<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ريم غنايم - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/206rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/206rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Thu, 07 May 2026 13:35:54 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>ريم غنايم - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/206rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>محمود درويش في الثقافة الإسرائيلية: الأحلام ستتحقق، وماذا بعد؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38159</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 May 2026 11:20:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38159</guid>

					<description><![CDATA[<p>صدر حديثًا كتاب "محمود درويش في الثقافة الإسرائيلية" من إعداد وترجمة الكاتبة الفلسطينية ريم غنايم التي خصّتنا بهذه المقاطع من حوار يظهر في الكتاب أعدته معه الكاتبة الإسرائيلية هيليت يشورون: -هيليت يشورون: هل هناك قصيدة واحدة من بين جميع قصائدك ليست مكتوبة من حالة منفى؟ ألا يمكن اعتبار المنفى معادلاً واقعياً لحالة الشاعر في العالم، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38159">محمود درويش في الثقافة الإسرائيلية: الأحلام ستتحقق، وماذا بعد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color: #808080;">صدر حديثًا كتاب "محمود درويش في الثقافة الإسرائيلية" من إعداد وترجمة الكاتبة الفلسطينية ريم غنايم التي خصّتنا بهذه المقاطع من حوار يظهر في الكتاب أعدته معه الكاتبة الإسرائيلية هيليت يشورون:</span></p>
<p dir="rtl"><b>-هيليت يشورون: هل هناك قصيدة واحدة من بين جميع قصائدك ليست مكتوبة من حالة منفى؟ ألا يمكن اعتبار المنفى معادلاً واقعياً لحالة الشاعر في العالم، سواء كان في وطنه أم في المنفى؟</b><b></b></p>
<p dir="rtl"><b>محمود درويش</b>: يمكن وصف كل ما كتبته بأنه شعر المنفى. لقد وُلدتُ في المنفى، والمنفى مفهوم واسع للغاية ونِسبي في آنٍ واحد. هناك منفى في المجتمع، منفى في الأسرة، منفى في الحب، ومنفى داخل الذات. كل شعر هو تعبير عن منفى أو اغتراب، وعندما يتوازى هذا الاغتراب مع تجربة واقعية، يصبح المنفى أكثر تركيزًا وكثافة.</p>
<p dir="rtl">أجد هذا المنفى في كل كلمة أبحث عنها في قاموسي. لكنني لا أشتكي، فرغم كل شيء، كان المنفى كريمًا معي في مسيرتي الشعرية.</p>
<p dir="rtl">لقد منحني الفرصة للقيام برحلة بين الثقافات، بين الشعوب، بين المدن، وبين الألوان.</p>
<p dir="rtl"><b>-ه.ي.: المنفى صقل تجربتك الشعرية وأثرى رؤيتك. لقد منحك التحوّل الذي كان مفقودًا في شعرك قبل مغادرتك الوطن</b><b>.</b><b></b></p>
<p dir="rtl"><b>م.د.</b> هذا صحيح، ولكن إذا سمحتِ لي بتصحيح بعض المفاهيم: كنتُ أؤمن سابقًا بأن الشعر هو نضال، أما اليوم فلم أعد أعتقد أن له دورًا فوريًا. تأثيره بطيء للغاية، مسألة تراكم. ما ساعدني على صقل نبرتي الشعرية هو المسافة.</p>
<p dir="rtl">المسافة منحتني فرصة التأمل في ذاتي، في الاحتلال، في المشهد، في السجن، وأضافت بعدًا من القدسية، وجعلت الشعر دينًا للجمال بلا التزامات.</p>
<p dir="rtl">الاختفاء في البُعد هو نوع من التحرر، فكلما قلّت معرفة الناس بك، زادت معرفتك بنفسك. هذا أيضًا جزء من النضج. قرأتُ أكثر، استمعتُ إلى الشعر الأوروبي، وتعلّمتُ التسامح.</p>
<p dir="rtl">لأننا في النهاية جميعًا منفيون. أنا والمحتل – كلانا يعاني من المنفى.</p>
<p dir="rtl">هو منفيّ داخلي، وأنا ضحية منفاه.</p>
<p dir="rtl">نحن جميعًا، على هذا الكوكب الجميل، جيران. نحن جميعًا منفيون، نسير في المصير الإنساني ذاته، وما يوحدنا هو حاجتنا إلى رواية قصة هذا المنفى.</p>
<p dir="rtl"><b>- ه.ي.:ألا تعتقد أنك سلكت هذا الطريق لأنك كنت في حالة منفى؟ الآن، بعدما أصبحت محبة الوطن حقيقة وسط متاعب الحياة اليومية، هل سيكون عليك أن تسلك الطريق المعاكس، نحو الواقع الملموس؟</b> <b>وهل تخشى ذلك؟</b><b></b></p>
<p dir="rtl"><b>م.د.</b> لا علاقة للشعر بالمنفى، بل بالسياسة. من منظور الشعر، الوضع الحالي أفضل. لدينا حلٌّ سحري لكل مشكلة: أن تكون لنا دولة. هذا هو التفكير السياسي، لكنه من منظور الأدب، خطأ فادح.</p>
<p dir="rtl">عندما يكون للفلسطينيين دولة، سيصبح التحدي الأدبي أكثر صعوبة.</p>
<p dir="rtl">ستوفر الدولة ظروفًا "طبيعية" للكتابة، لكن هذه الظروف ستُختبر: هل هذه الأدبيات تستحق أن تُكتب؟</p>
<p dir="rtl">يعتمد العديد من الكتّاب الفلسطينيين على فكرة "غياب الدولة"، لكن الدولة ليست موضوعًا أدبيًا، ولا حتى الوطن. عندما يكون لديك وطن، وتتحدث عنه بحماسة وطنية ملتهبة، يبدو الأمر سخيفًا.</p>
<p dir="rtl">ولهذا، ستجد أجزاء كبيرة من الأدب الفلسطيني نفسها في مأزق، في أزمة.</p>
<p dir="rtl">الأحلام ستتحقق، وماذا بعد؟</p>
<p dir="rtl">أنا شخصيًا لن أواجه هذه الأزمة، فقد تجاوزتها. لقد بنيتُ وطني في اللغة، بل حتى أقمتُ دولة فيها.</p>
<p dir="rtl">إذا لم يكن في الشعر فضاءٌ إنساني، يلمس جوهر الإنسان، فإن النص يموت. لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نكتب عن موضوعات عالمية مجردة.</p>
<p dir="rtl">الأدب ينبع من الحياة اليومية، لكن هل هذه الحياة محددة بحدود الوطن؟ ما الوطن؟ إنه مكان يمنح الناس فرصة للنمو، وليس شيئًا يُحوَّل إلى عَلَم وشعار.</p>
<p dir="rtl">في <i>"</i>هدنة<i> </i>مع<i> </i>المغول<i> </i>أمام<i> </i>غابة<i> </i>السنديان<i>"</i>، أقول "إِذا ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغَسيلْ ثم نَصْنَع منها جوارب".</p>
<p dir="rtl">لا أكرّس حياتي من أجل عَلَم.</p>
<p dir="rtl">جان جينيه قال ذات مرة إنّ الوطن فكرة سخيفة، إلا بالنسبة لأولئك الذين لا يملكونه بعد.</p>
<p dir="rtl">فأجابه الشاعر الإسباني غويتيسولو:"وماذا بعد أن يصبح لهم وطن؟"</p>
<p dir="rtl">ردّ جينيه :فليرموه من النافذة.</p>
<p dir="rtl"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="alignleft wp-image-38165" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/679544122_967515502909456_5835376582351773598_n.jpg" alt="" width="264" height="390" /></p>
<p dir="rtl"><b>- ه.ي.:أشعر، بشكل متزايد في شعرك خلال العقد الأخير، بنوع من التقارب مع التصور "اليهودي" الذي تبلور عبر قرون المنفى، فيما يتعلق بالعلاقة بين النص والواقع، وبين </b><b>"</b><b>المكان" المجرد والمكان الفيزيائي</b><b>.</b><b><span class="Apple-converted-space">  </span>أدرك أن مقارنة المصير اليهودي بالمصير الفلسطيني تزعجك، لأنها تنطوي على إيحاء بمنافسة ضمنية حول من هو الضحية الأكبر</b><b>.</b></p>
<p dir="rtl"><b>م.د.</b> أولًا، هذه المقارنة لا تزعجني ما دامت تُطرح في سياق أدبي عميق، لأن الأدب، في جوهره، لا يعترف بالقوميات. أعتقد أن هذا التعقيد-قبول المقارنة أو رفضها-سيُحَلُّ مع تحقيق السلام، حيث لن يخجل اليهودي حينها من الاعتراف بالمكوّن العربي فيه، ولن يتردد العربي في الإقرار بأن هويته تتضمن أيضًا عناصر يهودية، خاصة عندما نتحدث عن "إسرائيل" بالعبرية و"فلسطين" بالعربية.</p>
<p dir="rtl">أنا نتاج لكل الثقافات التي مرت بهذه الأرض-اليونانية، الرومانية، الفارسية، اليهودية، العثمانية. هذا الحضور التاريخي لا يزال حيًّا حتى في لغتي، فكل حضارة قوية مرت هنا تركت أثرًا. أنا ابن لكل هؤلاء الآباء، لكنني أنتمي إلى أم واحدة.</p>
<p dir="rtl">هل هذا يعني أن أمي كانت زانية؟ لا. أمي هي هذه الأرض، التي استوعبت الجميع، كانت شاهدة، وكانت ضحية في الوقت ذاته.</p>
<p dir="rtl">أنا أيضًا ابن للثقافة اليهودية التي كانت موجودة في فلسطين، ولذلك لا أتحفظ على المقارنة. لكن بسبب التوتر السياسي، حيث يتم تصوير وجود إسرائيل على أنه نفي للفلسطينيين، ووجود الفلسطينيين على أنه نفي لإسرائيل، لم نصل بعد إلى القبول بحقيقة أننا أبناء ظروف متشابهة، وبدلًا من ذلك دخلنا في منافسة حول من هو الضحية الأكبر.</p>
<p dir="rtl">لقد سمعت بالفعل بعض الصهاينة يفقدون صوابهم عندما يُذكَّرون بأن الكارثة لم تكن حكرًا على اليهود، مثل إيلي فيزل، الذي كتب مستنكرًا:"لماذا<i> </i>يقولون<i> </i>إن<i> </i>ما<i> </i>يحدث<i> </i>في<i> </i>البوسنة<i> </i>هو<i> </i>هولوكوست؟<i>"</i> وكأن هناك احتكارًا يهوديًا للمأساة.</p>
<p dir="rtl">في كل مرة تتم دعوتي إلى مهرجان أدبي أو برنامج تلفزيوني، يحرص المنظمون، من باب التوازن السياسي، على دعوة كاتب إسرائيلي إلى جانبي. في إيطاليا، اقترحوا أن أنشر كتابًا مشتركًا مع ناتان زاخ . قلت لهم: إذا كنتم تعتقدون أن ناتان زاخ شاعر جيد، وأنا أعتقد ذلك أيضًا، وإذا كنتم ترونني شاعرًا جيدًا، رغم أنني لست متأكدًا من ذلك، فلتصدروا كتابًا له وكتابًا لي. لماذا يجب أن أُعرَّف دائمًا من خلال علاقتي-سلبًا أو إيجابًا-بالإسرائيليين؟</p>
<p dir="rtl">هذا تسييس للأدب، وهو ما رفضته دائمًا.</p>
<p dir="rtl">لكن، هل هناك قواسم مشتركة بين رحلتي الشعرية والتجربة اليهودية؟ أعتقد ذلك. من منظور المصير الإنساني، هناك الكثير من التقاطعات. هذا أمر جيد وسيئ في الوقت نفسه.</p>
<p dir="rtl">ما أخشاه هو أن يؤدي ذلك إلى خلق غيتو جديد... غيتو نستمتع به.</p>
<p dir="rtl"><b>-</b><b> ه.ي.:</b><b>لقد سمعتُ أيضًا إسرائيليين يرون في الفلسطينيين إخوتهم في هذه الأرض. هل يمكنك أن تشعر بذلك تجاه اليهود؟</b><b></b></p>
<p dir="rtl"><b>م.د.</b> ليس بعد، لأنني منفصل عن الأرض منذ ستة وعشرين عامًا. هيلين، المنتصر هو من يملك رفاهية التسامح، فهو قادر على أن يكون معتدلًا. لو كنتُ أنا المنتصر، لربما استطعتُ قول ذلك. لكن في الوقت الحالي، لا تصدقيني إن قلتُه.</p>
<p dir="rtl">للمحبة شروط. يجب أن يكون المحب مقبولًا، وألّا يكون جائعًا. صحيح أن الحب لا يقوم على مساواة مطلقة، لكنه يتطلب على الأقل شعورًا بالقبول والرغبة المتبادلة. حتى الآن، الفلسطينيون لم يشعروا بأنهم مقبولون.</p>
<p dir="rtl">ما تقولينه يبدو رائعًا للسّمع، لكن الفلسطيني هو الذي يجب أن يقول لكِ إنكِ أخته، ويجب أن يُتاح له الوقت والمساحة للوصول إلى هذا الفهم. ولكن قبل ذلك، دعيه يعبّر عن شكواه.</p>
<p dir="rtl"><b>-</b><b> ه.ي.:</b><b>هناك عدد لا بأس به من الإسرائيليين يتحدثون عن مأساة "عدالة مقابل عدالة</b><b>"</b><b>.</b><b><br />
</b>أنا لا أقبل بأن يكون الطرفان على حق، فالعدالة لا تواجه العدالة-هناك عدالة واحدة.</p>
<p dir="rtl">أفضّل: كيانًا ضد كيان، رواية ضد رواية، حجة ضد حجة، غياب في مواجهة حضور، أو العكس.<br />
لكن ليس عدالة مقابل عدالة.<span class="Apple-converted-space">  </span>هذا أكبر خداع سمعته في حياتي، مثل الخداع الآخر: "أرض<i> </i>إسرائيل<i> </i>هي<i> </i>أرض<i> </i>بلا<i> </i>شعب<i> </i>لشعب<i> </i>بلا<i> </i>أرض<i>."</i> كلاهما كذبتان.</p>
<p dir="rtl"><b>- ه.ي.: ما العبرية بالنسبة لك؟</b><b></b></p>
<p dir="rtl"><b>م.د.</b> هذا سؤال معقّد للغاية، ولا يمكنني الإجابة عليه باستخفاف...</p>
<p dir="rtl">أي عبرية؟</p>
<p dir="rtl">العبرية هي أول لغة أجنبية تعلمتها، في سن العاشرة أو الثانية عشرة. بهذه اللغة تحدثتُ مع الغريب، مع الشرطي، مع الحاكم العسكري، مع المعلم، مع السجّان، ومع الحبيبة.</p>
<p dir="rtl">لذلك، لا تحمل لديّ معنى "لغة المحتل"، لأنني تحدثتُ بها بكلمات الحب، وهي أيضًا لغة أصدقائي.</p>
<p dir="rtl">علاقتي بها علاقة نقية. لقد فتحت لي الباب إلى الأدب الأوروبي. قرأتُ لوركا بالعبرية، وقرأتُ أيضًا ناظم حكمت، ذلك الشاعر الذي فُرض على المعسكر اليساري. أما المأساة الإغريقية، فقد قرأتها لأول مرة بالعبرية.</p>
<p dir="rtl">العبرية أيضًا لغة ذكريات طفولتي. عندما أقرأ العبرية، أتذكر المكان. إنها تحمل معها المشهد.</p>
<p dir="rtl">كثير من أصدقائي في أوروبا يغارون مني لأنني أستطيع قراءة التوراة بلغتها الأصلية. لم أتوقف عن قراءة العبرية، حتى الصحافة الإسرائيلية. أنا مهتم بالأدب، وخاصةً بالشعر. آمل أن تتاح لي الفرصة لإعادة إحياء اللغة في داخلي.</p>
<p dir="rtl">ليس لديَّ أي عقدة تجاهها.</p>
<p dir="rtl"><b>- ه.ي.: تتحدث عن الآخر، وعادةً ما يكون الآخر هو الفلسطيني</b><b>.</b><b> هل يوجد في داخلك اليوم مكانٌ لآخر يكون اليهودي، الإسرائيلي؟</b><b></b></p>
<p dir="rtl"><b>م.د.</b> لا يمكن الهروب من المكان الذي احتله الإسرائيلي في هويتي. إنه موجود، رغم ما أفكر فيه. إنه حقيقةٌ جسديةٌ ونفسية. الإسرائيليون غيّروا الفلسطينيين، والعكس صحيح. الإسرائيليون لم يعودوا نفس الأشخاص الذين جاؤوا، والفلسطينيون لم يعودوا نفس الأشخاص الذين كانوا.<br />
داخل الواحد يوجد الآخر. إذا خرج الإسرائيلي من هويتي، هل ستنهار هذه الهوية؟<br />
أظنّ أن هذا كان سؤالك.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0000;">هذا الكتاب</span></strong></p>
