<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ماركسية - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%A9/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/ماركسية</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Wed, 14 Jan 2026 08:00:54 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>ماركسية - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/ماركسية</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>قراءة ماركس في الهالوين (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36833</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 01 Nov 2025 11:13:28 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36833</guid>

					<description><![CDATA[<p>الحياة تحت الرأسمالية هي تجربة رعب، ولا يوجد دليل أفضل عليها من كارل ماركس</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36833">قراءة ماركس في الهالوين (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">كتبها مارك ستيفن ونشرتها "</span><a href="https://jacobin.com/2018/10/marx-gothic-halloween-horror-capitalism-zombies-vampires-frankenstein?fbclid=IwdGRleANymjRleHRuA2FlbQIxMQABHmwbrz1XlxAK7F1RkbHhksqICORDYKZWmBiXWGG-MfZPCrgY4Iw3csUnr220_aem_W0vNyglZv_LlswEgKakDdA" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">جاكوبين</span></a><span style="font-weight: 400; color: #808080;">" في ٣١/١٠/٢٠٢٥.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما هو حال الخصم الذي يبدو كلي القدرة في أي فيلم رعب، فإن الرأسمالية ليست مرعبة فحسب، بل إن رعبها يكمن أيضاً في استحالة إيقافها.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">يقول كريس هارمن في كتابه عن "الرأسمالية الزومبية":</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«إن العالم المنفلت هو النظام الاقتصادي كما وصفه ماركس، إنه وحش فرانكشتاين الذي أفلت من سيطرة الإنسان، إنه مصاص الدماء الذي يمتص دماء الأجساد الحيّة التي يتغذى عليها».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا التشخيص يدعونا إلى السؤال الكبير: كيف نتموضع سياسياً داخل دينامية اجتماعية جوهرها الرعب ذاته؟</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">هذا سؤال تناوله كارل ماركس نفسه، إذ تغمر كتاباته الصور والمجازات المستمدة من القوطيّات (Gothic)، وهو سؤال يستحق أن نعيد طرحه في مناسبة عيد الهالوين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول ماركس:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«إن رأس المال هو عمل ميت، لا يعيش إلا بامتصاص العمل الحي كما يفعل مصاص الدماء، ويعيش أكثر كلما امتص عملاً أكثر. الزمن الذي يعمل فيه العامل هو الزمن الذي يستهلك فيه الرأسمالي قوة العمل التي اشتراها منه».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أو كما يكتب في صياغة أكثر فظاعة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«إن رأس المال الممنوح مقابل قوة العمل يتحول إلى حاجات ضرورية، من خلال استهلاكها يُعاد إنتاج عضلات وأعصاب وعظام وأدمغة العمال الموجودين، ويُنجَب عمال جدد».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هاتان الجملتان، المأخوذتان من الكتاب الوحيد الذي أنجز ماركس نشره بنفسه، تبدوان أقرب إلى أسلوب ماري شيلي منه إلى عمل في الاقتصاد السياسي، إذ تستحضر مصاصي الدماء والوحوش غير الميتة والأجساد الممزقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد قُرئ كل من «دراكولا» و«فرانكشتاين» على أنهما روايتان عن الرأسمالية.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">فمصاص الدماء هو، بطبيعة الحال، رأسماليّ مهووس بالتوسع الإمبريالي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«كان على وجهه المنتفخ ابتسامة ساخرة كادت تفقدني صوابي. هذا هو الكائن الذي أساعده على الانتقال إلى لندن، حيث قد يُشبع، بين ملايينها المتدفقة، شهوته للدم عبر قرون مقبلة، ويخلق دائرة متسعة أبداً من أنصاف الشياطين الذين يتغذّون على العاجزين. لقد جنّ جنوني لمجرد التفكير بالأمر. سيطرت عليّ رغبة مرعبة في تخليص العالم من هذا الوحش».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما وحش فرانكشتاين فهو، على العكس، تجسيد زومبيّ للانتقام البروليتاري:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«كان الجميع، ما عداي، ينعمون بالراحة أو بالمتعة؛ وأنا، كالشيطان الأكبر، كنت أحمل جحيماً في داخلي، وإذ وجدت نفسي بلا تعاطف من أحد، رغبت في اقتلاع الأشجار، ونشر الخراب والدمار حولي، ثم الجلوس للاستمتاع بالخراب».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن، بخلاف روايات ستوكر وشيلي، فإن تصوير ماركس للرأسمالية ليس مجرد عمل قوطي، بل هو استباق مبكّر لسينما الرعب الحديثة.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">وإن كانت هذه الصور تفتقر إلى الحس الأخلاقي الذي شاركه روائيو القرن التاسع عشر، فإنها تعوّض ذلك بعقلانية باردة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن رعب ماركس مطلق ولا فكاك منه. فعندما يؤكد أن الرأسمالية هي نمط الإنتاج الذي «يقطر من رأسه حتى قدميه، من كل مسامه، دماً وقذارة»، فإنه يلتزم، ككاتب موهوب وأستاذ في الأسلوب، بتجسيد هذا الرعب تحديداً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي موضع آخر من "رأس المال"، حين تعود صورة مصاص الدماء، ينتقل التركيز من المفترس البرجوازي إلى العامل المستغَلّ، وتحديداً إلى جسده الممحُوّ:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«يجب الاعتراف بأن عاملنا يخرج من عملية الإنتاج على غير الصورة التي دخل بها. ففي السوق وقف مالكاً لسلعته "قوة العمل" وجهاً لوجه أمام مالكي السلع الآخرين، تاجر في مقابل تاجر. والعقد الذي باع به للرأسمالي قوة عمله أثبت، بالأسود على الأبيض، أنه تصرّف بحرية في نفسه. لكن ما إن أُبرم الاتفاق حتى اكتُشف أنه لم يكن "عاملاً حرّاً"، وأن الزمن الذي هو حرّ في بيع قوة عمله خلاله، هو نفسه الزمن الذي يُجبر على بيعها فيه، وأن مصاص الدماء لن يتركه "ما دام في جسده عضلة أو عصب أو قطرة دم يمكن استغلالها"».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يظهر مصاص الدماء متأخراً دائماً، بعد فوات الأوان، حين يتضح أن واجهة القوانين والعقود ليست سوى ميثاق فاوستيّ شرير لا مفر منه إلا بموت أحد الطرفين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن المهم أسلوبياً أن نلاحظ أن الاقتباس الأخير يعود إلى فريدريك إنجلز، إذ يؤكد اقتباسه أن جوهر رأس المال العضويّ هو ذاته دم العامل المسلوب، لبّه الحيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع أن ماركس كثيراً ما يستخدم صوراً قوطيّة واضحة - من مصاصي الدماء إلى المستذئبين والأشباح والحفّارين، فإننا نرى هنا أن وصفه لرأس المال يكتسب ذوقاً في أحشاء الإنسان نفسها، إذ تمضغ جمله الأنسجة والعظام:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«يمكن القول إن القيمة الفائضة تقوم على أساس طبيعي، لكن هذا جائز فقط بالمعنى العام جداً، أي أنه لا يوجد عائق طبيعي مطلق يمنع إنساناً من أن يُلقي عبء العمل الضروري لوجوده على غيره، تماماً كما لا توجد عوائق طبيعية لا يمكن تجاوزها تمنع إنساناً من أكل لحم إنسان آخر».</span></p>
<figure id="attachment_36835" aria-describedby="caption-attachment-36835" style="width: 1429px" class="wp-caption aligncenter"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-36835" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-scaled.jpg" alt="" width="1429" height="2560" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-scaled.jpg 1429w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-167x300.jpg 167w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-572x1024.jpg 572w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-768x1376.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-857x1536.jpg 857w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/11/63a300fb-682b-4076-a116-1cc1084c9406-1143x2048.jpg 1143w" sizes="(max-width: 1429px) 100vw, 1429px" /><figcaption id="caption-attachment-36835" class="wp-caption-text">اللوحة كاملة.</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">إذ يعلم ماركس أن التراكم الرأسمالي جريمة أقرب ما تكون إلى أكل لحوم البشر.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">ففي علاقة الأجر لا نكون ذواتاً بشرية بل طاقات للعمل فقط، ما يعني أننا نقدّم أعضاءنا العضلية والعصبية والدماغية للخدمة، ونستهلك أعضاء أصدقائنا وأقاربنا بل وأناساً لا نعرفهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن هذه الأوصاف القوطية ليست للزينة فحسب، بل تمسّ جوهر الحياة تحت الرأسمالية.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">إنها تذكّرنا كيف تُشوّه الأجساد والعقول لتُصبح سلعاً.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">حرفياً، يمكننا أن نفكر في التشوّهات والإصابات والوفيات الناتجة عن ظروف العمل الشاقة في كل مستوى من مستويات الصناعة الرأسمالية، من الصدمات العصبية إلى النوبات القلبية، وصولاً إلى الكسور والأطراف المبتورة والموت الجماعي.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">ومجازياً، فإن كل دقيقة وساعة نقضيها في العمل المأجور هي دقيقة وساعة تُربط فيها أجسادنا بآلة ضخمة لا تحيا إلا بتصريف جوهر حياتنا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحياة تحت الرأسمالية هي تجربة الرعب بعينها - تمييعٌ لا رجعة فيه للجوهر الإنساني واستهلاكٌ نَهِم للموتى.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">وكما في مصير ضحايا أفلام الرعب، الذين تُباد أجسادهم حتى يصعب التعرف عليها وغالباً ما تُلتهم من قبل بشرٍ آخرين، فإن عملنا حين يخضع لقيمة التبادل يصبح تحوّله نهائياً لا رجعة فيه.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">يقول الشاعر كيستون سذرلاند في مقال مقزّز ببراعة عن مصطلحات ماركس:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«كل ما هو لحم يذوب في العظم، والعكس صحيح؛ ولا جهد من الفحص أو الإرادة أو الخيال الأخلاقي، مهما بلغ تحليله أو عمقه، قادر على عكس العملية الصناعية لذلك التحلّل».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويمكن تلخيص الدرس هكذا: نحن جميعاً نعيش في القصة المرعبة نفسها، ويجب أن يثير ذلك فينا أقصى درجات الاشمئزاز.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">لكن، حتى إن كنا لا نستطيع التراجع عمّا حدث، فقد يكون هذا الاشمئزاز نفسه حافزاً على الثورة.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">وربما هذا ما كان ماركس يحاول أن يعلّمنا إياه طوال الوقت من خلال نسخته الفريدة من رعب القوطية.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36833">قراءة ماركس في الهالوين (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إريك فروم وثورة الأمل (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36666</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 02 Oct 2025 08:01:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36666</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها كيران دوركين ونشرت في مجلة "جاكوبين" في ١٨/٨/٢٠٢٠. المفكر الاشتراكي الألماني إريك فروم طوّر نقدًا قويًا للثقافة السلطوية ردًا على صعود النازية. اليسار المعاصر لديه الكثير ليتعلمه من هذا النقد، ومن تفاؤله السياسي العنيد في مواجهة الأوقات الحالكة. يُعد إريك فروم شخصية أُهملت ظلمًا، خاصة إذا قورن بزملائه السابقين في مدرسة فرانكفورت مثل ماكس [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36666">إريك فروم وثورة الأمل (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">كتبها كيران دوركين ونشرت في مجلة "</span></span><a href="https://jacobin.com/2020/08/erich-fromm-frankfurt-school-marxism-weimar-germany" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">جاكوبين</span></a><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">" في ١٨/٨/٢٠٢٠.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المفكر الاشتراكي الألماني إريك فروم طوّر نقدًا قويًا للثقافة السلطوية ردًا على صعود النازية. اليسار المعاصر لديه الكثير ليتعلمه من هذا النقد، ومن تفاؤله السياسي العنيد في مواجهة الأوقات الحالكة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعد إريك فروم شخصية أُهملت ظلمًا، خاصة إذا قورن بزملائه السابقين في مدرسة فرانكفورت مثل ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو. يقدم تحليل فروم للثقافة السلطوية بديلًا أكثر واقعية في جوانب كثيرة عن النظريات المؤثرة لهوركهايمر وأدورنو، ويكشف أيضًا عن رؤية أكثر تفاؤلًا وأملًا في التعاطي مع مسألة التغيير الاجتماعي الجذري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد همّش البحث الأكاديمي حول مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية مساهمة فروم، استمرارًا لاتجاه بدأه هوركهايمر نفسه بعد مغادرة فروم للمعهد عام 1939. وقد ترك ذلك صورة للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت تفتقر إلى التوازن، وخالية من تناول جدي لفكر فروم ونقده المؤثر للسلطوية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُظهر قصة فروم أن نقد الثقافة السلطوية — الذي يحدد الميل القوي نحو السلبية ورد الفعل في أوساط الناس — يمكن أن يحتفظ بجوهره، مع الحفاظ على بعض من تفاؤل النقد الماركسي الأصلي للرأسمالية، وتوجهه نحو الفعل السياسي هنا والآن.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>السنوات المبكرة</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">وُلد فروم عام 1900 في أسرة يهودية أرثوذكسية من الطبقة الوسطى في فرانكفورت أم-ماين. كان مخططه الأول بعد ترك المدرسة أن يصبح باحثًا في التلمود، لكن والده أقنعه بدراسة القانون في جامعة فرانكفورت، حيث لم يستمر أكثر من عام قبل أن ينتقل إلى جامعة هايدلبرغ لدراسة الاقتصاد القومي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هايدلبرغ، درس على يد ألفريد فيبر (شقيق ماكس) وكارل ياسبرز وهانز دريش وهاينز ريكرت. حضر محاضرات في تاريخ الفلسفة وعلم النفس والحركات الاجتماعية والسياسية ونظرية الماركسية. في هذه الفترة واصل دراسته التلمودية إلى جانب عمله الأكاديمي، وكان للاشتراكية الرومانسية لمعلمه سلمان رابينكوف تأثير بالغ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مثل هوركهايمر، امتنع فروم في تلك السنوات عن الانخراط المباشر في السياسة الاشتراكية؛ فلم ينضم لا للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ولا للحزب الشيوعي. وظل اهتمامه الأكبر منصبًا على الدراسات اليهودية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شارك في تأسيس معهد تدريس يهودي مؤثر (Freies Jüdisches Lehrhaus)، حاضر فيه مع شخصيات مثل فرانز روزنتسفاينغ، مارتن بوبر، غيرشوم شولم، ليو بايك، وزيغفريد كراكاور. كما أسس مصحًا في هايدلبرغ مع زوجته المستقبلية فريدا فروم-رايشمان، خصص للعلاج النفسي التحليلي للمرضى اليهود.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بدأ اهتمام فروم بالماركسية في منتصف العشرينيات، في الفترة التي وصفها كارل كورش بـ"أزمة الماركسية"، أثناء دراسته في معهد التحليل النفسي ببرلين. وكان، بعد أن تخلّى عن اليهودية، ضمن مجموعة من المفكرين الاشتراكيين المنشقين، منهم فيلهلم رايش وأوتو فينيخل، سعوا لتطبيق التحليل النفسي على القضايا الاجتماعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان هدفهم، مثل كثيرين في ألمانيا حينها، فهم سبب إخفاق الاشتراكية في التحقق في بلد يملك طبقة عاملة ضخمة وحركة عمالية منظمة. متأثرين بنقد "الماركسية الميكانيكية" الذي بدأه لوكاش وكورش، حاولوا تحديد العوائق "الذاتية" أمام الاشتراكية، ورأوا أن التحليل النفسي أداة أساسية لتوضيحها.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>الانضمام إلى مدرسة فرانكفورت</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذه الفترة، تعرّف فروم إلى ماكس هوركهايمر، الذي كان مهتمًا أيضًا بإمكانات التحليل النفسي لفهم إخفاق الاشتراكية. كان هوركهايمر مرتبطًا بمعهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية، الذي أسسه فليكس فايل عام 1923.