك الأنظمة الوظيفية في دورة الاقتصاد الرأسمالي الدولي، الذي تلعب به المستوطنة الصهيونية دوراً مرموقاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن التعريج على هذا الماضي الفلسطيني المشرق بوجه تواطؤ الفصائل الفلسطينية مع النظام الأسدي المجرم، أباً وابناً، ما هو إلا البدء بوضع اللّبنات الأولى في صرح تضافر النضال الوطني للشعب الفلسطيني مع نضال الشعب السوري (والشعوب العربية الأخرى)، في سبيل بناء سوريا الحرة، الديمقراطية والعلمانية. وهذا سيكون تجسيداً لوحدة النضال والمصير أمام عدوٍ صهيوني مشترك.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>تقديم الاعتذار من أجل إعادة اللحمة الفلسطينية-السورية </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن إعادة اللحمة الفلسطينية-السورية لا بدّ وأن تمر بتقديم من تلطخت يداه بالدم السوري والفلسطيني إلى محاكمة عادلة لمحاسبته على جرائمه (من قيادة عامة لتحرير فلسطين إلى الفيلق لتحرير القدس). أما من لم يتورط بالقتال المباشر مع النظام ضد شعبه، فعليه تقديم اعتذارٍ واضح لما اقترفه من أخطاء وخطايا. إعادة اللحمة الفلسطينية-السورية تتطلب تقديم هذا الاعتذار من جميع من ساهم فلسطينياً في الدفاع عن النظام البائد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اعتذار جميع هؤلاء كفيل بتنقية الأجواء المسمومة التي خلفتها علاقاتهم المشبوهة بالنظام البائد، وقد يكون هذا كفيلاً باستعادة فلسطين إلى الحضن السوري الدافئ، كما قد يساهم في استعادة سوريا بوصفها رديفاً ونصيراً للنضال الوطني الفلسطيني لمواجهة العدو المشترك للشعبين السوري والفلسطيني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، لا بدّ من التنويه بمسؤولية سابقي الذكر هؤلاء عن بروز تيارات "انعزالية" (وبعضها "ثأري" معادٍ لفلسطين وأهلها وقضيتها) لدى البعض من قطاعات الشعب السوري ومثقفيه. وكيف لا ونحن شهدنا التقاء "المعارضة" الفلسطينية مع "سلطة رام الله" على دعم هذا النظام؟! فقد توحدتا على أرضية دعم النظام الأسدي، رغم تخاصمهما على كل القضايا، دون استثناء!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كيف تعود فلسطين إلى قلب سوريا؟ وكيف تعود سوريا-الشعب إلى قلب النضال الفلسطيني؟ إن في خطاب نتنياهو جواباً حاسماً عن هذا السؤال، عندما أكد في تصريحه الأخير (23 شباط/فبراير 2025) بأن سقوط النظام البائد لم يكن من مصلحة إسرائيل، فبقاؤه كان تلبية للمصالح الإسرائيلية، وهذا تكذيب لجميع أنصار النظام الأسدي البائد ممن كانت مواقف معظمهم تدّعي زوراً وبهتاناً بأنه كان قلعة الصمود والتصدي بوجه إسرائيل، متناسين عمداً أن هذه القلعة المزعومة هي من ساهم في سقوط مخيم تل الزعتر، وفي تدمير مخيم اليرموك وقتل أهله وتشريدهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن إسرائيل المحتلة للأرض السورية والفلسطينية معاً هي العدو المشترك للشعبين. فلتُطوَ صفحة العار التي خطّتها بعض الشخصيات الفلسطينية ممن أصابها العمى الأيديولوجي الممزوج بانتهازية سياسية لا تليق بدم شهداء فلسطين وبتضحيات شعبها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> تحيا سوريا الحرة وتحيا شقيقتها فلسطين.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>الهوامش</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; وائل السواح، "في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد"، في: https://mouatana.org/?p=12893</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; ناجي الخطيب، "من أجل تحرير فلسطين، نريد إسقاط النظام"، في: https://rommanmag.com/archives/19567</div><p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35087">فلسطين وسوريا... كيف تعود كل منهما إلى الأخرى؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التاجر التركي بين حكايتين</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34846</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[جولان حاجي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 08 Feb 2025 07:57:37 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[هرطقات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34846</guid>

					<description><![CDATA[<p>هرطقات</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34846">التاجر التركي بين حكايتين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; color: #4d4d4d;">خريف 2019، عدتُ إلى عالم فاسكو بوبا. في بيته ببلغراد، ربيع سنة 2020، يوم عيد النوروز (أو "اليوم العالمي للشعر")، كنت سألقي ورقة أعددتُها حول الحضور العميق للأحجية والخرافة في شعره، برفقة الشاعر الإنكليزي جون فيليبس، المقيم في لوبليانا. حاولتُ أنْ أتقصّى الأثر الذي تركته خرافات فاسكو بوبا على البناء الشعري، المحكَم والطليق في آنٍ معاً، لقصائد تيد هيوز في ديوان "الغراب" الذي بدأتُ ترجمته في 2004 ولم أكملها. أُلغيت تلك الرحلة في أول أيام الإقفال العالميّ الذي أعقب جائحة كورونا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #4d4d4d;">ذاك الخريف نفسه، كانت جامعة "سواس" اللندنية قد نظّمت ملتقى حول الشعر والترجمة صادفت فيه فرانسيس جونز. كان جونز قد استكمل ترجمات الراحلة آن بنينغتون لقصائد فاسكو بوبا (المنشورة بالإنكليزية بتقديم تيد هيوز). دلّني اللقاء إلى "التفاحة الذهبية"، مختارات بوبا من فلكلور البلقان، وكنت أستمتع بترجمتها من حين لآخر، إلى أنْ وقعتْ مصادفة أخرى، ذات ليلة ثلج في برلين أواخر 2023، في مرسم الفنان السوري الكرديّ عبد الكريم مجدل بك. أثناء حديثنا عن كتاب مشترك بدأنا انتقاء مختاراته سوياً، بالكردية والعربية، مع الشاعر الكردي السوري جوان قادو، روى الفنان حكاية كردية لم أسمع بها من قبل، ولم نستطع العثور على أيّ أصل كرديّ مكتوب لها. كانت جدته قد روتها له في قريته "موريك" شمال شرقي سوريا، وأنا من صاغها بالعربية وعنونتُها "الاسم". التقاطعات العديدة بينها وبين حكاية أخرى لم يَسمعْ بها من قبل، هي "الشيطان وتلميذه" في "التفاحة الذهبية"، دفعتني لوضع إحداهما مقابل الأخرى في هذا المقال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #4d4d4d;">فكرتُ بحكايةٍ لا يعلم أحد من أين أتت، عبرتْ كردستان وتجوّلتْ في الأناضول وتحوّلتْ في البلقان. الحكايات القليلة نفسها تترحّل عبر الأمكنة، والرواة ينوّعون التفاصيل. ربما استفاق موكب المحتفلين في أغنية زفاف بوسنية، بعدما ناموا مئة سنة على الطريق، ثم دخلوا حكايات الأخوين غريم وناموا في إحداها مائة سنة ليستفيقوا على أرضٍ أخرى، مستأنفين ما كانوا يفعلون، منذ لحظات، في مكان آخر.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الشيطان وتلميذه</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان هناك رجل وكان له ابن. وفي يوم من الأيام، قال هذا الابن لأبيه: "أبي، ماذا سنفعل؟ لا يمكنني أن أعيش هكذا؛ سأسافر وأجوب العالم لأتعلّم صنعة. فمَن يعرف أتفه صنعة في هذه الأيام، عيشته أحسن من أيّ فلاح".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حاول الأب لوقت طويل أنْ يثنيه عن عزمه، قائلاً إنّ هناك متاعب وعملاً شاقّاً في الصنعات أيضاً، وكيف سيترك أباه وحيداً! وإذْ لم يعدُلِ ابنه عن قراره، تركه يغادر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا سافر الابن ليجوب العالم بحثاً عن صنعة. وفي أسفاره وصل إلى بحيرة. أثناء المشي قربها التقى رجلاً بثياب خضراء. سأله الرجل عن وجهته، فأجاب: "أنا أجوب العالم لأجد معلماً يعلّمني الصنعة"، فقال الرجل الأخضر: "أنا معلم، فتعال معي". سُرّ الصبي سروراً عظيماً ومضى معه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفيما هما يمشيان على الضفة، قفز المعلم فجأة إلى الماء وراح يسبح، وقال للصبي: "هيا، اقفزْ. لا تخفْ. تعلّم السباحة". وقفز الصبي وبدأ يسبح بجانب معلّمه. وحين بلغا منتصف البحيرة أمسك المعلم بالطفل من مؤخرة عنقه، وغاص به إلى القاع. كان الشيطان. مضى بالطفل إلى قصره وسلّمه إلى عجوز لتعلّمه، ثم عاد إلى هذا العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعندما اختلت العجوز بالطفل قالت له: "بُنيّ، لا تحسب هذا الرجل معلّماً كسائر المعلمّين. إنه الشيطان. أنا مسيحية مثلك، وقد خدعني وجاء بي إلى هنا. افعلْ ما أقوله لك. سأعلّمك صنعته بكاملها، وكلما جاء وسألك إنْ كنتَ قد تعلمت شيئاً، فقُلْ "لا" دائماً، إذا أردتَ أنْ تنجو بنفسك وتعود إلى العالم".