<p dir="rtl">يقدّم العمل قراءة مركّبة ومغايرة لحضور الشاعر الفلسطيني محمود درويش داخل الوعي الثقافي الإسرائيلي، عبر بناء منهجي يقوم على ثلاثة فصول رئيسية متكاملة. يضمّ الفصل الأول حوارات أجراها مثقفون وصحفيون إسرائيليون مع درويش بين الأعوام 1987 و2008، تكشف عن رؤيته للهوية والمنفى وعلاقته بالشعر والسياسة، وتُبرز صورته كما تتشكّل في نظر “الآخر”، بين شاعر يدافع عن موقعه الرمزي والثقافي وشخصية تُثير القلق والجدل، فيما يقدّم الفصل الثاني مجموعة مختارة من المقالات النقدية من الصحافة الإسرائيلية الممتدة من 1988 حتى 2016، والتي تعكس تباين المواقف منه بين الإعجاب بقيمته الشعرية العالمية والاختلاف معه سياسيًا، كاشفةً عن حضوره كشاعر وخصم وصديق في آن واحد، بينما يسلّط الفصل الثالث، "ريتا، الوجه الآخر للقصيدة<b>"</b>، الضوء على البعد الإنساني والشخصي في حياته من خلال تجربة تمار بن عامي ومراسلاتها معه وحوارها حوله، بما يفتح نافذة على عالمه العاطفي وانعكاساته في شعره. وفي هذا الإطار، يبرز درويش حالةً جدالية تتجاوز كونه شاعرًا وطنيًا إلى موقع صراع رمزي داخل الثقافة الإسرائيلية. فهو، من جهة، شاعر مُحتفى به لجماليته وقدرته على اختراق فضاء التلقي العبري، ومن جهة أخرى، يظلّ “الآخر” الذي يُربك السردية الإسرائيلية ويحمل في نصّه رواية مضادة عصيّة على الاحتواء، وهي الازدواجية التي تكشف أن حضوره لم يكن أدبيًا خالصًا، بل سياسيًا وثقافيًا بامتياز، حيث يتحوّل شعره إلى مساحة مواجهة غير مباشرة بين سرديتين، ويتعزّز ذلك بما تشير إليه مقدمة الكتاب من أن درويش لم يُقرأ في إسرائيل كشاعر فقط، بل كظاهرة تُختبر من خلالها حدود الاعتراف بالآخر وإمكان فهمه، ليغدو حضوره المستمر سؤالًا مفتوحًا يتجاوز النص إلى ما هو أبعد منه. الكتاب من <span dir="ltr">إصدار منشورات راية عام 2026 و</span>من تقديم للبروفيسور باسيليوس حنّا بواردي الذي وضع العمل في سياقٍ فكري أوسع، مشيرًا إلى أن "قراءة درويش في الثقافة الإسرائيلية لا تكشف الشاعر فحسب، بل تكشف حدود هذه الثقافة في قدرتها على مواجهة الآخر واستيعابه"، وهو ما ينسجم مع بنية الكتاب ومقاصده.</p>
<p dir="rtl">
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38159">محمود درويش في الثقافة الإسرائيلية: الأحلام ستتحقق، وماذا بعد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المعنى في ما لا يكتمل: &quot;الماء والنقصان&quot; لعلي قادري</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35927</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 31 Jul 2025 05:37:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35927</guid>

					<description><![CDATA[<p>"يبقى الشعر، على مرّ العصور، تلك المادّة المشحونة بأسئلة الإنسان المنطلقة من ذاته والمشغولة باللغة والعالم"، يقول الشاعر الفلسطيني علي قادري في حوار أجريته معه. غير أن هذه الأسئلة، في ديوانه الماء والنقصان (2024)، لا تُطرح من منبر التأمّل المجرّد، بل من موقع الفقد والتمزّق، حيث النقص ليس عارضًا بل شرطًا وجوديًا ومعرفيًا، وحيث اللغة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35927">المعنى في ما لا يكتمل: &quot;الماء والنقصان&quot; لعلي قادري</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><i><span style="font-weight: 400;">"يبقى الشعر، على مرّ العصور، تلك المادّة المشحونة بأسئلة الإنسان المنطلقة من ذاته والمشغولة باللغة والعالم"،</span></i><span style="font-weight: 400;"> يقول الشاعر الفلسطيني علي قادري في حوار أجريته معه. غير أن هذه الأسئلة، في ديوانه </span><i><span style="font-weight: 400;">الماء والنقصان</span></i><span style="font-weight: 400;"> (2024)، لا تُطرح من منبر التأمّل المجرّد، بل من موقع الفقد والتمزّق، حيث النقص ليس عارضًا بل شرطًا وجوديًا ومعرفيًا، وحيث اللغة لا تُنتج المعنى إلا من داخل تعثّر المعنى.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">وفي قلب هذا النقص، تتشكّل ذات شعرية مأزومة، تكتب لتُبقي الجرح مفتوحًا، ولتقاوم به محو الهويّة. ومن هذا الأفق، يغدو </span><i><span style="font-weight: 400;">"الانتماء الفلسطينيّ أرقى أشكال الأممية والكونية الإبداعية"</span></i><span style="font-weight: 400;">، يصرّح قادري في الحوار نفسه، وتتّخذ القصيدة موقعًا غير محايد أمام سؤال العدالة. فهنا، يتحوّل الماء إلى استعارة لتفلّت الهوية، ومرآة يتشكّل فيها المعنى من هشاشته لا من اكتماله.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ديوان </span><i><span style="font-weight: 400;">الماء والنقصان</span></i><span style="font-weight: 400;"> (دار راية، 2024)، لا يظهر الماء رمزًا مألوفًا أو استعارة مستهلكة، بل قيمة وجودية متحوّلة، كجذر ينبت من النقص ويمتدّ في فراغ الهوية. هنا، لا يتدفّق الماء باتجاه الخلاص، بل يُستدعى كأثر للفقد، وكمجال يعيد مساءلة الذات في هشاشتها، وجسدها في قابليته للانمحاء. تستدعي هذه الرؤية طيفًا من التصورات الشعرية والفلسفية التي تعاملت مع الماء كمجال لتحوّل المعنى وزعزعة الهوية، من نهر ليثي الذي يطهّر الذاكرة في </span><i><span style="font-weight: 400;">الكوميديا الإلهية</span></i><span style="font-weight: 400;"> لدانتي، إلى نهر الحياة عند بليك، إلى تمثيل الماء لتقلّب الحقيقة عند والاس ستيفنز، حيث "الحقيقة تُشبه النهر الذي يُغيّر ضفافه كلّما مرّ عليه الزمن". وفي هذا السياق، يتعامل ديوان قادري مع الماء لا كعنصر زخرفي أو استعاري، بل كبنية وجودية متغيّرة، كمبدأ يخلخل استقرار الهوية، ويُعيد مساءلة الذات والذاكرة والغياب. رؤية تتقاطع مع التصوّر الهيرقليطي للوجود كتدفّق لا يثبت، حيث لا يكون الكائن هو ذاته في لحظتين، تمامًا كما لا يمكن عبور النهر مرتين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تطالعنا القصيدة الأولى، "فصل الخوف العادي"، وفيها تتكشّف التجربة الوجودية بوصفها مواجهة مع الخوف، لا كحالة عابرة بل كفصل دائم من الحياة: "تيقّنت أنّ الدّنيا / لا تحملُ إلا فصلا واحدا / هو فصل الخوف". لا يظهر الخوف هنا كعرض، بل كبنية ثابتة في جسد الوجود، كحقيقة سفلية تظلّ بعد انكشاف سائر الأوهام. وفي مواضع أخرى من الديوان، يتكرّس حضور الماء لا كعنصر تطهيري أو خلاص نهائي، بل كوسيط للارتجاع الداخلي، ولتأمّل الذات في قلقها وتشوّشها. يقول الشاعر:</span><i><span style="font-weight: 400;"> "حين يعود الماءُ إلى منبعه / وتعودُ الفراشةُ إلى يرقتها / ... / ربّما / يعودُ قلبي خفّاقًا بالحبّ وأسرار البحث".</span></i><span style="font-weight: 400;"> في هذا المقطع، تستدعي الذات فكرة العودة إلى لحظة أصلية، ما قبل الخسارة والانكسار؛ حالة من النقاء المجرّد، حيث لم تتورّط بعدُ بالمعرفة أو الجرح. غير أن هذا الرجوع يظلّ مشروطًا، معلقًا على "ربّما"، التي تقوّض اليقين، وتحوّل الحنين ذاته إلى شعور هشّ، متردّد، لا يبلغ اكتماله.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا التوق إلى العودة لا يتحقق، بل يعيد الذات إلى نقطة الصدمة؛ ففي قصيدة "أحلامي الخائفة"، يتحوّل الماء إلى طقس عبور، لكنه لا يغسل الجرح، بل يؤطّره ويجعله جزءًا من تشكّل الكينونة:</span><i><span style="font-weight: 400;"> "بمزيدٍ منَ الماء / لتجاربَ تعمّدني بالعافية / أثر الصّدمة". </span></i><span style="font-weight: 400;">الولادة هنا لا تنفصل عن الجرح، بل تُعاد صياغتها كاستمرار للصدمة، لا كنقطة تجاوز لها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويتواصل هذا المسار التفكيكي في مقاطع أخرى، حيث حتى الرموز الأكثر صلابة وثباتًا، كالحجارة، لا تسلم من الهشاشة. فيقول:</span><i><span style="font-weight: 400;"> "الحجارةُ التي على شكلها الأول / تنصاعُ لدموع الأركيولوجيّ والصّيادين". </span></i><span style="font-weight: 400;">هكذا تنهار صورة الرسوخ التقليدي، ويظهر أن ما نعدّه ثابتًا، يمكن أن ينحني تحت وطأة العاطفة. فالصلابة لم تعد صفة جوهرية، بل حالة قابلة للتفكّك أمام الأثر الشعوري.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img decoding="async" class="size-full wp-image-35929 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/qadri-cover-beirout-raya2-1.jpg" alt="" width="1111" height="874" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/qadri-cover-beirout-raya2-1.jpg 1111w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/qadri-cover-beirout-raya2-1-300x236.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/qadri-cover-beirout-raya2-1-1024x806.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/qadri-cover-beirout-raya2-1-768x604.jpg 768w" sizes="(max-width: 1111px) 100vw, 1111px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا، يُبنى الديوان على تفكيك الثوابت، حيث الماء لا يطهّر، بل يكشف التشوّش، والحجر لا يثبّت، بل يخضع لبكاء الأركيولوجي والصياد. كل محاولة للرجوع تتحوّل إلى معاينة جديدة </span><span style="font-weight: 400;">للخسارة، وكل تمثيل للصلابة يُقوّض أمام قلق المعنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هذا التصدّع، تنبثق البنية الزمنية للديوان: لا يسير الزمن فيه بخطّ كرونولوجي مستقيم، بل يتموّج بين الحاضر والذاكرة، كما لو أن الذات لا تُقيم في زمن بعينه، بل تتقطّع بين أطياف من اللحظات والانفصالات. لا توجد صورة واحدة للذات، بل تشظٍّ لا يكفّ عن إعلان غربته:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><i><span style="font-weight: 400;">"لستُ أناي في الحلم / لستُ أرضي / ولا رداءَ جسدي المثخن بالهرمونات التّعيسة".</span></i><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">نحن هنا أمام اغتراب مضاعف، لا عن العالم الخارجي فحسب، بل عن الجسد، عن الاسم، عن الحلم ذاته. اغتراب يتغذّى من إدراك دائم للنقص، لا بوصفه خللًا، بل كشرط ضروريّ للمعنى.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><i><span style="font-weight: 400;">"كنتُ أبحثُ / عن ظلّ الوردةِ الدّافئ / فوجدْتُ مائي / وحنيني ناقصًا".</span></i><span style="font-weight: 400;"> وهكذا يظهر الحنين، لا كقوّة راجعة إلى الماضي، بل كأثر متبقٍّ، كنداء لما لا يمكن استعادته، لما لم يكتمل قطّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتتعمّق هذه الرؤية في مقاطع الحب، حيث لا يكون الآخر ملاذًا، بل امتدادًا آخر للتفتّت. فالعلاقة العاطفية، بدل أن تمنح الذات شكلًا جديدًا من الاكتمال، تُعيد إنتاج الجرح بلغة الماء نفسها:</span><i><span style="font-weight: 400;"> "نزلَتْ شفتاكِ الملتهبتان / إلى نهري / وأحزاني / ولفَفْتُ ماءَكِ وأشواقَكِ / بثوبِ العذاب"،</span></i><span style="font-weight: 400;"> فالعاطفة تُكتب هنا من موقع التصدّع، لا من الالتحام؛ حيث لا شفاء في التقرّب، بل تجلٍّ آخر للألم المتبادل. لا خلاص، بل تداخل للمياه، حيث يتحوّل الحب إلى مجرى جديد للخذلان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لا يقدّم </span><i><span style="font-weight: 400;">الماء والنقصان</span></i><span style="font-weight: 400;"> شعرًا عن موضوعات، بل عن توتّرات بنيوية في الوعي: بين الحضور والغياب، التذكّر والنسيان، الاكتمال والتفتّت. النصوص لا تُقفل على معنى، بل تنفتح على مجرى جديد في كل قراءة. هي ليست دعوة إلى الانتهاء، بل إلى التماهي مع ما لا يكتمل.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35927">المعنى في ما لا يكتمل: &quot;الماء والنقصان&quot; لعلي قادري</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ألبرتو مانغويل: غياب مؤسسة حيوية عن الخطط الكبرى لغزة (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35145</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 26 Mar 2025 11:30:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35145</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها ألبرتو مانغويل خصيصاً للمجلة ، في٥/٣/٢٠٢٥. &#160; في قمة عربية طارئة عُقدت مؤخرًا في القاهرة، وضع القادة العرب خطة لإعادة إعمار غزة، مع التأكيد على عدم تهجير الفلسطينيين الباقين فيها على قيد الحياة. وتضمنت الخطة تشكيل لجنة إدارية تتولى إدارة القطاع مؤقتًا، على أن يُنقل الحكم لاحقًا إلى القيادة الفلسطينية المعترف بها دوليًا في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35145">ألبرتو مانغويل: غياب مؤسسة حيوية عن الخطط الكبرى لغزة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;">كتبها <span style="font-weight: 400;">ألبرتو مانغويل خصيصاً للمجلة ، في٥/٣/٢٠٢٥.