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد أن أصبح هوركهايمر مديرًا للمعهد عام 1930، تحولت وجهته من الدراسات الماركسية الأرثوذكسية إلى المزج بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية التجريبية، وخصوصًا المزج بين السوسيولوجيا والتحليل النفسي. وبمبادرة من هوركهايمر، التحق فروم بالمعهد، حيث شكّل معه القوة الفكرية المركزية في سنواته الأولى، في المزج بين الماركسية والتحليل النفسي قبل دخول أدورنو المشهد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تولى فروم في المعهد قيادة دراسة ميدانية مبتكرة لعمّال ألمانيا. ووزع استبيانًا على نحو 3300 عامل لتحليل العلاقة بين تكوينهم النفسي وآرائهم السياسية. خلص إلى أن 10% سلطويون، 15% ديمقراطيون/إنسانيون، و75% بين الاثنين. وتوقع أن السلطويين سيدعمون الفاشية، بينما يقف الديمقراطيون ضدهم، لكن قوتهم قد لا تكفي إذا لم يكن الوسط مستعدًا نفسيًا للمقاومة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رغم أن الدراسة لم تُنشر إلا في الثمانينيات بعنوان "الطبقة العاملة في ألمانيا الفيمارية"، إلا أنها أضاءت بوضوح على ما حدث لاحقًا مع النازية. وكانت من الأمثلة النادرة على البحث التجريبي في حياة العمال داخل تقاليد مدرسة فرانكفورت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ظل فروم جزءًا مهمًا من المعهد في الثلاثينيات، وساهم في نقله إلى الولايات المتحدة بعد صعود النازيين، وأدار اتصالاته مع جامعة كولومبيا. كما شارك في تقرير "دراسات حول السلطة والأسرة" عام 1936، الذي مهّد لأعمال لاحقة حول "الشخصية السلطوية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن تعديله لفرويد بدأ يباعد بينه وبين هوركهايمر. إذ رأى فروم أن المشكلة الأساسية في علم النفس هي علاقة الفرد بالمجتمع، لا المراحل الغريزية المحددة سلفًا كما عند فرويد. وزادت علاقة هوركهايمر الفكرية المتنامية بأدورنو من عزلته، فغادر المعهد عام 1939.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>الخوف من الحرية</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد فترة قصيرة من مغادرته المعهد، برز فروم على الساحة الفكرية الأميركية بعمله </span><b>"الهروب من الحرية"</b><span style="font-weight: 400;"> (1941). كان الموضوع المركزي للكتاب أن أوروبا قد ضحّت بتقدمها عبر القرون نحو أشكال أعظم من الحرية السياسية — بل وحتى نحو الاشتراكية — باستسلامها للفاشية. أراد فروم أن يفسر كيف تمكنت النازية من السيطرة على ألمانيا، ولماذا دعم كثير من الأفراد أدولف هتلر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طرح مفهوم "الشخصية السادية-المازوشية" أو "السلطوية"، التي تجمع بين نزوع إلى الخضوع وآخر إلى السيطرة، لتشكّل الأساس الإنساني للحكم السلطوي. سعى فروم إلى تجاوز التفسيرات التبسيطية للنازية، التي اعتبرتها مجرد ظاهرة سياسية أو اقتصادية، دون السقوط في التفسيرات النفسية البحتة (القول إن هتلر كان مجنونًا وأتباعه كذلك). لقد أراد أن يفهم النازية كمشكلة نفسية واجتماعية-اقتصادية في آن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مثل معظم التحليلات الماركسية في ذلك الوقت، ركّز فروم على دور الطبقات الوسطى الدنيا. فقد رأى أن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قد تركت أثرًا نفسيًا عميقًا، إذ جُرّد أفرادها من الدعائم التقليدية لكرامتهم الذاتية. شملت هذه التغييرات تراجع مكانة هذه الطبقة أمام الرأسمالية الاحتكارية والتضخم المفرط، إلى جانب الهزيمة في الحرب العالمية الأولى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رصد فروم مشاعر عميقة من القلق والعجز استغلها هتلر. كانت رسالته السادية-المازوشية، المتمثلة في حب الأقوياء وكراهية الضعفاء، إلى جانب برنامجه العنصري الذي رفع "الألمان الأصليين" إلى قمة السلم التطوري، وسيلة للهروب من الأعباء النفسية غير المحتملة التي عاشها الناس جماعيًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن "الهروب من الحرية" تحليلًا للنازية فحسب؛ بل كان في جوهره أطروحة أن الرأسمالية، خصوصًا في مرحلتها الاحتكارية، تولّد "شخصية تشعر بالعجز والوحدة والقلق وانعدام الأمان"، ما يدفعها للتخلي عن حريتها لقادة سلطويين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أشار فروم صراحة إلى أن شروط الفاشية موجودة أيضًا في الولايات المتحدة: آثار الكساد الكبير، وأشكال العمل الصناعي الآلية المتزايدة، وانتشار الدعاية السياسية والإعلانات شبه التنويمية، مقترنةً بنزعة نفسية واسعة لدى شريحة كبيرة من السكان نحو "التوافق الآلي".</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>التوجه التسويقي</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">عاد فروم إلى موضوع التوافق الاجتماعي بعد أربعة عشر عامًا في كتابه </span><b>"المجتمع السليم"</b><span style="font-weight: 400;"> (1955)، حيث حدد "مرضية معيارية" واسعة الانتشار تحكم المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. انتقد فروم المجتمع الأميركي في منتصف القرن العشرين، واعتبره شكلًا بيروقراطيًا من الرأسمالية الاستهلاكية الجماهيرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استعمل فروم مفهوم "التوجه التسويقي" لوصف الشخصية المهيمنة الجديدة في المجتمع الأميركي. كان هذا المفهوم انعكاسًا اجتماعيًا-نفسيًا لمفهوم الاغتراب الماركسي: أن الإنسان مغترب عن ذاته وقدراته. فـ"التوجه التسويقي" يعني أن يعيش الفرد نفسه والآخرين كسلع، حرفيًا كأشياء معروضة للتسويق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أظهر "المجتمع السليم" بعض التقاطع مع تركيز منظري مدرسة فرانكفورت الآخرين على اندماج الطبقة العاملة في الرأسمالية، لكنه اتسم بإحساس أكبر بإمكانات التغيير، رغم أن فروم لم يحدد فاعلًا اجتماعيًا بعينه يقود هذا التغيير. وقد خصص مساحة واسعة لبدائل عملية، منها دراسة نموذجية لممارسات عمل جماعية مثل مصنع علب الساعات لمارسيل باربو في بويمنادو.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما انتقد فروم بعض جوانب المشروع الماركسي التقليدي، خاصة مفهوم الثورة. فقد اعتبر أن هناك خطأ نفسيًا عميقًا في العبارة الشهيرة التي تختم "البيان الشيوعي": "ليس للعمال ما يخسرونه سوى قيودهم". فالعمال يخسرون أيضًا "كل الحاجات غير العقلانية والإشباعات التي نشأت أثناء ارتدائهم لتلك القيود".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جادل فروم بأننا بحاجة إلى مفهوم موسّع للثورة: لا يقتصر على الحواجز الخارجية بل يشمل الحواجز الذاتية الداخلية أيضًا. بحيث يتناول جذور الشهوات السادية-المازوشية مثل التمييز الجنسي والعنصرية والقومية وغيرها من تشوهات الشخصية الفردية والاجتماعية، التي لا تختفي بالضرورة بسرعة في ظل مجتمع جديد.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>الرأسمالية والحب</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">واصل فروم تحليله للعوائق الذاتية أمام الاشتراكية الإنسانية الحقيقية في كتابه الأشهر </span><b>"فن الحب"</b><span style="font-weight: 400;"> (1956). وكان مصرًّا على أن هناك تعارضًا جوهريًا بين "المبدأ الذي تقوم عليه الرأسمالية" و"مبدأ الحب".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فالنقد الموجه للحب — الذي لا يقتصر عند فروم على مظاهره العاطفية الرومانسية — كان نقدًا للرأسمالية أيضًا، وللطرق التي تعيق بها الأشكال الأصيلة للحب التي لا تتحقق إلا في مجتمع أكثر إنسانية. دعا فروم إلى تحليل شروط إمكان تحقيق الحب والنزاهة في المجتمع الراهن والعمل على تقويتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الخمسينيات انضم فروم إلى </span><b>الحزب الاشتراكي الأميركي–اتحاد الديمقراطيين الاجتماعيين،</b><span style="font-weight: 400;"> وسعى للتأثير في برنامجه. ونشر وثيقة بعنوان </span><b>"ليَسُد الإنسان"</b><span style="font-weight: 400;"> (1958)، صاغ فيها شكلًا مميزًا من الماركسية أسماه "الإنسانية الراديكالية". كانت النص مليئًا بانتقاد الاتحاد السوفييتي بوصفه "اشتراكية مبتذلة ومشوّهة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طرح فروم بديلاً: اشتراكية ديمقراطية إنسانية تضع الإنسان في المركز. وأنهى الوثيقة بمجموعة أهداف قصيرة ومتوسطة المدى، مثل تعزيز المشاركة الشعبية في الاقتصاد والتعليم والسياسة. في الوقت الذي كان فيه هوركهايمر وأدورنو يبتعدان أكثر عن السياسة بعد أوشفيتز، كان فروم — الأكثر يهودية بين مفكري مدرسة فرانكفورت — يقترب منها أكثر.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>العودة إلى ماركس</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابه </span><b>"مفهوم الإنسان عند ماركس"</b><span style="font-weight: 400;"> (1961)، عاد فروم إلى ماركس. تضمن الكتاب أول ترجمة إنجليزية كاملة لمخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية، التي أصبحت مرجعًا أساسيًا للماركسية الإنسانية، مع مقدمات قصيرة كتبها فروم نفسه. سعى إلى استعادة الماركسية إلى أصلها كـ"إنسانية جديدة" منزّهة عن تحريفات الشيوعية السوفييتية والصينية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ساهم الكتاب في نشر ماركس في الولايات المتحدة وتحدي الصور المشوهة عنه في العالم الناطق بالإنجليزية. ومع أنه لم يخلُ من مشكلات — فقد اعترف فروم في رسالة إلى رايا دنايِفسكايا بأن عرضه "مجردي أكثر مما ينبغي" — فإنه ركّز على مجمل عمل ماركس، ورفض فكرة القطيعة بين "ماركس المبكر" و"ماركس المتأخر" التي روّج لها لويس ألتوسير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">واصل فروم انخراطه مع ماركس بكتابه </span><b>"ما وراء قيود الوهم"</b><span style="font-weight: 400;"> (1962)، حيث طوّر نظريته الاجتماعية-التحليلية للشخصية الاجتماعية، وأشاد بالحدس النفسي الضمني في فكر ماركس. وأكد أن ماركس مفكر "أعمق وأوسع بكثير من فرويد".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما لعب دورًا رئيسيًا في إصدار </span><b>"الإنسانية الاشتراكية: ندوة دولية"</b><span style="font-weight: 400;"> (1965)، جامعًا مساهمات من إنسانيين ماركسيين من أوروبا الشرقية (خصوصًا مدرسة البراكسيس اليوغوسلافية) وأفريقيا والهند، إلى جانب أسماء مثل ماركيوز، إرنست بلوخ، ليوبولد سنغور، وكارل كوسيك.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>التعامل مع السياسة</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">ظل فروم شخصية بارزة في اليسار الأميركي، رغم إقامته الطويلة في المكسيك. وعلى عكس هوركهايمر وأدورنو اللذين رفضا انتقاد حرب فيتنام، كان فروم صريحًا في معارضته للحرب، وألقى خطبًا في الجامعات، وكتب خطبًا للسيناتور يوجين مكارثي في حملته ضد ليندون جونسون 1967–1968.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق صاغ مذكرة مطولة بعنوان </span><b>"مذكرة حول البدائل السياسية"</b><span style="font-weight: 400;">، اقترح فيها حركات ديمقراطية قاعدية يمكن أن تشكّل أساسًا لحركة جماهيرية. وبعد فشل حملة مكارثي الرئاسية، نُشرت المذكرة بعنوان </span><b>"ثورة الأمل"</b><span style="font-weight: 400;"> (1968).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دافع فروم عن نفسه ضد من اتهموه بالإصلاحية الاجتماعية-الديمقراطية، ومنهم صديقه القديم هربرت ماركيوز. وردًا على تشاؤم ماركيوز في كتابه </span><b>"الإنسان ذو البعد الواحد"</b><span style="font-weight: 400;"> (1964)، قال فروم: "إذا لم يكن المرء معنيًا بالخطوات بين الحاضر والمستقبل، فهو لا يتعامل مع السياسة، راديكالية كانت أم غير ذلك".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد أواخر الستينيات وبسبب أزمات قلبية متكررة، تراجع نشاط فروم السياسي، وركز أكثر على الأكاديميا. لكنّه لم يقطع صلته بالقضايا اليسارية. في كتابه </span><b>"تشريح التدميرية الإنسانية"</b><span style="font-weight: 400;"> (1973) ناقش طبيعة الإنسان ورفض التصورات التي تراه عدوانيًا وجشعًا بالفطرة، والتي شكّلت لاحقًا أساس الفكر النيوليبرالي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما آخر كتبه السياسية والاجتماعية، </span><b>"الوجود أم التملك؟"</b><span style="font-weight: 400;"> (1976)، فقد صدر بعد عودته إلى أوروبا. تناول فيه من جديد مخطوطات ماركس لعام 1844، ودمجها مع نقد للرأسمالية من زاوية تدميرها البيئي، مما ألهم الحركة الخضراء الأوروبية. وجدد دعوته لإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية عملية، مقتربًا أكثر من ماركس بإعلانه "بداية الانحدار — المتسارع — للرأسمالية".</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;"><b>مفكر لعصرنا</b></span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في واحدة من قلة تعليقاته على هوركهايمر ومدرسة فرانكفورت، كتب فروم في أواخر حياته:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"على حد علمي، الأمر كله خدعة، لأن هوركهايمر كان خائفًا... من التحدث عن نظرية ماركس. استخدم لغة عامة غامضة وتحدث عن 'النظرية النقدية' كي لا يقول 'نظرية ماركس'. أعتقد أن هذا هو كل ما وراء اكتشاف هوركهايمر وأدورنو لـ'النظرية النقدية'."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ورغم أن كتابات فروم لم تولِ اهتمامًا كافيًا لموجات الاضطراب العمالي في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فإنه، خلافًا لهوركهايمر، لم يعتبر صعود الفاشية نهاية المشروع الاشتراكي. بل دفعه هذا الصعود نحو انخراط أعمق في السياسة اليسارية، بطابع من الأمل الراديكالي والتفاؤل، وعودة إلى ماركس لإحياء اليسار جماهيريًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كثير من النواحي، يُعد فروم المفكر الأكثر ملاءمة لعصرنا من بين مفكري مدرسة فرانكفورت. فقد كان رؤيته واعية للعلاقات المتشابكة بين الاقتصاد والثقافة والعاطفة الإنسانية، وتجنّب فخاخ الاستسلام الحزين أو الحتميات الجامدة. وضع النزعات الرجعية في قلب تحليله، وسعى مع ذلك إلى تحديد طرق ملموسة للتقدم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سياق سياسي ينزلق سريعًا نحو مخاطر، مع ركود يهدد بأن يكون بعمق الكساد الكبير، سيكون من غير المسؤول لخطاب اشتراكي أن يتجاهل خطر السلطوية، بقدر ما سيكون من غير المسؤول تصويرها كمصير محتوم. هنا، كما في انخراطه مع إنسانية ماركس، لا يزال لدى إريك فروم دروس ثمينة يقدمها لنا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="StFc9HgYb4"><p><a href="https://rommanmag.com/archives/36648">إسرائيل في عيون مدرسة فرانكفورت: قراءة في موقف المنظرين النقديين من الدولة اليهودية</a></p></blockquote>
<p><iframe class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;إسرائيل في عيون مدرسة فرانكفورت: قراءة في موقف المنظرين النقديين من الدولة اليهودية&#8221; &#8212; مجلة رمان الثقافية" src="https://rommanmag.com/archives/36648/embed#?secret=xLzrPxGWJC#?secret=StFc9HgYb4" data-secret="StFc9HgYb4" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36666">إريك فروم وثورة الأمل (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إسرائيل في عيون مدرسة فرانكفورت: قراءة في موقف المنظرين النقديين من الدولة اليهودية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36648</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أميرة يوسف]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 01 Oct 2025 12:33:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36648</guid>