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبعد حين جاء الشيطان، وسأل الطفل: "ماذا تعلّمت؟" فأجابه: "لم أتعلّم شيئاً بعد". وانقضت ثلاث سنين على هذا المنوال، كلما سأل المعلّمُ الصبيَّ عمّ تعلّمه كان جوابه دوماً إنه لم يتعلّم شيئاً بعد. وأخيراً سأله الشيطان مرة أخرى: "ألم تتعلّمْ شيئاً قطّ؟" فأجاب الصبيّ: "قطّ، وكلّ ما عرفتهُ من قبل نسيتُه". فغضب الشيطان، وقال له: "إنْ لم تكن قد تعلّمتَ أيَّ شيء حتى الآن، فلن تتعلّم أيَّ شيء أبداً، فاذهبْ إلى حيث تقودك عيناك، وحيث تحملك قدماك".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الصبي الذي أجاد صنعة الشيطان تمام الإجادة قفز إلى الماء على الفور، وسبح إلى الشاطئ، وعاد إلى بيت أبيه. ولما لمحه أبوه من بعيد، ركض لملاقاته، قائلاً: "بحقّ الله يا بنيّ، أين كنتَ؟" فأجابه الابن: "كنت أتعلّم صنعتي".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مرّ بعض الوقت. أقيم سوقٌ في قرية مجاورة. قال الابن لأبيه: "فلنذهب إلى السوق". "ما بضاعتنا ونحن لا نملك شيئاً؟" "لا تشغل بالك بهذا الأمر"، أجابه الابن، وذهبا إلى السوق. على الطريق، قال الابن للأب: "عندما نقترب من السوق، سأتحوّل إلى حصان جميل. لن يكون لي مثيل في السوق كلّه. سيُدهَش السوقُ كلُّه. سيأتي معلّمي ليشتريني وسيدفع لك أيّ سعر تطلبه. لا تعطه اللجام، تحت أيّ ظرف كان، ولكن حين تقبض النقود ارخِ اللجام عن رأسي واضربْ به الأرض".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولما اقتربا من السوق، حوّل الصبي نفسه إلى حصان. ساس العجوز الحصانَ عبر السوق، فتجمهر من حولهما السوق كلُّه، ولم يجرؤ أحد أنْ يسأل عن ثمن حصان جميل مثله. أتى المعلّم. كان قد حوّل نفسه إلى رجل تركيّ، عمامته ملفوفة حول رأسه، وذيل ردائه يلامس الأرض. أتى إلى الأب، وقال: "سأشتري هذا الحصان. كم تريد ثمناً له؟" ولبّى التركي كلّ ما طلبه العجوز، وناوله المال من محفظته دون جدال. وعندما قبض العجوز النقودَ أمسك بلجام الحصان وضرب به الأرض، فاختفى الحصان والتاجر. عاد العجوز إلى البيت فوجد ابنه هناك، وكأنّ شيئا لم يكُنْ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبعد حين، كان هناك سوق آخر، ومرة أخرى قال الابن لأبيه: "تعالَ يا أبي، فلنذهب إلى السوق". لم يقُل الأب شيئاً هذه المرة، بل ذهب فوراً. وعندما اقتربا من السوق، قال الابن: "سأحوّل نفسي إلى خيمة مليئة بالبضائع. سيذهل السوق كله من جمالها وغناها. لن يستطيع أحد أنْ يشتريها، ولكنّ معلّمي سوف يأتي، وسيدفع لك الثمن الذي تريد. وأياً كان الأمر، لا تعطِه المفاتيح، ولكن عندما تقبض النقود ارمِ المفاتيح على الأرض".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحوّل الابن إلى خيمة بضائع. ذهل السوق كلّه. وجاء التركي مرة أخرى. سأل: "كم تريد؟" دفع كل ما طلبه العجوز. ولما قبض العجوز نقوده كلّها، رمى المفاتيح على الأرض، فاختفى التاجر والبضائع؛ تحوّلت خيمة البضائع إلى حمامة والتركي إلى صقر يطارد الحمامة. خرجت ابنة الإمبراطور من قصرها وتفرّجت عليهما. فجأة، انقضّت الحمامة على يد الفتاة وصارت خاتماً. ثم سقط الصقر على الأرض، وصار رجلاً وذهب إلى الإمبراطور، وعرض عليه أنْ يخدمه: سيخدمه ثلاث سنين ولا يريد أيّ شيء بالمقابل، أيّ شيء على الإطلاق، لا طعاماً ولا شراباً ولا لباساً، سوى ذلك الخاتم في يد الأميرة لا أكثر. قبل به الإمبراطور، ووعده بأن يعطيه الخاتم. وهكذا خدمه ثلاث سنين، والفتاة لبست الخاتم، وكانت سعيدة جداً، لأنه كان خاتماً في النهار، ولكنه يصير في الليل شابّاً وسيماً قال لها: "عندما يحين الوقت ليأخذوني منك، فلا تناوليني يدَ أحد، بل ارميني على الأرض".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولما انقضتْ ثلاث سنين، أتى الإمبراطور إلى ابنته راجياً أنْ تُعطيه الخاتم. تظاهرت بالغضب ورمت الخاتم على البلاط. انكسر الخاتم فانسكبت منه حبّاتُ ذرة ناعمة. تدحرجت حبة منها عند جزمة الإمبراطور. وفي تلك اللحظة صار خادم الإمبراطور عصفوراً وبدأ ينقر الذرة كالمجنون. ولما التقط حَبّ الذرة كلّه، راح يقفز عبر البلاط لينقر الحبة الأخيرة عند جزمة الإمبراطور. تلك الحبّة صارت قطّاً وعضّ العصفور في عنقه.</span></p>
<figure id="attachment_34848" aria-describedby="caption-attachment-34848" style="width: 1280px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-34848 size-full" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/02/موريك،-2008-بعدسة-عبد-الكريم-مجدل-بك.jpg" alt="" width="1280" height="1920" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/02/موريك،-2008-بعدسة-عبد-الكريم-مجدل-بك.jpg 1280w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/02/موريك،-2008-بعدسة-عبد-الكريم-مجدل-بك-200x300.jpg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/02/موريك،-2008-بعدسة-عبد-الكريم-مجدل-بك-683x1024.jpg 683w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/02/موريك،-2008-بعدسة-عبد-الكريم-مجدل-بك-768x1152.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/02/موريك،-2008-بعدسة-عبد-الكريم-مجدل-بك-1024x1536.jpg 1024w" sizes="(max-width: 1280px) 100vw, 1280px" /><figcaption id="caption-attachment-34848" class="wp-caption-text">موريك، ٢٠٠٨، بعدسة عبد الكريم مجدل بك.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الاسم</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جلست عجوز فوق حجر أبيض تحت شمس الصباح، قدّام بيت الآغا على كتف التلّة. رآها من نافذة غرفته العالية، فنادى ربّة البيت: "اذهبي اعطي المحتاجة طاسة طحين". صباح اليوم التالي، عاودتِ العجوز الجلوس على الحجر نفسه، فأعطوها طاسة برغل. وفي صباح اليوم الثالث، أمر الآغا بإدخالها إلى بيته. سألها: "لماذا تجلسين هناك؟ ألا تعرفين قصّة هذا الحجر؟" أجابت: "بلى. أعرف. إنه حجر الخاطبين. أرسلني ابني طلباً ليد ابنتكم". قال الآغا: "مال الدنيا كلّه لا يساوي ابنتي. سأقبل بشرط واحد: أنْ يأتيني بما لم ترَ عينٌ من قبل. أمهله حتى صباح الغد، وإلا قطعتُ رأسه". ولما عاد ابنها من رعي غنمتيه في المساء، لم يشاجرها هذه المرة لأنها لم تنقل رسالة حبّه. لم تغضبه شكواها: "نحن فقراء، مَن سيرضى بنا؟" حزمت معه الفرش والمتاع القليل، وغادروا القرية قبل طلوع الفجر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد أيام من المشي في الريح والغبار، لاحت بحيرة في الأفق. كانت الأمّ متعبة، عطشانة جوعانة، والعطش أولى من الجوع. ذهب الابن ليجلب الماء، وتركها جالسة على حجر تحرس الغنمتين وبيتهم المكوَّم على ظهور حميرهم الثلاثة. انزلقت قدم الابن على الضفّة الموحلة، وغاص في الماء حتى بلغ قاع البحيرة، فرأى مدينة كبيرة مليئة بالناس عاش فيها سبع سنين. كان حاكمها ملكاً عادلاً، قصده الشابّ وسأله "ما لم ترَ عينٌ من قبل". أجابه: "هذا حِمْلٌ ثقيل ليس لك. أنت إنسان، وما تطلبه لا يناله إلا ملاك أو جنّي. لكنّي سأحقّق لك طلبك مقابل شرط واحد: سنضعك في غرفة ونقفلها عليك. إيّاك والنوم سبعة أيام بلياليها. كلّ ليلة، سترى أمام الباب رغيف خبز عليك أنْ تأكله كلّه". وفي الليلة الرابعة نام. أتى الملك ورأى الرغيف على عتبة الزنزانة. ناداه: "استيقظْ. لم تستطع التغلّب على النوم، فكيف لك أنْ تتحمّل "ما لم ترَ عينٌ من قبل"؟". لم يستمع الملك إلى توسّلاته، غير أنّ زوجة الملك أشفقتْ عليه، فلقّنته ترتيلَ الأسماء. ولمّا صعد الشاب إلى سطح البحيرة، وعاد إلى أمّه، قالت: "أين كنت طوال هذه الساعة؟ غفوت وأنا أنتظرك". لم يقُلْ لها أين كان. لم يفهم كيف مرّت سبع سنين بهذه السرعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ساسوا الحمير والغنمتين مرة أخرى، ومشوا على الطريق. فكّر الابن باختبار ما علّمته إياه زوجةُ الملك في أعماق المياه. قال: "سأقضي حاجة وراء تلك الصخرة". هناك رتّل اسماً فصار ظبياً، وراح يركض ويثير الغبار بين الصخور والدوابّ. نادته أمّه: "تعال، تعال صِدْ لي هذا الغزال!" ثم رتّل اسماً فعاد الشابّ الذي كان. قالت له أمه: "لو كنتَ معي ورأيت الغزال! لم أستطع الإمساك به. لاحقته حتى اختفى!". قال: "يا أمّي، لا تقلقي. فلنكمل الطريق".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مشوا من قرية إلى قرية، لا يدخلونها، حتى وصلوا إلى ماردين، غريبين لا يعرفان أحداً، فقيرين لا مالَ معهما، والشاب لا يجيد أية صنعة تنفعه. وجد غرفة صغيرة آوتهم على طرف المدينة. قال لأمه: "غداً، سأصير حصاناً. امسكي بلجامي وخذيني إلى سوق ماردين وبيعيني، ولكن لا تبيعي لجامي".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تجمّع الناس حول الحصان مأخوذين بجماله، والعجوز تساومهم إلى أنْ باعته: "إلا هذا اللجام الملوَّن، لأني صنعته بيدي". وبعد بضع خطوات أفلت الحصان من يد الرجل الذي اشتراه. ركض كالريح حتى اختفى من الساحة. دخل زقاقاً، حيث رتّل اسماً وعاد إلى البيت الشابّ الذي كان. وكلّما أوشكت النقود على النفاد، قال لأمّه: "خذيني إلى السوق مرة أخرى، وبيعيني". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بدأت الأقاويل تتردّد في ماردين عن عجوز تبيع حصاناً ما إنْ يُشْتَرى يختفي، حتى ظهر شيخ صاحب كرامات، زاد في الثمن كثيراً واشتراه، لكنه اشترط: "كلّه، وإلا فلا". ولما نازع العجوزَ ليختطف اللجام من يديها، رتّل الشابّ اسماً فتحوّل من حصان إلى عصفور، ورتّل الشيخ اسماً فصار باشقاً. المتجمهرون في السوق تفرّجوا على الباشق يطارد العصفور في سماء ماردين، والعصفور يخاتله هارباً يواصل الطيران حتى بلغ قريته التي هجرها. رأى الدخان يتصاعد من مجمرة القهوة، على سطح بيت الآغا، فدخل من فوّهة المدخنة، متبوعاً بالباشق الذي اقتحم غرفة الرجال الواسعة، وطارد العصفور فوق رؤوس الضيوف. رتّل الشاب اسماً فتحوّل من عصفور إلى وردة معقودة وراء أذن الآغا، ورتّل الشيخ اسماً فتحوّل من باشق إلى دفّ ومزمار ومطربين غجريين يعزفان ويهتفان: "شوباش، شوباش آغا، شوباش!" فسألهما: "ماذا تريدان؟" قال أحدهما: "أريد الوردة عند أذنك". مدّ الآغا يده إلى رأسه، فوقعت وردة حمراء في حضنه. قال: "من أين أتت؟ سأعطيكم أيّ شيء، مالاً، قمحاً... إلا هذه الوردة، لأنّ الله أرسلها إليّ". ألحّ الغجريان بالنفخ في المزمار وضرب الدفّ، والهتاف: "شوباش، آغا! شوباش!" حتى غضب الآغا من إلحاحهما ورمى الوردة على الأرض بين الأقدام، فرتّل الشابّ اسماً وتحوّل من وردة إلى رمّانة انفلقتْ وانتثرت حبّاتها، متبعثرة في كلّ الجهات. رتّل الشيخ اسماً فتحوّل من دفّ ومزمار ومطربين غجريّين إلى ديك ودجاجة وصيصانهما، وراح يلتهم حبّات الرمّان. كانت روح الشابّ مخبّأة في حبّة واحدة منها، فرتّل اسماً وصار ثعلباً، وأكل الديك والدجاجة والصيصان كلّها، ثم رتّل اسماً ليعود الشابّ الذي كان. قال للآغا: "هذا هو مهر ابنتك. ما لم ترَ عينٌ من قبل".</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34846">التاجر التركي بين حكايتين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أغنية العنزة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34719</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[جولان حاجي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 25 Jan 2025 08:26:45 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[هرطقات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34719</guid>

					<description><![CDATA[<p>هرطقات</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34719">أغنية العنزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">("أغنية العنزة": المعنى الحرفيّ والغامض لكلمة "تراجيديا" باليونانية القديمة).</span></p>
<p><b> </b></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الكرديّ تحت مظلّة الكليشيه</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتاب رحلات عنوانه الأصلي "المليون"، دوّنها سجينٌ فرنسي في سجن جنوة، نقلاً عن قصص رواها في القرن الثالث عشر سجينٌ آخر اسمه ماركو بولو، يتحدث الرحالة الإيطالي عن تجارة الموسلين في الموصل. تسمّى هذا النسيج باسم المدينة المشرقية، وعُرِف تجّاره باسم "موسيلليني"، ولكن أحداً آنذاك لم يتنبأ بالطبع أنّ زعيم الفاشية سيكنّى باللفظ نفسه. في الفصل نفسه من الكتاب، نقرأ عن قوم يسكنون الجبال القريبة من الموصل، ويُسمَّون "الكرد". بعضهم نصارى نساطرة ويعاقبة، وبعضهم "محمديون"؛ تقع بلادهم، كردستان، شمال بلاد آشور وشرق نهر دجلة، ويتحدثون لهجة منحولة عن الفارسية، ويشبهون في عاداتهم وطباعهم البدوَ العرب، فالفريقان كلاهما قطّاع طرق يسطون على قوافل التجار. يردف ماركو بولو إنّ معظم الرحّالة متّفقون على أنّ الكرد لصوص، وأرضهم الوعرة ليست إلا ممراً جبلياً فحسب يربط دولة ثرية بأخرى. ثم يُتوَّج هذا التوصيف بخرافة تقول إنهم أبناء الجن، خرافة لا يزال الكرد أنفسهم يتداولونها حتى هذا اليوم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأكراد المحذوفون من دستور الجمهورية العربية السورية، الذين سقطوا عمداً من الإحصاء العام سنة 1962، وخافوا مراراً أن يُسمَّد بجثثهم "الهلالُ الخصيب"، كانوا "الأجانب" المحرومين من بطاقات الهوية في أرض أجدادهم، وباتوا الخونة المتواطئين مع الأمريكان، بعدما ظلُّوا الجاحدين وقتاً طويلاً لأنهم تنكّروا لمكرمة حافظ الأسد الذي جعل عيدهم القومي، النوروز في 21 آذار، عطلة وطنية، حتى لو كان قد سمّاها "عيد الأم". </span><span style="font-weight: 400;">وُصِموا بعمالة النظام السوري، قبل انتفاضة آذار 2011 وبعدها. أحد ضباط الأسد، بعد انتفاضة ومقتلة أخْرَيين سنة 2004 في القامشلي، وصفهم بـ "شعبٍ من ماسحي الأحذية ونُدُلِ المطاعم"، ويُلحَق بهذا الشعب القوّادون والعاهرات والحمقى والبوّابون والمخبِرون من عفرين وكوباني إلى الدرباسية وديريك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أورد خير الدين الأسدي في "موسوعة حلب المقارنة" هذا المثل: "أربعة خلقوا للفساد: الفأر والجراد والبدو والأكراد". رواة "ألف ليلة وليلة" بدورهم رسموا الأكراد رعاعاً وكذَبة، محتالين ولصوصاً يسطون على ملك غيرهم، رُحّلاً بيوتهم على ظهورهم، وما "جراب الكردي" إلا مثال. استلهمت هذه الكناية عدة صحف عربية ساخرة تسمّت بـ "جراب الكردي" من مهجر نيويورك إلى مدن عديدة في بلاد الشام مطلع القرن العشرين. سوى هذه الفكاهة، ثمة صور وأوصاف جاهزة أخرى اكتنفت الكرد عبر الأحقاب والمراحل:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنهم عنيدون، صناديد، كثُر منهم يلْحنون إذا تكلموا العربية أو الفارسية أو التركية، لكنهم فقهاء لغة، وأئمّة إسلام، ومُفتُو ديار الشام حيث أسّس مجمع اللغة العربية في دمشق كرديٌّ قادم من السليمانية هو محمد كردعلي؛ إنهم مُعتدُّون بأنفسهم كأقرباء الملا مصطفى برزاني، وآباء الديانات الإبراهيمية، وأحفاد صلاح الدين الأيوبي الذي حرّر القدس وافترست أسُوده المؤمنة أسودَ الصليبيين؛ إنهم أيضاً أبناء الملك الطاووس، وعبَدة شيطان، وأحفاد إبليس، إيزيديون بين الأرمن، نَوَر وقرباط، حالمون بالأمكنة التي يعيشون فيها، متهوّرون تفضحهم أنوفهم الكبيرة قبل أسمائهم، صيّادو حجل في شنغال، لصوص دجاج في الشام، حدّادون في الأساطير، فلّاحون ورعاة في الواقع، حمّالون في الموانئ وأُجراء لدى التجّار، قبليّون متعصّبون متخلّفون، مجوس عبَدة شمس وعبَدة نار يتعبّدونها بالرقص حولها، عشاق غناء وعشّاق رقص ومولعون بالألوان، سذّج وطيّبو القلوب وأمناء، "ميديّون" لا أصدقاء لهم سوى الجبال، انفصاليون، عملاء إسرائيل، قتَلة أرمن وقتَلةُ عرب، مساكين ومحرومون، ضحايا التاريخ ويتامى مذابحه. أكراد آخرون التصقت بهم تسمية "الجحوش" لأنهم تواطأوا مع نظام صدام حسين، يتلاعب الجيران بعقولهم، وتنطلي عليهم أزيف الوعود، ولا يتعلّمون من تكرار مصائبهم شيئاً؛ شُبّه آخرون منهم بثعالب لا تُستأمن تجدع أنوف الخصوم، وتصلم الآذان، وتنكّل بأشقائها من دون سبب، أو يبالغون كالقنافذ في الدفاع عن النفس، غاضبين وكأن لا مُصاب أعظم من مصابهم.