</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">في قمة عربية طارئة عُقدت مؤخرًا في القاهرة، وضع القادة العرب خطة لإعادة إعمار غزة، مع التأكيد على عدم تهجير الفلسطينيين الباقين فيها على قيد الحياة. وتضمنت الخطة تشكيل لجنة إدارية تتولى إدارة القطاع مؤقتًا، على أن يُنقل الحكم لاحقًا إلى القيادة الفلسطينية المعترف بها دوليًا في الضفة الغربية. واعتُبر هذا المقترح خطوة أولى نحو تحقيق حلم طال انتظاره: إعادة توحيد الدولة الفلسطينية المنقسمة، وهو الحلم الذي طالما راود الفلسطينيين في الوطن والشتات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن يبدو أن هذا الاقتراح لم يأخذ في الاعتبار واحدة من أهم المؤسسات الفلسطينية، التي وصفها مديرها، عيسى قراقع، بأنها "مشروع دولة، بل أكبر من الدولة نفسها، لأنها تجسد الذاكرة الفلسطينية العميقة والممتدة عبر تاريخ فلسطين الطويل": المكتبة الوطنية الفلسطينية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المكتبات الوطنية، سواء كانت أسطورية كمكتبة الإسكندرية، أو واقعية ومتواضعة مثل المكتبة الوطنية الأوكرانية "فيرنادسكي"، هي قبل كل شيء مبانٍ رمزية. وكما كتب عيسى قراقع بعبارة بليغة: "الأمة التي لا تمتلك مكتبة وطنية، لا وجود لها." فهذه المكتبات تمثّل جوهر هوية قرّائها سواء كانوا ملوكًا ذوي طموح أو ضحايا صامدين، وتمنحهم مرآة لفهم ذاكرتهم الثقافية والسياسية، ولغتهم وأدبهم، وأسباب وجودهم والأساطير التي تشكّل وعيهم الجمعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما المكتبات العادية، سواء كانت عامة أو خاصة، فهي عوالم محددة بمحتوياتها المختارة واستخداماتها الانتقائية. في المقابل، تُجسّد المكتبة الوطنية فضاءً شاملاً يحتوي على كل هذه العوالم ويمنحها البقاء. فالمكتبة الخاصة قد تُروى من منظور فردي، بينما تشكّل المكتبة الوطنية جوابًا جماعيًا على لعنة برج بابل؛ تحوّل فوضى اللغات التي أراد الله بها معاقبة الطموح البشري إلى نظام إنساني راقٍ، وإلى وسيلة للتفاهم والحوار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رأى الفلاسفة الرواقيون في اليونان القديمة، ومن تبعهم من شُرّاح العصور الوسطى، أن الكون كائن حيّ نابض، يتكوّن من جسد وروح. وانطلاقًا من هذا التصوّر، فإن الإنسان ليس إلا صورة مصغّرة عن هذا الكون الشاسع والمبهم، فيما يُعدّ الكون ذاته تجسيدًا مضخّمًا للإنسان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">آمن هؤلاء المفكرون بأن الروح البشرية، كونها جزءًا من الروح الكونية، هي بالنسبة للجسد البشري مثلما الروح الكونية بالنسبة للكون، وأن الجزء العقلي من هذه الروح يعمل داخل كل فرد كما يعمل العقل الكوني في مجمل الكون. والأهم من ذلك، أنهم اعتقدوا بأن الكون يؤثر في الإنسان كما يؤثر الإنسان في الكون. فإذا كان الكون كله جسدًا عضويًا واحدًا يمتلك الحياة والحركة والروح، فإن المكتبة يمكن اعتبارها مستودعًا لكلتا الروحين، الكونية والبشرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا ما قصده بورخيس عندما اقترح أن مصطلحي الكون والمكتبة ليسا سوى وجهين لمفهوم واحد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قلتُ إنّ المكتبة الوطنية، مجازيًا، تُجسّد هوية قرّائها. وكما قال محمود درويش بأنّ المجاز عن فلسطين أقوى من فلسطين على أرض الواقع. وهذا لا يشير فقط إلى ما يؤمن به هؤلاء القرّاء عن أنفسهم، بل أيضًا إلى ما يختارون تذكّره من تجربتهم الماضية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فالمكتبة، كما يوضح ريتشارد أوفيندن، مدير مكتبة بودليان، هي فضاء للأدلّة؛ لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تكشف أيضًا ما نُعرض عنه، ما نختار أن ننساه، أو نمحوه من الذاكرة الجمعية. فكل مكتبة، بطبيعتها، قائمة في ظلّ شكلٍ من أشكال الرقابة: سواءً بسبب إقصاء متعمّد أو ضرورات قاهرة ناتجة عن شُحّ الموارد أو ضيق المساحة أو خشية السلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، حتى في حضور الرقابة، تظلّ المكتبة الوطنية رمزًا للتطلّع إلى ما يمكن أن يكون عليه العالم في أفضل صوره، أو إلى ما قد نندم على ما ضاع منا إلى الأبد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدرك الإنسان، منذ فجر البشرية، أنه لا يستطيع البقاء منفردًا. ومع ذلك، لا يزال الفرد يُفتَن مرارًا بوهم الانعزال، فيغفل عمّا يجمعه بغيره من بني جنسه، وما يمكّنه من الصمود في وجه الأخطار التي تتهدّده.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد مُنحنا جميعًا إمكانية الإيمان، الأمل، والمحبة، وقبل كل شيء الكاريتاس، تلك المحبّة الفاعلة التي  تُضفي المعنى على كلّ فضيلةٍ سواها. والتاريخ، في مآسيه الكبرى، أثبت مرارًا، ورغم الصيحات العالية للطغاة المتعطشين للدماء وأصحاب اليمين المنفلت أن الأنانية ليست فضيلة، وأن من منفعته على حساب الآخرين إنما يحكم على نفسه بالهلاك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحمل المكتبة بين رفوفها هاتين الإمكانيتين المتناقضتين: الأولى تحت شعار رامبو: "الأنا هو الآخر". والثانية، تحت صرخة الفاشية الإسبانية: "يحيا الموت".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابه "السيد ومبعوثه "(2009) ، يجادل الطبيب النفسي إيان ماكغيلكريست بأن نصفي الدماغ البشري يمكن النظر إليهما بوصفهما يمثلان وظيفتين مختلفتين: المنطق والإبداع. النصف الأيسر يتعامل مع التفاصيل، بينما يركّز النصف الأيمن على الصورة الكلية. هذان النمطان من الإدراك لا يتعارضان، بل يمنح كلٌّ منهما الأفضلية لنمط معيّن من الفهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يراقب النصف الأيمن المحيط العام، ويهتم بالعواقب طويلة المدى لأفعالنا. أما النصف الأيسر فيركّز على التقاط فريسة واحدة، أو بلوغ هدف مباشر. وإذا تُرك المجتمع خاضعًا بالكامل لهيمنة النصف الأيسر، فسينزع إلى تجاهل التعاطف، وإهمال البيئة، والتعامي عن نتائج الأفعال الأنانية المتمركزة في اللحظة الراهنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يرى التلموديّ في النصف الأيسر تمثيلًا للعالَم الصغير، وفي النصف الأيمن صورةً للعالَم الكبير؛ والصراع بين هذين القطبين، في البيولوجيا كما في الميتافيزيقا، صراع متشابه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشير تاريخنا إلى أن النصف الأيسر بات مهيمنًا منذ الثورة الصناعية على الأقل، وأننا انعزلنا في قواقعنا، بعيدًا عن الآخرين وعن العالَم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، تواصل مكتباتنا تذكيرنا بأن التوازن بين النصفين جوهري. ما إذا كنّا نصغي لهذا التذكير، فتلك مسألة أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سومر القديمة، كان يُنظر إلى الأحداث الأرضيّة للسياسة والدين على أنها انعكاسات لما يجري في السماء. ما يحدث على الأرض له ما يقابله في عالم الآلهة، ولا يُفهم إلا في ضوئه. سلوك الملك، مثلًا، كان يُرى في حركة الكواكب، وكانت أسرار الآلهة تُكتشف في أحشاء حيوانٍ يُقدَّم قربانًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في واحدة من أقدم الملاحم التي وصلتنا، يُروى أن سكّان مدينة أوروك عاشوا تحت حكم ملك شاب متسلّط يُدعى جلجامش، اشتهر بظلمه وقسوته. كان يستخفّ بالمعرفة، ويهوى المصارعة، ويُجبر الرجال على مصارعته "حتى وإن كان لديهم ما هو أهمّ"، ويستمتع بإذلال النساء، حتى العرائس منهنّ. فدعا أهلُ أوروك الآلهةَ أن تجد لهم مخرجًا. لكنهم لم يطلبوا موت الملك، لأنهم أدركوا أن المجتمع السليم يجب أن يتعافى دون أن يلجأ إلى القتل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استجابت الآلهة بإرسال رجل بريّ يُدعى أنكيدو ليصارع الملك. وفي هذا الصراع الجسدي بين الحضارة الفاسدة والطبيعة البريئة، خرج الرجلان وقد تغيّرا. في تاريخ البشرية، يظهر جلجامش وأنكيدو بأسماء مختلفة، لكن الصراع نفسه يتكرّر. يجب على جلجامش أن يتعلّم كيف يحكم بالعدل، وعلى أنكيدو أن يتعلّم قوانين المجتمع. ولا بدّ من تكرار هذه الرحلة مرة بعد مرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا تقوم المجتمعات إلا على أسس العدالة والرحمة. ويجب علينا أن نعيد تذكير أنفسنا بهما باستمرار، حتى لا نضلّ الطريق باسم "التقدّم". وكما كتب غلبرت كيث تشيسترتون ساخرًا: "من الواضح أنه لا أمان في مجتمعٍ تُعتبر فيه مقولة رئيس المحكمة بأن القتل خطأ مقولةً مبتكرة ومبهرة". ولكي يحمي المجتمع نفسه من نفسه، علينا أن نعلّق هذه البديهيات على كل باب، ونضعها على كل رف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يبدو أن تجارب البشرية تنتهي إلى نتيجة حاسمة. يعود الميكروكوزم الإنساني مرارًا وتكرارًا إلى حالٍ من الظلم المتعمّد والطموح الأناني، يركّز على ما يريده الفرد لنفسه وحده، ويقابله دومًا الماكروكوزم بعواقب هذه الأفعال في محاولة لإعادة التوازن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ملحمة جلجامش، يتجسّد هذا التوازن في موت أنكيدو، رمز الطبيعة. أما نحن، فنواجه تحذيرات متكررة من انقراضٍ محتمل للحياة البشرية على الأرض. كان رعايا جلجامش يصلّون للآلهة طلبًا للخلاص. وربما نحن، عوض الصلوات، نحتاج إلى شيء آخر: أفعال صغيرة من المقاومة، متكررة وعنيدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أفعال صغيرة من المقاومة، لا تجيز مرور الكوارث المتعمّدة في صمت. رفض بسيط للخضوع في لحظات الظلم. انسحابات متواضعة من المشاركة في أعمال الخراب المتعمّد. هذه بعض الاستراتيجيات التي قد تتيح لنا، ربما، فرصة للبقاء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأعراف اليهودية، يعتمد خلاص البشرية على ستة وثلاثين شخصًا من "الأبرار الخفيّين"، يُعرفون باسم "لاميد- فوفنيك" (الأبرار الخفيّون الستة والثلاثون)، لا يعرف أحدهم الآخر، ويقوم على وجودهم مصير العالم. أما في الإسلام، فيرتفع هذا العدد إلى أربعين. فقد سمع الخليفة عثمان بن عفان والده يقول إن عدد الأبرار أربعون. فسأله: "أأربعون رجلا؟"، فأجابه والده ألا يقول رجالا، وإنّما بشر، لأن بين هؤلاء أيضًا يوجد نساء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يكون أحد هؤلاء الأبرار الأقل ظهورًا بيننا، لكنّ التعرّف عليهم يتطلّب منّا فضيلة المحبة، أو "الكاريتاس"—قدرتنا على التماهي مع الآخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأدب الذي جمعناه عبر العصور على رفوف مكتباتنا، بكل ما فيه من غموض ثري ولا نهائي، قادر أن يعلّمنا التعاطف مع شايلوك كما مع ماكبث، الشفقة على بريام كما على آخيل، الحبّ لأنتيغونا كما لهكوبا. يخبرنا، كما في الأوديسة، أن كلّ حياة هي رحلة، وكما في الإلياذة، أن كلّ حياة هي معركة، وأننا جميعًا منفيّون وكادحون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يسمح لنا، مثل بارتلبي، أن نرفض أن نكون شركاء في بيروقراطية عبثية أو أنظمة ظالمة، ويمنحنا الحق أن نقول علنًا: "أؤثر ألّا أفعل." لكن خطاب هذا الزمن هو نقيض الأدب. لا يحتمل غموضًا، ولا يطرح أسئلة مفتوحة تخلق حوارًا. ينقض مبدأ الكاريتاس، معلنًا لا أهمية الآخر، أو، ما هو أسوأ، إنكار وجوده. يردّد صدى عبارة روما: "يجب تدمير قرطاج." يمارس الإبادة، ويمحو ثقافات تعتبر "غريبة"، ويسجن الكتّاب والفنّانين، ويحرق الكتب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكما يعرف أي قارئ، فإن هذا الواقع ليس حكرًا على زمننا. ففي عام 213 قبل الميلاد، أمر الإمبراطور الصيني تشين شي هوانغ بإحراق كتب كونفوشيوس، وأعدم 460 من علماء الكونفوشية حرقًا. وفي عام 1258، أضرم الأمير المغولي هولاكو خان النار في مكتبة بيت الحكمة أثناء حصاره لبغداد. وفي عام 1562، أمر الأسقف الكاثوليكي دييغو دي لاندا بتدمير مدوّنات حضارة المايا في يوكاتان. أما في نيويورك في القرن التاسع عشر، فقد دمّر أنطوني كومستوك، مؤسّس "جمعية مكافحة الرذيلة" عام 1873، نحو خمسة عشر طنًا من الكتب التي اعتبرها فاسدة. وفي عام 1933، جمع النازيون شاحنات محمّلة بالكتب المصنّفة كـ"غير ألمانية"، وألقوها في نيران ساحة بيبيلبلاتس في برلين. وحتى في قرننا هذا، لا تنقصنا أمثلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في شباط عام 2025، داهمت الشرطة الإسرائيلية "المكتبة العلميّة" في القدس الشرقية، وهي فضاءٌ معروف الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يرتاده الدبلوماسيون الأجانب، والكتّاب الزائرون، والقرّاء اليوميون. وقد تم وضع بائعَي الكتب، محمود منى وأحمد منى، قيد الإقامة الجبرية، ومُنعا من العودة إلى مكتبتهم لمدة خمسة عشر يومًا. سواء كانت مكتبة أو محلّ كتب، فإنّ الاعتداء على مكانٍ يحتضن الكلمة المكتوبة هو جريمة ضد الإنسانية، ويُضاف إلى القائمة الطويلة والمؤسفة من أعمال العنف المرتكبة ضد الكلمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، لا تحدث هذه الأفعال في الظل. ثمة دائمًا من يشهد عليها، وسيتقدّم في النهاية "ملائكة التوثيق" ليشهدوا على هذا الفعل المشين. صوتٌ يرفع نفسه بالاحتجاج، بلاغٌ قانونيّ فردي، مظاهرة شعبية تقف في وجه الجريمة، لافتة شجاعة يرفعها شخص واحد بصمت، كلها دلائل على أن "العالَم الصغير" قادر هو أيضًا على التأثير في حركة "العالَم الكبير" المهيمن.</span></p>