					<description><![CDATA[<p>في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر2023؛ ندَّدت أصواتٌ غربيةٌ كثيرة من ساسة ومثقفين ومفكرين وأدباء وإعلاميين بهجوم المقاومة الفلسطينية على غلاف غزة، ووصفته بالعمل الإرهابي، وأعطت إسرائيل حق الدفاع عن نفسها. ساهم هذا التنديد في منح إسرائيل غطاءً دوليًّا لما فعلته منذ اليوم التالي للهجوم إلى الآن من قصف يومي على قطاع غزة أسفر عن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36648">إسرائيل في عيون مدرسة فرانكفورت: قراءة في موقف المنظرين النقديين من الدولة اليهودية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر2023؛ ندَّدت أصواتٌ غربيةٌ كثيرة من ساسة ومثقفين ومفكرين وأدباء وإعلاميين بهجوم المقاومة الفلسطينية على غلاف غزة، ووصفته بالعمل الإرهابي، وأعطت إسرائيل حق الدفاع عن نفسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ساهم هذا التنديد في منح إسرائيل غطاءً دوليًّا لما فعلته منذ اليوم التالي للهجوم إلى الآن من قصف يومي على قطاع غزة أسفر عن انعدام الحياة في القطاع وتجويع سكانه وقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين بدعوى القضاء على حماس واستعادة الرهائن، فيما بات يُعرف اليوم بحرب الإبادة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان من أبرز الأصوات المنددة بهجوم السابع من أكتوبر؛ المفكر والفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس Jürgen Habermas» أحد أبرز المنظرين النقديين ورائد الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت؛ حيث أصدر في الثالث عشر من نوفمبر 2023، مع ثلاثة فلاسفة ألمان آخرين، على منصة «نورماتيف أوردرز normativeorders» </span><a href="https://normativeorders.net/en/news/principles-of-solidarity-a-statement/"><span style="font-weight: 400;">بيانًا</span></a><span style="font-weight: 400;"> حول ما يجري في قطاع غزة، أدان فيه ما وصفه بـ«المجزرة التي ارتكبتها حماس ضد إسرائيل بنية إبادة الحياة اليهودية بشكل عام».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقودنا هذا الموقف لهابرماس إلى السؤال عن موقف الجيل الأول من مؤسسي المدرسة من وجود الدولة اليهودية في حد ذاتها ومن سياسات إسرائيل؛ بخاصة أن هذا الجيل، وهم من اليهود الألمان، عاصروا الحقبة النازية وعانوا من ويلات العنصرية، كما عاصروا تأسيس الدولة اليهودية وشهدوا الحروب التي خاضتها مع العرب في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبحث هذا المقال في مواقف الجيل الأول من خلال استعراضه وتحليله لآراء ومواقف وبيانات عددٍ منهم. لكن قبل أن نتطرق إلى ذلك؛ نُلقي نظرة عامة على النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت، ونتعرف على قيمتها الفكرية في الغرب في القرن العشرين، لنقف على قيمة مواقف روادها في قضية حيوية ومهمة كالقضية الفلسطينية، وحجم تأثيرها في النظر إلى القضية في المجتمع الغربي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>نظرة على مدرسة فرانكفورت</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في عام 1923، أسَّس مجموعةٌ من المفكرين وعلماء الاجتماع اليساريين الألمان من أصول يهودية في مدينة فرانكفورت معهدًا للبحوث الاجتماعية؛ بغرض إحياء الجانب النقدي في الفلسفة الماركسية، واستطاعوا أن يُؤسِّسوا مشروعًا فلسفيًّا أحدث تأثيرًا كبيرًا في فلسفة القرن العشرين، عُرف بـ«</span><a href="https://www.hindawi.org/books/90846931/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">النظرية النقدية</span></a><span style="font-weight: 400;">» وعُرف فلاسفته بفلاسفة «مدرسة فرانكفورت» لوجود المعهد في مدينة فرانكفورت الألمانية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استقى فلاسفة هذه المدرسة أفكارهم من تراث الفلسفة المثالية الألمانية، وفي مقدمته تراث هيجل Hegel، ومن كتابات كارل ماركس Karl Marx، ومن الفلسفات الاجتماعية الألمانية بخاصة فلسفة ماكس فيبر Max Weber ، ومن فلسفة التحليل النفسي عند سيجموند فرويد Sigmund Freud.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اشتبكت مدرسة فرانكفورت مع الفلسفة الأوروبية الحديثة، ومع الأسئلة الجوهرية حول الحرية والهيمنة والعقلانية والتحرُّر، وكشفت عن التناقضات العميقة في المشروع الحداثي، وانتقدت «ثقافة عصر التنوير»، لاعتمادها على العقل الأداتي البراجماتي الذي يختزل الإنسان في بُعدٍ واحد وينظر إليه باعتباره وجودًا ماديًّا صِرفًا، فضلًا عن تحوُّل العقلانية إلى أيديولوجيا شمولية، وكذلك بروز الفاشية والنازية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وجَّهت مدرسة فرانكفورت سهام نقدها أيضًا إلى المجتمع الصناعي والنظام الرأسمالي وغلبة النزعة المادية واستغلال الطبقة العاملة؛ حيث أدى هذا المجتمع الصناعي المتقدِّم إلى اغتراب الإنسان وتشيُّئه، وتحوُّله إلى عنصر ضئيل في جهاز الإنتاج الهائل الذي تحدِّده «الميكنة»، حتى صار عجلة صغيرة مجهولة قابلة لاستبدالها بغيرها داخل «العالم التقني» الضخم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تمتاز النظرية النقدية بالطابع الثوري، حيث تسعى إلى تغيير المجتمع تغييرًا ثوريًّا، لا يقتصر على أشكاله وتنظيماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فحسب، وإنما يمتدُّ إلى بنية التفكير والمواقف والحاجات واللغة التي يستخدمها الناس في ذلك المجتمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرجع الفضل إلى مدرسة فرانكفورت في تخليص الفلسفة من طابعها التجريدي وربطها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية واقترابها من الحياة الواقعية، مما جعل لأفكارها تأثيرًا كبيرًا في كثير من الحركات الاجتماعية في أوروبا في القرن العشرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تألَّفت </span><a href="https://www.hindawi.org/books/80460374/3/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">مدرسة فرانكفورت</span></a><span style="font-weight: 400;">، كما ذكرنا سابقًا، من مجموعة من المفكرين اليساريين اليهود الألمان في عشرينيات القرن العشرين مثل: ماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895-1973)، وتيودور أدورنوTheodor Adorno (1903-1969)، وهربرت ماركوزه Herbert Marcuse (1898-1979)، وليو لوفينثالLeo Löwenthal (1900-1993)، وإريك فروم Erich Fromm (1900-1980)، وغيرهم. ونظرًا للخلفية اليهودية لهؤلاء المفكرين فقد تأثروا بمعاداة السامية المنتشرة في أوروبا بخاصة في ألمانيا آنذاك، حيث تفاقمت مع تولِّي أدولف هتلر الحكم وسيطرة النزعة النازية وشن حرب الإبادة ضد عددٍ من القوميات من بينها اليهود.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدى اعتلاء هتلر عرش ألمانيا، إلى هجرة الكثير من اليهود الألمان، ومن بينهم المنظِّرون النقديون، هربًا من الهولوكست، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وجهة كثير منهم؛ حيث انتقل إليها كل من ماكس هوركهايمر وهربرت ماركوزه وتيودور أدورنو وإريك فروم، وواصلوا مشاريعهم الفكرية ودرَّسوا في الجامعات الأمريكية، ونال عددٌ منهم الجنسية الأمريكية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ومُني هتلر بهزيمة ساحقة، عاد عددٌ من هؤلاء الفلاسفة إلى ألمانيا مرة أخرى، بينما فضَّل آخرون البقاء في منفاهم الاختياري، لكنهم واصلوا نشاطهم الفكري والنقدي وتأليف مجموعة كبيرة من الكتب المهمة الشارحة لأفكارهم ورؤاهم ونظرياتهم الفلسفية، والتي تُعد من أهم الإنجازات الفلسفية في القرن العشرين، ومنطلقًا لأكثر النظريات والتصورات التي انتقدت مفهوم التقنية في مختلف تجلياتها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>المنظِّرون النقديون والدولة اليهودية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حيث كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين في أوج نشاطها في أوروبا؛ لم يُقدِم أحدٌ من المنظرين النقديين على الهجرة إليها، أو تعاطف مع الصهيونية كحركة تسعى إلى تجميع اليهود في فلسطين. وفي أثناء الحقبة النازية واضطرارهم إلى الهروب من أفران هتلر، لم يُفكروا في السفر إلى فلسطين، وإنما آثروا الإقامة في دول أوروبية أخرى وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لم تكن فلسطين وجهة أي منهم. فضلًا عن أن فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لم تستحوذ على اهتمامهم آنذاك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن بعد قيام دولة إسرائيل بالفعل عام 1948م؛ بدأت مواقف المنظرين النقديين تجاه هذه الدولة الوليدة تتشكل، وأخذت بُعدًا عاطفيًّا لدى الكثير منهم متأثرين بما عايشوه في الحقبة النازية، وبمعاداة السامية المنتشرة في أوروبا، وبخلفياتهم اليهودية وتعمقهم في الديانة اليهودية. وللتعرُّف على مواقف المنظِّرين النقديين الأوائل، نستعرض فيما يلي آراء وتصريحات اثنين منهم هما: هربرت ماركوزه وإريك فروم؛ حيث يُعدان من أبرز ممن اشتبكوا مع الدولة اليهودية وتأسيسها في فلسطين بالتحديد، ويعبران عن الرأيين الرئيسيين في المدرسة تجاه هذه القضية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>هربرت ماركوزه: مفكر يساري يدعم حق المواطنة على أساس الدين</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعد هربرت ماركوزه من أبرز رواد الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، وصاحب بصمة واضحة في تشكيلها، ويُعد كتابه «الإنسان ذو البُعد الواحد» الذي نقد فيه الرأسمالية والمجتمع الصناعي والهيمنة التقنية نقدًا حادًّا، من الكتب التأسيسية في النظرية النقدية. وهو رائد تيار «اليسار الجديد» في أوروبا وأمريكا، وله تأثير كبير في الحركات الطلابية في الستينيات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذا، فإن أي موقف يتخذه مفكر بقيمة ماركوزه وتأثيره، سيكون له تأثيرٌ كبير في العقل الغربي، ومن هنا تأتي أهمية وخطورة موقفه تجاه القضية الفلسطينية، لأنه ساهم في تشكيل الوعي الغربي بالقضية، ومن ثمَّ أثَّر على حضورها عالميًّا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان ماركوزه من أكثر المنظرين النقديين تأييدًا لإسرائيل؛ حيث دعَّم "حقها" في الوجود وفي الدفاع عن نفسها وحق اليهود في مكان يأمنون فيه على أنفسهم من الاضطهاد الذي عانوا منه في أوروبا، وصرَّح بذلك في مناسبات كثيرة؛ </span><a href="https://www.marcuse.org/herbert/pubs/60spubs/67endutopia/67EndeUtopieProbGewalt.htm" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">ففي أثناء زيارته إلى برلين بدعوة من حزب SDS الألماني، في صيف 1967م وبعد وقت قصير من احتلال إسرئيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان وسيناء</span></a><span style="font-weight: 400;">، قال:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«لا أستطيع نسيان أن اليهود كانوا على مدى قرون مضطهدين، وأنه منذ وقت قريب قُضي على ستة ملايين منهم، وعندما يُنشأ مكان لهؤلاء الناس، حيث لا يخشون الاضطهاد والقمع، فهذا هو الهدف الذي يجب أن أعلن تعاطفي معه وأنا أتفق مع جان بول سارتر، الذي قال إنه في جميع الظروف يجب منع حرب إبادة جديدة ضد إسرائيل … وفي ظل هذه الظروف يجب فهم وتقييم الحرب الوقائية [1967].»</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُفهم من هذا التصريح، أن تأييد ماركوزه لإسرائيل هو تأييد للفكرة والغاية، أيًّا كانت الوسيلة، ولو كانت على حساب أصحاب الأرض الأصليين، بل اعتبر حرب 1967 حربًا وقائية لحماية إسرائيل من جيرانها العرب، وكانت معارضته لبعض السياسات الإسرائيلية اللاحقة انطلاقًا من حرصه على بقاء هذا الدولة وعيشها في سلام، لذا فإن نقده كان من باب النُصح لا الرفض، وهو ما يتجلى في تصريحات لاحقة، وخاصة تلك التي أدلى بها في مقابلة أجراها عام 1970م مع صحيفة ستريت جورنال الأمريكية، حيث قال:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«لقد دافعت دائمًا عن إسرائيل، لأنني لا أستطيع نسيان حقيقة أن ستة ملايين يهودي أُبيدوا، وأنه لا ينبغي حدوث ذلك مرة أخرى. وهذا يعني ضرورة حماية اليهود من تكرار مثل هذه المذبحة. لكن يبدو لي الآن أن السياسة الإسرائيلية، إذا لم تتغير تجاه العرب بشكل جذري، قد تؤدي إلى تكرارها.»</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد أشار ماركوزه في أثناء هذا اللقاء إلى ثلاثة حوادث تُدين إسرائيل وهي: مذبحة بحر البقر عام 1970م التي قٌتل فيها ثلاثون طفلًا مصريًّا، وتقرير يتهم إسرائيل بتعذيب السجناء العرب، ورفض الحكومة الإسرائيلية زيارة «ناحوم جولدمان Nahum Goldmann» رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بسبب تشجيعه للإسرائيليين على تقديم تنازلات للفلسطيينين لتحقيق السلام. وعقَّب ماركوزه على هذه التقارير قائلًا: «كوني يهودي وعضو في اليسار الجديد، لم يعد بإمكاني الدفاع عن السياسات الإسرائيلية، ويجب أن أتفق مع أولئك الذين ينتقدون إسرائيل بشكل جذري».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعندما طرحت عليه الصحيفة سؤالًا أخيرًا: «هل ترون مذبحة قادمة لليهود؟» أجاب: «ما لم تحسم إسرائيل أمرها وتُقيم علاقات إنسانية مع العرب وتعاملهم كبشر، فإنني أخشى تكرار مثل هذا الوضع عاجلًا أم آجلًا.»</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عند النظر إلى هذه التصريحات في ضوء حرب الاستنزاف، واستمرار المقاومة الفلسطينية المسلحة، واكتشاف ماركوزه أن حرب 1967م لم تكن وقائية كما رُوِّج لها، ودخول إسرائيل في حرب واسعة تُكبِّدها خسائر يومية، فإننا يمكن اعتبارها نذيرًا لما ستواجهه إسرائيل في المستقبل، وهو ما حدث في حرب 1973م.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يقف ماركوزه في نقده عند السياسات الإسرائيلية، بل نقد أيضًا الأنظمة العسكرية العربية؛ حيث كتب في مقدمته للطبعة العبرية لكتابه «الإنسان ذو البعد الواحد»: «إن الأنظمة العسكرية والأحزاب الشمولية لا تضمن الحرية والاستقلال.»</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ماركوزه في إسرائيل</b></span></p>
<p><a href="https://indypendent.org/2024/05/the-philosopher-and-the-general-when-new-left-guru-herbert-marcuse-met-with-israels-moshe-dayan-and-pressed-for-peace/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">زار ماركوزة إسرائيل</span></a><span style="font-weight: 400;"> في ديسمبر1971؛ استجابةً لدعوة «معهد فان لير في القدس The Van Leer Jerusalem Institute»، وألقى عددًا من المحاضرات في المعهد، والجامعة العبرية، وبئر السبع، وحيفا. واتسمت محاضرته في المعهد بالحضور الكثيف من الأساتذة والطلاب إلى درجة أن 300 شخص لم يتمكنوا من دخول القاعة لازدحامها، واستمعوا إلى المحاضرة عبر مكبرات الصوت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدلى ماركوزه في تلك المحاضرة بتصريحات داعمة للحركة الصهيونية التي اعتبرها «حركة تحرر وطني»، وأيَّد الهجرة اليهودية إلى فلسطين إذ رآها «إحدى الطرق التي تحمي اليهود من الاضطهاد»، وانتقد بعض عناصر اليسار الجديد المعارضين لوجود دولة إسرائيل. لكن عندما سأله أحد الطلاب إن كان هو نفسه يُفكر في الهجرة إلى إسرائيل أجاب مبتسمًا: «الأمر يتوقف على ما يجري في هذا البلد»، إشارة إلى وضع إسرائيل المأزوم وسياستها ضد العرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في أثناء زيارته، التقى ماركوز بعددٍ من الشخصيات البارزة في إسرائيل والضفة الغربية، وأثمرت هذه اللقاءات عن تعرُّفه عن قُرب على طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي وأبعاده، وعلى المجتمع الإسرائيلي من الدخل، والطريقة التي يُفكر بها ساسة إسرائيل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان ممن التقى بهم ماركوزه في إسرائيل: «موشيه سنيه Moshe Sneh» رئيس أركان عصابات الهاجاناه بين عامي 1941 و1946، والروائي والصحفي الإسرائيلي «عاموس عوز Amos Oz» وهو أبرز الكُتَّاب الإسرائيليين الذين حلَّلوا توترات المجتمع الإسرائيلي ومعضلاته، وصاحب رواية «حنة وميخائيل» التي كتبها عام 1968م، وتسلل فيها إلى العالم الداخلي للشخصيات الإسرائيلية، والتي تُرجمت إلى ثلاثين لغة من بينهم العربية. وقد خرج ماركوزه من حواره مع عوز بفهم عميق لتعقيدات الهوية الإسرائيلية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">التقى ماركوزه أيضًا بشخصيات عربية في الضفة الغربية، مثل: الكاتبة والصحفية الفلسطينية ريموندا الطويل وهي والدة سهى التي ستُصبح فيما بعد زوجة ياسر عرفات، والسياسي الفلسطيني ورئيس بلدية نابلس حينها حمدي كنعان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن أبرز اللقاءات التي أجراها ماركوزه في تلك الزيارة؛ كانت مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك «موشيه ديان Moshe Dayan»، الذي اعترف لماركوزه حينها أنهم أخذوا من العرب «أرضًا عربية وجعلوها يهودية»، ودار بينهما نقاش طويل حول أمن إسرائيل. وبينما كان الفيلسوف يرى أن على إسرائيل الرجوع إلى حدود ما قبل 1967م حتى يُمكنها تحقيق السلام مع العرب، اعتبر الجنرال ذلك «علامة على ضعف إسرائيل».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان لزيارة ماركوزه لإسرائيل تأثير كبير في تطوُّر موقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما ظهر جليًّا في بيانه الذي أصدره بشأن تلك الزيارة، ونشرته صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية، وتُرجم إلى العبرية في صحيفة هآرتس، ثم إلى العربية لاحقًا. قدَّم فيه رؤية نقدية للصراع العربي الإسرائيلي، حيث أوضح أن الدول الكبرى سهَّلت قيام دولة إسرائيل لأن ذلك ينسجم مع مصالحها، وأن الاستيطان تم دون مراعاة حقوق السكان الأصليين، وأن أساس الدولة ينطوي على تهجير الفلسطينيين، وأن ضم إسرائيل للأراضي يضر بمصالحها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وطالب ماركوزه إسرائيل في بيانه، بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967م من أجل تحقيق السلام، ووصفها - لأول مرة - أنها «قوة احتلال» وأن الحركة الفلسطينية «حركة تحرر وطني»، وقدَّم اقتراحًا لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وهو إعادة توطينهم في إسرائيل إما على الأراضي التي كانوا يملكونها قبل عام 1948م أو على أراضي أخرى في الدولة. ورد على الاعتراض المحتمل بأن هذا الحل سيحول الأغلبية اليهودية في الدولة إلى أقلية، قائلًا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«أعتقد أن السياسة الساعية إلى تأمين استمرار الأكثرية مصيرها الفشل، لأن السكان اليهود محكومون بأن يبقوا أقلية داخل الحيز الواسع للدول العربية، وخصوصًا أنهم غير قادرين على الانفصال إلى الأبد عن هذه الدول من دون الوقوع في مناخ الجيتو ولو على قياس أكبر… لن يجد الشعب اليهودي الحماية المستديمة في وجود أكثرية منغلقة على نفسها ومنعزلة وسط مشاعر الخوف».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تضمَّن البيان أيضًا حلولًا مقترحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتي يُمكن إجمالها في إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وعن شكل هذه الدولة سواء أن تكون كيانًا مستقلًا أم اتحادًا مع إسرائيل أو الأردن؛ فهذا يُحدده الفلسطينيون في استفتاء فلسطيني تحت رعاية الأمم المتحدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتضح من هذا البيان تغيير عميق في النبرة التي يتحدث بها ماركوزة عن دولة إسرائيل، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته. وهو تغيير ناجم عن زيارة ماركوزه لإسرائيل ومشاهدة الوضع في فلسطين عن قُرب، مما يكشف لنا أن الموقف المؤيد لإسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين الذي يتخذه كثيرٌ من الكتاب الغربيين؛ هو موقف سلبي متأثر بالسياسة الغربية تجاه إسرائيل وفارغًا من الرؤية الصحيحة لحقيقة الصراع وجوهره.