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الواضحون</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">("الحرب هي التنظيف الوحيد للعالم"، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">ف.ت. مارينتّي، بيان الحركة المستقبلية، 1909)    </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في وليمة الصور، الجميع متخمون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت المناهج التربوية للأطفال في المدارس النازية حافلة بالصور الواضحة- الألمانيّ شابٌّ أشقر رياضيّ حليق الوجه، واليهوديّ قميء الخلقة معقوف الأنف نتن الرائحة. هذا مثال بسيط أمام سحابة الفاشية التي بدأت تغطّي العالم مرة أخرى. الفاشيون، قوميين ودينيين، يتسيّدون عصرنا الجديد الذي دخل نفقاً لا نهاية له، مضاءً بالدعايات. عصر جديد يقوده مجرمون فَرِحون، يصعدون أدراج الطائرات ويعتلون المنصّات كالرياضيين، بكل تلك الطاقة التي يستمدّونها من الضغائن والغطرسة، ويسخّرونها جيداً لسحق خصومهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحد الكبار في المدرسة الجديدة للفاشية هو إيلون ماسك الذي نبّه ابنه المتحوّل جنسياً إلى أنّ "العربية لغة العدوّ". منعَّمةٌ وجوهُ هؤلاء الكبار، نضّاحة بشغف العيش، مشرقة بابتسامات الشباب. كل ابتسامة كالشفرة بين السفالة والإقبال على غزو الكوكب كلّه. رياح الفاشية تزوبع، من خراب غزة تعلوه ابتسامة نتنياهو التي لا تفقد بريق صلافتها حتى أمام القتلى الإسرائيليين، إلى حفلة هارد روك في بوينس آيرس نجمها رئيسُ الأرجنتين، إلى حفلة مصارعة حرّة نجمها في البيت الأبيض "الوحش الأشقر" ملك الصُّرحاء... </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نسائم من عاصفة هذه الحيوية الكونية تتهادى نحو دمشق، حيث فتيان وفتيات، في واحدة من حملات التنظيف، انتزعوا صور المفقودين عن نصب الشهداء في ساحة المرجة، دون اكتراث بأنّهم قد مزّقوا معها قطعاً من قلوب الناس، ودهنوا عتمات زنازين في سجون الأسد ليغطّوا ذكريات الظلم بأزهى الألوان، لأنهم أيضاً مؤمنون بالجمال والتقدّم، أو ربما لأنهم لا يطيقون صبراً على روح الهزيمة، ويستغربون الصمت الطويل للخاسرين؛ لربما الآن وصل هؤلاء الفتيان إلى المستقبل المشرق، الموعود في الأغاني الدينية للأطفال على قناة "طيور الجنة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">متى ستكفّ هذه الحيوية عن تعنيف الحزانى على كسلهم؟ أين الانتصار ما دامت الرحلة العالمية، العابرة للقارات، مستمرّة من الخراب إلى الخراب، بهذه المواكب الطويلة من الفقراء المُعدَمين والمعاقين والجرحى والمجانين والمفقودين الذين ندخل معهم بوابة المستقبل؟ </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34719">أغنية العنزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عن سوريا وأهلها... إرث الخوف وتجديد الأمل</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34624</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حنان البدوي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 16 Jan 2025 09:27:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[حرية]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34624</guid>

					<description><![CDATA[<p>"سوريا بدها حرية..سورية بدها حرية" يتردد صدى الهتاف في أذني كأن أيام الثورة الأولى حدثت بالأمس.  أحببت دمشق كما لم أحب مدينة أخرى. دمشق -التي زرتها مرة واحدة قبل زمن الثورة والحرب- بدت لي الأدفأ والأطيب والأحن بين سائر المدن العربية التي خبرتها. في دمشق رأيت ملامح من حميمية القاهرة، ومرح بيروت، وسلاسة عمّان. هناك [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34624">عن سوريا وأهلها... إرث الخوف وتجديد الأمل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>"سوريا بدها حرية..سورية بدها حرية"</p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتردد صدى الهتاف في أذني كأن أيام الثورة الأولى حدثت بالأمس. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحببت دمشق كما لم أحب مدينة أخرى. دمشق -التي زرتها مرة واحدة قبل زمن الثورة والحرب- بدت لي الأدفأ والأطيب والأحن بين سائر المدن العربية التي خبرتها. في دمشق رأيت ملامح من حميمية القاهرة، ومرح بيروت، وسلاسة عمّان. هناك شيء ساحر في تلك المدينة العريقة بالتأكيد. هناك طيبة بادية على أهلها وحزن مقيم فيهم بلا شك. هناك جمال في ساحة المسجد الأموي يأسر من يمر به، فيحمل أثره في القلب إلى الأبد. هناك أبد إذن مُستقره في القلوب، غير ذلك الأبد الثقيل الذي ظل جاثمًا على نفوس أهل سوريا عشرات السنين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">***</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في عام ٢٠١٤ كانت تجربة عملي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في مصر تقارب نهايتها، وكذلك تجربة الثورة، حين سافرت إلى الإسكندرية لإجراء </span><a href="https://eipr.org/press/2014/03/%D9%84%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%A7-%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85%D9%8B%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A6%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">سلسلة مقابلات</span></a><span style="font-weight: 400;"> مع مجموعات من اللاجئين السوريين. كان ذلك في مستهل محاولات آلاف السوريين النجاة عبر قوارب تعِد بالعبور إلى بر الأمان على الجانب الآخر من البحر المتوسط. مهمة العمل تلك التي لم تستغرق سوى أيام ثلاثة، تحولت تورطًا عاطفيًا لم ينتهِ مع نكبة اللاجئين السوريين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أتذكر جيدًا عبد الغني، تاجر الملابس الميسور الذي فرّ بعائلته من غوطة دمشق إلى القاهرة بعد أن "نزل الصاروخ سوى البيت بالتراب". كان مسكنه في الإسكندرية خاليًا من أي أثاث، سوى حصيرة نظيفة. خلعت حذائي فورًا دون أن يطلب مني أصحاب البيت، وجلست متربعة على الأرض لأجمع حكاياتهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كيف فتح لي هؤلاء الخارجين توًا من مركز لاحتجاز "المهاجرين غير الشرعيين" في مصر مساكنهم المؤقتة وقلوبهم العامرة بكل الود والكرم؟ كيف تحولت سلسلة مقابلات هدفها سرد مأساتهم، إلى مجلس سمر تحدثنا فيه حول التاريخ المشترك والمستقبل المجهول، بينما يصرّون على أن أشاركهم ما تيسّر من طعام؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أخبرني محمد، الشاب السوري العشريني حينها، حكاية عن خروج الفلسطينيين في نكبة ١٩٤٨: "أثناء خروجهم من ديارهم في فلسطين قال الأب لابنه: هات معانا كيلو سكر، فرد الابن: كفاية نص كيلو...سفرنا لن يطول".  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أربعة عشر عامًا مر. طال السفر، وتكاثرت أوجه الشبه بين نكبة فلسطين ونكبة سوريا.