<figure id="attachment_35146" aria-describedby="caption-attachment-35146" style="width: 700px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-35146 size-full" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/6240.jpg.webp" alt="" width="700" height="467" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/6240.jpg.webp 700w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/6240.jpg-300x200.webp 300w" sizes="(max-width: 700px) 100vw, 700px" /><figcaption id="caption-attachment-35146" class="wp-caption-text">Protesters outside court in Jerusalem on Monday. Photograph: Quique Kierszenbaum/The Guardian</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">كما هو الحال مع جماعة "لاميد-فوفنيك" (Lamed-vovniks)، قد لا نعرف يومًا اسم المرأة، ولا ديانتها، ولا جنسيتها، تلك المرأة التي وقفت تتظاهر أمام المكتبة المُداهَمة في القدس، لكن صورة وجودها وحدها تكفي لتؤكّد أن المقاومة، مهما بدت ضئيلة، تظلّ دائمًا خيارًا ممكنًا في وجه الظلم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ هذه الصورة -صورة المحتجّة- جوهرية، ويجب عرضها أمام جميع القرّاء، ليشاهدوها، وليجدوا فيها ما يكفي من الأمل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لأنني، بدافعٍ من الخرافة أو الإيمان الرمزي، أؤمن أن الأشياء الصغيرة -كفردٍ واحد يقف في وجه الطغيان- يمكن أن تتحوّل إلى رمز، إلى مجاز، إلى شارةٍ مرفوعة في وجه الموجة الجارفة من الدمار التي تهبّ على العالم من جديد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">علينا أن نتذكّر أن النصف الأيسر من أدمغتنا، وإن كان مهووسًا بالتفاصيل ومصبّ اهتمامه اصطياد الغنيمة، إلا أنه يستطيع أيضًا أن يرصد العيوب في النموذج المجتمعي الذي أنشأته أنانيتنا. ومن خلال ذلك، يمكن له أن يساعد الكُلّ- أي ذلك "الكون الكبير" المصاب بجشع لا نهاية له وعنف أعمى- على أن يتعافى مرة أخرى، وأن يوفّر إطارًا أكثر صحة لحياتنا على هذه الأرض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مثل كلمةٍ مضيئة في كتابٍ ينتظر بصبرٍ على رفوف المكتبة الوطنية الفلسطينية، متربّصة بقارئها الحقيقي، فإن هذه الصورة تُظهر لنا، بدقّة، قوّة الميكروكوزم المتخيَّل حين يعكس الماكروكوزم المنشود، المتخيَّل أيضًا، الذي يحتويه.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35145">ألبرتو مانغويل: غياب مؤسسة حيوية عن الخطط الكبرى لغزة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أبدا لن يتكرر! … لكنه يتكرر: الكوميكس في تفكيك ذاكرة الحرب من الهولوكوست إلى غزة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34987</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 06 Mar 2025 10:04:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[كوميكس]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34987</guid>

					<description><![CDATA[<p>في عالم تتشكّل فيه السرديات حول الحروب من خلال وسائل الإعلام السائدة والمصالح السياسية، تظهر الصحافة المصورة كأداة قوية تقدم رؤية خامة وغير خاضعة للرقابة حول معاناة البشر. يُعتبر جو ساكو وآرت شبيغلمان من أبرز الشخصيات التي استخدمت السرد المصور لكشف الصراعات السياسية، الصدمات التاريخية، ودورات القمع المتكررة. ليست أعمالهما مجرد إبداعات فنية، بل مواقف [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34987">أبدا لن يتكرر! … لكنه يتكرر: الكوميكس في تفكيك ذاكرة الحرب من الهولوكوست إلى غزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في عالم تتشكّل فيه السرديات حول الحروب من خلال وسائل الإعلام السائدة والمصالح السياسية، تظهر الصحافة المصورة كأداة قوية تقدم رؤية خامة وغير خاضعة للرقابة حول معاناة البشر. يُعتبر جو ساكو وآرت شبيغلمان من أبرز الشخصيات التي استخدمت السرد المصور لكشف الصراعات السياسية، الصدمات التاريخية، ودورات القمع المتكررة. ليست أعمالهما مجرد إبداعات فنية، بل مواقف سياسية واضحة تدفع القارئ إلى مواجهة حقائق غير مريحة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعتبر آرت شبيغلمان من الرواد في استخدام الكوميكس لمعالجة القضايا التاريخية العميقة، حيث نجح في الارتقاء بالرسوم المصورة إلى مستوى الأدب الجاد. يُعد عمله الأشهر </span><i><span style="font-weight: 400;">ماوس (Maus)</span></i><span style="font-weight: 400;">، الحائز على جائزة بوليتزر، شهادة استثنائية على معاناة والده في معسكر أوشفيتز، مستخدمًا رمزية جريئة (اليهود كفئران، والنازيون كقطط). ولم تكن الرواية مجرد توثيق للهولوكوست، بل تناولت أيضًا إرث الاضطهاد وتأثيره العابر للأجيال. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما جو ساكو فهو من رواد الصحافة المصورة، حيث يمزج في أعماله بين التوثيق الصحفي والسرد البصري، مقدمًا روايات تكشف معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما في "</span><i><span style="font-weight: 400;">فلسطين"</span></i><span style="font-weight: 400;"> (Palestine) وهي رواية مصورة غير خيالية توثّق تجربته في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الفترة بين كانون الأول 1991 وكانون الثاني 1992 حيث اعتمد في عمله على الصحافة المصورة لتقديم صورة حقيقية لمعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، دامجًا بين السياق التاريخي والشهادات الشخصية لنقل واقعهم اليومي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما عمله </span><i><span style="font-weight: 400;">هوامش في غزة</span></i><span style="font-weight: 400;">  (Footnotes in Gaza)  فهي رواية مصورة صحفية، نُشرت عام 2009، وتوثّق المجازر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في خان يونس ورفح خلال أزمة السويس عام 1956، حيث قُتل وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة 275  فلسطينيًا في خان يونس و111  في رفح . يعتمد ساكو على مقابلات مباشرة مع فلسطينيين في تلك المناطق، ويربط بين الأحداث التاريخية ووقائع معاصرة مثل هدم المنازل ومقتل الناشطة راشيل كوري، مستخدمًا السرد البصري والتوثيق الصحفي لنقل تأثير الاحتلال بواقعية. يتميز أسلوب ساكو بالغوص الميداني في الأحداث، إذ يسافر إلى مناطق النزاع، يجري مقابلات مباشرة، ثم يعيد صياغة تجارب من التقاهم بأسلوب بصري دقيق. منحته أعماله مكانة مرموقة كصوت يكشف زوايا مسكوت </span><span style="font-weight: 400;">عنها، غالبًا ما تُهمَّش أو تُشوَّه في الإعلام التقليدي.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34990" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-scaled.jpg" alt="" width="1793" height="2560" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-scaled.jpg 1793w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-210x300.jpg 210w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-717x1024.jpg 717w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-768x1096.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-1076x1536.jpg 1076w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/BNCImageAPI_4b67204c-98c1-4cd8-9589-77dee0413ed3_2048x-1435x2048.jpg 1435w" sizes="(max-width: 1793px) 100vw, 1793px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يلتقي المبدعان على صفحة الغارديان في مقولة راهنة ذات صلة بالحرب على غزة اليوم. يعكس عنوان الكوميكس المشترك لشبيغلمان وساكو المنشور في صحيفة الغارديان بتاريخ 14.02.2025، "أبدًا لن يتكرر.. ويتكرر... ويتكرر.. " سخرية مريرة من تكرار المآسي الإنسانية.  إذ أن عبارة </span><i><span style="font-weight: 400;">"</span></i><span style="font-weight: 400;"> أبدًا لن يتكرر</span><i><span style="font-weight: 400;"> "</span></i><span style="font-weight: 400;">، التي ارتبطت تاريخيًا بمنع حدوث إبادة جماعية أخرى بعد الهولوكوست، يتم استخدامها هنا للإشارة إلى أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بأدوار متبدلة.  يفتح هذا التساؤل الجدلي الباب أمام مفهوم تكرار التاريخ (</span><i><span style="font-weight: 400;">The Recurrence of History</span></i><span style="font-weight: 400;">)  لجورج سانتايانا صاحب مقولة " أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره" ، التي تؤكد أن الصراعات والفظائع الجماعية تعيد نفسها في أنماط دورية، خاصة عندما يتم توظيف المعاناة التاريخية لتبرير القمع الجديد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول شبيغلمان في الكوميكس المنشور:" الرعب من حجم الفظائع… ثم الرعب من حجم رد إسرائيل!"، مستخدمًا صياغة متوازنة تعكس إدانته لهجوم حماس دون القبول باستخدامه مبررًا للرد الإسرائيلي المدمر وهو مشهد يعكس مفهوم "التماثل الأخلاقي" (Moral Equivalence Theory)، الذي يرفض السرديات الثنائية التي تصوّر أحد الأطراف كخير مطلق والآخر كشر مطلق. من خلال هذا الطرح، يرفض شبيغلمان الرؤية التبسيطية للصراع، مؤكدًا أن العنف يؤدي إلى مزيد من العنف في حلقة مفرغة، مما يشكّل انتقادًا واضحًا للخطابات الإعلامية السائدة التي تغذي الاستقطاب بدلًا من معالجة الجذور العميقة للأزمة.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34989" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/91JXKqQzsjL.jpg" alt="" width="1058" height="1614" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/91JXKqQzsjL.jpg 1058w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/91JXKqQzsjL-197x300.jpg 197w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/91JXKqQzsjL-671x1024.jpg 671w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/91JXKqQzsjL-768x1172.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/91JXKqQzsjL-1007x1536.jpg 1007w" sizes="(max-width: 1058px) 100vw, 1058px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي أحد أكثر المشاهد رمزية في هذا الكوميكس، يظهر بنيامين نتنياهو واقفًا فوق كومة من الجماجم، مرتديًا بدلة ملطخة بالدماء، في إشارة إلى أن استراتيجيته لم تقتصر على الردع العسكري، بل وصلت إلى مستوى الإبادة. يقول ساكو:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"إستراتيجية نتنياهو لم تكن مجرد انتقام، بل كانت إبادة."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُبرز هذا المشهد فلسفيًا مفهوم القوة المفرطة كما حلله فريدريك نيتشه، الذي رأى أن القوة الحقيقية ليست في الاستخدام المباشر للعنف، بل في القدرة على ضبطه.  في المشهد لا يبدو نتنياهو قائدًا قويًا، بل شخصية محكومة بهوس القمع والانتقام، مما يعكس إفلاسًا سياسيًا بدلًا من سيطرة حقيقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي ختام الحوار، يُطرح السؤال:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">"إذن، هل أنت يهودي يكره نفسه؟"</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">فيرد شبيغلمان بسخرية:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">"لا، أنا ملحد يكره نفسه!"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا المشهد، في رأيي، يكشف كيف تُواجَه الأصوات اليهودية الناقدة لإسرائيل باتهامات </span><b>معاداة الذات</b><span style="font-weight: 400;">، كوسيلة لإسكاتها ونزع الشرعية عن نقدها. يمكن فهم هذا النهج من خلال </span><b>منظور ميشيل فوكو</b><span style="font-weight: 400;"> حول إنتاج الهوية كأداة للسلطة، حيث يُستخدم مصطلح </span><b>"اليهودي الذي يكره نفسه"</b><span style="font-weight: 400;"> كآلية للضبط الاجتماعي والسياسي تمنع النقد الداخلي. ومع ذلك، يوظّف شبيغلمان </span><b>السخرية</b><span style="font-weight: 400;"> لتفكيك هذا الخطاب القمعي، رافضًا التصنيفات الجامدة التي تختزل الهوية في قوالب أيديولوجية مغلقة. بهذا، يقدم نموذجًا لنقد الذات القائم على </span><b>المسؤولية الأخلاقية</b><span style="font-weight: 400;">، بدلًا من الامتثال للمفاهيم المفروضة من قبل السلطة والمجتمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشكّل هذا العمل المشترك بين ساكو وشبيغلمان نقدًا لاذعًا للنفاق السياسي، وتكرار المآسي التاريخية، وغياب المساءلة في أوقات الحرب. لا يسعى الكوميكس إلى تقديم إجابات جاهزة، بل يدفع القارئ لمواجهة الأسئلة الأكثر إلحاحًا: هل يمكن إدانة الجرائم عندما تُرتكب ضدنا، ثم تبريرها عندما نقترفها نحن؟ وهل يمكن لذكرى المعاناة أن تكون تحذيرًا من الظلم، بدلًا من أن تتحول إلى مبرر له؟</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34988" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9780805092776.jpg" alt="" width="1400" height="1898" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9780805092776.jpg 1400w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9780805092776-221x300.jpg 221w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9780805092776-755x1024.jpg 755w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9780805092776-768x1041.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9780805092776-1133x1536.jpg 1133w" sizes="(max-width: 1400px) 100vw, 1400px" /></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34987">أبدا لن يتكرر! … لكنه يتكرر: الكوميكس في تفكيك ذاكرة الحرب من الهولوكوست إلى غزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ألبرتو مانغويل عن غزة: الحرب الأبدية (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34481</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 23 Dec 2024 09:56:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34481</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها مانغويل في لشبونة في 4 تشرين الأول 2024 لنشرها حصرياً في هنا. &#160; "...ما يفعله الطغاة، الهراء القديم الذي يتحدثون عنه إلى قبر بارد؛ [...] التنوير الذي وقع إقصاؤه، الألم الذي تحوّل إلى عادة، سوء التسيير والحزن: كل هذا علينا أنْ نعانِيهِ مرّةً أخرى و.هـ. أودن، "1 سبتمبر 1939" &#160; الحرب الحالية في الشرق [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34481">ألبرتو مانغويل عن غزة: الحرب الأبدية (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;">كتبها مانغويل في لشبونة في 4 تشرين الأول 2024 لنشرها حصرياً في هنا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">"...ما يفعله الطغاة،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">الهراء القديم الذي يتحدثون عنه</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">إلى قبر بارد؛</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">[...] التنوير الذي وقع إقصاؤه،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">الألم الذي تحوّل إلى عادة،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">سوء التسيير والحزن:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">كل هذا علينا أنْ نعانِيهِ مرّةً أخرى</span></span></p>