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>إريك فروم: عالم نفس يهودي يرفض الدولة اليهودية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على عكس ماركوزه الذي أيَّد وجود دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، كان موقف المفكر وعالم النفس الشهير إريك فروم الذي كان عضوًا أساسيًّا في مدرسة فرانكفورت، وقدَّم إسهامات شديدة الأهمية في مجال علم النفس، وكان لكتاباته أثر بالغ بخاصةً كتابه «</span><a href="https://archive.org/details/20221220_20221220_1410/page/n9/mode/2up" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الخوف من الحرية</span></a><span style="font-weight: 400;">» الذي نشره عام 1941، وناقش فيه معنى الحرية بالنسبة للإنسان، وحلَّل فيه أيضًا الظروف السيكولوجية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى والتي غذَّت في رأيه الفكر النازي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اتسم موقف إريك فروم بالرفض لفكرة الدولة اليهودية نفسها والنقد الحاد للسياسات الإسرائيلية، مع إدراك تام لأزمة اليهود في المجتمع الغربي ومعاناتهم من معاداة السامية. حيث رفض فروم أن يكون حل مشكلة يهود أوروبا على حساب عرب فلسطين؛ لذا نجده يقيم علاقات قوية مع الزعيم الثوري والاشتراكي «إسحاق شتاينبرغ Isaac Steinberg» (1888-1957) رئيس رابطة فريلاند (Freeland League) ، وهي منظمة دعت إلى حل غير صهيوني للمشاكل التي تواجه يهود أوروبا، وإيجاد ملاذ آمن لهم في أماكن غير مأهولة بالسكان، واعتبرت فلسطين غير مناسبة لتوطين اليهود لأنها مأهولة بالفعل بالسكان العرب وأن هجرة اليهود إليها سيؤدي إلى الاقتتال بدلًا من التعايش.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أشاد فروم بالرابطة ووصف مهمتها الرئيسية بأنها «إنشاء مستوطنات يهودية دون تطلعات سياسية، ودون تهجير مجموعات أخرى، على أساس الأخلاق اليهودية والاقتصاد العادل»، مشيرًا إلى أن هذه المهمة «مُهمة بما فيه الكفاية».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان رفض إريك فروم للدولة اليهودية نابعًا من عمق معرفته بالديانة اليهودية، ونرى ذلك بوضوح في مقاله المنشور عام 1950 بعنوان «</span><a href="https://www.cambridge.org/core/books/abs/frankfurt-school-jewish-lives-and-antisemitism/critical-theorists-and-the-state-of-israel/3C4C18AC238A10714D437BF02C568ED4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الدولة اليهودية والرؤية المسيحانية</span></a><span style="font-weight: 400;">»؛ حيث ذكر فيه: «الادعاء بأن الدولة هي تحقيق للآمال اليهودية في المسيح يتناقض مع المبادئ والقيم الأساسية للتقاليد اليهودية … العبادة الهستيرية للدولة اليهودية كتحقيق للآمال المسيانية؛ خيانة لأفضل ما في التقاليد اليهودية … تصرفات قادة إسرائيل تتعارض مع تعاليم اليهودية»، واعتبر أن مطالبة اليهود بأرضٍ عاش عليها أجدادهم قبل ألفي عام أمرٌ مجنون وغير واقعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">انشغل فروم أيضًا بعرب فلسطين الذين هُجِّروا من أراضيهم وتوزعوا في الشتات، وهو ما يظهر في تعليقه على لقاءه بناحوم جولدمان عام 1957م، حيث قال في </span><a href="https://library.syracuse.edu/digital/guides/p/pike_ja.htm"><span style="font-weight: 400;">رسالته</span></a><span style="font-weight: 400;"> لرجل الدين الأمريكي جيمس بايك: «سررت بتأييد الدكتور جولدمان للرأي القائل بأن الحكومة الإسرائيلية مُلزمَة أخلاقيًّا بتعويض العرب بالكامل عن خسائرهم في الممتلكات، وشرحت له ضرورة قيامها بإعلان ذلك بشكل صريح ودون ربطه بمفاوضات السلام. أضفت أنه سيكون أمرًا جيدًا إذا اعترفت الحكومة الإسرائيلية بحق العودة لجميع اللاجئين العرب … وأفترض أنه إذا عاد جميع العرب فإن ذلك يعني أن إسرائيل ستكون دولة ثنائية القومية حقًّا … أعتقد أن هذا هو الحل المعقول الوحيد … أنا لا أكتب عن كل هذا كحل عملي، بل كمسألة ضمير.»</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانب الوازع الديني الذي استند إليه فروم في رفضه للدولة اليهودية، كان هناك أيضًا وازعًا أخلاقيًّا، وهو ما يتضح في وصفه الذي صرَّح به عام 1957م في </span><a href="https://archives.nypl.org/mss/2975" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">رسالة طويلة إلى «نورمان توماس Norman Mattoon»</span></a><span style="font-weight: 400;">، أحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي الأمريكي، قال فيها: «أعتقد أن الموقف الكامل للدولة، التي مبررها الأخلاقي الوحيد هو إيجاد منزل للمشردين، والتي تفعل ذلك من خلال حرمان العديد من الأشخاص الآخرين من منازلهم، هو موقف لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيًّا، بل غبي حقًّا سياسيًّا.»</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي أعقاب حرب 1967، أعرب فروم أيضًا عن مخاوفه من السياسة الإسرائيلية، وقال في </span><a href="https://archives.nypl.org/mss/1090" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">رسالة إلى صديقه البروفيسور «كارل درامشتادتر Karl D. Darmstadter»</span></a><span style="font-weight: 400;"> أن هذا يُذكره «ببرنامج الفصل العنصري في جنوب أفريقيا». وفي وقت لاحق أخبره بأن «الإسرائيليين خلقوا مليون عربي مشرد ويرفضون تصحيح الخطأ … دمَّر هتلر نصف الشعب اليهودي جسديًّا، لكنني أخشى أن تدمر الدولة الصهيونية جوهر اليهودية. إن نزعتها العسكرية وغطرستها وعدم احترامها للعرب، والتي تثير إعجاب الجيش الأمريكي والدوائر الرجعية، هي في الواقع عكس التعاليم النبوية تمامًا … بهذه السياسة تُعدُّ إسرائيل أحد أكبر الأخطار التي تهدد السلام العالمي».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمام الانتقاد المستمر للدولة اليهودية، </span><a href="https://www.cambridge.org/core/books/abs/frankfurt-school-jewish-lives-and-antisemitism/critical-theorists-and-the-state-of-israel/3C4C18AC238A10714D437BF02C568ED4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">تعرَّض فروم للهجوم من قبل الصهاينة</span></a><span style="font-weight: 400;"> ووُصِفَ بأنه «عدواني للغاية ومعادي للصهيونية ولإسرائيل»، وأنه «ابتعد عن التقاليد اليهودية»، فردَّ عليهم فروم قائلًا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">«في الواقع أنا ضد فكرة الدولة في حد ذاتها، بخاصة إذا اتضح أنها قاعدة للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأدنى … موقفي الكامل تجاه إسرائيل والعرب لا يمكن فصله عن تحليل الوضع العالمي برمته لقوة أمريكا والإمبريالية الأوروبية … إنني أنظر إلى الأحداث السياسية في الشرق الأدنى من وجهة نظر هذا الصراع الشامل.»</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكشف هذا التصريح عن وعي فروم الشديد بالإمبرريالية العالمية والصراع العالمي الذي كان العالم العربي جزءًا منه، لذا فرَّق بين احتياج اليهود المضطهدين في أوروبا إلى ملاذ آمن، وبين أهداف الصهيونية والإمبريالية العالمية في فلسطين، وأدرك منذ وقت مبكر أن الغرض من توطين اليهود في فلسطين ليس الملاذ الآمن لليهود - كما رأى ماركوزه - وإنما خلق حالة من التوتر الدائم في الشرق الأوسط لصالح الإمبريالية العالمية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>اليهودية بين ماركوزه وفروم</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الرغم من انتماء الرجلين إلى المدرسة نفسها وانطلاقهما من أسس فكرية وفلسفية واحدة، فإن موقف كل منهما من القضية الفلسطينية ووجود دولة إسرائيل –كما رأينا- كان متناقضًا؛ فبينما تعامل هربرت ماركوزه مع دولة إسرائيل بشكل عاطفي نابع من تجربة الهولوكست ومعاداة السامية التي عانى منها اليهود على مدار قرون في الغرب، تعامل إريك فروم معها على أساس أخلاقي متسق مع قناعاته ومعرفته العميقة بالديانة اليهودية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويٌفسِّر الكاتب الأمريكي «جاك جاكوبس Jack Jacobs» هذا التناقض بين الرجلين، في كتابة «مدرسة فرانكفورت وحياة اليهود ومعاداة السامية </span><a href="https://www.google.com.eg/books/edition/The_Frankfurt_School_Jewish_Lives_and_An/d3hxBAAAQBAJ?hl=en&amp;gbpv=0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">The Frankfurt School, Jewish Lives, and Antisemitism</span></a><span style="font-weight: 400;">» حيث يرى أنه نابعًا من علاقة كل منهما باليهودية؛ فعند البحث في علاقة ماركوزه باليهودية نجدها واهية، وأنه نشأ نشأة شِبه علمانية؛ فلم يكترث بالالتزمات الدينية اليهودية، ولم يستجب لمحاولات والديه بغرز القيم والتقاليد اليهودية في نفسه، وتوقَّف عن تلقي التعليمات اليهودية في سن الثالثة عشر، فضلًا عن نشأته في حي تُهيمن عليه الثقافة الألمانية العلمانية أكثر من الصبغة الدينية اليهودية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يحصر ماركوزه نفسه في اليهودية فقط، بل كثيرًا ما ردَّد أنه ألماني وأمريكي ثم يهودي، لذا فإن جنسية البلد الذي عاش فيه ألمانيا ثم الولايات المتحدة كانت مقدَّمة على عقيدته، وكان هذا واضحًا في تصريحه ردًّا على سؤال أحد الأشخاص عن نظرته إلى الشعب اليهودي أجاب: «جنسيتي ليست يهودية بل أمريكية. لو كنت أعيش في إسرائيل لكنت يهوديًّا أو إسرائيليًّا».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدَّت المعرفة السطحية بالعقيدة اليهودية إلى تبني ماركوزه موقفًا مؤيدًا للدولة اليهودية، وهو موقف نابع من خوفه من معاداة السامية في الغرب وتكرار الهولوكست مرة أخرى، واتضح ذلك في تصريحاته التي أدلى بها في مناسبات مختلفة، وجعله في الوقت نفسه ينتقد السياسة الإسرائيلية انطلاقًا من أن هذه السياسة من شأنها أن تقود اليهود إلى مذبحة جديدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما بالنسبة لفروم؛ فكان شديد التعمُّق في الديانة اليهودية، مما جعله يرفض الدولة اليهودية، إلى جانب موقفه الأخلاقي واتساقه مع ما يؤمن به. لقد كان فروم يهوديًّا ملتزمًا دينيًا طوال طفولته وسنوات شبابه، وتعمَّق في دراسة النصوص اليهودية، وظل مرتبطًا عاطفيًّا ببعض التقاليد الدينية اليهودية حتى بعد توقُّفه عن ممارسة الطقوس اليهودية. وكانت هذه الصلات على وجه التحديد، وتفسيراته لليهودية، هي التي تفسر فحوى إدانته للسياسات الإسرائيلية، وإنكاره المستمر لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من خلال هذا العرض لموقف المفكرَيْن يتضح لنا تباين آراء الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت تجاه إسرائيل والدولة اليهودية؛ وهو تباين يتجاوز حدود السياسة إلى عمق التجربة الذاتية والدينية والفلسفية لكل منهما؛ ففي حين قاد الخوف التاريخي من معاداة السامية ماركوزه إلى دعم إسرائيل، دفع الالتزام الأخلاقي والديني فروم إلى رفضها باعتبارها انحرافًا عن جوهر اليهودية ذاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا التباين لا يعكس فقط انقسامًا داخل مدرسة فرانكفورت، بل يعكس مأزق الفكر الغربي برمَّته؛ إذ كيف يمكن أن يتحرّر من مركزية تجربته التاريخية ليُصغي إلى معاناة شعوب أخرى؟ وكيف يمكن للنقد الفلسفي أن يتجاوز حدوده الأوروبية ليصير أداةً لفهم صراعات عالمية أوسع؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد أعطت النظرية النقدية للفكر الغربي أدواتٍ مهمة لتفكيك السلطة وكشف هيمنة الرأسمالية والتقنية، لكنها – في لحظات مفصلية كالقضية الفلسطينية – أظهرت حدودها، إذ ظل بعض منظّريها أسرى سياقهم الأوروبي، في حين استطاع آخرون التحرُّر من هذا السياق والانفتاح على البُعد الأخلاقي الكوني. ومن هنا، فإن قراءة مواقف ماركوزه وفروم ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل هي مرآة حاضرة تكشف لنا كيف يُعاد إنتاج الخطاب الغربي حول إسرائيل حتى اليوم، بين من يبرِّر باسم التاريخ، ومن يرفض باسم العدالة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا، تظل القضية الفلسطينية اختبارًا حقيقيًّا للفكر النقدي الغربي: اختبارًا لقدرته على أن يكون حقًّا نقديًّا وشموليًّا، ويقف بوضوح مع ضحايا الحاضر ومع حقهم في الحرية والكرامة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="bw0qz4eZ0s"><p><a href="https://rommanmag.com/archives/36666">إريك فروم وثورة الأمل (ترجمة)</a></p></blockquote>
<p><iframe class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;إريك فروم وثورة الأمل (ترجمة)&#8221; &#8212; مجلة رمان الثقافية" src="https://rommanmag.com/archives/36666/embed#?secret=hZPBAhCUGx#?secret=bw0qz4eZ0s" data-secret="bw0qz4eZ0s" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36648">إسرائيل في عيون مدرسة فرانكفورت: قراءة في موقف المنظرين النقديين من الدولة اليهودية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إرث كارل ماركس في الولايات المتحدة (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35594</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 28 May 2025 09:21:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35594</guid>

					<description><![CDATA[<p>مقابلة مع أندرو هارتمان. نشرت في "جاكوبين" في ١٨/٥/٢٠٢٥. على مدى قرنين تقريبًا، كان لأفكار كارل ماركس تأثير كبير على السياسة والحياة الفكرية في الولايات المتحدة. بدوره، أفاد دراسة ماركس الدقيقة للولايات المتحدة في تطوير أفكاره حول الرأسمالية والحرية الإنسانية. غالبًا ما يُفترض أن النظرية الماركسية غريبة تمامًا عن التاريخ الأمريكي. ولكن عندما تقول مذكرة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35594">إرث كارل ماركس في الولايات المتحدة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">مقابلة مع أندرو هارتمان. </span><span style="font-weight: 400;">نشرت في "</span></span><a href="https://jacobin.com/2025/05/karl-marx-us-legacy-capitalism/?fbclid=IwQ0xDSwKWvRxleHRuA2FlbQIxMQABHqK3dVxPQ9VDZCrjMz6ZRqa6wMQi8oF76cfGdCoKp74pSTUsbHoxb4coXUva_aem_EguLYBHoJgLzjpBfwOGyqA" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">جاكوبين</span></a><span style="font-weight: 400; color: #808080;">" في ١٨/٥/٢٠٢٥.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على مدى قرنين تقريبًا، كان لأفكار كارل ماركس تأثير كبير على السياسة والحياة الفكرية في الولايات المتحدة. بدوره، أفاد دراسة ماركس الدقيقة للولايات المتحدة في تطوير أفكاره حول الرأسمالية والحرية الإنسانية. غالبًا ما يُفترض أن النظرية الماركسية غريبة تمامًا عن التاريخ الأمريكي. ولكن عندما تقول مذكرة من مكتب إدارة الميزانية التابع لدونالد ترامب إن الموارد الفيدرالية تُهدر في تعزيز "المساواة الماركسية"، فإنه من المستحيل إنكار أن كارل ماركس يلوح في الأفق بشكل كبير في الحياة السياسية الأمريكية. سواء كان كمنارة أو كشيطان، فقد كان لماركس، الذي يصادف عيد ميلاده السابع والعشرين في 5 مايو، تأثير كبير على الولايات المتحدة على مدى القرنين الماضيين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتاب "كارل ماركس في أمريكا"، يتتبع أندرو هارتمان، أستاذ التاريخ في جامعة ولاية إلينوي، حياة ماركس وما بعدها في الولايات المتحدة، بدءًا من مراسلته الواسعة مع قوات الاتحاد خلال الحرب الأهلية وصولاً إلى الانتفاضات العمالية المستوحاة من الماركسية في القرن العشرين والنمط المعاصر لليمين الذي يُعرف بـ "الماركسية الثقافية". يستكشف هارتمان تفاعل علاقة ماركس بتنظيم السياسة الأمريكية والحياة الفكرية، موضحًا كيف شكل ماركس السياسة الأمريكية وكيف عمقت دراسته القريبة للولايات المتحدة من فهمه للحرية الإنسانية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحاور كل من كال تيرنر وسارة فان هورن مع هارتمان لمجلة جاكوبين حول كيفية تشكيل التاريخ الأمريكي لأفكار ماركس، ولماذا يواصل الليبراليون والمحافظون إلقاء اللوم على ماركس، والطرق التي تتزايد فيها أفكار ماركس اليوم.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">لماذا يعتبر هذا الكتاب مهمًا؟ ما هي السرديات السائدة حول علاقة ماركس بالولايات المتحدة، وأي من هذه السرديات لا تعكس الحقائق التاريخية؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">هناك فكرة سائدة أنه لا يمكنك الجمع بين كارل ماركس والولايات المتحدة: أن ماركس لا يمكنه أن يخبرنا بأي شيء عن التاريخ الأمريكي، وأن التاريخ الأمريكي لا يمكنه أن يخبرنا بأي شيء عن ماركس. قبل أن أبدأ هذا البحث، كنت أعلم أن هذه الفكرة خاطئة، ولكن كلما قمت بمزيد من البحث، أدركت مدى خطئها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أريد أن أثبت أن ماركس يمكن أن يساعدنا في فهم التاريخ الأمريكي، والسياسة، والاقتصاد، واللحظة الحالية. اكتشفت أن كل من كان له قيمة في التاريخ الأمريكي منذ زمنه – من المثقفين، والنشطاء العماليّين، والسياسيين، والكتّاب، والأمريكيين العاديين – قد قرأ ماركس، وفكر في ماركس، وكتب عن ماركس، أو حاول تطبيق أفكار ماركس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تزايد عدد الشخصيات في كتابي بشكل كبير. يجمع الجمع بين ماركس وتاريخ الولايات المتحدة شيئًا مهمًا عن كليهما.