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من بلد النكبة الأولى، التقيت بفؤاد، الفنان التشكيلي الفلسطيني الذي خرج تلك المرة من مخيم اليرموك مصممًا على الوصول إلى بلد أوروبي، حتى يحصل على جواز سفر يمكنه من العودة لفلسطين ورؤية أولاده. كرر فؤاد محاولة الفرار على ظهر القوارب مرة تلو الأخرى، غير عابئ إن كلفه ذلك حياته غرقًا في البحر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كل مرة كنت أشاهد أخبارًا عن غرق سوريين تعلقوا بأمل النجاة وقوارب الهجرة في عرض البحر المتوسط، كنت أفكر في فؤاد، وفي عبد الغني، ومحمد وحسن وخالد وعماد ورائد وعائلاتهم، وفي ذلك المسكن المؤقت في الإسكندرية الخالي من أي أثاث سوى حصيرة نظيفة، وفي أحاديثنا وابتساماتهم، متمنيةً لهم النجاة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">***</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين انتقلت للدراسة ثم العمل في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، حملت معي إرث الثورة والهزيمة ونكبة اللاجئين السوريين. كنتُ أدير برنامجًا جديدًا معنيًا بشؤون اللجوء والهجرة القسرية، وتجدد تواصلي الكثيف مع اللاجئين السوريين بين الولايات المتحدة ولبنان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في خريف ٢٠١٦، سألت مصطفى، الناشط السوري في مجال "الديمقراطية والعدالة الانتقالية"، والذي بالطبع خرج من سوريا في نهايات ٢٠١١ بلا أفق لعودة قريبة: "بعد كل تلك الخسارات والمنفى والشتات… هل يعتريك الندم؟ هل تتمنى لو أن الثورة لم تحدث؟". كان ردّه حاسمًا بأن طالبي الحرية لا يمكن أن يندموا، وليس أمامهم خيار سوى الاستمرار في السعي، علّهم يشهدون ثمار سعيهم يومًا ما... بَعُد أو قرب. أبهرني ثباته، بينما كنت أخلق لنفسي فقاعة من اليأس تعين على معايشة الهزائم المتتالية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في شتاء العام نفسه، زرت عدة مواقع للاجئين سوريين في لبنان. التقيت في البقاع أطباء سوريين يعملون بمنتهى الجدية، ويذللون كل الصعوبات، يؤسسون مراكز طبية وتعليمية ويسعون إلى تطويرها وتحسين الخدمات التي كانت تقدمها للاجئين السوريين والفلسطينيين، كما للمواطنين اللبنانيين. سألت نفسي: كيف يقدر هؤلاء على هذه المثابرة بعد كل تلك الأهوال، بينما أجد أنا راحتي في اليأس؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنا نجلس في بار أبو إيلي نستمع لطائفة من الأغاني المصرية والفلسطينية واللبنانية، حين حكيت لغسان عن تورّطي العاطفي مع سوريا، وعن مقابلات الإسكندرية التي أفكر فيها كثيرًا. شاركته رأيي بأننا -معشر الثائرين الحالمين في مصر- نحمل وزرهم: وزر ملايين السوريين الذين ألهمناهم في ربيع ٢٠١١، فخرجوا طلبًا للحرية ينادون بإسقاط الأسد...نحن من "غررنا بهم"، ثم لم نكرم ضيافتهم، ثم صددنا أبوابنا في وجوههم. يدفعون هم من الأثمان ما لا طاقة لنا به، بينما نضجّ نحن بالشكوى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سألت غسان الآتي من مخيم اليرموك عمّا إذا كان ربما يعرف فؤاد -الذي التقيته أنا في الإسكندرية- وبينما كنت أهم بسرد تفاصيل القصة، قاطعني غسان قائلًا إنه "طبعا يعرفه"، وزفّ لي البشرى: فؤاد نجح في النجاة عبر البحر فعلًا، ووصل إلى أوروبا كما كان يخطط. قفز قلبي فرحًا كأن رابطة دم تجمعني بفؤاد، وفكرت في أن ذلك احتمال وارد. ألم تكن مصر وسوريا دولة واحدة لثلاثة أعوام؟ ألم أقرأ لقب عائلتي على لافتات عدة في القدس وفي دمشق وفي عمّان وفي بغداد؟ ألم أجد غسان يحفظ كلمات أغنياتي المفضلة لسيد مكاوي وللشيخ إمام ولمارسيل خليفة عن ظهر قلب ويدندنها معي؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أفكر أن ما يجمعني بسوريا وفلسطين ليس الانخراط في السياسة وقضايا الثورة والتحرر فحسب. بل تجمعنا مشاعر أعمق؛ نتاج كثيف لتجارب إنسانية مشتركة متعددة الأوجه. ربما ما يجمعنا هو إرث أجيال حملت مآسي الشرق، ممزوجة بالموسيقى والضحك والدموع والحنين وقصص الحب وطعم الرمان ورائحة الياسمين. نتقاسم توق جماعي للحظات فرح يمكن أن تبرق على حين غرة وتكسر وقع كل تلك المآسي، فينكشف غطاء البصر ويتجدد وهج القلب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">***</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ثم تبرق لحظة صباح الثامن من ديسمبر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أهرع لمشاهدة تسجيلات تعود لأيام الثورة الأولى. أتذكر فورًا </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ehN70xNVshQ" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">نبوءة حرائر دمشق</span></a><span style="font-weight: 400;"> قبل اثني عشر عامًا: "عايشة سوريا بلاك وبلا حكمك يا أسد". أفكر في هؤلاء النساء اللاتي أحببن زياد رحباني والغناء والحرية -مثلي-، وأرجو أن يكون القدر قد أهداهن الحياة والسلامة، حتى يشهدن الثامن من ديسمبر. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتوالى مشاهد الاحتفالات وفتح السجون وإعادة اكتشاف الحياة واستنشاق أنفاس الحرية. تستيقظ حواس السوريين على حلم كان بعيدًا بعيدًا، ثم -في ليالٍ عشر أو في سنوات عشر- صار حقيقة. يرقص قلبي على أنغام فرحتهم، بينما </span><a href="https://x.com/Rorala33/status/1876925000201937155?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1876925000201937155%7Ctwgr%5E264c07cf179182c6ae1ef68086119432f47eb4e7%7Ctwcon%5Es1_&amp;ref_url=https%3A%2F%2Fv2.al-marsd.com%2FadminPanel%2Farticles%2Fcreate" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">ترقص مضيفات الخطوط الجوية السورية</span></a><span style="font-weight: 400;"> على متن رحلات العودة إلى دمشق. أتنسم </span><span style="font-weight: 400;">أخبار بارات باب توما</span><span style="font-weight: 400;">، وأتمنى أن أعود لزيارتها والاحتفال. أشاهد </span><a href="https://x.com/Wolveri07681751/status/1869145336620745041" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">مقطع</span></a><span style="font-weight: 400;"> لمقاتل سوري ملتحٍ يردد بحماس أغنية "على حسب وداد قلبي" لعبد الحليم حافظ بلكنة شامية جعلتني أبتسم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في القاهرة يحدثني الرفاق القدامى عن الخوف مما سيفعله الإسلاميون بسوريا، وعن "المؤامرة" لتخريب البلد. أطلب تعريفًا للمؤامرة وللتخريب: هل هناك تخريب أكبر من تهجير نصف الشعب وقتل مئات الآلاف قصفًا بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، وتعذيبًا على المنهج النازي؟ من حوّل الثورة السلمية إلى فصائل مقاتلة وحرب أهلية تغذت على السلاح من كل حدب وصوب؟ ينفطر قلبي وأنا أقرأ عن مساجين لا يعرفون من هو "بشار" لأنهم في سراديب السجون منذ عهد "حافظ". وينفطر مجددًا وأنا أقرأ عن الاغتصاب الممنهج وعن أطفال -ولدتهم أمهات سجينات مغتصبات- لا يعرفون ما هي الشجرة وما هو العصفور، ولا أي ملامح للحياة خارج الزنزانة. هل هناك رعب أكبر من هذا؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أقول لهم إن بعض من الخوف مشروع، لكن لا شيء حتمي بعد. ويبقى الناس أولًا، الناس قبل كل شيء: قبل الدولة، وقبل الحدود، وقبل الجيش، وقبل الإسلاميين، وقبل الخوف منهم. الناس الذين التقيت بعضًا منهم في الإسكندرية والقاهرة، وفي بيروت والبقاع، وفي مدن الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، وأود اليوم لو بإمكاني أن أعانقهم جميعًا. أقول أيضًا إن هناك فارق كبير بين الخوف من أن تفشل سوريا، وبين تمنى الفشل لسوريا؛ وهناك في مشرقنا المنكوب من يتمنى ذلك، وربما من يسعى إليه. ربما تكون تلك هي المؤامرة.</span></p>
