عن المقاومة والذاكرة المضادة في فن الراحل فتحي غبن

2024-04-15 03:00:00

عن المقاومة والذاكرة المضادة في فن الراحل فتحي غبن

ولأن الهوية شكلت محورَ تأكيد الفنان فتحي غبن على موقع الذات من أرض الوطن الذي تحيا عليه بصفة اللجوء، وبعدًا من أبعاد مقاومة الطمس والمحو الوجودي للفلسطيني على أرضه؛ فقد حملت لوحةً أخرى له عنوان الهوية،

رحل الفنان الفلسطينيّ فتحي غبن عن عالمنا بتاريخ 25 فبراير على إثر العدوان الإسرائيليّ المستمر حتى اللحظة على قطاع غزّة، مخلفًا وراءه إرثًا فنيًّا لا يقلُّ مقاومةً وتوثيقًا عمّا خلّفه سابقيه من آباء الفن التشكيليّ الفلسطينيّ أمثال إسماعيل شموط، فكان فنّه مرآة الذات وهويتها، وفضاءً  ارتحلت إليه الذاكرة على امتداد فلسطين كلّها من نهرها لبحرها؛ خلّدت التراث والهوية  وحب الوطن والأرض.

لم يسلم إرث فتحي غبن من القصف الإسرائيلي الذي استهدف منزله فأبيدت أعماله على مرأى منه؛ ما زاد وطأة المأساة والمرض عليه في ظروفٍ عادت به لماضي النكبة التي جعلته لاجئًا في قطاع غزة، ليعيش ذات الأزمة من جديد في عمرٍ يصارع فيه الحياة أمام المرض والنزوح القسري والعدوان الإسرائيلي على كل شيء بما في ذلك  البشر والفن والثقافة، دون أي مخرج لتلقي العلاج. وعلى الرغم من ذلك، فإننا نملك من إرثه الفنيّ ما يستدعي لأن يؤسس لقراءة ما أنتجه من أعمال فنية إبداعية في فضاء ثقافي واجتماعي يعاني وطأة الحصار والاحتلال الإسرائيلي منذ عقود، ضمن سياقات معرفية وثقافية تتبعُ أثر الهوية والتاريخ المغيبين بفعل السياسات الاستعمارية الإسرائيلية، وتتبع بنية المجتمع الفلسطيني في فضاء لوحاته ضمن عملية مقاومة لمحاولات الطمس والمحو الاستعماري الإسرائيلي للتراث والكينونة الوجودية للفلسطينيين. 

الفن وجه من أوجه المقاومة

عُرف الغبن خلال مسيرته الفنية باستخدامه الفن لتجسيد الواقع الفلسطيني تحت الحصار، واشتباكه مع الساحة السياسية في تمثيل أبعاد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي؛ بصورةٍ استدركَ فيها طبيعة الشعب الفلسطيني المقاوم الذي يرفض التنازل عن أرضه وطمس هويته؛ حتى كان الفن تهمته التي اعتقلته على إثرها السلطات الإسرائيلية مرارًا وتكرارًا. وتعد لوحته "مأساة فلسطين" (1978) العمل الأول الذي أبدعه واعتقل بسببه. وتعود قصة هذه اللوحة لعام 1967 عندما احتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة، وبينما كان نداء جيش الاحتلال يأمر الناس بالتوجه لمكان معين استوقف الغبن صراخًا خافتًا سار نحوه، وإذا به طفل صغير تحت أكوم الزينكو يرضع من ثدي والدته التي كانت جثة لا تتحرك.

 ذلك ما ذكره الغبن في مقابلة مع المخرجة نسرين حماد لصالح فيلم "الهوية"، وهو ما يدلل على أهمية الفن في توثيقه للحظة التاريخية والارتباط بالواقع، واستدراكه للقضية الفلسطينية التي هي قضية أُمّة تعاني من وطأة الظلم والواقع المأساوي بفعل ممارسات التطهير العرقي التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي منذ استعمار فلسطين. وعلى الرغم من أن المشهد الذي دفع غبن لرسم هذه اللوحة يعود لسنة 1967، إلّا أنّ العدوان الممارس على قطاع غزة عقب عملية "طوفان الأقصى"، التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023 طرح مشاهد من ذات المأساة، ما يحيل إلى أن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة بالإبادة الجماعية الحالية ليست وليدة اللحظة بل هي متجذرة في العقلية الاستعمارية الإسرائيلية منذ  نكبة 1948 وما بعدها، وتسعى سلطات الاحتلال لاتخاذ أي رد فعل فلسطيني مقاوم ذريعة لتشريع جرائمها ضد الفلسطينيين، ما يأخذنا إلى القول إن  الفنان مرآة واقعه وإبداعه فضاء يحمل رسالة وحقيقة، وليس مجرد صورةً جمالية. 