<p style="padding-left: 80px;"><strong><span style="color: #999999;">و.هـ. أودن، "1 سبتمبر 1939"</span></strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحرب الحالية في الشرق الأوسط هي، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، دائرة مفرغة. من أين تبدأ الدائرة؟ ما هي نقطة الانطلاق؟ قد يجيب نتنياهو بأن الصراع يبدأ مع هجوم حماس الدموي في 7 أكتوبر 2023، الذي قُتل فيه 1195 فردًا من الإسرائيليين والأجانب. وفق حماس، فإنّ الصراع قد بدأ قبل ذلك بكثير، مع قيام دولة إسرائيل عام 1948، عندما تم تهجير 750,000 فلسطيني من أراضيهم لإقامة دولة جديدة. قد يختار المؤرخون أحد هذه التواريخ لمحاولة تفسير هذه الحرب بين الأشقاء. أما اللاهوتيون فقد يعودون إلى زمن أبعد من ذلك، عندما أمر يهوه إبراهيم بالبقاء مع سارة، والدة إسحاق، الذي سينحدر منه العبرانيون، وطرد هاجر وولدها إسماعيل، الذي يُعتبر أبو العرب، وفق المرويّات. يعلمنا الكتاب المقدس أن يهوه، بدءًا من قصة قابيل وهابيل، دائمًا ما يزرع بذور الفتنة بين الإخوة، متجاهلاً النصيحة التي سيقدمها لاحقًا "الفيزكاتشا العجوز" إلى مارتن فييرو: "يجب أن يتحد الإخوة لأنهم إذا تقاتلوا / سيفترسهم من في الخارج". وهذا ما يحدث الآن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان اليونانيون على دراية بهذه القصص الدموية الأبديّة. لقطع دوائرها المفرغة (لعنة بيت أترِيوس، على سبيل المثال)، ابتكر اليونانيون فكرة "المدد الغيبيّ".  في حالة "الأورستيا"، فإنّ أثينا هي التي تحوّل ربّات الانتقام إلى الإومينيدات الخيّرات، مما يضع حدًا لسلسلة القتل. كان الجمهور اليوناني يطالب بخاتمة تنطوي على حلّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن في القرن الحادي والعشرين، لا يمكن حلّ المسائل بمثل هذه الأناقة. تتواجد في المشهد جوقة من أصحاب المصالح الراسخة بلا هوادة لمنع ربّات الانتقام من أن يتحوّلنَ إلى خيّرات، ولإبقاء الصراع مستمرًا. السياسيون الذين تعتمد طموحاتهم على أن يُنظر إليهم كفائزين، وتجار الأسلحة الذين يجمعون الثروات من مبيعاتهم، والمستثمرون الصغار الذين يجنون أرباحًا من هذه التجارة الشائنة، والقوى الأجنبية التي تسعى للحفاظ على مواقعها من خلال ترك الآخرين يمزق الواحد منهم الآخر – كل هؤلاء لا يريدون قطع هذه الحلقة المفرغة. الجشع والطموح (مع الاعتذار عن استخدام هذه الاستعارات المبتذلة) يعتقدان أنهما خالدان ولا يمكن المساس بهما. إنهما لا يريدان أن يفهما أن قانون القصاص، الذي يطالب بـ "العين بالعين"، يؤدي دائمًا، كما قال غاندي، إلى عمى عالمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">علّق أساف أوريون، عميد سابق في الجيش الإسرائيلي، على الوضع الراهن قائلاً إنه لا يمكننا التنبؤ بنهاية الصراع لأن "نحن لا نزال في منتصف الفيلم". من خلال ما نشاهده، يبدو أن الجمهور لا يراهن على نهاية سعيدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أراد يوربيدس أن تأتي الإلهة أثينا بالإومينيدات إلى المدينة لتجذّر الخير في قلب المجتمع المتنازع. وبنفس الهدف، وضع الصوفيون إيمانهم في التجانس الداخلي (والضروري) للعالم. تحدث القبالي إسحاق لوريا عن شرارات معينة من الضوء (نيتسوتسوت) عالقة داخل عقد الشر (كليبوت)، والتي تتحرر من خلال أفعالنا الخيرية (ميتسفوت)، مما ينير الكون الذي أصبح مظلمًا على نحوٍ شيطاني. العقيدة الإسلامية تقول نفس الشيء. "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"، وهو حديث للنبي محمد. لا يمكن للخير (حسن النية) أن يتحقق في مجتمع متنازع إلا عبر الحوار. وهذا ما لا يريده مهندسو هذه الحرب: إنّهم لا يرغبون في أن يجلس قابيل ويتحدث مع هابيل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أثينا ليست مجرد إلهة قادرة على تحويل الفيوريس (ربّات الانتقام) إلى كائنات خيّرة. غير مرّة خلال مسيرتها المزدحمة، تتصرف أثينا بنفسها كربّة انتقام شرسة، بلا رحمة أو عطف، لتحثّ على الحرب. في "أياكس"، وهي مسرحية مبكرة لسوفوكليس، تعلن الإلهة لبطلها أوديسيوس أن أياكس، عدوّه، قد تكالبت عليه المصائب. ثم يقدم أوديسيوس إجابة تحول الملك اليوناني فجأة إلى كائن نبيل أكثر بكثير من الربّة المحاربة: "رغم عداوتي له، أشفق عليه وعلى ما آل إليه حاله، فقد تكالبت عليه المصائب. من يدري؟ ربما يصيبني يومًا ما أصابه، فإنني أرى أننا لسنا سوى أطياف ضعيفة رغم أننا لا نزال على قيد الحياة". لا تعرف أثينا كيف تشعر بالتعاطف الذي يشعر به أوديسيوس. مثل حكام اليوم، تفكر الرّبّة فقط بمصطلحات النصر أو الهزيمة، ولا تفكر أبدًا في خلق حوار بين الأعداء المفترضين. في عالمها، في عالم الجشع السياسي، النّصر هو ما يقام له وزنٌ، مهما بدا مستحيلًا أو وهميًا.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34481">ألبرتو مانغويل عن غزة: الحرب الأبدية (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>جوديث بتلر: مقدمة &quot;كتاب الوصايا: شهادات مبدعات ومبدعين من غزة في مواجهة الموت&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21582</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 17 Jun 2024 07:20:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ac%d9%88%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%aa%d9%84%d8%b1-%d9%85%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b5%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af%d8%a7%d8%aa/</guid>

					<description><![CDATA[<p>  صدر "كتاب الوصايا: شهادات مبدعات ومبدعين من غزّة في مواجهة الموت" حديثاً عن دار مرفأ في بيروت، وهو من تحرير ريم غنايم وتقديم كل من جوديث بتلر وألبرتو مانغويل. ننشر هنا النسخة الكاملة لمقدمة بتلر، بعد نشر نسخة مختصرة منها في الكتاب، وهي بترجمة ريم غنايم.     من تخاطب هذه النصوص؟ هل من مستَمع؟ هل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21582">جوديث بتلر: مقدمة &quot;كتاب الوصايا: شهادات مبدعات ومبدعين من غزة في مواجهة الموت&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div> </p>
<div dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">صدر "كتاب الوصايا: شهادات مبدعات ومبدعين من غزّة في مواجهة الموت" حديثاً عن دار مرفأ في بيروت، وهو من تحرير ريم غنايم وتقديم كل من جوديث بتلر وألبرتو مانغويل. ننشر هنا النسخة الكاملة لمقدمة بتلر، بعد نشر نسخة مختصرة منها في الكتاب، وهي بترجمة ريم غنايم.</span><br />
 </div>
<p> </p>
<div dir="rtl">من تخاطب هذه النصوص؟ هل من مستَمع؟ هل يُمكن الوصولُ إلى العالم من خلال هذه النصوص؟ باللغتين الإنجليزية والعربية، تخاطب هذه الوصايا كلّ أولئك الذين لم يكونوا حاضرين هناك، أولئك المتواطئين وأولئك الذين وُضِعوا في حالة حداد.</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="503" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/401589-2-1.jpg" style="float:left" width="333"></div>
<p dir="rtl">كُتبت هذه الوصايا المروّعة في غمرة حزن لا طاقة على احتماله وترقّبٍ للموت، في مذبحة أودت بحياة أولئك الذين يحبونهم وأولئك الذين بالكاد يعرفونهم. كل فعل كتابة هنا يوجّه إلينا السؤال التالي: أين نحن، القراء، أولئك الذين يعيشون ليقرأوا هذه الكلمات. هل استجبنا؟ هل عرفنا؟ هل يمكننا أن نتعايش مع أنفسنا في مواجهة الاعتداء الفتاك على الشعب الفلسطيني؟ هل يمكننا حتى أن نرى أنفسنا نتصرف وكأننا لا نرى ولا نعرف؟ كل كلمة من هذه الكلمات تطالبنا بالقراءة، بالإصغاء، وفقًا لشروطها، أو عبر ترجمتها، حتى يصير لا محال بأن نعرف ما عاناه الفلسطينيون تحت وطأة بطش القاذفات والقتلة الإسرائيليين. كلّ كلمة تطالبنا بالقراءة، بأن نركز انتباهنا على هذا الموت، هؤلاء الذين يعيشون على شبه يقين بالموت، أو الذين لم يعودوا يفهمون الآن ما يعنيه أن يكونوا على قيد الحياة في مواجهة عمليات القتل الوحشية التي تنثر أشلاء الأبرياء على أرض فلسطين. هذه كلمات موجهة للعالم، وكقراء، نحن نقف إلى جانب هذا العالم وواجبنا الوحيد هو أن نقرأ ونفهم، وأن نتدخل لوقف القتل، وأن نقف إلى جانب فلسطين في سعيِها إلى تحقيق العدالة والحرية.</p>
<p dir="rtl">تكتب أمل أبو عاصي اليازجي: "إياكم أن تنظروا إلى مراياكم، لأنكم إذا فعلتم فسترون دماءنا على وجوهكم، وأشلاءنا بين أيديكم، وصراخنا في ملامحكم، وأصواتنا دخانًا ينقش خارطة فلسطين على صدوركم". إنها ترسم مسار اختفائها المستقبلي، وتنظر إلى الوراء من الجانب البعيد لحياتها الفانية. إنها حياتها هي التي ستُقهر، وتاريخ النضال الفلسطيني كذلك لأنها تدرك أن الإبادة الجماعية تسعى إلى محو كلّ أثر. أمل تشعر بالغضب منا، نحن القراء، دون أن تعرفنا، وهي محقة في ذلك: "حين نرحل؛ مزقوا كتب التاريخ، ولا تخبروا أولادكم أنه كان هنا شعبٌ قاوم خمسة وسبعين عامًا دون أن يفقد الأمل، قبل أن يقتله الأمل".</p>
<p dir="rtl">يروي علي أبو ياسين كيف تحمل كلّ لحظة معها خطر الموت العنيف، ولا وقت للحديث السطحي. في مواجهة الموت المؤكد الوشيك، يدرك المرء " قيمة الأشياء والتي كانت بين يديك أو تمارسها دون وعي". النهاية التي تحققت، في الواقع، لبعض هؤلاء الكتاب، تصبح نوعًا من الرغبة في الحياة تحت القصف المتواصل الذي مزّق الحيوات، وهو يحوّلهم إلى أشلاء، فأيّ حياة هذه؟ </p>
<p dir="rtl">أما حسام معروف فيترك أمنية أخيرة لـ"كل المنازل في غزة" أن تخبئ قصص أصحابها في الشقوق"، "احتفظوا بروائحهم، فالرائحة ستقول للتاريخ بأن أناسًا عاشوا هنا، اسأل عنهم لتعرف حقيقة هجرتهم". أن تترك وصية يعني أن تتخيّل المستقبل الذي ستقرأ فيه هذه الوصية، ولكن ماذا لو كان هذا المستقبل غير موجود؟  تكتب نعمة حسن: "نسيت ما كنت سأقوله عن وصيتي .. أريد فقط أن أجرب الحياة أنا وأطفالي أريد أن أعرف كيف يعيش الآخرون دون خوف من الغد ..ولكن الغد أسير والحرب تقتله كلما رفع رأسه".</p>
<p dir="rtl">يصبح الموت في نظر الكاتب سعيد محمد الكحلوت شخصية ساخرة وقاسية تتبع كل حركة، كل قنبلة يفرّ منها المرء: "كان الموت أحيانًا يقف على رأس الطريق يلوح لي ساخرًا أرجع ثم أتقدم، وأحيانا يجلس كسكير على جانب الطريق بعد منتصف الليل بينما أركض أنا وأطفالي هرباً من قصف مجاور فيقف هو ويتحقق من هويتنا قبل أن يوجهنا ساخراً لمحطة لجوء جديدة".  </p>
<p dir="rtl">ومع ذلك، نجد في هذه المجموعة رغبة كاملة في الحياة نفسها. يقول يوسف القدرة: "وأعلم أنني سأشرق بين الابتسامات طفلا يعض على الحياة كأنها الأبد". وتكتب هناء الأحمد: "أريد أن أنجو”! ويتخيل آخرون المقاهي، وحرية السير دون خوف، والمغازلة، واللعب. البعض يكتب، والبعض الآخر يرى أن الكتابة مستحيلة، وما يقدمونه من كلمات ما هو إلا بقايا  الكاتب. يقول لنا ناصر رباح: "أنت لم تعد شاعراً، ولا حتى إنساناً حين تحمل أولادك من بيت لأخر مثل قطة مذعورة، تطاردك أصوات الرعب وصرخات الصغار وفتات القذائف. تلك الفتات الحديدية البشعة التي امتلأ بها الشارع، والتي ستجن حين يصبح جمعها هواية أطفالك الجديدة. أنت لست من لحم ودم حيت تبصر أشلاء جيرانك موزعة كلوحة إعلانات على الرصيف، وتستمر في خطوك بدواعي: أنها الحياة". </p>
<p dir="rtl">ومع ذلك، ثمة تصميم وإصرار وصمود جامح وبسالة في التفكير واحتضان المستحيل. يسري الغول يحلم بقوة مستحيلة: </p>
<p dir="rtl">"فكرت أن أجمع شتاتي، ألتحم مع الجدران المدمرة، الأبنية المنهارة على رؤوس ساكنيها، أتضخم مع الحديد الذي اخترق أجساد الأطفال والنساء، وأصير ذلك العملاق، ربما أعظم من الهولك الأخضر، وأقوى من الأيرون مان، أتحول إلى مخلوق يكبر كلما سار في الطرقات التي تنتشر فيها رائحة الدم والصواريخ والدمار الهائل، تلتصق بجسدي كتل الباطون والاسمنت والحجارة حتى أصير مثل عمالقة أفلام هوليود تماماً، كي أقضي على الدبابات التي قنصت ابن خالتي ودمرت بيت أخي، ولألتهم الطائرات المغيرة على الأبرياء كل دقيقة". </p>