<p dir="rtl">أداعب أصدقائي القدامى وأقول "أصبحتم مثل كهول نادي الجزيرة الذين كانوا يوم ١١ فبراير ٢٠١١ يترقبون وصول الأسطول الخامس الأمريكي على مشارف مصر لاحتلالها!" أعنيها كدعابة، بينما أخشى أن بعض رفاقي القدامى قد تغيروا فعلا بمرور العمر وكثافة الهزائم.</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">***</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أعود لأقرأ ما كتبته سابقًا حين ماتت مي سكاف في منفاها الباريسي في الخمسين من عمرها. حينها </span><a href="https://rommanmag.com/archives/19366?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2urLq3AavIGizij4o5JtkR6FXt14vsgQb-gykPS21ssS4Y7QLDWymVgwU_aem_LLOErj0Yok_Bt9UZ9AXu7A" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">كنتُ ألوم الأمل</span></a><span style="font-weight: 400;"> الذي احتضنته مي حتى آخر يوم في حياتها. كنتُ قد طوّعت نفسي على اليأس واحتضان الهزائم ومحاولة الطفو فوقها. لكنني اليوم أضبط نفسي تتحدث عن تجديد الأمل، وعن معاني الحق والحرية التي يمكن أن تنتصر. أفكر في أن عدالة ما يمكن أن تتحقق على الأرض، ويمكن أن نشهدها قبل الموت. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أفكر في أن الأقدار يمكن أن تفاجئنا -مفاجآت سارة- من حيث لا نحتسب، في أن هناك احتمالات أخرى واردة لكل مساعينا ولكل القصص؛ خارج المعطيات المباشرة والحسابات الضيقة. هناك نهايات أخرى غير الهزيمة والحسرة والخذلان ممكنة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما آن الأوان أن تكفكف دمشق دمعها. ربما تكتمل للسوريين فرحة لم تكتمل بعد لسواهم.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34624">عن سوريا وأهلها... إرث الخوف وتجديد الأمل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الحراك الثقافي الفلسطيني في سوريا: من النكبة حتى الثورة السورية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34601</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[يوسف م. شرقاوي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 12 Jan 2025 10:07:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[مخيمات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34601</guid>

					<description><![CDATA[<p>صدر عن مؤسسة روزا لوكسمبورغ عام ٢٠٢٠ تقرير لكلٍّ من عبد الله الخطيب وتوم رولينز وعبد الرحمن شاهين، تحت عنوان "مجتمع فلسطيني جديد؟ انتفاضة وصراع سوريا من وجهة نظر المخيمات الفلسطينية". يركّز التقرير على ثلاثة مخيمات فلسطينية في سوريا، هي مخيم درعا في درعا، ومخيم اليرموك في دمشق، ومخيم النيرب في حلب. وقد تم اختيارها [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34601">الحراك الثقافي الفلسطيني في سوريا: من النكبة حتى الثورة السورية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">صدر عن مؤسسة روزا لوكسمبورغ عام ٢٠٢٠ تقرير لكلٍّ من عبد الله الخطيب وتوم رولينز وعبد الرحمن شاهين، تحت عنوان "مجتمع فلسطيني جديد؟ انتفاضة وصراع سوريا من وجهة نظر المخيمات الفلسطينية". يركّز التقرير على ثلاثة مخيمات فلسطينية في سوريا، هي مخيم درعا في درعا، ومخيم اليرموك في دمشق، ومخيم النيرب في حلب. وقد تم اختيارها من أجل تحديد جدول زمني متصل على نطاق واسع للانتفاضة والصراع السوريين، ويبحث التقرير في كيفية إقحام المخيمات الفلسطينية نحو الصراع من قبل جهات مختلفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلاصة التقرير في أنّه بعد عودة جميع المخيمات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية الـ ١٢ إلى سيطرة الحكومة السورية في حينه (النظام الأسدي)، وبعد تدمير معظمها، كانت ثمة خطط لإعادة الإعمار مثيرة للجدل، ترجّح أن تجرّد قطاعات كبيرة من السكان الأصليين في المخيمات قبل الحرب من ملكيتهم عندما يتم تطبيقها. ويستخلص التقرير أنّ المجتمع الفلسطيني في سوريا تغيّر، وبلا رجعة؛ إذ تمّ تهجير غالبية السكان الفلسطينيين داخل سوريا واختفت حركات المجتمع المدني النابضة بالنشاط، وكذلك اختفى نشطاء الإغاثة والمبادرات الإنسانية، إضافة إلى صعوبات اقتصادية خطيرة. وكشف مسح أجرته الأونروا أنّ أكثر من ٩٠٪ من المجتمع الفلسطيني السوري الذي ما يزال داخل سوريا يعيش في "فقر مدقع".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينسحب هذا القول على معظم النشاطات التي كان المجتمع الفلسطيني السوري يقوم بها وينشط من خلالها، لا سيما حراكه الثقافي الذي بدأ منذ وصوله إلى سوريا وظلّ مستمراً، على قلته، حتى بعد تهجيره من المخيمات. وبما أنّ البنى التحتية لمعظم المخيمات قد تدمرت، وليس ثمة إحصاءات رسمية عن نسب الدمار فيها ولا لعدد المتبقين من المجتمع الفلسطيني، ولا مخططات جادة لإعادة الإعمار، فإنّ أي حديث عن المشهد الثقافي الفلسطيني السوري سوف يكون تحت الضباب الذي يلفّ المشهد كلّه، الإنساني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي، وليس ثمة سلاح غير التذكّر ينهض به الفلسطيني كي يتمكّن من القبض على حاضره والتعامل معه، محاولاً خلق المستقبل منه بمعالجة أخطائه. وعلى الرغم من أنّ لهذا المجتمع خصوصيته ومأساته المستمرة، فإنّ السلطتين البعثية والأسدية فتكت به قتلاً وتهجيراً واعتقالاً وتجويعاً، ولم يسلم من إجراءاتها التعسفية. إلّا أنّ انفصال مشهده الثقافي عنها، بوصفه مشهداً يُعنى بفلسطين، لا بنقد السلطة في البلد الذي هو فيه، فقد كان له هامش تعبيره ما دام لا يقترب من سلطة البعث أو الأسد، وقد ظلّ هذا الهامش متاحاً تقريباً طيلة الفترة التي كانت سلطة الأسد فيها تصدّر سياستها الخارجية بوصفها راعياً للقضية الفلسطينية، ولا يمكن قراءة المشهد الثقافي الفلسطيني بمعزل عن ذلك.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">قبل الثورة السورية</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول خليل الصمادي، صاحب "ذكريات من مخيم اليرموك: الشاهد والشهيد"، إنّ المشهد الثقافي الفلسطيني في سوريا بدأ مباشرة بعد النكبة سنة ١٩٤٨، إذ سُمِح للهيئة العربية العليا لفلسطين بافتتاح مكتب لها، ووُزّعت مجلة "فلسطين" الشهرية، وطُبعت بعض الكتيبات والمنشورات. ثم مع مرور الزمن أُسّست مؤسسة الأرض التي كانت تُعنى بترجمة كتب العدو والرد عليها، كما تأسس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين الذي نشط في تجميع المثقفين الفلسطينيين على الساحة السورية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد تأسيس مخيم اليرموك في دمشق منتصف الخمسينيات، وظهور التنظيمات الفلسطينية في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، ظهرت عشرات المؤسسات التي عُنيت بالثقافة والأدب، على سبيل المثال لا الحصر:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">امتلأ المخيم والمخيمات الفلسطينية الأخرى على امتداد الجغرافيا السورية بمقرات حملت أسماء مثل: "نادي الشهيد غسان كنفاني" سنة ١٩٧٩، مقر "ماجد أبو شرار"، مركز "حلوة زيدان"، "جفرا"، "مؤسسة القدس للثقافة"، "مركز العودة الفلسطيني"، "مكتبة الجيل الجديد"، "المركز الثقافي الفلسطيني"، "المركز الثقافي العربي". ومن المنتديات والنوادي الثقافية برز "المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني" سنة ١٩٩٦، "المنتدى الثقافي التقدمي الفلسطيني" سنة ١٩٨٣، "منتدى القدس الثقافي" سنة ٢٠٠٠، "النادي الفلسطيني للسينما" سنة ٢٠٠٠، "نادي جنين الثقافي" سنة ٢٠٠٦.