ومن السمات الفنية التي امتاز بها إرث الفنان الراحل ما ينعكس باستباقية الأحداث واستشراف أفق المستقبل الذي كان دومًا هاجس الاحتلال في توقع ردود أفعال الفلسطيني الممارس عليه صنوف الأفعال الاستعمارية من قمع وقتل واعتقال ، ولعلّ أهم ما قدمه في هذا السياق لوحة "الهوية" (1984) التي حملت في طياتها التنبؤ بالانتفاضة، مجسدًا فيها مظاهر رمي الحجارة والكوفية والمقلاع، حتى منع من السفر بسببها وتمت مصادرتها. 

ولأن الهوية شكلت محورَ تأكيد الفنان فتحي غبن على موقع الذات من أرض الوطن الذي تحيا عليه بصفة اللجوء، وبعدًا من أبعاد مقاومة الطمس والمحو الوجودي للفلسطيني على أرضه؛ فقد حملت لوحةً أخرى له عنوان الهوية، صورت حشدًا من الناس على أعتاب أحد أسوار القدس في موكب تشييع جثمان شهيدة، كما يتصدر اللوحة فرس تصهّل للتأكيد على أصالة الشعب الفلسطيني، وهو ما يجعل من لوحته ذات أبعاد تاريخية وراهنية زمنية، فيتصدر الواقع الفلسطيني مئات الشهداء يوميًا عقب عملية "طوفان الأقصى" التي شنّتها المقاومة الفلسطينية على طريق تحرير القدس، والتي كان الفنان الراحل أحد شهدائها بفعل منع قوات الاحتلال الإسرائيلي خروجه للعلاج من القطاع الذي يشهد ممارسات الإبادة في كل لحظة. 
 


عن الذاكرة المضادة في فنه

لم يغفل فنانو الفن التشكيلي الفلسطيني عن ضرورة حفظ التراث الفلسطيني كجزءً من تاريخ وهوية الفلسطينيين. يقول فتحي الغبن في فيلم الهوية "إذا أردت القضاء على شعب اقض على تراثه...التراث هو الأصالة هو الهوية لكل شعب من الشعوب في العالم ونحن ارتباطنا بهويتنا وأصالتنا من خلال التراث الفلسطيني"، إذ لم يسلم التراث الفلسطيني من الطمس والسرقة إبان الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين؛ فقام الفنانون باستخدام الفن كبعد توثيقي للتراث وللمجتمع الذي أبادته العصابات الصهيونية منذ النكبة بتفريغ القرى من سكانها الفلسطينيين وإبادة معالمها المكانية.

وكان الغبن من أولئك الفنانين الذين لاقى التراث الفلسطيني وثقافته الأصيلة على أيديهم احتفاءً جماليًا وتوثيقيًا رغم مأساة التهجير والشتات. ولمّا قصد الاحتلال الإسرائيلي تطهير الأرض ومحو معالم المكان وإنكار الوجود الفلسطيني في أراضيه المحتلة عام 1948، كان الفنانين وأداتهم الفن بالمرصاد؛ ما دفع الصورة لامتلاك ذاكرة مضادة للذاكرة الممنتجة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، والرامية لتغييب الهوية الفلسطينية وتراثها وإنكار وجودها خصوصًا في ذهن الأجيال الصاعدة؛ إذ تعد هذه اللوحات بمثابة رصيد ثقافي وإثبات وجودي رفدَ الثقافة الفلسطينية والعربية بصورة المجتمع الفلسطيني وثقافته الأصيلة.