<p dir="rtl">قصيدة رفعت العرعير، التي صارت معروفة الآن، هي جزء من هذه المجموعة، حيث انضمت إلى نصوص آخرين سعوا إلى كتابة طريقهم إلى ما بعد الموت أو ضده، أو في وسطه. "إذا كان الموتُ لزامًا عليّ، فليأتِ بأملٍ وليأتِ بحكاية". طلب من أولئك الذين سيعيشون بعده أن يرووا حكاية موته، وهي حكاية من بين الحكايات التي ستعيش بعد وفاته ولكنها لا تخص أصدقائه وطلابه وأسرته فحسب، بل للعالم. قد تكون مثل هذه "الحكاية" هي الرواية الصحفية لكيفية تدمير الغارة الجوية لمنزل أخته وقتله مع بقية أفراد الأسرة الذين يعيشون هناك. لكن الحكاية تحتاج إلى أكثر من مجرد تأريخ ذلك الحدث: يجب أن تنقل الحياة، وتصبح قصة معاناة ورغبة، وتعاون وصمود.</p>
<p dir="rtl">"إذا كان الموت لزاما علي" كانت القصيدة التي كتبها العرعير قبل أيام قليلة من موته، قصيدة اقتضت حكاية - انتقال قصة حياة وموت إلى حياة أخرى. أصبح الآن ضمير المخاطب "أنا" في تلك القصيدة هو الصدى الحي لصوت العرعير المفقود. أولئك الذين بدأوا الكتابة عنه الآن يروون الحكاية للحفاظ على الوعد الذي طلبه من الأحياء، أي ألا تصبح قصته رقمًا، بل إبقاؤها حية كذكرى مكتوبة ومسرودة تُروى كحكاية تحث على الحياة والصمود. </p>
<p dir="rtl">تردد صدى هذا البيت الشعري في 12 لغة على الأقل في الأسابيع التي تلت وفاته، ويعكس التزامه طويل الأمد تجاه الكتاب الفلسطينيين الشباب لإظهار قوة الكتابة، وإظهار ضرورة قيام الكتاب الفلسطينيين برواية قصة تتجاوز حدود الرقمي لتوصيل نسيج الحزن والحب والغضب والأمل. في مؤلفه الصادر عام 2014 تحت عنوان "غزة ترد"، في أعقاب عملية الرصاص المصبوب التي أودت بحياة أكثر من 1400 فلسطيني، كتب: "كفلسطيني، نشأت على القصص ورواية القصص. من الأنانية والخيانة أن تحتفظ بقصة لنفسك، فالقصص من المفترض أن تُحكى ويُعاد سردها. إذا سمحتُ لقصة ما أن تتوقف، فإنني بذلك أخون تراثي وأمي وجدتي وبلدي. بالنسبة لي، رواية القصص هي أحد مكونات الصمود الفلسطيني"، ويروي العرعير كيف علّم الطلاب في دروس الكتابة: "عشنا لسبب ما، لنروي حكايات الخسارة والبقاء والأمل"، في أعقاب هذا الفقدان الكارثيّ. يروي الإنسان القصة لأولئك الذين سينقلونها، والذين يعتبر البقاء بالنسبة لهم، في حد ذاته أمرًا غير مؤكد أو صعبًا أو مستحيلا. تتحقق الحكاية عبر سردها؛ تهبنا الوصية والشهادة مقاطع من الحياة وهي تسبر غور مستقبلها من الحياة غير المعاشة؛ تسأل الوصية عما تبقى من الرغبة، أو ما تبقى من الرغبات في مواجهة الدمار الشامل. كل هذه النصوص، المكتوبة في وجه الموت، فرديًا وجماعيًا، تبني رابطة إذ تترك آثار زوالها، وبذلك تصبح جزءًا من نسيج التضامن المحبوك بين الأحياء والأموات.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21582">جوديث بتلر: مقدمة &quot;كتاب الوصايا: شهادات مبدعات ومبدعين من غزة في مواجهة الموت&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مسرح العبث العربي بين الصعود والأفول</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21534</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 07 May 2024 13:21:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%81%d9%88%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>دراسة في الوساطة النقدية وسؤال الخصوصية في المسرح العربي</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21534">مسرح العبث العربي بين الصعود والأفول</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">صدر الكتاب حديثاً عن منشورات النهضة في بيروت.</span></p>
<div dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">من المقدمة:</span></strong><br />
 </div>
<p dir="rtl">تتقصّى هذه الدّراسة التي ظاهرة مسرح العبث في الحقل المسرحيّ العربيّ، أشكال استقباله نقدًا، مناهج التّنظير له وتقنيّات الكتابة المسرحيّة لدى خمسة من الكتّاب المسرحيّين العرب وهم: توفيق الحكيم وصلاح عبد الصّبور من مصر، سعد الله ونّوس ووليد إخلاصي من سورية، وفؤاد التكرلّي من العراق. تتناول الدّراسة أسئلةً حول طرائق وآليات وأشكال تناول هذه الظّاهرة بين الرّفض والقبول في الخطاب النّقديّ المسرحيّ، في ظلّ حقبة طَرَحت أسئلة جوهريّة حول مفهوم الهوية والخصوصيّة الثّقافيّة من جهة، وضرورة المثاقفة الواعية من جهة أُخرى، فَجاء استقبال هذه الظاهرة تنظيرًا ونقدًا وممارسةً في سياق السّجال الذي دارَ حول مفهومَي التأصيل والاستنبات.</p>
<p dir="rtl">بدايةً، تتطرّق الدّراسة إلى إشكالية انتقال الظّاهرة المسرحيّة التجريبيّة- الحداثيّة، المسمّاة بتيّار العبث، والقادمة من أوروبّا إلى البلاد العربيّة، وذلك في سياق قراءة ما بعد كولونياليّة ونتيجة المُثاقفة التي "أخصبَت" تجربة المسرحيّين العرب. عرضت الدراسة للمناخ السياسيّ الذي تكوّنت نواته في خمسينات القرن العشرين، ثم تفجُّر الوعي والأحداث السياسيّة من حروب وثورات وطَرح أسئلة الهوية والقوميّة والتدخّل الغربيّ. أثّر كلّ ذلك على سعي الكتّاب المسرحيّين في البحث عن آليات تردع هذا التدخّل من خلال المسرح وذلك عبر خلق أشكال نصيّة-فنيّة مسرحيّة تعبّر عن تطوير هويّة خصوصيّة للمسرح العربيّ وإلغاء النموذج المسرحيّ الجاهز، أي تفريغ الشّكل المسرحيّ القديم وشحنه بالجديد. </p>
<p dir="rtl">منذ منتصف خمسينات القرن العشرين، برَزَ أحد أهمّ السّجالات على مستوى النّقد والتّنظير والممارسة المسرحيّة العربيّة بشأن الحاجة إلى تبنّي أشكال مسرحيّة طليعيّة جديدة في مرحلة افتقَدَت إرساءَ قواعد ونظم جديدة تقوم عليها كتابة دراميّة عربيّة مغايرة تعتمدُ أشكالاً فنيّة جديدة تُبرز الهويّة العربيّة للمسرح. في هذه الحقبة المفصليّة، تأسّست الجهود التنظيريّة في المسرح على مستويين: المستوى التأصيليّ، وهو البحث عن مفهوم محدّد لهويّة المسرح العربيّ ينسجم مع الثقافة العربية،  سواءً عبر استلهام التراث العربيّ ومكوّناته وتوظيفه مضمونًا أو قالبًا بما يتلاءم مع الواقع العربيّ ومشكلاته السياسية والاجتماعيّة والنفسيّة. أمّا المستوى الثاني فهو الاستنباتيّ، والذي يتمثّل باستيعاب التجربة المسرحيّة الغربيّة والاستفادة منها سواء كنصّ مكتوب أو كنصٍّ معروض. </p>
<p dir="rtl">من هنا طَرح الكتّاب المسرحيّون مسألة ضرورة تأصيل مسرح عربيّ يقوم على التوازن والموازنة بين الشكل والمضمون. لكنّ تأثّر المسرحيين بالتيارات المسرحيّة والأدبيّة القادمة من الغرب، والرّغبة في تَكوين تجربة تجديديّة على مستوى المَسرح من جهة، والحفاظ على مضامين ذات هويّة محليّة-عربيّة تخاطب الإنسان العربيّ من جهة أخرى، أدخل ظاهرة مسرح العبث،  في حيّز "بينيّ"، هو حيّز ثالث، أكسب هذه الظاهرة سمات جديدة على المستوى المَضمونيّ والمورفولوجيّ بصفتها ظاهرة دَخلت في نطاق ما سمّاه الباحث والناقد هومي بابا ب"الهُجنة الثقافيّة". </p>
<p dir="rtl">طرح بابا مفهوم الهُجْنَةِ جرّاء أشكال الاستعمار المختلفة، حيث عادةً ما يؤدي وجود الاستعمار إلى تبادل وتنافر ثقافيّين في نفس الوقت. عندما تفشل السّلطة الاستعماريّة في خلق ثقافة مستَعمَرة مطابقةٍ لثقافتها، في محاولةٍ منها لتأكيد السّلطة الاستعماريّة، فإنّ ما ينتج عمليًا هو هويّة هجنيّة جديدة دامجة لعناصر مشتركة بين الثّقافة المهيمنة والثّقافة الخاضعة. تتموضعُ هذه الهويّة الجديدة في مكان مختلف اصطلح على تسميته بـ "الحيّز الثّالث" (Third Space). يُعتبر الحيّز الثالث منطقة بَيْنِيَّةً ذات سمات خاصّة تجمع بين الثّقافتين نافيةً بذلك سِمَةَ النقاء والأصالة (Essentialism) عن جميع أشكال الثّقافة. يناقض مفهوم الحيّز الثالث المفاهيم السّائدة حول الثّبات في الهويّة الثّقافيّة انطلاقًا من مفهوم الخطاب ما بعد الاستعماريّ الذي ينصّ على أنّ نقاء أيّ ثقافة أو هويّة هما محلّ نزاع وليسا أمرًا مفهومًا ضمنًا. من هنا، يعتمدُ ادّعاء الحيّز الثالث على طرح مفهوم جديد للهويّة الثقافيّة في سياق الكينونات الثقافيّة التي خاضت مراحل استعمار (جغرافيّ وفكريّ وثقافيّ)، فهي من جهة فقدَت صفاتها الأصليّة بتأثير الثقافة المستعمرة (الغربيّة في هذه الحالة)، ومن جهة أخرى رفضت بناء نموذج ثقافيّ لها مطابق للنموذج الثقافيّ للمستعمر، ممّا خلقَ هويّة وسطيّة تنطوي بفعل التهاجن على إشكاليّات ومفارقات وتباينات في طرق تحديد شكلها ومدى استيعابها. </p>
<p dir="rtl">لذلك، نشأت هويّة مسرحيّة عربيّة ذات خصائص وأبعاد متعددة في كتابات وبيانات ونصوص المسرحيين نقدًا وتنظيرًا وتطبيقًا انطوت على إعادة إنتاج لمفهوم الهويّة وخصوصيّتها. من هنا، عرضت الدراسة لأشكال الخصوصيّة التي اتّسمت بها الكتابة المسرحيّة في هذا المجال، تحديدًا فيما يتعلّق بظاهرة مسرح العبث العربيّ في ستينات القرن العشرين، حيث نجد أنّ المسرحيّين حاولوا من خلال تبنّي فكرة "التجريب" و"تلقيح" التربة المسرحيّة العربيّة، بناء هويّة مسرحيّة عربيّة أو شكل دراميّ جديد له رؤية ودلالات حداثية جديدة.</p>
<p dir="rtl">ظهر العبث كاتّجاه مسرحيّ لأوّل مرّة على يد توفيق الحكيم الذي قدّم له وشرحه في مقدّمة مسرحيّته يا طالع الشّجرة التي انطوَت على إشكاليّات وتفاوتات في مجالَي التنظير والممارسة، حيث انسحب ذلك أيضًا على أشكال التناول النقديّ لهذه المسرحيّة فتراوحت تفسيرات الشارحين وتحليلات النقاد للمسرحيّة وللمقدّمة بين مؤيّد ومعارض. شكّلت تجربة الحكيم في مسرح العبث تجربة تأسيسيّة في هذا الاتّجاه ولهذا كانت أكثر المسرحيّات تعرّضًا للتناول النقديّ والبحثيّ في السنوات اللاحقة. حاولتُ أن أوضّح من خلال نموذج مسرح العبث عند الحكيم حتميّة دخول هذا المفهوم في فضاء جدليّ بحكم هجرته إلى بيئة ثقافيّة مختلفة عن بيئة منشئه نتيجة حدث المثاقفة مع الغرب. هذا الأمر أدّى إلى بروز سمات جديدة لهذا الاتّجاه المسرحيّ اختلف عن سماته القديمة بحكم وجود أكثر من مكوّن ثقافيّ صقل بنيته الجديدة.</p>
<p dir="rtl">غطّت هذه الدّراسة ثلاث نواحٍ مركزيّة في عمليّة استقبال مسرح العبث داخل الحقل المسرحيّ العربيّ:</p>
<ol>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">التنظير، الذي مارسه الكتّاب المسرحيّون الّذين تأثّروا بهذا التيّار.</p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right"> النقد، الذي تميز بوجود نقّاد استقبلوا هذا التيّار بين مؤيّد له ومُعارِض، الأمر الذي أثّر على عمليّة تقبّل هذا التيّار الغربيّ. كان للسلطة الرمزيّة التي يتمتّع بها النقاد والمنظّرون، بصفتهم فاعلين مركزيّين في الخطاب النقديّ، أثر كبير في استقبال تيّار العبث والنصوص المسرحيّة. </p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">التطبيق، الذي تمايزت فيها أشكال الكتابة المسرحيّة في سياق تيّار العبث عند الكتّاب المسرحيّين الخمسة، وأفرزت أشكالاً مختلفة هي خليط هجنيّ بين الشّكل والمضمون.</p>
</li>
</ol>
<p dir="rtl">على مستوى التنظير، سعى توفيق الحكيم نحو فكرة تأصيل المسرح العربيّ وإرساء دعائم له من خلال الاعتراف بضرورة التأثّر بالمسرح الأوروبيّ، ثم ضرورة تجاوزه من خلال البحث عن قوالب وأشكال جديدة تنهل من التراث الشعبيّ والدينيّ. من خلال تنظيره لهذا المسرح، وقع الحكيم في لبس حول مسرح العبث والغاية من وراءه، حيث حاول بشكلٍ ما، الفصل بين فلسفة العبث وأسلوبه ومحاولة إحداث التوازن بين الأسلوب العبثيّ والمضمون الواقعيّ. من هنا، أحدثت محاولات الحكيم لصياغة نوع خاصّ من مسرح العبث أو اللامعقول على حدّ تعبيره، انقسامًا على صعيد النّقد بين مبرّر لاستخدام العبث ومعارض له ممّا جعل نقّاد المسرحيّة يطرحونَ أسئلة ومساءلات جوهريّة حول منهج الحكيم في هذا الاتّجاه المسرحيّ. </p>
<p dir="rtl">أمّا صلاح عبد الصّبور، فقد حاوَل أن يقيمَ رؤية تأصيليّة للمسرح العربيّ تجمع بين الشّكل أو القالب المسرحيّ الغربيّ وبين الموروث والمضمون العربيّين. من خلال قراءة رؤية عبد الصّبور المسرحيّة، لاحظنا في تنظيره دعوته لتأصيل المسرح العربيّ بالمزاوجة بين الشكل المسرحيّ الغربيّ وبين المضمون العربيّ الذي يتناسب مع القضايا الآنية الملحّة. لكنّ عبد الصبور لم يقدّم بديلاً عن الشّكل الغربيّ المستورَد، وهو ما اصطلحنا على تسميته في هذه الدراسة بالتأصيل "التحويريّ" الذي يعمل على استلهام التراث والاستعانة بمصادره مع إدخال تعديلات عليه بما يتناسب مع واقع الإنسان العربيّ وبيئته، مع الإبقاء على الشّكل الفنيّ المسرحيّ المستورَد. في سياق مسرح العبث، جاءت تجربة عبد الصبور موغلة في العبث الرّمزيّ مع نزوع نحو التّجريد، دون أن يكتسب المنحى التأصيليّ حضورًا معمّقًا. </p>
<p dir="rtl">أمّا الكاتب السّوريّ وليد إخلاصي فقد وقعت تجربته التنظيرية المسرحيّة في خانة الحداثة والتّجريب ونادى فيها بممازجة السّمات الشّكليّة والمضمونيّة لمسرح العبث الغربيّ، مع أشكال وتقنيات فنيّة حداثيّة أخرى كَسَرت الشّكل المألوف للنصّ المسرحيّ وبنائه الدراميّ. </p>
<p dir="rtl">بالنسبة لسعد الله ونّوس، فقد سَعى منذ بداية مشواره إلى تأسيس مسرح عربي لا تتعارض فيه الأصالة مع المعاصرة، بحيث تتماهى أشكال الحداثة مع هويّة المسرح العربيّ دون أن تفقده خصوصيّته. ارتبطت مرحلة الكتابة الأولى عنده بمَسرح العبث، وامتاز فيها بكَونه "ذاتًا حداثيّة" رَبَطَت بين شكل تجريبيّ حداثيّ وبين الهموم المحليّة مع المحافظة قدر الإمكان على خصوصيّة الطّرح. جاء الجانب العبثيّ في مسرحيّات ونّوس الأولى "غلافًا" للواقع وقضاياه ومتنفّسًا أظهر معاناة الفرد والجماعة وأزمتهما في إحداث التّغيير الحقيقيّ على الصعيد الواقعيّ. </p>