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">ما هي النقاط المحورية الرئيسية في التاريخ الأمريكي فيما يتعلق بمواقف الأمريكيين تجاه ماركس؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هناك أربع فترات في التاريخ الأمريكي عندما كان الكثير من الأمريكيين يقرأون ماركس بإيجابية. كانت الفترة الأولى هي "العصر الذهبي الأول"، عندما ظهرت الأحزاب الاشتراكية الجماهيرية والأحزاب العمالية الراديكالية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت الفترة الثانية هي الثلاثينيات، التي شهدت أسوأ أزمة واجهتها الرأسمالية على الإطلاق، وهي الكساد الكبير. كانت معدلات البطالة تصل إلى 30 في المئة في بعض الأوقات خلال تلك العقد. وقد شهدت ظهور ليس فقط الحزب الشيوعي الأمريكي، ولكن أيضًا العديد من الفروع للحركة الشيوعية. كان الناس يفكرون محليًا ودوليًا من خلال عدسة ماركسية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت طفرة ماركس الثالثة في الستينيات. قد يكون هذا مفاجئًا، لأن الاقتصاد الأمريكي لم يكن يومًا أفضل، وكان هناك شريحة واسعة من الناس، خاصةً البيض، الذين كانوا جزءًا من الطبقة المتوسطة. ولكن بسبب حركة الحقوق المدنية وظهور حركة يسارية متزايدة في المعارضة للحرب الأمريكية في فيتنام، كان الكثير من الناس في الستينيات يقرؤون ماركس بالإضافة إلى منظرين يساريين آخرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الطفرة الرابعة لماركس فهي الآن، منذ أزمة 2008 المالية، واحتلال وول ستريت، وحملات بيرني ساندرز. هناك زيادة في عدد الأشخاص الذين يقرؤون ماركس، ويكتبون كتبًا عنه، ويشاركون في مجموعات قراءة ماركسية، وينزلون محاضرات ديفيد هارفي حول رأس المال. من الصعب معرفة إلى أين ستذهب كل هذه الاهتمامات، ولكن في جميع الأوقات الأخرى التي كان الناس يقرأون فيها ماركس، كانت هناك طريقة معينة ساعدت بها اليسار في تغيير التاريخ.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">هل هناك جوانب من تأثير ماركس على التاريخ الأمريكي تعتقد أنها ستفاجئ القراء؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">قضى ماركس عشر سنوات من حياته يكتب لصحيفة نيويورك تريبيون. في خمسينيات القرن التاسع عشر، كانت هذه هي مصدر دخله الرئيسي، بالإضافة إلى الهدايا من فريدريك إنجلز. ألّف أكثر من خمسمائة مقال لتلك الصحيفة، التي كانت في ذلك الوقت أكثر الصحف قراءة في العالم، مع 200,000 مشترك. كانت التريبيون هي الكتاب المقدس للحركة الجمهورية الناشئة والحزب الجمهوري. كان جميع المناهضين للعبودية قد قرأوا رؤية ماركس حول السياسة الأوروبية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما كتب ماركس بشكل موسع عن الحرب الأهلية. هرب العديد من الأشخاص الذين فروا من أوروبا بعد ثورات 1848 إلى الولايات المتحدة. بينما وصل ماركس إلى لندن، انتهى الأمر بالعديد من أصدقاء ماركس المقربين في جيش الاتحاد. كانوا مناهضين متحمسين للعبودية واعتقدوا أن الاتحاد لن يفوز في الحرب إلا إذا جعل القتال يتعلق بالإلغاء. كان الكثير منهم يقاتلون على الجبهة الغربية على طول نهر المسيسيبي، وقد تواصل ماركس معهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا قرأت كتاباته عن الحرب، تجد أنها دقيقة جدًا. وهي متسقة مع الكثير من الدراسات التاريخية الحديثة، من حيث كونها شديدة المناهضة للعبودية وجذرها في فكرة أن أبراهام لينكولن كان عليه أن يأخذ المعركة إلى الكونفدرالية، وأنه إذا كانت الحرب تتعلق بالإلغاء، فسيفوز الاتحاد بسهولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اكتشفت أن اهتمام ماركس الوثيق بالحرب الأهلية الأمريكية – بحالة العمل العبودي وكيف انضم الأشخاص المستعبدون في الولايات المتحدة إلى جهد الحرب الأهلية – أقنع ماركس تمامًا أن أحد الجوانب الرئيسية للرأسمالية لم يكن فقط أن الربح يأتي من استغلال العامل، ولكن أن الحرية تتطلب أن يكون لدى البشر السيطرة على أجسادهم ووقتهم وعملهم. تشعر من ماركس أن هناك طيفًا من العمل من الحر إلى العبودية، وأن ما كان الجمهوريون يسمونه "العمل الحر" لم يكن العمل العبودي، لكنه لم يكن حرًا تمامًا أيضًا. من أجل أن يكون البشر أحرارًا بالكامل، كان يتعين على الطبقة العاملة الإطاحة بالرأسمالية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الرغم من أن ماركس كان قد فهم منذ زمن طويل أن الرأسمالية تُنزع إنسانية العامل، وعلى الرغم من أن ماركس والعديد من الآخرين في أوروبا والولايات المتحدة قد قارنوا منذ زمن طويل العمل بالأجر بالعمل العبودي، فإن دراسة وثيقة للعبودية في الولايات المتحدة – والأهم من ذلك، إدراك المخاطر التي واجهها الأمريكيون المستعبدون للحرية من ذلك النظام العمالي البغيض – جعلت نظرياتهم تبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استلهم ماركس من العمال المستعبدين الذين، عندما تركوا أدواتهم وهربوا من المزارع إلى خطوط الاتحاد خلال الحرب الأهلية، قاموا بما وصفه و. إي. بي. دو بوا لاحقًا بالإضراب العام. استلهم من المناهضين للعبودية ومحاربي الحرية المناهضين للعبودية الذين حملوا السلاح في الجيش الأمريكي، بما في ذلك العديد من رفاقه السابقين، "الألمان 48"، وكذلك العديد من الذين كانوا مستعبدين سابقًا. استلهم أيضًا من العمال الإنجليز الذين دعموا الاتحاد وقضايا المناهضة للعبودية حتى عندما كان ذلك يهدد مصالحهم، وهو مثال حقيقي على تضامن الطبقة العاملة الدولية. باختصار، ساعدت الحرب الأهلية الأمريكية في تحويل نظرية ماركس حول العمل إلى ممارسة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img decoding="async" class="size-full wp-image-35595 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/9780226537481.jpg" alt="" width="1249" height="1874" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/9780226537481.jpg 1249w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/9780226537481-200x300.jpg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/9780226537481-682x1024.jpg 682w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/9780226537481-768x1152.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/05/9780226537481-1024x1536.jpg 1024w" sizes="(max-width: 1249px) 100vw, 1249px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">أين دخلت الولايات المتحدة أيضًا في تحليل ماركس؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">قرأ ماركس الشاب مجموعة من المذكرات السفرية التي كتبها أوربيون جاءوا إلى الولايات المتحدة. من خلال قراءة تلك المذكرات، جاء ليعتقد أن الاشتراكية ستأتي إلى الولايات المتحدة أولاً، لأنه في الولايات المتحدة، كان جميع الرجال البيض، حتى العمال الفقراء، لديهم حق التصويت. إذا كان للطبقة العاملة القدرة على التصويت، فلماذا لا يصوتون من أجل الاشتراكية، التي ستمكنهم؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الرغم من أن ماركس لم يعارض أبدًا تلك الفرضية الأصلية، إلا أنه كلما درس الولايات المتحدة، أدرك أكثر أن الديمقراطية في الولايات المتحدة كانت محدودة جدًا. بسبب قوة رأس المال، لم تمتد إلى حياة معظم الطبقة العاملة. كانت هذه الفكرة دائمًا تؤثر على عمله: أن الديمقراطية السياسية كانت بورجوازية، بمعنى أنها قدمت غلافًا من الحرية، ولكن حتى يحصل العمال على السيطرة على وقتهم وعملهم، فلن يشعروا أبدًا حقًا بالديمقراطية بالمعنى الكامل للكلمة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">تكتب أن ثلاثة إصدارات متميزة من ماركس ظهرت في السياسة الأمريكية. هل يمكنك أن توضح لنا تلك الإصدارات؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">الإصدار الأكثر تأثيرًا لماركس في السياسة الأمريكية يتمحور حول فكرته أنه لا يمكننا أن نكون أحرارًا ككائنات إنسانية ما لم نكن نتحكم في عملنا. هذه هي الفكرة الأساسية لماركس التي يمكنك رؤيتها في الكثير من كتاباته، ولكن بشكل خاص في الفصل حول يوم العمل في "رأس المال"، الذي نُشر في شكل كتيب وتداول بين الاشتراكيين ونقابات العمل في القرن التاسع عشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هذه الفكرة تؤثر حقًا في حركات العمل الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يمكنك أن ترى هذه الفكرة تعود إلى الظهور في نقاط مختلفة – على سبيل المثال، في الثلاثينيات، خلال الكساد الكبير. كانت هذه أيضًا مفتاحًا لاستقبال ماركس منذ الركود الاقتصادي لعام 2008.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الإصدار الثاني هو ماركس الهجين. منذ الحرب الأهلية، كان هناك العديد من الأمريكيين الذين قرأوا ماركس بإيجابية، كشخص يمكنهم التعلم منه، ولكن غالبًا ما يُنظر إليه من خلال عدسات أخرى: من خلال عدسة مسيحية، والتي كانت دائمًا سائدة للغاية في الولايات المتحدة، أو عدسة نسوية، أو عدسة قومية سوداء، أو عدسة شعبوية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان هناك لحظة في الثلاثينيات عندما كان العديد من الفلاسفة الأمريكيين المعروفين يقرؤون ماركس بشكل مكثف كوسيلة لتحسين العالم من خلال البراغماتية، وهي ربما واحدة من أهم التقاليد الفلسفية الأمريكية. كانت هناك لحظة من السبعينيات فصاعدًا حيث جمع الكثير من الناس بين ماركس والتقاليد الأصلية. الولايات المتحدة بلد كبير ومتنوعة للغاية، وفي كل نقطة تقريبًا، ترى الأمريكيين يحاولون دمج ماركس مع تقاليد سياسية أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الإصدار الثالث هو الأمريكيون الذين يقرؤون ماركس بجدية لأنهم مناهضون لماركس. يفعل الكثير من الناس ذلك: الليبراليون، وبعض الأناركيين، المجتمعيون، ولكن الأكثر انتشارًا، الليبراليون والمحافظون. عندما كانت الهيمنة الليبرالية في ذروتها في أوائل الحرب الباردة، لم تتمكن من العثور على مثقف ليبرالي لم يكن يقرأ ماركس كوسيلة لاختراع تقليد سياسي ليبرالي أمريكي. لم يتمكنوا من اختراع هذا التقليد السياسي الأمريكي دون دحض ماركس، لأن ماركس كان مهمًا جدًا في الخطاب الفكري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ثم كان هناك المحافظون الذين تحدثوا دائمًا عن ماركس بينما لم يقرؤوه دائمًا. بعض المفكرين المحافظين الأكثر جدية أخذوا كتاباته بجدية. الآخرون يستخدمونه فقط كشيطان تقليدي، وهو أمر شائع جدًا في الوقت الحاضر. لكن هؤلاء المحافظين قرأوا وكتبوا عن ماركس ليس لدحض ماركس – كان ذلك نتيجة حتمية بالنسبة لهم – ولكن بدلاً من ذلك لأنهم مهتمون بإظهار أن الليبرالية والماركسية متشابكتان بشكل وثيق، وأن المشكلة في الليبرالية هي قربها من الماركسية.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">هل يمكنك التحدث أكثر عن ماركس ككبش فداء لكل من الأمريكيين الليبراليين والمحافظين؟ كيف يستخدم اليمين فكرة الماركسية الثقافية، على سبيل المثال؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحد الأشياء التي آمل أن يوضحها الكتاب هو أنه لا يوجد شيء جديد هنا. يصنف المؤرخون فترات في التاريخ الأمريكي مناهضة للشيوعية بشكل غير عقلاني على أنها "مخاوف حمراء".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تبعت المخاوف الحمراء الأولى مباشرة، الحرب العالمية الأولى وثورة البلاشفة. خلال تلك الفترة، تم ترحيل الآلاف من الناس – وهو ما يبدو مألوفًا جدًا. قد يكون هؤلاء مهاجرين، لكنهم تم ترحيلهم أيضًا بسبب معتقداتهم السياسية: ارتباطاتهم بالاشتراكية، أو الشيوعية، أو الماركسية، أو الأناركية، وأشهرهم إما غولدمان. تم احتجاز الآلاف الآخرين ووضعهم في السجون. تم إعدام البعض أو إعدامهم من قبل رجال الميليشيات. يخاف الكثير من الناس بحق من لحظتنا السياسية الحالية، لكن هذا ليس جديدًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يسميه المؤرخون "المخاوف الحمراء الثانية" – المكارثية خلال أوائل الحرب الباردة – حدثت على نطاق أوسع. فقد خسر عشرات، وربما مئات الآلاف من الناس وظائفهم. ذهب الكثير من الناس إلى السجن إذا كان هناك أي فكرة أنهم كانوا يومًا أعضاء في الحزب الشيوعي أو مرتبطين بالشيوعية. فقد الآلاف من الموظفين الفيدراليين وظائفهم لأنهم كانوا مثليين، لأنه في ذلك الوقت لم يكن يمكنك أن تكون خارج الخزانة ولديك وظيفة. لذلك كان البيروقراطيون الصغار الذين يعملون في الحكومة الفيدرالية ينظرون إلى شخص ما ويقولون: "هذا هدف رئيسي للابتزاز". كان ماركس دائمًا مرتبطًا بهذه المخاوف الحمراء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كل نقطة تقريبًا، ترى الأمريكيين يحاولون دمج ماركس مع تقاليد سياسية أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نحن نعيش في شيء مشابه الآن. في العشرين عامًا الماضية، كل ما يكرهه اليمين، مثل نظرية العرق النقدي، يُصنف على أنه ماركسي، على الرغم من أنه ليس ماركسيًا. يُصنف الصفقة الجديدة الخضراء على أنها ماركسية، على الرغم من أنها مشروع اجتماعي ديمقراطي أساسًا. تستمر القائمة، وقد أصبح الأمر سيئًا إلى حد أن ترامب نفسه يتحدث باستمرار عن الماركسيين. يتحدث عن البيروقراطيين الماركسيين في الجامعات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هناك افتراض واسع النطاق بين اليمين بأن كونك ماركسيًا يعني أنك ضد أمريكا. يمكن أن يؤدي ذلك إلى أشكال مختلفة من القمع السياسي ضد ليس فقط الماركسيين، ولكن أي شخص يمكن تصنيفه بهذه الطريقة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">تكتب أننا حاليًا في "طفرة ماركس". ماذا يعني ذلك؟ هل هناك دروس محددة من ماركس أو ماركسيين آخرين قد تكون مفيدة؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا سؤال المليار دولار. حوالي الوقت الذي حدث فيه احتلال وول ستريت، كان هناك الكثير من الشباب الذين طوروا ما كان يعرف بالاشتراكية الميلينية – بما في ذلك الأشخاص الذين أنشأوا مجلة جاكوبين – الذين أعادوا اهتمامهم بكيفية تفسير ماركس للعالم الحالي ومساعدتنا على تجاوز الجحيم النيوليبرالي والانتقال إلى شيء أفضل. جاءت بعض تلك السياسات من حملة بيرني ساندرز.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هناك اهتمام مستمر بمؤلفات ماركس. لقد قرأت على الأرجح خمسة عشر كتابًا نُشرت مؤخرًا عن ماركس في العقد الماضي، وإذا كان هناك موضوع في هذه الكتب، فهو موضوع الحرية. نحن نعود إلى تلك الفكرة الأساسية لماركس في الولايات المتحدة، عائدين إلى الحرب الأهلية، وهي أن العمل من أجل العيش في الرأسمالية المعاصرة – التي ليست بعيدة عن الرأسمالية في أواخر القرن التاسع عشر – هو وجود مُنفصل، مُستغل بشكل عميق لمعظم الناس. ويبدو أن الأمر يزداد سوءًا. من الصعب جدًا الادعاء أننا أناس أحرار، أننا ننجح، وأننا نعيش وفق كامل إمكاناتنا في هذا السياق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد لجأ الكثير من الناس إلى ماركس لفهم ما هو في الرأسمالية الذي يجعلنا غير أحرار. والإجابة التي أثبتت جدواها في السؤال إلى أين ننطلق من هنا: هي تنظيم العمل. أخيرًا، تشكل اتحاد أعضاء هيئة التدريس الخاص بي منذ عامين، ولدينا عقد، ولدينا الكثير من القوة والاستقلالية على حياتنا العملية الآن بفضل ذلك. هذه هي مجرد نقطة انطلاق. يجب على الملايين من الناس العثور على هذه النقاط الانطلاق التي يمكنهم العمل منها.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35594">إرث كارل ماركس في الولايات المتحدة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ما زلنا نتعلم من روزا لوكسمبورغ (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35245</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 08 Apr 2025 12:16:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35245</guid>