وتتجلى الذاكرة المضادة في قراءة لوحات الغبن في تسجيل التاريخ الوجودي ومقاومة سياسة النسيان التي تنتهجها السياسة الاستعمارية الإسرائيلية عن طريق هندسة الذاكرة، التي تنفي جذور الفلسطيني وعاداته وتقاليده وحقه في وطنه؛ لتغدو الذاكرة في الفن "مقاومة للنسيان والمحو". وتنعكس الذاكرة المضادة في فعل التذكّر في لوحات الفنان فتحي غبن في رسم ملامح المجتمع الفلسطيني وتكريس الفن كمساحة لاستحضار البنيات المكانية التي طهرها الاحتلال الإسرائيلي كالقرية والحقول واللحظات العائلية في موسم الحصاد وطقوس الذهاب للحقول، ورموز الهوية الفلسطينية كالكوفية والثوب الفلسطيني؛ ما يجعل من لوحاته ذاتَ أبعادٍ تؤكد على جذور الفلسطيني في وطنه وامتلاكه للسردية التاريخية الحقيقية. 

خصوصية المرأة الفلسطينية في لوحاته

امتازت لوحات الفنان فتحي غبن بخصوصية فنية استحضرت المرأة الفلسطينية كعنصر أساسي في لوحاته وكجزء من صورة المجتمع الفلسطيني، فعكست لوحاته المرأة كرمزية للهوية التراثية والمقاومة معًا، فاستحضرها وهي ترتدي الثوب الفلسطيني  وتقوم بأدوارها الاجتماعية؛ كجني الثمار والخبز على الصاج، ما يدلل على وعي الفنان بأن المرأة الفلسطينية كانت منذ الأزل أساسا في بنية المجتمع الفلسطيني، وتشكل عاملا من عوامل نهضته؛ ذلك بتصويره للحياة اليومية التي لا تقوم دونها. 

وتنعكس الشمولية الفنية في تصوير المرأة الفلسطينية في مواضع مقاومة ومناهضة للاحتلال وهي تدافع عن الوطن بصورة المرأة المقاومة شأنها شأن الرجل الفلسطيني  في ذلك، فتمثل المرأة في لوحاته عنوانًا لصمود الفلسطيني على أرضه وشكل من أشكال الدعم التربوي والأخلاقي اتجاه الوطن، إذ حرص الفنان على إظهار حقيقة المرأة الفلسطينية بصورة المرأة الحاضرة في كافة الميادين، إذ يعطي هذا قيمة فريدة لإرثه الفني وهي تصوير الواقع الفلسطيني المناضل الذي تعد المرأة أساسًا ثابتًا فيه، وهو ما نراه كل يوم في كافة ميادين الواقع الفلسطيني فنرى الأم التي تقدم أبناؤها شهداء، وتلك التي تربي الأجيال في غياب رب الأسرة الذي يواجه مصير الاعتقال في السجون الإسرائيلية أو الشهادة نتيجة مقاومة المحتل، فالمرأة كانت دومًا أم فلسطين التي تداوي جراحها بتقديم الشهداء والمقاومين على طريق تحريرها وتخليصها من المغتصب المستعمر، ما يعكس القيمة الفنية في عبور الزمان والمكان ووصل الماضي بالحاضر والتأكيد على المستقبل نحو التحرير واستعادة الوطن. 

يعد إرث الفنان فتحي غبن بمثابة سجال ثقافي امتاز بجمالية فنية وواقعية عمدت لربط الماضي بالحاضر، والتأكيد على أبعاد المستقبل الذي يريده الفلسطيني. وهو مستقبل زوال الاحتلال وتحقيق حق العودة للأرض المحتلة، فضلا عن شمولية فنه؛ إذ تقوم أغلب لوحاته على تعدد حضور الشخصيات بصورة لم تغفل عن استحضار جميع شرائح المجتمع الفلسطيني من نساء وأطفال ورجال، بأبعاد جمالية تمتزج فيها الألوان لتوثيق تراث الحياة اليومية ورموز الأرض. كما يتجلى وعي الفنان الراحل بواقع الفلسطيني وحقيقته تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ وهي حقيقة الكرامة والفخر بالهوية وعدم الخضوع والاستسلام. فلم تغفل لوحاته عن تصوير شموخ الفلسطيني رغم التهجير واللجوء والحياة في المخيمات، بل وعمد فيها على تصوير حق العودة والإصرار عليه في أكثر من لوحة قدمها لعالم الفن والثقافة.
 


مراجع:

مؤسسة الدراسات الفلسطينية، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1655266
حمزة عبد الحمزة عليوي، "الذاكرة المضادة في رواية "إعجام" لسنان أنطون"، مجلة دراسات إسلامية معاصرة 25(2020): 311.