<p dir="rtl">أخيرًا، جاءت تجربة الكاتب العراقيّ فؤاد التكرلّي المسرحيّة تجربة حداثيّة تجريبيّة أبرزت مسرحًا عبثيًا بمقاييس أسلوبيّة غربيّة بحتة، مع التّوفيق في إبراز إشكاليّات وأزمات المجتمع الذي عاصره التكرلي.</p>
<p dir="rtl">إلى جانب ذلك، حاولت الدراسة استقصاء مفهوم الحقل، وفق نظريّة عالم الاجتماع الفرنسيّ بيير بورديو، في المسرح العربيّ وخطابه التنظيريّ والنقديّ. يعود السبب في ذلك إلى حقيقة الجدل الذي أثارته ظاهرة مسرح العبث (أو دراما اللامعقول) والتنظير لها بين مؤيّدين ومعارضين داخل الحقل المسرحيّ العربيّ في ستينات القرن العشرين. ولِكَي نفهم الدّور المركزيّ الذي لعبه المسرحيّون العرب الّذين تناولتهم هذه الدراسة، في عمليّة التّعريف بمسرح العبث من خلال بياناتهم ونصوصهم المسرحيّة، كان لا بدّ من تقديم تحليل للفضاء الاجتماعيّ (التنشئة الاجتماعيّة) والتراكمات الثقافيّة (رأس المال الثقافيّ) التي ميّزت كلاً من هؤلاء الكتّاب المسرحيّين، وهو الأمر الذي حدّد مراكزهم وثرواتهم الثقافيّة داخل الحقل المسرحيّ، كلاعبين مركزيّين معترف بهم في سياق الحقل المسرحيّ عمومًا وفي سياق مسرح العبث خصوصًا.  تتيح لنا هذه النظريّة الوافدة، فهم العلاقات والتفاعلات التي تمّت في سياق خطاب التنظير والنقد، والاستراتيجيّات المتّبعة من قبل الفاعلين (الأعوان) داخل هذا الحقل، كلّ وفق حدود منصبه ونفوذه ومُجمل ثروته الرمزيّة داخل الحقل، لقوننة هذا المفهوم الجديد، أو لعرقلته. يشكّل الحقل المسرحيّ صراعًا حول الوافد الجديد في محاولته اختراق الثابت والتقليديّ داخل الحقل المسرحيّ وانتزاع مكانة له عبر الأعوان واللاعبين داخله. من هنا، كان لا بدّ أن نكشف عن علاقات القوّة بين الأعوان داخل الحقل في لحظة تاريخيّة محددة، هي السنوات التي ظهر فيها مسرح العبث أو اللامعقول، ومحاولة تحديد الديناميكيّة التي حصلت بين أصحاب السّلطة والنفوذ داخل الحقل المسرحيّ وذلك من خلال فحص علاقات القوة والثروات الاجتماعيّة والثقافيّة لكلّ طرف منهم. اتّضح لنا أنّ للسّلطة الرمزيّة ورأس المال الرمزيّ (الثقافيّ بأنواعه والاجتماعيّ بأنواعه) دورًا مركزيًّا في تحديد مكانة الفاعل وفاعليّة خطابه في التأثير على المتلقّي. إلى جانب ذلك، كان هناك دور خاصّ للكفاءة اللغويّة في تحديد وتوسيع دائرة تأثير خطاب الفاعل في الحقل على المتلقّي. في سياق بروز ظاهرة تيّار العبث في الحقل المسرحيّ العربيّ، يلعب هذان العنصران: السلطة الرمزيّة وكفاءة اللغة، دورًا رئيسيًا في قبول الظّاهرة نقديًا أو دحضها.</p>
<p dir="rtl">يتمتّع النّاقد المسرحيّ بسلطة رمزيّة كبيرة تلعبُ دورًا كبيرًا في عمليّة الاعتراف وقوننة كاتب مسرحيّ أو عملٍ مسرحيّ أو بروز اتّجاه مسرحيّ. تتحدّد استراتيجيّات العمل النقديّ للناقد المسرحيّ عبر هذه السّلطة، ووفقًا لكفاءات خطابهِ النقديّ وحجم السّلطة التي يتمتّع بها داخل الحقل النقديّ المسرحيّ. في هذه الدراسة، وبهدف إبراز أهميّة السلطة الرمزيّة، استعرضتُ نماذج بارزة لنقّاد غربيّين ساهموا إلى حدّ كبير في مَركزة أعمال مسرحيّة غربيّة إشكاليّة من حيث التّصنيف، ومن حيث الاستقبال النقديّ الجمعيّ لها. لعبت مساهمة النّقاد والفاعلين في الحقل المسرحيّ من ذوي السلطة الرمزيّة الكبيرة، دورًا في نجاح أعمال مسرحيّة أحيانًا، وفي فشلها في أحيان أخرى، وهو ما يُشيرُ إلى نفوذ النّاقد أو الفاعل الذي يمتلك سلطةً وكفاءاتٍ في حقلِ الخطاب النقديّ المسرحيّ، وإلى قدرته على نقل عمل مسرحيّ من الهامش إلى المركز، وبالعكس. من أمثلة ذلك، نموذج مسرحيّة الأديب الإيرلنديّ جيمس جويس (1882-1941) الموسومة ب "المنافي Exiles" والتي لم تلقَ رواجًا حتى عام 1970 حين أقدم المسرحيّ البريطانيّ هارولد بينتر Harold Pinter على عرضها على مسرح ميرميد Mermaid Theatre ليتمّ الاعتراف بها رسميًا على المستوى النقديّ والجماهيريّ. كما واستعرضتُ عمليّة الاستقبال النقديّ لأشهر مسرحيّات الكاتب المسرحيّ البريطانيّ هارولد بينتر: حفلة عيد الميلاد The Birthday Party وتحوّلها بفعل النّقاد الوسطاء وأشهرهم الناقد هارولد هوبسون، إلى حالة نجاح منقطع النّظير بعد أن وقوبِلت المسرحيّة باستقبال نقديّ هجوميّ حادّ حيث تراوحت الادّعاءات في مجملها على أنّها مسرحيّة تتميّز بعدم الوضوح في لغتها وحبكتها مما أدّى إلى وقف العرض بعد أسبوع واحد فقط.</p>
<p dir="rtl">تبيّن من خلال فحص التحليل النقديّ الذي قدّمه أبرز النّقاد لمسرحيات العبث، أنّ النّقاد يلعبون دورًا مركزيًا في عمليّة التّرويج للكاتب ولأدبه المسرحيّ، وذلك يعود إلى طبيعة رأس المال الرمزيّ الذي يتمتّع به النقاد داخل الحقل النقديّ المسرحيّ ودرجات تفاوتهم في مناصبهم ورأسمالهم الثقافيّ. ما يمكن ملاحظته من خلال قراءات النّقاد للمسرحيين المتناولين في هذه الدراسة ونصوصهم المسرحيّة، أنّ هناك خلطًا في المناهج والمقاربات النقديّة والبحثيّة التي يتبنّاها النّاقد في نفس المقالة، أو النّقاد عمومًا، حيث رأينا منهج التحليل والتفسير والتأويل والمنهج الفنيّ الجماليّ، والمنهج الإيديولوجيّ والإنطباعيّ-الذاتيّ والنفسيّ والنصّي والافتعاليّ وغيرها. يعود هذا إلى طبيعة الخلط بين عدد من الاتجاهات النقديّة عند النّقاد أو الناقد الواحد، ممّا يسبّب في كثير من الأحيان التباسًا في فهم المراجعة النقديّة، أو يُحدث اضطرابا في عملية تلقّيها. بالإضافة إلى ذلك، نرى إجماعًا من قبل النّقاد على تأثير المسرح الغربيّ عمومًا على المسرح العربيّ الذي نشأ في ستينات القرن العشرين. شكّلت عمليّة البحث عن الآخر داخل نصوص هؤلاء المسرحيّين سمة مركزيّة وسائدة في هذه المقالات، لكنّ إحالة المسرحيّات إلى مسرح العبث أو اللامعقول بشكل مباشر كانت ضئيلة، أو تمّ التلميح إليها من خلال التطرّق إلى أثر كلّ من يونيسكو وبيكيت تحديدًا على المسرحيّين العرب. لقد تطرّق العديد من هؤلاء النّقاد إلى الواقع العربي الذي لا يتطابق مع المنطق العبثيّ لمسرح العبث أو اللامعقول، وإلى سعي المسرحيّين إلى تقديم حلول لمآزق مجتمعاتهم سياسيًا واجتماعيًا، في نطاق المعقول. </p>
<p dir="rtl">من هنا، ساهَم النّقاد في تشويش فكرة استقبال وقوننة هذه النّصوص المسرحيّة كنصوص تنتمي إلى تيّار العبث، رغم اعترافهم بأثر المسرح الغربيّ الجديد على المسرح العربي في ستينات القرن العشرين، وهذا يعود، إلى طبيعة واقع المجتمع العربيّ وذهنيّته في استقبال النصّ المسرحيّ المعروض وفكرته، إلى جانب محاولات التوفيق من قبل الكتّاب المسرحيّين بين الجانب الفنيّ لهذا المسرح والجانب المضمونيّ الذي يخاطب المجتمع ومعالجة مشكلاته. هذا الانشطار الحاصل في تيّار العبث، في عمليّة استقباله وتطبيقه ونقده في الحقل المسرحيّ العربيّ، ولّد مفهومًا جديدًا لمسرح العبث يقع في منطقة بينيّة لها سمات وخصائص تتفاوت وتتباين من كاتب إلى آخر. </p>
<p dir="rtl">أما على المستوى التطبيقي، فقد تطرقت الدراسة في الفصل الثالث بالتحليل إلى الشكل والمضمون في مسرحيات الكتّاب المسرحيين الخمسة، وأظهرت وجود أشكال متعددة لمسرح العبث نتجت بحُكم السمة الهجنية التي تمتّعت بها النصوص المسرحيّة. تراوح نصّ مسرحيّة توفيق الحكيم يا طالع الشجرة بين الواقعيّة والعبثيّة، أو ما يمكن تسميته بالعبثيّة الواقعية، والأحداث فيه عبارة عن صراع بين المعقول واللامعقول، بين الواقعيّ والعبثيّ. هذا "التنقل" بين عالمَين، هو الحلّ الوسطيّ الذي يمكن أن نقول إنّه يميّز المساحة البينيّة للنصّ الهجنيّ نتيجة الرؤية الاستنباتيّة للحكيم وسعيه إلى التوفيق بين الموروث الشعبيّ والمضمون المحلّي، وبين القالب الغربيّ التجريبيّ الحداثيّ. تتجلّى المزاوجة بين الواقعيّ والعبثيّ في سلوك الشخصيّات، وطريقة تناول الأحداث والزمان والمكان. كذلك تتجلّى هذه المزاوجة في طبيعة الحوار واللجوء إلى الرمز.</p>
<p dir="rtl">في مسرحيّته مسافر ليل حاول عبد الصّبور أن يستلهم التاريخ ويستخرج منه شخصيّات معروفة لدى المتلقّي من زعماء وقادة وملوك (الاسكندر، تيمورلنك، هتلر، الحجاج، النعمان بن المنذر وغيرهم)، وشعراء (كَذِكره المتنبي) وشخصيّات أخرى حديثة (الرئيس الأمريكيّ لندون جونسون، النازيّ مؤسس الجستابو الألماني هيرمان جورينج) مقتبسًا أقوالَهم. لكنّ هذا الاستلهام يظلّ هامشيًا في نصّ المسرحيّة ولا يعملُ كقاعدة تأصيليّة محرّكة للأحداث. من هنا، يمكن القول إنّه على الرّغم من وجود بعض السّمات التأصيليّة المتجلية في استلهامه التراث التاريخيّ والأدبيّ، إلاّ أنّ عبد الصبور لا يتّخذ من التراث قاعدة لهذه المسرحيّة، بقدر ما يتّخذ من الفلسفة العبثيّة وتقنيّات الجروتيسك ومسرح العبث والأسلوب الحداثيّ التجريبيّ عمادًا لها. من هنا، يمكن القَول أيضًا أنّ عبد الصّبور "استعار" عناصر وقوالب وأساليب مختلفة ودمجها بطريقة الكولاج الأدبيّ جاعلاً منها شكلاً هجنيًا في المسرح العربيّ، وهي رؤية مسرحيّة يغلب فيها العنصر الاستنباتيّ على التأصيليّ الذي يطرح مفهوم العَودة إلى جذور التراث والنهل منه كقاعدة للنهوض بمسرح عربيّ جديد.</p>
<p dir="rtl">أما وليد إخلاصي، فقد انتمت مسرحيّتاه طبول الإعدام العشرة والمتعة 21 إلى التيّار التجريبيّ في المسرح. استعار إخلاصي فيهما ثيمات وأساليب وتقنيّات من أكثر من تيّار: السورياليّ، العبثيّ، الواقعيّ والرّمزيّ، لتكوّن بذلك شكلاً مسرحيًا هجنيًا لا تعتمدُ حمولته على تبنّي تيّار بعينه دون الآخر. هذا الحشد الهائل للأساليب أضفى على المسرحيّتين الإبهام والغموض وأحالهما إلى الأسلوب الحداثيّ في الكتابة خصوصًا ميل الكاتب نحو التكثيف والاقتصاد وبناء التراكيب اللغويّة والمفردات غير المألوفة والتي تعمل على إدهاش القارىء ومَوضعته في أجواء كابوسيّة. </p>
<p dir="rtl">يمكن القول إنّ سعد الله ونّوس تأثّر بالفلسفة العبثيّة ومسرح العبث الذي جاء به بيكيت ويونسكو، لكنّه تأثّر يأتي في سياق القمع السياسيّ والفكريّ والسلطويّ في حقبة الستينات. وجدنا "المناخ العبثيّ" يسيطر على أجواء المسرحيّات، ويسود الجانب الرّمزيّ في تأويل الأحداث، حيثُ مازج ونّوس في لغة الحوار والإشارات بين اللغة المُباشرة التي أفصحت عن نقد تهكّمي لاذع للسّلطة والقانون، وبين اللغة المجازية المشفّرة التي خلقَت إحساسًا بالغموض إلى درجة الإحساس بالتّهديد والخَوف. إلى جانب ذلك، لَمَسنا الحوار الذي اختلط فيه النفس السرديّ بالتكثيف الشِّعريّ، والشخصيّات التي تأرجحت بين الواقعيّ والغرائبيّ، وبين القدرة على الحركة والوقوع في فخ الانتظار والتراجع والعجز عن اتّخاذ فعل ايجابيّ محرّك. لكنّ هذه الأجواء العبثيّة، والكابوسيّة، لا يمكن قراءتها كجزء من تيّار مسرح العبث العالميّ بشكل مطلق، وإنّما يجب تأويلها ضمن المناخ الذي ولّدها وضبطها في إطار الواقع السياسيّ والفرديّ والجماعيّ الذي تناسَب معها. عرض ونّوس من خلال مسرحيّتّي جثّة على الرّصيف و مأساة بائع الدبّس الفقير نماذج لشخصيّات مأساويّة عالجَ من خلالها ما أفرزه الواقع من طبقيّة واستبداد وفساد سياسيّ، ووقوع المواطن البسيط في شِباك أنظمة الحكم المستبدّة والقامعة ونظام دولة العسس والجواسيس. هذا الواقع الذي شهده ونّوس في حقبة الستينات جاء في هيئة نّقد اختلط فيه الواقعيّ بالكابوسيّ، والمعقول باللامعقول، دون السّعي المتعمّد إلى تعميق الفكر العبثيّ لكتّاب مسرح اللامعقول، أو تطوير آليّات الكتابة ضمن هذا التيّار.</p>
<p dir="rtl">أمّا التكرلّي، فقد حاوَل الرّبط في أدبه بشكل عامّ، وفي مسرحه بشكل خاصّ بين أزمة الفرد الروحيّة وبين صراعه مع مجتمع فقد قيمة التواصل وتورّط في التفسّخ والتشظّي القيميّ الجماعيّ. يعمّق التكرلّي هجومه على هذا المجتمع المحلّي من خلال اختيار المناخ العبثيّ وتقنيّات مسرح العبث كوسيلة مثلى للتعبير عن هذا الموقف. قدّمتُ في هذه الدراسة نموذجَين لهذه الكتابة- مضمونًا وأسلوبًا- وهما الصّخرة و زوج السيّدة م، حيث قدّم التكرلّي شكلاً آخر من مسرح العبث كمَسرح مستَورَد من الغَرب ومزروع في تربة عربيّة واجه تحدّيات كثيرة من أهمّها مدى اقترابه من خصوصيّة الهويّة العربيّة ومناخاتها ومدى مخاطبته لمشاكل وإشكاليّات هذه الهويّة. بيّن التكرلّي مدى قربه من الاتجاه المسرحيّ العبثيّ بمقاييسه الغربيّة الحداثيّة ومدى توفيقه في الرّبط بين هذه المقاييس وبين نقده الاجتماعيّ للمجتمع الذي عاصره.</p>