					<description><![CDATA[<p>مراجعة لكتاب "روزا لوكسمبورغ: الشرارة الحارقة" لمايكل لووي</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35245">ما زلنا نتعلم من روزا لوكسمبورغ (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">كتبها </span><span style="font-weight: 400;">بيتر هوديس ونشرت في "</span></span><a href="https://jacobin.com/2025/03/rosa-luxemburg-marxism-lowy-review" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">جاكوببن</span></a><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">" في ٣١/٣/٢٠٢٥.</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل يُمكننا أن نُحفّز على تغيير العالم في حين لا يوجد ما يضمن نجاح جهودنا؟ كيف يُمكننا حشد الطاقة والوقت والالتزام اللازمين لعكس آثار الرأسمالية والإمبريالية في وقتٍ لم يسبق أن بدت فيه قوتها أكثر انتشارًا وتدميرًا؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بينما نتأمل هذه الأسئلة في مواجهة واحدة من أكثر الفترات تراجعًا في التاريخ السياسي الحديث، قلّما نجد مفكرين يُخاطبونها مباشرةً أكثر من روزا لوكسمبورغ، الثورية البولندية اليهودية التي تُعتبر على نطاق واسع أبرز مُنظّرة وشخصية سياسية في التراث الماركسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُسلّط مجموعة جديدة من عشر مقالات عن لوكسمبورغ، بقلم مايكل لوي، الضوء على مساهماتها المُتعددة الأوجه كمُنظّرة سياسية واقتصادية وناشطة ثورية. وقلّة من الماركسيين المعاصرين مُؤهّلون لهذه المهمة بشكل أفضل - فقد انخرط لوي في أعمالها من زوايا مُتنوّعة لأكثر من ستة عقود.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">رهان لوكسمبورغ الثوري</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُمثل هذا الكتاب ("روزا لوكسمبورغ: الشرارة الحارقة" لمايكل لووي، دار هاي ماركت، ٢٠٢٤) مساهمة مميزة في الأدبيات المتنامية التي تناولت لوكسمبورغ وكتبت عنها، مؤكدًا أنها قدمت "مساهمة فريدة وقيّمة في نظرية التاريخ والفلسفة السياسية ونظرية المعرفة الماركسية". ويرجع ذلك إلى كونها أول ماركسية من مرحلة ما بعد ماركس تُنكر صراحةً أن الاشتراكية نتيجة حتمية للضرورة التاريخية. وقد عبّرت لوكسمبورغ عن وجهة النظر هذه على نحوٍ مشهور في "أزمة الديمقراطية الاجتماعية" عام ١٩١٥ (المعروف أيضًا باسم كُتيّب جونيوس)، مُعلنةً أن الخيار الذي يواجه البشرية هو "الاشتراكية أو البربرية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بتأكيدها أن المشروع الثوري أشبه بمراهنة وليس نتيجة مُحددة مسبقًا، انفصلت لوكسمبورغ عن الحتمية الاقتصادية والتطورية أحادية الخطية اللتين ميّزتا الماركسية في عصرها. ورأت أن الثورة الاجتماعية تنطوي على "اختيار بين إمكانيات موضوعية متنوعة تعتمد على الوعي والإرادة وأفعال البشر". ويرى لوي أن هذا يُشكّل تحديًا لـ"النسخة الاشتراكية من أيديولوجية التقدم الحتمي التي سادت الفكر الغربي منذ عصر التنوير". ويُجادل بأن موقف لوكسمبورغ مثّل مساهمة أصيلة في الديالكتيك الماركسي، على الرغم من أنها لم تُعنَ قط بدراسة الفلسفة دراسةً منهجية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُقرّ لوي بأنه على الرغم من أن لوكسمبورغ "تتمتع بميزة كونها من القلائل في الحركات العمالية والاشتراكية الذين تحدوا أيديولوجية التقدم"، إلا أنها في الفترة التي سبقت عام ١٩١٥، أيدت أيضًا فكرة أن الرأسمالية ستُفسح المجال "لا محالة" للاشتراكية بسبب تناقضاتها الموضوعية. وكانت هناك أسباب قوية لذلك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اعتبر الماركسيون آنذاك "فوضى السوق" مبدأً مُحددًا للرأسمالية، واعتبروا الاشتراكية التوزيع العقلاني للسلع والخدمات في اقتصاد مُخطط اجتماعيًا. واعتقدوا أن القوانين الجوهرية للإنتاج الرأسمالي تُعزز مركزية رأس المال في أيدي أقل فأقل، وبالتالي فإن مسار الرأسمالية نفسه يُوفر الأساس المادي للتغلب على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وفوضى السوق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعلاوة على ذلك، بما أن تركيز رأس المال ومركزيته يُعززان تأميم العمل، حيث تُجمع أعداد هائلة من العمال في إنتاج تعاوني، فإن قوانين حركة رأس المال نفسها تُولد نفيًا جدليًا له - مقاومة البروليتاريا المُحرومة. وقد رأى كلٌ من الماركسيين الإصلاحيين والثوريين، بدرجة أو بأخرى، أن التاريخ يسير حتمًا في اتجاه اشتراكي. وكان النقاش يدور حول أفضل السبل لتنظيم البروليتاريا للاستيلاء على السلطة بمجرد أن تبلغ التناقضات الجوهرية للرأسمالية مرحلة النضج.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الثنائية الزائفة</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما يوضح لوي، تمسّكت لوكسمبورغ بهذا المنظور بشدة قبل عام ١٩١٥. وقد أكّدت أعمالها المبكرة، مثل "الإصلاح أو الثورة"، الرأي القائل بأن "فوضى النظام الرأسمالي تؤدي حتمًا إلى دماره". وكثيرًا ما أشارت إلى الديمقراطية الاجتماعية على أنها "محفّز" يُعجّل بظهور الاشتراكية، التي فرضتها الضرورة التاريخية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان لديها مبررٌ لذلك، إذ إن موضوع نقدها في كتاب "الإصلاح أم الثورة" - أفكار إدوارد برنشتاين "التنقيحية" - رأى أن الرأسمالية قد تغلبت على ميلها إلى الأزمات المتوطنة. ويرى برنشتاين أن هذا يعني أن قضية الاشتراكية تعتمد على واجب كانطي أو خيار أخلاقي. وقد هدد هذا باختزال الاشتراكية إلى مجرد أمنية ذاتية أو طوباوية، كما كان الحال بالنسبة للراديكاليين قبل كارل ماركس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُظهر لوي، مُحقًا، أن لوكسمبورغ لم تقبل قط الثنائية الزائفة القائلة بأن الاشتراكية إما نتاجٌ حتمي لتطور تاريخي مُحدد اقتصاديًا أو خيارٌ أخلاقي. وذلك لأنها شدّدت على "الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تُحدد، في نهاية المطاف... الاشتراكية كإمكانية موضوعية". ومن بين هذه الظروف الوعي الطبقي للبروليتاريا. في تأكيدها على أهمية هذا الأخير، تجاوزت كتابات لوكسمبورغ قبل عام ١٩١٥ الحتمية الجامدة التي سادت لدى العديد من الماركسيين في ذلك الوقت، مع أنها ظلت متمسكة برؤية المستقبل الاشتراكي كضرورة موضوعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجلى هذا بشكل خاص في كتاباتها عن الثورة الروسية عام ١٩٠٥، وجميعها متاحة الآن في المجلدين الثالث والرابع من أعمالها الكاملة. وكما كتبت عام ١٩٠٦:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُمزق أوقات الثورة قفص "الشرعية" كما يُشق بخار مكبوت غلايته، تاركةً الصراع الطبقي ينفجر في العلن، عاريًا وغير مُقيّد... يبرز الوعي والسلطة السياسية [للبروليتاريا] أثناء الثورة دون أن تُشوّههما "قوانين" المجتمع البرجوازي، أو تُقيّدهما، أو تُقهرهما.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مؤتمر حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام ١٩٠٧، في وقتٍ بدت فيه الثورة متجهةً نحو الهزيمة، طرحت الحجة التالية:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أجد أن قائدًا ضعيفًا وجيشًا بائسًا لا يخوض المعركة إلا بعد أن يكون النصر مضمونًا. على العكس من ذلك، لا أقصد أن أعد البروليتاريا الروسية بسلسلة من الانتصارات المؤكدة فحسب؛ بل أعتقد، بالأحرى، أنه إذا استمرت الطبقة العاملة، وفيةً لواجبها التاريخي، في النمو وتنفيذ تكتيكاتها النضالية بما يتوافق مع التناقضات المتفاقمة وآفاق الثورة المتنامية، فقد ينتهي بها الأمر في ظروف معقدة وصعبة للغاية... لكنني أعتقد أن البروليتاريا الروسية يجب أن تتحلى بالشجاعة والعزيمة لمواجهة كل ما تُعدّه لها التطورات التاريخية، وأن عليها، إذا اضطرت لذلك، حتى لو كلّفها ذلك تضحيات، أن تلعب دور الطليعة في هذه الثورة في مواجهة جيش البروليتاريا العالمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت فكرة أن البروليتاريا الروسية في روسيا "المتخلفة" اقتصاديًا ستكون بمثابة القوة الطليعية للحركة العمالية الألمانية (بل وأوروبا الغربية أيضًا) محورية في أحد أهم أعمالها، "الإضراب الجماهيري، الحزب السياسي، والنقابات العمالية". وبينما أيد كارل كاوتسكي نهجها في البداية، إلا أنهما افترقا بحلول عام ١٩١٠، عندما قرر أن خطر فقدان الأصوات في انتخابات الرايخستاغ القادمة يعني وجوب تأجيل دعوة لوكسمبورغ لتوسيع نطاق الإضراب الجماهيري من روسيا إلى ألمانيا.</span></p>
<p><img decoding="async" class="size-full wp-image-35248 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL.jpg" alt="" width="1706" height="2560" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL.jpg 1706w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL-200x300.jpg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL-682x1024.jpg 682w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL-768x1152.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL-1024x1536.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/71fET0S0mzL-1365x2048.jpg 1365w" sizes="(max-width: 1706px) 100vw, 1706px" /></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الاشتراكية أم البربرية</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرى لوي أن انفصالها عن كاوتسكي مؤشر على أنه "إذا قبل المرء فرضية كاوتسكي القائلة بحتمية الاشتراكية، فمن الصعب الهروب من منطق سياسي "مُنتظر" وسلبي". يُعرّف لوي "رؤية كاوتسكي للعالم برمتها بأنها نتاج اندماج ناجح باهر بين ميتافيزيقا التقدم التنويرية، والتطورية الداروينية الاجتماعية، والحتمية الماركسية الأرثوذكسية الزائفة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، يرى لوي أن "القطيعة المنهجية الحاسمة بين روزا لوكسمبورغ وكاوتسكي لم تظهر إلا عام ١٩١٥، من خلال عبارة "الاشتراكية أو البربرية". شهدت لوكسمبورغ أزمة فكرية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى واستسلام الأممية الثانية للبرجوازية الوطنية. ويشير لوي إلى أن "قدريتها المتفائلة" قد "اهتزت بوضوح بانهيار الأممية الثانية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكما ذكرت لوكسمبورغ في "كُتيّب جونيوس":</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال فريدريك إنجلز ذات مرة: "يقف المجتمع البرجوازي عند مفترق طرق، إما الانتقال إلى الاشتراكية أو الانحدار إلى البربرية". حتى الآن، ربما قرأنا جميعًا هذه الكلمات وكررناها دون تفكير، دون أن نشك في جديتها المرعبة... واليوم، نواجه الخيار تمامًا كما تنبأ به فريدريك إنجلز قبل جيل: إما انتصار الإمبريالية وانهيار الحضارة بأكملها... أو انتصار الاشتراكية، أي النضال النشط الواعي للبروليتاريا العالمية ضد الإمبريالية وأسلوبها في الحرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لسنوات عديدة، بحث قراء لوكسمبورغ عن مصدر عبارة إنجلز "الاشتراكية أو البربرية" (لم تقدم واحدة بنفسها). يعتقد لوي أن مصدرها هو كتاب إنجلز "ضد دوهرينغ"، الذي يحتوي على السطر التالي: "إذا لم يكن للمجتمع الحديث بأكمله أن يهلك، فيجب أن تحدث ثورة في أسلوب الإنتاج والتوزيع". ومع ذلك، فإن هذا المقطع لا يذكر في الواقع خيارًا بين "الاشتراكية أو البربرية" بشكل مباشر. يشير لوي إلى أنه على الرغم من أن إنجلز ربما ألهم لوكسمبورغ، إلا أنها كانت أول من أخذ المفهوم على محمل الجد بدلاً من استخدامه كأسلوب خطابي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بفضل عمل إيان أنجوس، نعلم الآن أن العبارة ليست من إنجلز إطلاقًا. إنها مقتبسة من تعليق كاوتسكي على برنامج إرفورت (1892)، الذي أصبح أحد أكثر النصوص قراءةً في الحركة الاشتراكية آنذاك:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لو كان الكومنولث الاشتراكي مستحيلًا بالفعل، لكانت البشرية قد انقطعت عن أي تطور اقتصادي مستقبلي... في الوضع الراهن، لا يمكن للحضارة الرأسمالية أن تستمر؛ علينا إما التقدم نحو الاشتراكية أو العودة إلى البربرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بما أن لوكسمبورغ كتبت "كُتيّب جونيوس" من السجن، فمن المفهوم أن ذاكرتها لم تُسعفها في تذكر المصدر. ولكن ليس من غير المهم أنها تُشير إليه على أنه "ما قرأناه جميعًا وكررناه على الأرجح".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان الأمر كذلك، كما يشير أنجوس، بأن "المفاهيم والصيغ في كتاب كاوتسكي أصبحت شائعة في الأوساط الاشتراكية"، فإلى أي مدى مثّل استحضار لوكسمبورغ لـ"الاشتراكية أو البربرية" قطيعةً حقيقيةً مع العقيدة التقليدية؟ بما أن كاوتسكي كان أول من استخدم هذه العبارة، وكان (وفقًا للوفي) رائدَ "الحتمية الماركسية الأرثوذكسية الزائفة"، ألا يعني ذلك أنه يمكن للمرء أن يعلن الاختيار بين "الاشتراكية أو البربرية" دون أن يقطع كليًا مع الحتمية التاريخية أو الاقتصادية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما يلاحظ لوي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفقًا لها، يُجسّد نضال الشعوب الأصلية ضدّ العاصمة الإمبريالية ببراعة مقاومة التقاليد الشيوعية القديمة العنيدة للسعي الحثيث وراء الأرباح الذي فرضته "الأورَبة" بوحشية... وبالقراءة بين السطور، يُمكن للمرء أن يتبيّن هنا فكرة التحالف بين نضال الشعوب المُستعمَرة ضدّ الاستعمار ونضال البروليتاريا الحديثة ضدّ الرأسمالية، كتقارب ثوري بين الشيوعية القديمة والجديدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويؤكّد ذلك أيضًا اكتشافٌ تمّ بعد فترة وجيزة من نشر كتاب لوي: عددٌ كبيرٌ من مقالات لوكسمبورغ تدعم النضالات ضدّ الاستعمار في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. نُشرت هذه المقالات بشكلٍ مجهول عام ١٩٠٤ في صحيفةٍ ناطقةٍ بالبولندية كانت تُحرّرها في بوزنان، وهي منطقةٌ ذات أغلبيةٍ ناطقةٍ بالبولندية، ضُمّت إلى الإمبراطورية الألمانية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في حين أنه من المعروف منذ زمن طويل أن لوكسمبورغ هاجمت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا ضد شعبي ناما وهيريرو في جنوب غرب أفريقيا في كتابي "تراكم رأس المال" و"كتيب جونيوس"، إلا أنه لم يُكتشف إلا مؤخرًا أن كل عدد تقريبًا من صحيفة "غازيتا لودوا" بين يناير ويونيو 1904 احتوى على مقالات لها تدعم ثورة ناما وهيريرو المستمرة ضد الإمبريالية الألمانية، والثورات في ملاوي والكونغو وجنوب أفريقيا. يبلغ حجم المواد المتعلقة بأفريقيا حوالي خمس وسبعين صفحة. من الواضح أن لوكسمبورغ أرادت أن يعرف البروليتاري البولندي ما كان يحدث في أفريقيا، وأن يتضامن مع ضحايا الاستعمار الألماني.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">ماركس ولوكسمبورغ</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان هذا المنظور جزءًا لا يتجزأ من دراسات لوكسمبورغ للمساهمات الإيجابية للأشكال غير المُسلَّعة والجماعية الموجودة في العديد من مجتمعات ما قبل الرأسمالية، وكذلك في مجتمعات عصرها. يشير لوي إلى تركيزها على "صمود" التشكيلات الجماعية ما قبل الرأسمالية باعتباره "قطيعة مع التطور الخطي، والتقدمية الوضعية، وجميع التفسيرات "التحديثية" المبتذلة للماركسية التي سادت في عصرها". ويرى أنها تجاوزت ماركس في هذا الصدد، إذ ركّزت على العواقب الوخيمة للاستعمار البريطاني للهند أكثر مما فعل ماركس في كتاباته في أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر، التي أشادت بتوجهاته التحديثية. لم تكن لوكسمبورغ على دراية بكتابات ماركس في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر حول العالم غير الغربي، ولذلك لم تكن على دراية بأنه قد انفصل خلال هذه المرحلة من تفكيره عن التطورية الأحادية الخطية التي ميزت البيان الشيوعي وكتاباته عن الهند في خمسينيات القرن التاسع عشر. درست لوكسمبورغ بعضًا من نفس كُتّاب ماركس في بحثها عن المجتمعات غير الغربية (مثل لويس مورغان، والسير هنري سومنر ماين، وماكسيم كوفاليفسكي)، لكنها توصلت إلى استنتاجات مختلفة عن ماركس من قراءتها لهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على سبيل المثال، رأت أن المجتمع الهندي كان إقطاعيًا، وهو ما أنكره ماركس على أساس أنه من الخطأ فرض التصنيفات الأوروبية على سياق غير أوروبي. وبينما شدّدت ماركس على استمرار التشكيلات الجماعية الأصلية في وجه التدخل الاستعماري، أصرت على أن للرأسمالية تأثيرًا مدمرًا فوريًا: "إن المواجهة قاتلة للمجتمع القديم في كل مكان ودون استثناء... إذ تُمزّق جميع الروابط التقليدية وتُحوّل المجتمع في فترة وجيزة إلى كومة من الأنقاض بلا شكل".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يذكر ماركس في رسائله إلى فيرا زاسوليتش ​​عام ١٨٨١ ومقدمته للطبعة الروسية من البيان الشيوعي عام ١٨٨٢ أن الأشكال الجماعية الروسية للعمل وامتلاك الأرض، مثل "المير" و"الأوبشينا"، يمكن أن تُشكّل أساسًا للانتقال إلى الشيوعية التي تتجاوز مرحلة التطور الرأسمالية. وكما يشير لوي، "فيما يتعلق بموضوع الكوميونة الريفية الروسية، فإن وجهة نظر لوكسمبورغ أكثر انتقادًا من ماركس بكثير".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من المؤكد أن لوكسمبورغ كانت على دراية بمقدمة ماركس عام ١٨٨٢، إلا أنها لم تذكرها قط. ظلت لوكسمبورغ حتى نهاية حياتها تعتقد أن روسيا بحاجة إلى فترة طويلة من التطور الرأسمالي قبل أن تصل إلى الاشتراكية. وحتى أبريل/نيسان ١٩١٧، في الوقت الذي طرح فيه فلاديمير لينين منظورًا مختلفًا تمامًا في أطروحاته، عرضت لوكسمبورغ وجهة النظر التالية:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا، هزمت الثورة الروسية اليوم الاستبداد البيروقراطي من أول محاولة. إلا أن هذا النصر ليس النهاية، بل مجرد بداية ضعيفة... فالطاقة الثورية التي استيقظت للبروليتاريا الروسية، بمنطق تاريخي لا مفر منه، يجب أن تستعيد مسار العمل الديمقراطي والاجتماعي الجذري، وتستأنف برنامج عام ١٩٠٥: جمهورية ديمقراطية، ويوم عمل من ثماني ساعات، ومصادرة ممتلكات كبيرة، إلخ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الواقع، لم تُشر لوكسمبورغ في أي مكان إلى أن مجتمعًا ما قبل الرأسمالية يمكن أن يحقق انتقالًا إلى الاشتراكية دون المرور بمرحلة التطور الرأسمالية. وبهذا المعنى، تمسكت بجوانب من التقدمية التطورية والحداثية أحادية الخط التي ميزت الماركسية في عصرها.