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن المكتبات برزت مكتبة الشهيد عز الدين القسام، والمكتبة الثقافية الوطنية الفلسطينية، ومكتبة الأقصى والجيل الجديد. وبرزت من دور النشر دار الشجرة، ودار صفحات، ودار المسبار، ودار الأقصى، ودار الكرمل، ودار الموعد، ودار أفكار، ودار القدس للعلوم، ودار جفرا. فيما ظهرت مؤسسات أخرى مثل مؤسسة فلسطين للثقافة، وبيت فلسطين للشعر، والمركز الفلسطيني للثقافة والفنون، ومركز إبداع، وتجمع العودة الفلسطيني (واجب)، وظهرت مجلات مثل الهدف والحرية وفلسطين المسلمة والعودة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينسحب هذا المشهد على كافة المخيمات الفلسطينية في سوريا، إلّا أنّ لمخيم اليرموك كان النصيب الأكبر بوصفه مركزاً للمجتمع الفلسطيني وعاصمة شتاته كما يُطلق عليه. وحرص الأدباء والمثقفون المستقلون فيه على إثراء المشهد الثقافي، إذ برز منهم على سبيل المثال الراحل يوسف اليوسف، وأحمد برقاوي، وفيصل دراج، وابتسام الصمادي، وغيرهم كثيرون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع ذلك، لا تميز السياسة الثقافية التي كان ينتهجها البعث والنظام الأسدي في ممارساتها المجتمع الفلسطيني عن السوري، فقراءة لدراسة بدر الدين عرودكي بعنوان "الثقافة في سورية"، الصادرة عن حرمون للدراسات، يمكن تعميمها على سياسة السلطة البعثية والأسدية على المخيمات في آليات الرقابة وتمظهرات السياسة الثقافية. إلّا أنّ سياسة "احتكار" القضية الفلسطينية و"رعايتها" التي صدّرتها المنظومة الأسدية عن نفسها، تركت، كما قلنا، للعمل الثقافي في المخيمات هامشاً تعبيرياً ما دام لا يقترب منها لا من قريب ولا من بعيد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولا بد من الإشارة إلى أنّ نشاطات كاملة توقفت، لا في سنوات الحرب وحدها، بل قبل ذلك. مثل تجربة المسرح الفلسطيني التي كانت تجول المخيمات الفلسطينية في سوريا، وتوقفت سنة ١٩٩١، كما توقفت فرقة القدس المسرحية عن العمل سنة ٢٠٠٥. ما يعني أنّ حقلاً فنياً كاملاً، هو المسرح، على أهميته، لم يكن حاضراً في المشهد الثقافي الفلسطيني السوري كعملٍ مؤسساتي أو منظم قبل عشرين سنة من الحرب، إلا بعض المبادرات الفردية والخاصة، إذ عرض زيناتي قدسية عدة مونودرامات مسرحية، مثل "أبو شنار" الذي يشتهر بها، في سنوات الحرب، وعرضها في دمشق وحمص وحماة. </span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">سنوات الجمر والنار</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع سنوات الثورة، والحرب، ضاع كل شيء تقريباً. حُرقت المكتبات المنزلية التي تُعدّ بالآلاف، وتبعثر ما بقي منها، كما هُدمت المراكز الثقافية. اغتيل غسان الشهابي صاحب دار الشجرة، وحوصر فوزي حميد. خرج يوسف اليوسف إلى مخيم نهر البارد، ومات هناك دون مكتبة، وهو ما سوف يبعث الحسرة في قلب أخيه حسن سامي يوسف حتى مماته هذه السنة. غادر أسامة الأشقر إلى السودان، والبرقاوي إلى الإمارات، ومؤسس بيت فلسطين للشعر سمير عطية إلى إستانبول، والشاعر محمود السرساوي إلى قبرص، وعلاء الدين رحمة إلى ألمانيا، ومؤسس مركز العودة طارق حمود إلى لندن، وأحمد الباش ومأمون الشايب إلى السودان، ومحمود الصمادي مؤسس مكتبة الطلاب الحديثة إلى القاهرة، ومحمود مفلح إلى القاهرة أيضاً. ظلّ في دمشق نفرٌ قليل، وفي باقي المخيمات، لكنّ فعاليتهم تعطلت، ولم يكن بوسعهم التحرك بعد أن هُدِمت المؤسسات أو أُفرغت، وبعد أن حوصر بعضهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكن القول إنه، مع الحرب، صار المجتمع الفلسطيني في سوريا مجتمعاً سورياً خالصاً، له ما له الأخير وعليه ما عليه، دون أن ننسى التدمير الممنهج الذي اتبعه النظام السوري بحق المخيمات، لا سيما مخيم اليرموك، وظلّت النكبة مستمرة.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">شتات فلسطيني سوري جديد</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع ذلك، فقد أفرزت التجمعات الفلسطينية الجديدة خارج المخيمات، بفعل النزوح، نشاطات ثقافية فنية؛ إذ استمر عمل اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في معرضه السنوي يوم ٣٠ آذار، يوم الأرض. إضافة إلى معارض فردية ونشاطات فنية تراثية، مثل "نادي فتيات فلسطين" الذي نقل مقره من مخيم اليرموك إلى أحد البيوت الدمشقية القديمة، وضمنه فرقة "نداء الأرض" للمسرح الراقص. كما نشأ "منتدى كوشان" في مخيم خان دنون في دمشق تحت شعار "فلسطين تستحق - المخيم يستحق". وظهر في مخيم جرمانا في دمشق "الملتقى الثقافي"، وفي مخيم الحسينية في دمشق "ملتقى الشهيد زياد أبو خولة الثقافي"، وفي مخيم الست زينب في دمشق "ملتقى مخيم الشهداء الثقافي"، ولا نعرف النشاطات التي ظهرت في باقي التجمعات الفلسطينية في سوريا بسبب غياب تغطيتها إعلامياً، على أنّ الرأي الشعبي بكل هذه النشاطات كان متفاوتاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالتوازي مع ذلك، برزت أفلام سينمائية كثيرة، وثائقية أو روائية، لمخرجين فلسطينيين سوريين ونالت جوائز، ولكنها لم تُعرض داخل سوريا أبداً. </span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">المصير</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان الحراك الثقافي الفلسطيني في سوريا، إذن، مرتهناً لما تشهده سوريا من أحداث السلم والحرب، وللحالة الوطنية والسياسية الفلسطينية أيضاً. وثمة أقوال إنّ الحركة الثقافية الفلسطينية في سوريا اغتيلت تقريباً بدمٍ بارد. إنّ أيّ استعادةٍ لها تتطلب استعادة لكل بُناها، وقراءة في هذه البنى، للبناء على ما يصلح منها وتقويض ما لا يصلح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع ذلك، فإنّ التعويل اليوم على جيلٍ كاملٍ ضاع في سنوات الحرب، أو على ما بقي منه داخل سوريا، دون نسيان أنّ المشهد الحقوقي الفلسطيني، الذي يلفّه الضباب، هو الأجدى.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34601">الحراك الثقافي الفلسطيني في سوريا: من النكبة حتى الثورة السورية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ثوان وسنون</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34562</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 07 Jan 2025 09:49:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[حرية]]></category>
		<category><![CDATA[دمشق]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34562</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34562">ثوان وسنون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">عصافير تزقزق، وعمال من الأبنية المجاورة يدندنون ألحاناً شعبية، ورصاص قريب، لا نعرف مصدره أو سببه. شمسٌ ساطعة، بعد أيام برد قارس. أتحرك في سريري، السرير الذي لم يتغير منذ التسعينيات، وأمامه المكتبة التي تركتُها ورائي عندما هربتُ، والمرايا على الخزانة ما زالت تراقبني. دقائق قليلة، قبل أن تستكين الروح وتقنع أننا في المنزل القديم. أجرجر نفسي، غير مصدّق. صورتي في المرآة لا تعرفني، وأنا لا أذكر ذلك الشاب فيها تماماً. أمي تعدّ القهوة، لنثرثر قليلاً، قبل أن أبدأ مشواري للتعرّف على مدينتي. كل خطوة كأنها في الماضي، كأن الزمن لم يمر، كأنني لستُ أنا: أشيب، متعب، في الثالثة والأربعين، أبٌ لطفل لا يتكلم العربية. أين أذهب؟ في ساحة الأمويين، ينتشر بائعو المازوت والبنزين، كما ينتشرون على كل الطرقات المؤدية إلى دمشق، وفي ساحاتها الكبرى والصغرى. مشكلة سوريا الأولى الوقود. والناس يرددون ذلك: بعد أن يتوفر الوقود، سنحظى على الكهرباء، وتنخفض الأسعار، وتعود المواصلات، ويدفؤون بيوتهم، ويقودون سياراتهم، ويشترون خبزاً أرخص من أفران تعمل بكامل طاقتها. البلد كلها تعيش على إيقاع التقشف الحاد، وتنتظر من "القائد أحمد" رفع العقوبات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أتجه من الأمويين إلى جسر (الرئيس)، تعلوه لافتتان: جسر الحرية، وجسر الساروت. الزحمة خفيفة. صبايا محجبات يضحكن. شاب مع علم الثورة يغطي ظهره. قادمون من إدلب يضحكون بصخب. علم الثورة في كل مكان تحت الجسر. الناس متعبة، يساومون الباعة الجوالين. الأسعار رخيصة جداً، عندما يحوّلها المرء إلى اليورو أو الدولار. السيارات الحديثة من الرقة أو إدلب. دبابات النظام ما زالت متناثرة، وسيارات تابعة للجيش مكسّرة على الطرقات. باصٌ محترق، فوق الجسر، فيه طفلان يدخنان. يقولان إنهما من إنخل، من قرى حوران. أسأله عن عمره. يكذب، يقول 14 سنة. ثم يشتمني، طارداً إياي من باصه. أنزل. مئات الشحاذين، معظمهم أطفال، من كل أنحاء سوريا. هنا تتجلى الوحدة الوطنية في أقسى صورها. بقايا قليلة، رغم كل محاولات إزالة ما علق بنا: "قائدنا إلى الأبد"، على واحدة من مؤسسات الدولة. علم البعث على أخرى. كأن ذلك العهد لا يريد أن يتلاشى. ولمن عاش طفولته ومراهقته فيها، لا شيء يثير