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لوكسمبورغ والتنظيم</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُقدم لوي ادعاءً مُثيراً للاهتمام بأن وجهة نظر لوكسمبورغ "للعامل الذاتي والإرادة والوعي في كُتيّب جونيوس أدّت إلى تقارب حقيقي بينها وبين لينين حول مسألة التنظيم بعد عام ١٩١٥، عملياً ونظرياً". ويُرجع اختلافاتهما السابقة إلى "سوء فهم لوكسمبورغ للنظرية اللينينية للحزب"، إذ كانت تعتقد في الفترة التي سبقت عام ١٩١٤ أن "سقوط الرأسمالية أمرٌ حتمي وأن انتصار البروليتاريا سيكون لا يُقاوم".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه الحجة مُشكوكٌ فيها لسببين. أولاً، بالإضافة إلى عملها في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD)، كانت لوكسمبورغ زعيمةً لحزبين شديدي الانضباط، هما الحزب الاشتراكي الديمقراطي في مملكة بولندا (من ١٨٩٣ إلى ١٩٠٠)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي في مملكة بولندا وليتوانيا (SDKPiL) (من ١٩٠٠ إلى ١٩١٩)؛ وقد سعت المجموعة الأخيرة إلى الانضمام إلى حزب لينين في عام 1903. ومن ثم، فمن الصعب اتهامها بالتقليل من شأن العامل الذاتي للإرادة والوعي قبل عام 1915.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ثانيًا، بما أن لوي يُصرّ على أن لوكسمبورغ كانت أول من انفصل عن فكرة حتمية الاشتراكية عام ١٩١٥، فكيف كان بإمكانها أن تُحقق "تقاربًا حقيقيًا" مع مفهوم لينين للتنظيم؟ وفقًا لمنطق لوي نفسه، صاغ الزعيم البلشفي هذا المفهوم عام ١٩٠٣ في وقتٍ كان مُتمسكًا فيه بفكرة حتمية الاشتراكية. لم تكن لوكسمبورغ بحاجة إلى لينين لتُدرك أن هناك حاجةً إلى منظمة منضبطة، استباقية، وتدخلية لتوجيه النضالات الجماهيرية - فقد كانت هذه النقطة مُسلّمًا بها داخل الحركات الراديكالية في ذلك الوقت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا لا يعني أن لوي لا يُنتقد لينين. فهو يُؤكّد على اختلافات لوكسمبورغ الحادة مع لينين وليون تروتسكي بشأن قمعهما للديمقراطية عقب ثورة ١٩١٧. ويصف انتقادها لقمعهما لحرية الصحافة وتكوين الجمعيات والتجمع بأنه نبوئي... بدون الحريات الديمقراطية، يستحيل الممارسة الثورية للجماهير، والتثقيف الذاتي الشعبي من خلال التجربة، وتحرير المضطهدين ذاتيًا، وممارسة الطبقة العاملة للسلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويخلص إلى أن قادة البلاشفة "ساهموا قسرًا في خلق المسخ الذي كان سيدمرهم". من الواضح أن احتكار حزب واحد لسلطة الدولة (الذي حظر حتى الفصائل الداخلية بحلول عام ١٩٢١) كان له دور كبير في ذلك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه هي القضية الحاسمة، إذ يصبح خيار "الاشتراكية أو البربرية" أكثر إثارة للخوف إذا كان الجهد المبذول لإنشاء الاشتراكية قادرًا على توليد نوع من البربرية، كما فعلت العديد من ثورات القرن العشرين. إن إرث الثورات العديدة المجهضة وغير المكتملة في القرن الماضي يجعل من الضروري إعادة التفكير في مسألة التنظيم، بدلاً من الاعتماد على مفاهيم تنظيمية تنتمي إلى حقبة مختلفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت لوكسمبورغ، بطبيعة الحال، منخرطة بعمق في مثل هذه الأمور. لم تُقلّل من أهمية التنظيم باسم العفوية. ويتجلى ذلك بوضوح من عملها الدؤوب لصالح الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ومن دورها كزعيمة لأحزاب مثل الحزب الديمقراطي الاجتماعي-الليبرالي (SDKPiL) في بولندا. كان هذا الأخير، في بعض النواحي، أكثر "لينينية" ومركزية من حزب لينين، ولكن هذا لم يكن لمعارضتها للأشكال الديمقراطية للتنظيم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بل، على غرار البلاشفة، كان على حزبها العمل في ظل دولة قيصرية استبدادية، مما استلزم العمل غير القانوني، والنشاط السري، والهياكل المركزية. ومع ذلك، لم تُعتبر هذا الشكل من التنظيم نموذجًا عالميًا يُمكن تطبيقه على الديمقراطيات البرجوازية الغربية التي سادت فيها ظروف مختلفة تمامًا. كما لم تفترض أن هذا الشكل سيكون مناسبًا عند الوصول إلى السلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا تزال مشكلة التنظيم غير مُكتملة في التراث الماركسي، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى أن المهمة الأوسع المتمثلة في إعادة التفكير في معنى الاشتراكية في عصرنا الحالي لا تزال غير مُكتملة أيضًا. نأمل أن تُساعدنا هذه المجموعة المميزة من المقالات لمفكرٍ بارز في إعادة التفكير اللازمة لإيجاد مخرج من التناقضات الحالية التي نجد أنفسنا فيها.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35245">ما زلنا نتعلم من روزا لوكسمبورغ (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>كيف تقدمت أفكار ماركس حيال الدين؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34594</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أحمد علي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 10 Jan 2025 10:51:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ماركس]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34594</guid>

					<description><![CDATA[<p>واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل عبر التاريخ هي مسألة موقف النظرية الماركسية من الدين، ولذلك ربما يكون من المفيد تتبع تطوّر الموقف نظريّاً عبر المؤلفات التي شكّلت بمجملها الأساس الصلب للنظرية الماركسية على يد كارل ماركس وشريك رحلته فريديريك إنجلز. في البداية، لا بُدّ من القول إن موقف كارل ماركس من الدّين في انطلاقته [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34594">كيف تقدمت أفكار ماركس حيال الدين؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل عبر التاريخ هي مسألة موقف النظرية الماركسية من الدين، ولذلك ربما يكون من المفيد تتبع تطوّر الموقف نظريّاً عبر المؤلفات التي شكّلت بمجملها الأساس الصلب للنظرية الماركسية على يد كارل ماركس وشريك رحلته فريديريك إنجلز.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في البداية، لا بُدّ من القول إن موقف كارل ماركس من الدّين في انطلاقته الأولى جاء امتداداً لموقف فلاسفة عصر التنوير والتيارات الفلسفية المدافعة عن الإنسان، والتي عمرت أوروبا خلال القرنين الثامن والتاسع عشر بما أنتجته من مفاهيم أطاحت من خلالها كلّ القصور الميتافيزيقية واللاهوتية حول المجتمع والإنسان، وذلك رغم مثاليتها وعدم قدرتها على قراءة وتحليل التاريخ والمجتمع بشكل موضوعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اعتمد ماركس الشاب في بداياته فلسفة عصر التنوير في فهمه للإنسان والدين، وكانت تلك الفلسفة هي المسيطرة في عصره، وبموازاة ذلك استند إلى الفلسفة الكلاسيكية الألمانية كحقل فلسفي مباشر في تحليل تناقضات الإنسان والحياة الاجتماعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولهذا كان من الطبيعي أن تكون مشكلة الدين «أساسية» لدى ماركس الشاب في بدايات رحلته البحثية والمعرفية، وذلك لكونها كانت المعزوفة اليتيمة والصاخبة لليسار الهيغلي، الذي اختزل كل مشاكل الفلسفة وهموم العالم في مشكلة الدين. وكان الاعتقاد السائد لدى اليسار الهيغلي أن تحرير الوعي من الأوهام كافٍ لتحرير الفرد والمجتمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في أطروحته «الفرق في فلسفة الطبيعة عند ديمقريط وأبيقور» انتقد ماركس الدين، وعالجه من منطلق وعي الذات، وقيمة العقل الإنساني، وممّا جاء في هذه الأطروحة: «في بلاد العقل يتوقف وجود الإله» و «الله كائن لأن الفكر ليس إلهاً». بمعنى آخر؛ فقد أشرع ماركس الشاب سيف العقل في وجه الدين على أساس حرية الوعي وحرية العقل وباسم الإنسان الذي يجب أن يحكم نفسه وعالمه دون تدخل خارجي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكذلك كان لأسس لودفيغ فيورباخ النظرية، وخصوصاً بعد نشر كتابه الشهير «جوهر المسيحية» تأثيراتها على ماركس. يقول ماركس في مخطوطات 1844: «منذ فينومينولوجيا ومنطق هيجل، فإن كتابات فيورباخ هي الوحيدة التي تضمنت ثورة نظرية حقيقية» وجاء كلامه هذا بعد صدور «جوهر المسيحية» بثلاث سنوات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان اهتمام فيورباخ يقتصر إلى حد كبير على مسألة الاغتراب الديني، وكون الأمر كذلك، شيئاً فشيئاً خرج ماركس من عباءة فيورباخ وأخذ منه مقولة الاغتراب، وحاول رصدها في جميع مجالات المجتمع المدني والسياسي. وربما يمكن القول إن كتابات فيورباخ شكّلت النهاية الفعلية للفلسفة الهيجلية لدى ماركس، وكانت بمثابة جسر انتقل من خلاله ماركس من الفلسفة الكلاسيكية الألمانية إلى الفلسفة التي بدأ هو ببنائها والتي دُعيت فيما بعد بالفلسفة الماركسية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في خطواته اللاحقة وتحديداً منذ العام 1845 ركّز ماركس في نقده للدين على الشروط الاجتماعية والتاريخية، وفي كتابه «نقد فلسفة الحق عند هيجل» - باستثناء المقدمة، لم ينشر الكتاب أثناء حياة ماركس- يقول ماركس في هذا الكتاب عبارته الشهيرة التي كثيراً ما استخدمت بشكل مجتزئ وضمن سياقات غير دقيقة: «الدين هو زفرة المخلوق المعذّب، وروح عالم بلا قلب، إنه فكر عالم يفتقر إلى الفكر، إنّه أفيون الشعوب».. وما قصده ماركس في عبارته هذه ليس الهجوم على الدين من حيث هو دين، بل على الشروط الاجتماعية البائسة التي تنتج الأيديولوجيا الدينية التي تبرر الواقع الموجود، وتدجّن الإنسان في قدرية مهلكة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">النقلة النوعية عند ماركس، تجلّت في كتابه «الأيديولوجية الألمانية». بالعودة إلى الكتاب، نجد أن ماركس قد افتتح صفحاته الأولى بنقد فيورباخ ومفهومه المثالي حول الدين؛ المفهوم الذي بني على أساس أن الدين يجعل الإنسان غريباً عن نفسه. وقدّم ماركس خلال هذا الكتاب مفاهيمه الأكثر نضجاً حول الدّين، والتي أوضحت بأن الدّين انعكاس للواقع الأرضي بتناقضاته الاجتماعية، وأن الإنسان كائن اجتماعي وليس «جوهراً أبدياً»، وأنه ليس هناك جوهر ديني لدى الإنسان، أي بمعنى آخر: ليس هناك «شعور ديني» ملازم للإنسان منذ ولادته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابه «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» يقول ماركس: «في الإنتاج الاجتماعي لوجودهم، يدخل البشر في علاقات محددة، ضرورية، ومستقلة عن إرادتهم، علاقات إنتاج تتطابق مع درجة تطور محددة لقواهم المنتجة المادية. وتشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس المشخّص الذي يقوم عليه البنيان الفوقي الحقوقي والسياسي الذي توافقه أشكال وعي اجتماعي محددة».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع هذا الكتاب، بدأ يكتسب مفهوم الدين عند ماركس -بالإضافة للمفاهيم الأخرى- أساسه النظري المادي والعلمي، واتضح من خلاله أن المفهوم المادي للتاريخ لا يرى في الدين كياناً مستقلاً، بل انعكاساً بدرجات متفاوتة للبنيان الاقتصادي للمجتمع، وأن الدين والفكر هما إنتاج اجتماعي يختلف شكله مع تطور الصراع الطبقي ونمط الإنتاج السائد، ولذلك نجد أن نقد الدين الذي أخذ مساحة كبيرة في كتابات ماركس الأولى أخذ بالتراجع مع بداية بزوغ نظرية ماركس العلمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الحقيقة؛ لم يترك مؤسسو النظرية الماركسية نظرية كاملة ومتكاملة حول الدين، بل جملة مقالات وإشارات، وبعد مرحلة الشباب لم يعطِ ماركس إلّا جُملاً عَرضية حول الدين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى هنا يمكن القول إن الأطروحة الرئيسية للماركسية في مجال الدين هي أن الدين ليس تعبيراً عن جوهر الإنسان، بل إفراز اجتماعي لشروط تاريخية؛ يأتي من التاريخ والمجتمع، ينمو ويتطور ويتغير، ويتلاشى في مسار العملية التاريخية.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34594">كيف تقدمت أفكار ماركس حيال الدين؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تيري إيغلتون عن فريدريك جيمسون: ما ينطوي عليه الموضوع من إثارة (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/33828</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 19 Nov 2024 08:24:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[تيري إيغلتون]]></category>
		<category><![CDATA[فريدريك جيمسون]]></category>
		<category><![CDATA[فلسفة]]></category>
		<category><![CDATA[ما بعد الحداثة]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=33828</guid>

					<description><![CDATA[<p>أعوام النظرية: الفكر الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33828">تيري إيغلتون عن فريدريك جيمسون: ما ينطوي عليه الموضوع من إثارة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h6><span style="font-size: 12pt;"><a href="https://www.lrb.co.uk/the-paper/v46/n19/terry-eagleton/the-excitement-of-the-stuff?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR0DCwppeuZSX6QtNRzyDUxZe1BGHpuWWR92IPk6tdGi8swTVPf_dkg35l4_aem_W_dsWQFhwc-D9dq8S4HI_A" target="_blank" rel="noopener">نشرت في لندن ريفيو أوف بوكس في ١٠/١٠/٢٠٢٤.</a></span></h6>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">شهِدت العقود الأخيرة من القرن المنصرم انتشاراً واسعاً لموجةٍ جديدة من الأفكار بصدد دراسةَ الأدب في جميع أنحاء العالم. أُطلِقَ على هذه الموجة ببساطة مسمَّى "نظريَّة"، وتراوحَت ما بين البنيويَّة إلى النسويَّة، والسيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا، والماركسيَّة إلى التفكيكيَّة. كانت هذه الأفكار كلُّها بالغةَ التجريد، لكن جذَّابة في الوقت نفسه. فقد شدَّ طموحُها المعرفيّ، إلى جانب مقدرتها على طرح تساؤلاتٍ جوهريَّة، اهتمامَ بعضٍ من أنجَب المشتغلين في الميدان في ذلك الوقت. كما أفضَت إلى بروز طبقةٍ من النجوم العالميِّين- جاك دريدا، وغاياتري تشاكرافورتي سبيفاك، وفريدريك جيمسون، وميشيل فوكو، وجوديث بتلر، وأمبرتو إيكو- الذين يمكن أن تجدهم يحاضِرون في صقلية أو سلوفينيا بينما يُدرِّسون فصولاً دراسيَّة في نيوجيرسي. وبوصفها مرموقةً ومثاراً للجدل في آن، ومحطَّ تقديرٍ وازدراءٍ في الوقت نفسه، كانت النظريَّة وسيلةً لتكديس رأسمالٍ ثقافيٍّ للمرء وكذلك مصدراً لرؤى أصيلةٍ ومثيرة للاهتمام. وهكذا صار الأبرياء/السذَّج، القانعون ببساطةٍ بقراءة "جين أير"، يرزحون الآن في ظُلمةٍ هامشيَّة شديدة؛ في حين يستحضر زملاؤهم الأكثر بريقاً، السائرون بخطواتٍ حثيثة من باريس أو نيو هيفن، مراجع دراسات علمِ السرد أو ما بعد الاستعماريَّة كمناظير للتعاطي مع الرواية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن من أين نشأ هذا التيَّار الحاليّ؟ باعتبار أنَّ ثلاثةً من أعمال دريدا الرئيسيَّة صدرَت في عام 1967، فلدينا إجابةٌ واضحة على سؤالنا تقول إنَّ مَنشأه الاضطرابات السياسيَّة في أواخر ستينيَّات القرن العشرين، والتي- بخلاف العادة في مثل هذه الاحتجاجات الجماهيريَّة- كانت خلالها وظيفة المعرفة الأكاديميَّة ومآلات العلوم الإنسانيَّة من ضمن أبرز القضايا المتنازَع عليها. لذلك، في الأغلب الأعمّ، ازدهرَت النظريَّة إلى حدٍّ كبير إبَّان السنوات التي أعقبت الأحداث في باريس وأماكن أخرى. وجزءٌ كبير من هذا كان وسيلةً لإبقاء الثورة طازجةً في عالم الأفكار، أو إزاحتها لتتحوَّل إلى مشروعٍ آخرَ هدَّام. اجتُثَّت السياسات الراديكاليَّة من شارع سان جيرمان، لتستوطنَ بدلاً منه في ميادين التحليل النفسيِّ وما بعد البنيويَّة. من المعلوم أنَّ اليسار الاشتراكيّ ظلَّ في المقدِّمة في أوائل سبعينيَّات القرن الفائت، بينما ازدهرت النسويَّة بعد ذلك التاريخ بكثير. ويرجعُ ذلك إلى حدٍّ كبير، إلى وجود مسائل سياسيَّةٍ مُلحَّة لا بدَّ من معالجتها، بعكس ما كان الحال عليه بالنسبة إلى التفكيكيَّة أو الفينومينولوجيا. لكن بصفةٍ عامَّة، رضَخ الفعل أمام الخطاب- إذ حارَ الأوَّل أمام شكلٍ من أشكال القوَّة أثبت أنَّه أقوى بكثيرٍ من قدرة الفعل على الاحتمال. في الواقع، كانت النظريَّة بمثابة خِطابٍ فوقيّ، لغةٍ عن اللغة، وبالتالي على بُعد مستويَين من موقع اجتثاث الحجارة المرصوفة في الشوارع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع ذلك، لو كان ما سبق كلّ ما في الأمر، لأضحى من الصعب معرفة السبب الذي جعل النزاعات بصدد النظريَّة الأدبيَّة تُخلِّف آثاراً شديدة الوطأة في المساحات المشتركة الرئيسيَّة- وبعضها تبدو قريبة الصلة بي إلى حدٍّ مثيرٍ للقلق. لماذا رُفِض ترشيح دريدا لنيل الشهادة الفخريَّة في جامعة كامبردج من قِبل أساتذةٍ لم يقرؤوا على الأرجح أكثر من بضع صفحاتٍ من أعماله، لكن استمَعوا إلى إشاعاتٍ حول طاولات الشرف بصدد اعتقاد الرجل أنَّ أيَّ شيءٍ يمكن أن يعني أيَّ شيءٍ آخر؟ ليسَ لأنَّ النظريَّة اقترحَت طرائق جديدةً للقراءة، فهذا أمرٌ لم يُولِه أحدٌ عظيمَ شأن، بل لأنَّها مثَّلَت هجوماً على الفكرة التقليديَّة للإنسانيَّات. كان هذا المجال برمَّته يئنُّ تحت وطأة الأزمة، وفاقداً لليقين بشأن هويَّته في خضمِّ أنظمةٍ رأسماليَّة مُتقدِّمة بدت كأنَّها تُنكِر عليه أيَّ قيمةٍ سوى الديكور أو العلاج. كانت الحركة الطلَّابيَّة في أواخر ستينيَّات القرن الفائت، من بين أشياء أخرى، نقداً نبوئيَّاً لجامعات اليوم المتحجِّرة ذات السطوة المفرطة، تلك التي أعلنت نفسها محطَّاتٍ خدميَّةً للاقتصاد الرأسماليّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان لبعض النظريَّات عواقبها الثوريَّة، فيعود ذلك لكونها فرضَت هذا المنطق عديم الروح على الإنسانيَّات نفسها. فلم يعد ممكناً النظر إلى الأخيرة بوصفها حاضنةً للقيمة الذاتيَّة والرؤى الروحيَّة في وسط عالمٍ نفعيٍّ بصورةٍ فظَّة. بل، على العكس من ذلك، صار بمقدورك أن تتناول عملاً فنيَّاً لتُبيِّن كيف أنَّه خاضعٌ لقواعد وأنظمةٍ رئيسيَّة كامنة، أو بُنى سرديَّة عميقة، أو مصالح أيديولوجيَّة، أو تلاعُبِ قوى خفيَّة، والتي يجهلها العمل نفسُه بسذاجة؛ وهكذا يمكنك اختزال روح الإنسان الغامضة إلى نتاج عوامل غير شخصيَّة. كان القاسم المشترك بين هذه المجموعة المتنوِّعة من النظريَّات هو معاداتها للتجريبيَّة: القناعة بأنَّ حقيقة العمل الأدبيِّ هي غير ما يَظهَر عليه تلقائيَّاً؛ أي على مبدأ ما تراه هو ليسَ ما تحصل عليه. وبما أنَّ بريطانيا كانت موطن التجريبيَّة، فكان لا بدَّ من استيراد النظريَّة من الخارج غالباً، تماماً مثلما استوردت البلاد معظم كتَّابها الحداثيِّين قبل عقودٍ قليلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالنسبة إلى الإنسانويّين الليبراليّين الذين تَصدَّروا الدراسات الأدبيَّة، كان الأدب موطن ما هو حميميٌّ وغير قابل للاختزال، الالتفاتة الشاردة والخصوصيَّة الحسِّيَّة، وكلّ ما صمد في مواجهة عالم الدول البيروقراطيَّة والشركات عبر الوطنيَّة. بدا مصطلح "النظريَّة الأدبيَّة" متناقضاً بحدِّ ذاته: إذ كيف بمقدور المرء أن يتعاطى بتجرُّدٍ مع نبرة قصيدةٍ، أو مزاجها، أو نسيجها؟ كان الأدبُ الملاذَ الأخير للتجربة الشخصيَّة والروح الفرديَّة، فضلاً عن كونه صورةً من صور السموِّ الإبداعيِّ التي لطالما برزَت كبديلٍ لعقيدةٍ مخفِقة. وإذا كان اللثام سيُماط عن كلِّ هذا بتأثيرٍ من الدالِّ أو تلاعبات الرغبة، فلن يكون هناك مكان آخر حقَّاً للجوء إليه. ولم يكتفِ المُنظِّرون بوضع أياديهم القذرة على الأفلام أو الأدب الخياليّ فحسب، وإنَّما أيضاً على مِحراب الذاتيَّة نفسها. هكذا اقتحمَ الهمجُ القلعة، متسلِّحين بما لا يعدو عن مقالةٍ لكلود ليفي شتراوس أو دليلٍ إرشاديِّ مُخادِع عن جاك لاكان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان من الصعب مُناقشة النظريَّة أو مجادلتها، فإنَّ هذا يعود جزئيَّاً إلى استباقها منتقديها إذ تنطوي في داخلها على شكلٍ من أشكال النظريَّة المضادَّة. النظريَّة لا تؤمن بأساسيَّة الفكر؛ بل حتَّى إنَّها تُشكِّكُ بإستراتيجيَّاتها الخاصَّة. كما قال لاكان في محاكاةٍ ساخرة لديكارت: "أنا أفكِّرُ حيثُ لا أوجَد، ولا أوجَدُ حيثُ أفكِّر". وإذا ما تعمَّقتَ في التفكير، فستَكشِفُ عن قوى نفسيَّة، ومصالح مادِّيَّة، وشبكات من السلطة. وفي حال كان ماركس فيلسوف ذلك العصر، فإنَّ نيتشه كان مؤثِّراً بالقدر نفسه تقريباً. كان القصد من النظريَّة، أو بعضها على الأقلّ، أن تقوِّض نفسها بنفسها، وكانت كلمة السرِّ في هذا الصدد هي "التفكيك". فيمكن دائماً إبانة أنَّ الافتراضات تتداعى وتتقوَّض إذا ما مورِسَت عليها ضغوطاتُ بقوَّةٍ كافية. وقد ثبت أنَّ الاهتمام الجديد بالغموض وعدم اليقين يتمتَّع بجاذبيَّة خاصَّة لدى المنظِّرات النساء، اللواتي يكافحن للحصول على موطئ قدمٍ في حقلٍ يغصُّ برجالٍ شباب منشغلين بحماسةٍ بمقارنة طوْلِ عباراتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكن وصفُ عبارات فريدريك جيمسون بأنَّها بروستيَّة الطول في بعض الأحيان؛ سلاسلُ معقَّدة عظيمة من بنيةٍ ُلغويَّةٍ تواصِلُ مسارها المهيب بهدوءٍ ودونما استعجالٍ في بلوغ نقطة النهاية؛ لكنَّ نثرَه لم يكن قطًّ غامضاً عن عمد، على عكس ما يفعل هؤلاء المنظِّرون الذين يجعلون حججهم غير قابلةٍ للدحض عبر صياغتها على نحوٍ مبهمٍ وغير مفهوم، والظلاميَّة نتاجُ القلق بقدر ما هي نتاج الغطرسة. في واقع الأمر، يَبرُز كتابُ جيمسون الأخير، "أعوام النظريَّة"، كواحدٍ من أكثر كُتبه سلاسة ويسراً. ينطوي الكتابُ على نصوص سلسلةِ محاضراتٍ ألقاها في الولايات المتَّحدة قبل ثلاثة أعوام خلت، وبدلاً من بلاغته المصقولة المعتادة، الرزينة وإن كانت رتيبةً إلى حدٍّ ما، فإنَّنا نجدُ صوتَ حديث جيمسمون على نحوٍ أكثر استرخاءً واستنكاراً للذات؛ كرجلٍ يبدو جليَّاً ارتياحه مع جمهوره واهتمامه بهم (وذلك في عباراتٍ من قبيل: "لا تقلقوا بشأن ذلك الآن"؛ و"أظنُّ أنَّكم على الأرجح لن تضطرَّوا... إلى قراءة كلِّ ذلك، ولا أعتقدُ أنَّه ضروريُّ أساساً"؛ و"أودُّ أن تشعروا بما ينطوي عليه هذا الموضوع من إثارة"). </span><span style="font-weight: 400;">يتحدَّث الرجل بنبرةٍ ديموقراطيَّةٍ أميركيَّة، مختلفةٍ تماماً عن نبرة النجوم/ـات الفرنسيِّين/ـات الذين/اللاتي يَشرحُ أفكارهم/نّ. في الكتاب أيضاً لمحاتٌ من فكاهةٍ ساخرة، فيقول مثلاً إنَّ ليفي شتراوس "شخصيَّةٌ عبقريَّة للغاية، وهو، مثل الكثير من هؤلاء الأشخاص، غير جديرٍ بالثقة على الإطلاق". </span><span style="font-weight: 400;">وعلى النقيض من معلِّمي "ضفَّة اليسار"، لم يرَ جيمسون في تفسير بعض الأفكار الأساسيَّة انتقاصاً من مكانته: كالنظام الأبويّ مثلاً، أو حقيقة أنَّه ليس لدى فرويد مفهومٌ حقيقيّ عن الأمّ. وعندما يتعلَّق الأمر بشؤون العقل، في المجال الثقافيِّ على الأقلّ، فالولايات المتَّحدة مُستعمَرةٌ لأوروبا، وأسلوبُ الكتاب يعكس هذه الحقيقة. حتَّى إنَّه يضمُّ بعض الشائعات، والشذرات الغريبة من السيرة الذاتيَّة. من قبيل ذلك أنَّ لاكان التقى في شبابه بجيمس جويس، وربَّما أجريا تحليلاً نفسيَّاً لبيكاسّو. وكذلك استشارَه سارتر الذي كان يعاني من الهلوسات في ذلك الوقت. نقرأ أيضاً أنَّ فوكو ودريدا لا يطيقان بعضهما، أو بالأحرى على نحو ما يتصوَّره المرء بشأن أنَّ غوردون رامزي وجيمس أوليفر ليسا على وفاق. لقد كان دريدا عضوَ الأنتليجنسيا الوحيد الذي زار زميله الجزائريّ لوي ألتوسير بعد سجنه بتهمة قتل زوجته. كذلك نتعرَّف أيضاً على أنَّ ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، عملاقَي مدرسة فرانكفورت، كانا متابعَين نهمَين لأفلام الإخوة ماركس. حتَّى إنَّ هناك إشارةً أيضاً إلى حَوَل سارتر، فضلاً عن حقيقة أن جيمسون نفسه كان أميلَ إلى اكتساب زيادةٍ في الوزن. فما سبق ليس من نوع الأشياء التي قد تتبادر إلى مسامع المرء في محاضرات لاكان الشهيرة في باريس، فهي عصريَّة ونخبويَّة في آن، كمزيجٍ بين الأكاديميا ومهرجان أسكوت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعود الكتاب بأعوام النظريَّة الفرنسيَّة إلى أعقاب الحرب العالميَّة الثانية (سارتر، وبوفوار، وليفي شتراوس، وفانون، وميرلو بونتي)، وبذلك ينسج سيرةً شخصيَّة في تاريخها الفكريّ. كان أوَّلُ كتبِ جيمسون عن سارتر؛ إذ اعتبرَ نفسَه "أكثرَ من سارتريٍّ سابق"، وكان ميَّالاً إلى المبالغة في تقدير "الوجود والعدم" الذي شكَّلَ، إلى جانب "عصر العقل"، أوَّل مدخلٍ لجيمسون إلى عالم النظريَّة. وفي واقع الأمر، فهو يخبرنا بأنَّه لطالما حاول البقاء مخلِصاً للوجوديَّة، وهذا أمرٌ مدهش بقدرِ أن يُقال لنا إنَّه لطالما بقيَ مخلِصاً لبوذا. على أيِّ حال، يَصعُب أن نرى أيَّ دليلٍ على هذا الالتزام في أعماله الغزيرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن تعليقه على سيمون دي بوفوار بالجودة المطلوبة، لكن من المفاجئ أنَّه أجراه في الأصل؛ ذلك أن جيسمون كان خجولاً من التطرُّق إلى الجنس في كتاباته، بيد أنَّه تناوله في هذا الكتاب بصورةٍ مباشرة أكثر من أي موضع آخر (ضمَّ العمل أيضاً تعليقاتٍ بصدد فيلسوفاتٍ نسويَّات، على غرار مونيك فيتيغ، وجوليا كريستيفا، ولوسي إيريغاري). يُدخِل جيسمون دراسات السينما في هذا المزيج أيضاً، والتي ظلَّت شغفاً راسخاً لديه منذ أمدٍ طويل، مُشيداً بجان لوك غودار باعتباره لا يقلُّ عظمةً عن أيٍّ من مُفكِّري تلك الحقبة. الحديث هُنا عن عصرٍ ثقافيٍّ يُقارَن أحياناً باليونان القديمة وألمانيا التنوير. وبمعنى تقريبيّ، يتحوَّل هذا العصر من الذات البشريَّة بوصفها فاعلاً حرَّاً وذاتيَّ التكوين (الوجوديَّة)، إلى الذات باعتبارها نتاجاً لقوى تتجاوز نطاق إدراكها أو سيطرتها (البنيويَّة، والتحليل النفسيّ). أو، بمصطلحاتٍ مختلفة، التحوُّل من التحرير إلى النيوليبراليَّة. فنبدأ بالتحدُّث عن العالم، ثمَّ ينتهي المطاف بنا حديثاً له.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتناول فصولٌ لاحقة من الكتاب رولان بارت، وجان بودريار، وجاك لاكان، وجاك دريدا، ولوي ألتوسير، وميشيل فوكو، وجيل دولوز، وآخرين، فيما يبدو وكأنَّه سباقٌ دؤوب مع الزمن. لكن نظراً لمحدوديَّة وقت المحاضرات، فكان لا بدَّ من تلخيص كلٍّ من هؤلاء المفكِّرين، الذين اشتُهِر بعضهم بغموضهم الشديد، في أقلّ من عشرين صفحة. والنتيجة، حتماً، شعورٌ بالتفكُّك والانفعال والعجلة المفرطة- انقطاعاتٌ مفاجئة، أو روابط غير مكتملة، أو موضوعاتٌ رئيسيَّة أسقِطَت لأسباب يستعصي تبريرها. هناك أيضاً رُقعٌ من فكرٍ غير مُنظَّم، وطيفٌ من موضوعاتٍ غير مترابطة. ومع ذلك، تستحقُّ كلُّ هذه الخسائر الناجمة عن شكلُ الكتاب أن نتسامَح معها أمام الثروة المعرفيَّة التي يقدِّمها. في بعض الأحيان، تُقارَب النظريَّة كما لو كانت نتاج نفسها بنفسها، لكنَّ جيمسون، بوصفه مادِّيَّاً، كان متيقِّظاً إلى جذورها التاريخيَّة وتداعياتها الخارجيَّة- إلى الصحف، والجماعات، والانشقاقات، والشخصيَّات، والأحداث الجذريَّة، وموجات الفكر السياسيّ في فرنسا ما بعد الحرب، والتي كان صاحبَ معرفةٍ موسوعيَّةٍ بها. فعلى سبيل المثال، هناك نتاجٌ غزير من التعليقات على لاكان، لكنَّ القليل منها فقط تشير إلى أنَّ الطلَّاب الذين توافدوا على ندواته كانوا في غالب الأمر ماويِّين.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter wp-image-33830 size-full" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/81x8-AwUgdL._AC_UF8941000_QL80_.jpg" alt="" width="654" height="1000" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/81x8-AwUgdL._AC_UF8941000_QL80_.jpg 654w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/81x8-AwUgdL._AC_UF8941000_QL80_-196x300.jpg 196w" sizes="(max-width: 654px) 100vw, 654px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تقتصر معرفة جيمسون على أمَّةٍ بمفردها. بل إنَّ المرء ليحار اليوم بوجود شخصٍ على قيد الحياة قد قرأ من الكتب ما قرأه، من هرقليطس وبارمينيدس إلى نصوصٍ مبهمة ومنشوراتٍ لم يَسمع بها أحدٌ سواه. لهذه الرغبة في الكلِّيَّة مثالبها. كان جيمسون على الدوام مفكِّراً سخيَّاً للغاية، متمسِّكاً بما أحبَّه من هيجل بشأن أنَّ الكلَّ مكمنُ الحقيقة، وأنَّه لا مناص للمرء من محاكمة الأفكار في هذا السياق بدلاً من رفضها جزافاً. ربَّما كانت ثمَّة نزعةٌ أميركيَّة أراد تأكيدها في عمله هذا، على نقيض السلبيَّة التي تُميِّز الفكر الفرنسيَّ من إستطيقا مالارميه وعَدَمِ سارتر، إلى اختلاف-إرجاء دريدا وحدث آلان باديو الخارق. يقول جيمسون إنَّه يلتزمُ مؤقَّتاً بجميع الحالات النظريَّة التي تناولها عمله؛ وهو قولٌ يتجاهل التناقضات الصارخة بين تلك الحالات من جهة، وعدم توافق بعضها مع معتقداته السياسيَّة الماركسيَّة من جهةٍ أخرى. مقاربةٌ كهذه أكثرُ نموذجيَّةً لقاعة محاضراتٍ منها إلى حَشدٍ سياسيّ. وعلى العكس من ذلك، يرى ماركس، ناهيك عن يسوع المتحزِّب بضراوة، أنَّ الحقيقة ليست كُلِّيَّةً بل أحاديَّة الجانب. إنَّها شُبهةٌ وحَجرُ عثرة، وسيفٌ قاطع يَقصدُ كشف الزيف والخداع باسم الانعتاق الإنسانيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمتدح جيمسون دولوز، قائلاً إنَّه "واحدٌ من أروع مفكِّري القرن العشرين"، مضيفاً أنَّ الأخير يُحوِّل كلَّ المفكِّرين الذين يتعامل معهم إلى نفسه. بالنسبة إليّ، لا أجد الأمر على مثل تلك الدرجة من الروعة، تماماً كما ليس هناك الكثير ممَّا يثير الإعجاب في الحالة المزرية من إضفاء المثاليَّة على الفصام، والتي أدَّت أعماله إلى برزوها. وإنَّه ليس من الممكن حقَّاً استخلاص الأخلاقيَّات من فلسفة الرغبة المتكلِّفة لدولوز، ولا حتَّى أيُّ سياساتٍ قابلة للتطبيق في هذا الصدد. بيد أنَّ جيمسون ظلَّ صامتاً إزاء هذه الأسئلة، ويسعى كالمعتاد إلى الفهم بدلاً من الانتقاد. لا ينبغي على المرء الانزلاق إلى حالةٍ من معارضةٍ تبسيطيَّة ما بين الخير والشرّ، مُهيَّأةٍ للتفكيك. ولكنَّك أيضاً لستَ بحاجةٍ إلى تزلُّف الميتافيزيقيا لانتقاد دونالد ترامب. واقعُ الأمر أنَّ التفكيك لم يكن أسلوبَه، ولا التهكُّم أو الانتقاد الساخر. لقد كان واحداً من أقلّ الكتَّاب اليساريِّين انفعاليَّةً وجدلاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنَّ المنظِّرين الثقافيِّين من أمثال جيمسون هُم إعادة اختراعٍ للمُفكِّر الكلاسيكيّ. يختلف المفكِّرون عن الأكاديميِّين في تنوُّعهم بين عددٍ من التخصُّصات، وكذلك في تطبيقهم أفكارهم على المجتمع برمَّته. والمفكِّرون عادةً موسوعيُّون ومتعدِّدو اللغات. جيمسون أتقن عدَّة لغات، وامتاز بشهيَّةٍ نهمةٍ للمعرفة؛ فتَرَاه متمكِّناً في أدب الخيال العلميّ التشيكيّ، وكذلك في السينما التايوانيَّة. وظلَّ منكبَّاً على إنتاج أعمالٍ بارزة حتَّى وافته المنيَّة قبل شهر، عن عمرٍ ناهزَ التسعين عاماً. وقد بيَّنت مجموعة اهتماماته الاستثنائيَّة السبيلَ الذي قد يُمكِّنُ النقد الأدبيَّ عديمَ الجدوى اجتماعيَّاً، من تبرير وجوده. فمن خلال تحوُّله إلى شكلٍّ من أشكال النقد الثقافيّ، فإنَّ بمقدوره لعب دورٍ متواضع في تغيير العالم، وكذلك تفسيره.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على غرار نظيره الإنكليزيّ بيري أندرسون، والذي يعدُّ خبيراً في اللغات ومتمكِّناً كذلك من التنقُّل ما بين الإستطيقا إلى النظريَّة السياسيَّة فالسياسة الواقعيَّة في سياق مقالة واحدة، بدا جيسمون وكأنَّه ناجٍ من زَمنٍ أكثر سعة معرفيَّة سبقَ ظهور الأكاديميا الحديثة بتخصُّصاتها المُحصَّنة بضراوة. لكنَّ نِطاقه الفكريّ الاستثنائيّ كان أيضاً نتاجاً للحاضر. لقد مثَّلت النظريَّة تكويناً جديداً للمعرفة؛ مُلائماً لزمنٍ تتداعى فيه الحدود بين الموضوعات الأكاديميَّة التقليديَّة، وحيث تشهدُ تُخومُها معظمَ ما يبرز من اشتغالٍ مدهش. سابقاً، كان النقد الأدبيُّ شديد التركيز على النصِّ مُنعزِلاً، دفاعاً عن الثقافة الرفيعة في وجه عالمٍ هجميّ، لكنَّه أضحى اليوم أكثر انفتاحاً أمام طيفٍ واسع من مجالات البحث والاستقصاء. كان الأدبُ حقلَ جيسمون الأكاديميّ، لكنَّ كتابه "أعوام النظريَّة" لا ينطوي إلَّا على القليل بصدد شعراء وروائيِّين، مقارنةً بالفلسفة والأنثروبولوجيا واللسانيَّات والتحليل النفسيّ، وما إلى ذلك. وبناءً عليه، من المرجَّح أنَّ الكتاب يقرُّ بالتحيُّز القائل إنَّ النظريَّة تحلُّ محلَّ العمل الأدبيِّ بدلاً من كونها إثراءً له. </span><span style="font-weight: 400;">وهو في واقع الأمر يُؤكِّد الرأي القائل إنَّه ليس بمقدور النقد أن يزدهر إلَّا من خلال تجاوزه حدودَه التقليديَّة، وذلك بالتخلِّي عن النمط الواحد لهويَّته في سبيل اكتشافٍ نمطٍ آخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أكثر ما يختلف به جيمسون عن المفكِّر الكلاسيكيّ هو افتقار الأوَّل إلى شعبيَّةٍ جماهيريَّة عارمة. فجورج إليوت وجون ستيوارت ميل كانا يتنقَّلان في ما لا يزال يمكننا تسميته مجالاً عامَّاً، لكن لا ينطبق هذا تماماً على نظرائهم المعاصرين؛ باستثناء الندوات العامَّة للأساتذة الباريسيِّين في ستينيَّات القرن المنصرم وسبعينيَّاته، إذ كانت بمثابة فعاليَّاتٍ اجتماعيَّة وميادين للتعلُّم في آن. فلا شكَّ أنَّ ندوات لاكان كانت الأكثر شهرة، كما اجتذبَ دولوز أيضاً جحافل من المؤيِّدين المتحمِّسين، فضلاً عن عددٍ من مشاريع أخرى أكثر تواضعاً. وإذا ما نظرنا إليها مجتمعة، وبصرف النظر عمَّا قد تنطوي عليه من استعراضٍ أو تباه، فإنَّها تُمثِّل تواشجاً استثنائيَّاً بين الحياة الاجتماعيَّة والفكريَّة، وهذه حالةٌ لم يستطع العالم الناطق بالإنكليزيَّة الحديث مضاهاتها قطّ. فيواجِه الأكاديميّون اليوم صعوباتٍ بالغة في جذب الطلَّاب المسجَّلين لحضور مقرَّراتهم، فما بالك بإقناع عامَّة الناس!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن إذا كانت النظريَّة قد أحدثَت موجاتٍ صدميَّة بهذا الحجم، فماذا حلَّ بها الآن؟ وأين حشود النقَّاد الماركسيّين من سبعينيَّات القرن الفائت، أو أسراب مُريدي دريدا من ثمانينيَّاته؟ الإجابة البسيطة هي أنَّه لا يمكن إبقاء زخم الثورة متَّقداً في الروح إلَّا لفترةٍ محدودة. فمع تبلور الإدراك شيئاً فشيئاً أنَّ الثورة لن تحدث على أرض الواقع، تَحوَّل عصرُ كلٍّ من هارولد بلوم وهيلين سيكسو إلى ما بعد الحداثة؛ إلى ثقافة حكمة الشارع التي ترى في النظريَّة برمَّتها شأناً بيروقراطيَّاً للغاية. </span><span style="font-weight: 400;">لا يُبدي ما بعد الحداثيِّون شهيَّةً نهمة إلى المجرَّدات، وهم يُفكّرون ببراغماتيَّة وليس بتاريخيَّة، ولديهم هوسٌ بالجنسانيَّة ودونما اكتراثٍ بالاشتراكيَّة. وهم أكثر اهتماماً بالخروقات والخِلال من التحوُّل والانتقال.</span><span style="font-weight: 400;"> في حين كانت النظريَّة من ضمن قضايا أخرى مَثَّلت بَعثا وَجيزاً لعصيانٍ فاشل. وارتبط تقهقرها بما أسماه جيمسون نزع مَرْكَسة فرنسا، حيثُ حلَّ "الفلاسفة الجدد" محلَّ الألتوسيريِّين. لكنَّها، مع ذلك، تظلُّ أيضاً أكثر ما شهدته الدراسات الأدبيَّة إثارةً منذ أيَّام فرانك ريموند ليفيس، ولا شكَّ أنَّ العديد من استبصاراتها ستبقى صامدةً حتَّى أمدٍ بعيد.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33828">تيري إيغلتون عن فريدريك جيمسون: ما ينطوي عليه الموضوع من إثارة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-26 10:13:14 by W3 Total Cache
-->