السخرية في تلك الشعارات. صرافون في الشوارع، في كل زاوية. دولار وليرة تركي بشكل رئيس. مسلحو الهيئة يظهرون ويختفون. الكهرباء حديث الناس الأول؛ الكهرباء، وبشار. شيء أكبر من الاحتقار، أعمق. أتجه نحو مقهى الهافانا. لم أره منذ خمسة عشرة سنة. لا أدخل. أدور حول تمثال يوسف العظمة. نجا من سخرية القدر، وبقي واقفاً صامداً في قلب دمشق، التي مات على أبوابها. فندق الشام، فقد بهاءه. قيل لي الطبقات الغنية حوّلت أنظارها نحو أماكن أخرى. لا أعرف أين. شيءٌ لا يشبه الفرحة بالضبط. شيءٌ من عدم التصديق، من الطيران في المكان. "الأدالبة" وشباب الهيئة مرتبكون، والشوام وسكان الشام مرتبكون. أسلّم على المسلّحين واحداً واحداً، في الشوارع وعلى نقاط التفتيش وأمام المراكز الحكومية التي يرابطون فيها لحمايتها. معظمهم شباب في العشرينيات. مهذبون جداً. سعادتهم تطغى على وجوههم، من كلمات شكر بسيطة: "يعطيكم العافية يا شباب، نوّرتوا الشام". محلات المجوهرات أخفت المجوهرات من الواجهات. شحاذون نبلاء، على ما يقول ألبير قصيري: نساءٌ راقيات ورجالٌ محترمون، يقتربون منك ويخاطبونك بشموخ، طالبين بعض المال، والدمع في مآقيهم. لا خطة واضحة للمستقبل، والكل يعرف ذلك. ضبط الأمن، وطمأنة الخارج كي تُرفع العقوبات. فقط لا غير. استعدنا البلد. أو شيءٌ من هذا القبيل. وصلتُ متأخراً، بعد احتفالات جمعة النصر. تبدي البلد إذن شيئاً أقل من تلك الرغبة بالرقص والاحتفاء، شيئاً أبسط، شيئاً تعيشه، بدون الكابوس. الكابوس لم يغادر بعد. ما زال حديث الناس، موضع استغرابهم، قرفهم: كيف عشنا معه؟ ولماذا؟ شيءٌ من الراحة، القليل جداً منها، بدأ يتسرب إلى النفوس. ربما، هذا ما تعنيه الحرية في المعاش اليومي العادي. أمر أمام وزارة الثقافة، التي لا وجود لها في الحكومة الانتقالية، ولا لكل عملي البسيط المتواضع المرتبك في القصص القصيرة والمقالات الأدبية والتأملات الحالمة في معنى ظهور تمثيل البشر والحيوانات في فنون العصور الفاطمية والمملوكية والأيوبية، على العاج والخشب والزجاج والبوابات والحيطان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">التفاؤل الحذر يختلط بتردّي الأوضاع المادية، وتأخر رواتب الموظفين. "الخارج" و"الداخل" مصطلحات تعود إلى التداول. تلوّث الهواء ورائحة المازوت. صور المفقودين على الحيطان. بعضها يثير الهلع: "سُمع أنه في صيدنايا". لا يعرفون عنه شيئاً آخر. صورٌ لمفقودين خرجوا من صيدنايا، ولم يُعرف لهم أهل. أنصاف-مجانين، لا يتذكرون أسماءهم. شباب الهيئة الملثمون يتجمعون لدقائق، ثم يختفون. لا أتذكر الطرقات، وجدتُ نفسي قرب مدرستي الابتدائية. المرة الأولى التي يرجف فيها قلبي. أقف أمامها، متلهفاً كي تجيبني: حتى الحرية لم تساعدني؛ ما زلتُ وحيداً، ولم ألتق بالكثير من الأصدقاء والأهل في مدينتي. هنا قلب دمشق -التي أشرف الفرنسيون بمساعدة معماريين إيطاليين على تخطيطها خارج المدينة القديمة- يسرقني. أعرف أنني منحازٌ لها، ولست موضوعياً. قررتُ أن أترك نفسي تغرق تماماً في كل المشاعر الرومانسية. ولكن المشاعر الرومانسية وقناعتي التي لا تتزعزع بأن دمشق أرقّ مدن العالم، نسفتها الغصة. الغصة؟ أو شيءٌ يقنص القلب، كموتٍ يتجدد. زرنا جوبر. كلها على الأرض. الإرث الحقيقي لسوريا الأسد، ولمن دعمها، أو سكتَ، أو انتظرَ، وللرماديين، وللمؤيدين. يتشلّع قلبي بين جوبر و"أبو رمانة". أدخل حديقة "السبكي". كتبتُ عنها قصةً، قبل أشهرٍ فقط، أقارنها بالحديقة الحجرية اليابانية في مالمو، القصة التي ستكون عنوان المجموعة القادمة: "أحجار اللعب". وأحجار جوبر تغطي الأفق والمعنى: كزلزال لا يتوقف. تبعد جوبر أقل من كيلومتر واحد عن ساحة العباسيين، مدماك دمشق ومفتاحها الثاني. أما مدينتي نفسها، دمشق، فلم تتعرض للقصف. ما زالت طازجة، كما تركتها؛ ولكن رثة، كغرفة جلوسٍ مهجورة، تراكم فيها الغبار والزمن والشجن. أقف على باب الحديقة. طفلٌ يبكي. وآخر يبيع المحارم. خلفي، طابور أمام محل "سامسونج". عروض خاصة، ليوم واحد. أنظر حولي. زحمة شديدة. أسال عن العرض، يخبرونني عنه، بالدولار. سيارة كبيرة، "فور ويلز"، تقف أمامي فجأة. مسلحون فيها، بذقون طويلة. ينتابني الرعب، الرعب من المخابرات، من الماضي، من كل ما عشتُه هنا. ينزل منها شاب من إدلب. "السلام عليكم". يعتذر بصدق. لم يرني على الشارع، وأنا تائه كسائح. يسأل عن أحد المطاعم. لا أعرف شيئاً في المنطقة. لا أتذكر الشعلان. نتبادل الكلام عن ألمانيا وإدلب. أقبّله على الخد، وأمشي إلى حديقة "المدفع"، كي أشرب قهوة سادة سريعة. عشرات الشباب على الكراسي والمقاعد يدردشون بكسل. هذه المرة، الوحدة تتجذّر في داخلي: لم تعرفني الشام. أمشي في شارع "الحمرا"، ثم تقودني خطاي إلى "الروضة". يكبر تأنيب الضمير. في جوبر والغوطة الشرقية فقط يتجلّى معنى سوريا الكامل. ولكنني متعلق بالمدينة التي نجتْ، مدينتي التي لا تتجلّى لي. أتذكر برلين، وأحنّ إلى البيت الذي يعيش فيه ابني وزوجتي. كل فرحة مغلّفة بما لا يمكن فهمه. لذلك، الموسيقا الحقّة تثير الحزن، حتى الموسيقا المرحة، كما يؤكد شوبنهاور. أبتعد عن مقهى الروضة. أخشى أن ألتقي بالناس، وقلبي لا يعقِل الحقائق اليوم. أتركهم، وأقرر أن أفي بنذري، بزيارة ضريح الصوفي الأعظم، قطب الإسلام الواحد الأوحد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقع ضريح الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي الأندلسي على جبل قاسيون. أنهى الشيخ ترحاله في دمشق، مسكن الأنبياء ومستقرهم. زار طيفُ الشيخ السلطانَ سليم الأول في منامه، السلطان الوحيد الذي زار دمشق، فبنى له ضريحاً يليق به، ضريحاً صغيراً، ككل زوايا ومدارس وجوامع دمشق، يناسبها وتناسبه. وقد تحوّلت دمشق إلى مركز للحجاج القادمين من آسيا والمشرق، ودللها العثمانيون، واشتُهرت بمحمل الحج الشامي، الذي لا يوازيه إلا محمل الحج المصري من القاهرة. لم تكن العمارة العثمانية قد اتخذت طابعها الجديد على يد سنان باشا، فبقي مسجداً بصفوف العواميد كالأموي وليس مسجد القبة الكبيرة بعواميده القليلة، والمأذنة مملوكية مثمنة، بطبقات متعددة، قصيرة، وليست كقلم الرصاص. يصلي الناس للشيخ، ويدعونه، نساءً ورجالاً وأطفالاً، بابتسامات واثقة. عائلة من آسيا الوسطى، ولكن لم أفهم هل أتوا مع "القائد أحمد"، أم من أولئك الذين استوطنوا "شام شريف" من قبل. مسلحون داخل حرم الجامع. أحدهم يستمع إلى الخطبة. الضريح نظيف، وصغير، ومُعتنى به بشدة. المسلح الآخر يلعب على الموبايل، ويدور حول البحرة. البحرة الصغيرة في الجوامع تقرّب كل الآلهة من القلوب، كأنها تمحي الحدود بين البيوت والمقاهي والمساجد، بخفتها وهدوئها وخريرها المحبب. خرجتُ وروحي معلّقة بالبارودة. الشابان بمنتهى التهذيب واللطف، من حرستا، التي مُسح معظمها في القصف الأسدي والروسي، على مر عقد. لافتة ترحب بالتحرير، قدمها أهل الصالحية، على مدخل الجامع. أمشي، في الحارات الضيقة، التي أعدّوا لها باصات أصغر من غيرها. الفقر أضعاف ما تركتُه. المرة الأخيرة التي زرتُ فيها الشيخ، كنت طفلاً، مع جدتي المسيحية. كنتُ أيضاً مرتبكاً، وعلاقاتي الاجتماعية متوترة مع أقراني. ولكنها عرفتْ كيف تريني طرق الحق، ولطالما أحبّت حارات الشيخ محي الدين. تتبضّع من هنا، ثم تزوره لنسلّم عليه، لنعود وروحينا أقل انهماكاً بالحاضر، وأكثر سماويةً بقربنا من قاسيون. الهواء خانق، والشمس ساطعة، على الرغم من البرد القارس. نزلتُ إلى العفيف. المدينة فارغة. موتورات الأدالبة والحوارنة تملأ الشوارع. ضجيج لا يتوقف. أتجه نحو مدرسة "دار السلام". شباب من الرقة، يسألون بخفر، "أين الجسر؟". لا يقولون جسر الرئيس. أدلهم، وأرحّب بهم. يقولون الأسعار نار في الشام. سائق التاكسي يستمع إلى أم كلثوم، "كان لك معايا، أجمل حكاية، في العمر كلو". يبدو سعيداً، حتى مع معرفته أن السنين مرت، "زي الثواني"، ولن تعود...</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34562">ثوان وسنون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-26 23:18:35 by W3 Total Cache
-->