<p dir="rtl">حاوَلَت هذه الدراسة أن تبيّن في ثناياها أسباب انقطاع تجربة مسرح العبث وعدم تبنّيها كخطّ ثابت عند الكتّاب المسرحيّين، الأمر الذي ينبع من تضافر ثلاثة عناصر رئيسيّه: الأوّل هو دور النّقاد الذينَ لم يتفاعلوا تمامًا في دعمهم لهذه الظاهرة، وغياب الإجماع حول مدى أهميّة هذه التّجربة ومساهمتها في تطوّر شكل ومضمون المسرح العربيّ. يعود السّبب في ذلك، كما افترضت الدّراسة، إلى غياب التّراكمات المعرفيّة بسياقها التّاريخيّ والاجتماعيّ لمسرح العبث في الخطاب المسرحيّ العربيّ. العنصر الثاني هو دور المسرحيّين المنظّرين للمسرح وخُفُوت درجة التّناغم بين ما طرحوه في تنظيرهم لمسرح العبث وبين الممارسة الإبداعيّة له، حيث اعتبر هؤلاء المسرحيّون تجربة مسرح العبث تجربة مرحليّة وانتقاليّة سرعان ما مارسوا بعدها أشكالاً أُخرى مغايرة أدّت إلى انقطاع هذه التّجربة. أمّا العنصر الثالث فهو غياب تجربة الجمهور كعامل فاعل ومتلقّي رئيسيّ لهذا النّوع من الكتابة المسرحيّة الذي لم ينجح تمامًا في مخاطبة قضاياه، وذلك بحكم كونه مسرحًا تجريبيًا تجريديًا، وبحكم قلّة الإنتاجات المسرحيّة والإخراج المسرحيّ لهذا النّوع من المسرحيّات.</p>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="550" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/1704735430086-1.jpg" width="843"></div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21534">مسرح العبث العربي بين الصعود والأفول</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التخوميّ أو الشاعر الخارج عن القانون</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21501</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 13 Apr 2024 08:29:50 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ae%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%91-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>قراءة في المجموعة الشعرية "عالمٌ محقونٌ بالبوتوكس"</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21501">التخوميّ أو الشاعر الخارج عن القانون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">في 156 صفحة، صدرت عن دار راية للنشر المجموعة الشعريّة الأولى للشاعر الفلسطيني المقيم في بلجيكا وضاح أبو جامع. تنقسم المجموعة إلى أربعة أبواب تتنوّع فيها القصائد في هيئة كولاج شعريّ يدعو إلى تأمل التجربة الشعريّة التي يقدّمها لنا الشاعر في عمله الشعري الأول سواء في اختيار العنوان، أو تقسيم المجموعة إلى أربعة أبواب: طلاقٌ مبكّر في مدينة تقع على شواطىء المخابرات، سائحٌ على وشك اللجوء، صورة أخيرة لفأس على الأسرّة، جرحٌ أنا كفه، أو اللغة التي جاءت متقشّرة من سطوة الشيفرات الأخلاقية المحمّلة بها لغة الفلسطينيّ عندما يكتب،  وبالتالي فإنّ هذه المجموعة الشعريّة تشكّل مقولةً مستقلّةً ضدّ شبكة علاقات القوّة المزروعة في سلطة الخطاب الجماعيّ المدعوم بسطوة لغة متماثلة.</p>
<p dir="rtl">تضعنا هذه القصائد أمام مواجهة حقيقية وصادمة مع مفهوم اللغة ووظيفتها من حيث قدرتها على أن تكون منزلا، تحديدًا للوجود الفلسطينيّ-الغزيّ والتأكيد على أنها ليست مجرد وسيط بين عالمين، بقدر ما تكون هي العالَم نفسه. ما يميّز هذه اللغة، بمعجمها وهويّتها وخطابها الجسدانيّ الذي ينزاح عن المعجم الفلسطينيّ ومفهوم الحشمة والجديّة في تناول الكيان الجمعيّ، هو قدرتها على الإفصاح والكشف من خلال عبورها إلى حدوديّتها الخاصّة، تنحو نحو غريزتها بالنجاة من محرقة الجمعيّ دون أن تنفيه ودون أن تجادله، إذ تفعل ذلك من خلال المخاطرة بالعالم اللغوي الفلسطينيّ المثالي الذي يحاكي صموده من خلال سطوة معجم رصين يخاطبُ جمهورًا رصينًا يملك خطابًا مبرمجًا واحدًا ومعجمًا واضحًا. هكذا، يُقال الواقع عبر "حجبه"، وتستكملُ القصائد لعبة اللف والدوران في لانهائيّة تكتبُ ما يشكك في الحقيقة الفعليّة من خلف الهويّة المرئيّة المستنفذة في صورة الفلسطينيّ التاريخيّة. يتعاظم اللف والدوران في القصائد وهي تلقي بأفكارها التخوميّة التي تلقي بظلال تراجيديا  الموت المحدق بذات الشاعر من كلّ الجهات، إلاّ أنّه سرعان ما تنعجنُ  فيه التراجيديا بحسيّة محيّرة تُموضعُ الجسَد استعارةً كبرى لأبعاده الأكثر حيّةً والأكثر تعبيرًا عن صورة الفلسطينيّ المحجوبة شعرًا: الراغب والمهدد والشبقيّ والسّاخر والمتألم والمحبّ:<span style="color: #4e5f70;"> </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">لو كانت حياتي </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أقل رصاصًا </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وحرائق</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">لما خطر برأسي صورة  </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">عن الحزام الناسف</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">سوى الطريقة التي تُديرين بها حمالة صدركِ </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">جهة الخصر </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">كي تخلعيها.</span></p>
<p dir="rtl">دونَ أن تتقلّص غالبية القصائد إلى حدث واحد وفكرة واحدة، متحاشيةً نمطيّة العبارة ونمطيّة الاستجابات العاطفيّة، تنجحُ، في قسم كبير منها، في الفكاك من سطوة الهويّة المحدّدة، من نسختها الأصليّة التي "يجب" عليه أن يكونها الشاعر أو أن يعمل هو وقصائده ضمن نطاقها. تصير قرينًا للاجئ وهويّته التخوميّة وتنسلِخ عن ميتافيزيّقة الـ "نحن" المألوفة تماما والتي اعتادت أن تردّنا إلى ذات الانفعالات والاستجابات العاطفيّة لمأساة الفلسطينيّ. الشاعر هنا هو ابن الغريزة والفطرة، وال "نحن" أيضًا تنفتح على نوافذ الجسد الذي يتحرّك أفقيًا، فيبدعُ اختلافًا في المقولة مع كلّ صورة يخلقها: صوت يتشكّل حضوره من لجوء وكتابة ذاكرة مأساويّة تتجرّد وتتوارى في حواشي الفكاهة والشكّ وتتخذ الاضطراب مرتعًا تسوح فيه. هذا إلى جانب القدرة على جذب اللغة نحو حركة عفويّة ظاهريًا في اتجاه بناء أفقٍ يخصّها، ويخصّ رؤية الشاعر للمكان والذات والموجودات من حوله والتي تبني عالم القصيدة، وهي رؤية تقوم على قرار المجاورة بين هذه المفاهيم دون شرطيّة تجميعها وتوحيدها وفق قانونيّة نكبويّة محددة مسبقًا. وهكذا نجد أنفسنا أمام الذات التي لا تثير فينا إحساسا بالشفقة لأنها لا تفضح أحاسيس مرضيّة، ولا تعيدنا إلى رؤية كتابة عمودية، بل تتركنا في حركة أفقيّة كحركة البدويّ المتنقّل في الصحراء. إنّه ببساطة خارج النّظام، خارج عن القانون، وهذا ما يجيزُ له أن يتشتت ويتفكك ويختلف، فنقرأ:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أحملُ حبكِ </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">بنفس الطريقة  </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">التي يُحاول الرجال تهدئة خطواتهم فيها </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وهم يحملون نعشًا </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">إلى المقبرة.</span></p>
<p dir="rtl">ولعلّ هذه القصائد تشكّل مقولة مختلفة أولى في مسيرة الشّاعر، ومسيرة المكان الفلسطينيّ القادم منه، في إعلان "طلاق" منه، وبداية رحلة لجوء في الأمكنة الواسعة واتّساع الجرح الهوياتي وتمدّده في قلب اللغة التي تصيرُ مسكنًا للأسئلة ومسكنًا لذاكرة عابرة وعرضيّة وطارئة على العالم، لكنّه عرضٌ مقصود يؤسس لهوّة جديدة بين الإنسان الفلسطينيّ ومكانه، بين ذاته ونسخته التاريخيّة التي تقوم على الجمعيّ. هكذا تتشتت الذات الجمعيّة وتنسلخ وتتحرّر وتختلف مع كلّ قصيدة يحضرُ فيها الشيء وضدّه، وبين كلّ قصيدة وقصيدة تناقضٌ ينفي الشّبيه ويراهن على الجسد صاحب المقولات المتعدّدة والمربكة التي تُخرج الفلسطينيّ من ملليّة خطابه، فتتداخل وتتشابك الأفكار في نفورٍ برّاق ومحرّر يحافظ على عافية الألم بطَمس وضوحه، ويعمّق "اللف والدوران":</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">لستُ ممن يأكلون </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">بأيديهم </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أنه الفلفل الحار في مدينتي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">من يصنع من حبي </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">مجبولًا </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">بالكبرياء</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وبطيئًا </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">في الإلتهام  </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">حتى أنني أريد من عود البخور </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">لا من العود</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">الفرنسي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أن يتعرى كراقصة </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">في منزلي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وأن أحلف على شارل أزنافور </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">طلاقًا بالثلاث</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أن يأكل من طبخكِ </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">الشرقي </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وعلى إيقاع الأغاني </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">الحزينة </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">التي تُرددها الأمهات </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">في المآتم </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أن ترقصي.</span></p>
<p dir="rtl">والبساطة الشعريّة الظاهريّة في هذه المجموعة، هي في عمقها اعلانٌ حاجة ضروريّة تعبّر عن استمراريّة، عن جرحٍ مفتوح لا يقبل أن يلتئم، حتى تظّل اللغة مفتوحة على جرح المكان وتظلّ المقولة مفتوحة على تأويل الهويّات الفلسطينيّة القديمة منها والجديدة. هكذا تستجيب القصيدة لمطالب الفلسطينيّ اللاجىء وتترجمها في هيئة تفجير الحدود الوطنيّة والعبور إلى ضفاف مجازيّة غرائبيّة متنافرة تفكّ رابطة الدّم بالمكان/الأمكنة وجحيمه/ا نحو فضاء شعريّ يراهن على الشبهة، فكلّ أمان وهمٌ، وكلّ ما لا يتوطّن في الجسد المرتحل واللاجئ لا يُعوّل عليه:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">في مدينتكِ البعيدة /تتراقصُ الحرب على جثث الموتى وغبار البيوت/ وحين تقفزين من صوت القصف.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أستيقظُ/ في مدينة أُخرى /وعلى جسدي آثار تعذيب.</span><br />
<img loading="lazy" decoding="async" style="float: left;" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/غلاف-كتاب-وضاح1-2.jpg" alt="" width="300" height="485" /></p>
<p dir="rtl">تترنّح القصائد بين عالمٍ كبير وعالمٍ صغير، جسد المكان المسجّى في جحيم الحروب، وجسد الشاعر المسجّى في أثر ندوب التعذيب ليجسّد عمق الرّبط والوصل بين عالمين راسخين في ذات الشاعر ومنفصلين عنه في ذات الوقت. يحاول الشاعر أن يخلقَ حبل الوصل بين مدينة بعيدة تعيش جحيم الحرب، قد تكون غزّة وقد تكون مدينة ما لحبيبة ما، ومدينة أخرى نكرة لا نعرف عنها شيئا سوى حضور جسد الشاعر فيها، الجسد الذي جسّد جحيمًا آخر على جسده. بين مدينتين صوتٌ واحد تُنكره المدينتان وينكرهما، وناتجهما جثث وموتى وآثار تعذيب. إنّه ليس هناك، لكنّه هنا أيضًا في مكان نكرة ودليل وجوده هو الأُثر على جسده. هكذا يبدو الشاعر تخوميًا في أفكار مختصرة، لا تعطي التفاصيل الكافية، لكنها ترشق في وجوهنا مفردات وصورًا مجازيّة تقف على خط التماس بين مدن نتاجها الألم. وتخلق أمامنا شعريّة حدوديّة، ليس بالضرورة حدوديّة الأمكنة بقدر ما هي مستويات للتخوميّة ممثّلة في النصّ اللامتناهي في حركته: الباحثة، المنحنية، الهاربة، أي تلك التخوميّة الانسيابيّة:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">كان طفلاً ينحني ليربُط حذاءه /كبُر حربًا واحدة لينحني /باحثًا عن قدمه.</span></p>
<p dir="rtl">أو:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">ما زلتُ أفضّل باولينغ الحارات /على الذهاب للصالات المُغلقة يومَي /السبت والأحد  في أوروبا.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أريدُ/ القواريرَ البلاستيكية الفارغة /وكومةَ الرمل المُلقاة /على حوافّها/أريدُ أن أصلبَ ظهور الأصدقاء الذين ركضوا هربًا بالكرة المطاطية.</span></p>
<p dir="rtl">ثمة صوت شعريّ متاخم وكاووسيّ، لا يستفيض الشاعر في تبريره، يأخذ فيه الجسد حصّة الأسد في وفرتِه ووفرة ما يقدّمه من اختلاف في المعجم.  تقودنا هذه الرؤية إلى زاوية لا راحة فيها ولا امتثال للسائد الشعري من المكان الأول الذي يأتي منه الشاعر: غزة بصفتها المكان الذي يضخ القلق، المركّب من طبقات تقوم على الخيبة والتقويض، خيبة الفرديّ من نفسه، وخيبته من الجماعي، وخيبة الجماعيّ من النظام الأكبر، وخيبة النظام من نفسه. من هذه الخيبة تتحرر القصائد من فكرة المكان البطوليّ والمقاوِم والسّامي والصّامد، ونلج ديناميّات نفسيّة أخرى تسمح لنا بقراءة البسيط والفاجر واليوميّ والمناقض في القصائد.  عبر حيّز الخيبة، نتآلف دون حدود جغرافيّة وزمانيّة مؤطّرة، ونتعاطف مع القبيح الساكن في بطن المثالي، والمهزوم القابع في قالب البطولي، والمستكين النابض في صدر الغاضب.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">الخروج عن القانون</span></strong></p>
<p dir="rtl">كما تأتي هذه القصائد المطروحة لتعبر من خلال التخوميّة إلى مستويات "التعافي" من سلطة القانون وشيفرات الأخلاق، أو لتخطو في طمأنينة من ملعب أبولو إلى سدّ ديونيسوس العالي وتسجّل هدفًا في مرمى غريزة الحياة في مواجهة الأسى. يحدثُ ذلك من خلال خيط الاعتراف بالخروج عن القانون- الجمعيّ، السلطويّ، المكانيّ، والعبور إلى العالم التخوميّ اللامتناهيّ الذي يمركز حكايته ويعيد صياغتها في مناخٍ تغريبيّ تختلط فيه القيم والهويّات وتُبقي الشاعر في خليط محايد من هامش ومركز.</p>
<p dir="rtl">هذه القفزة التي ينفّذها الشاعر في معظم قصائد المجموعة، تأخذنا في كلّ مرّة نحو تغريب قاسٍ، يشبه المكان الذي تمثّله هذه القصائد. التغريب الذي يبطش بالمكان مرّة ويبطش المكان بشخوصه مرة. تقنيّات في الكتابة الشّعريّة تتآلف وتتماهى مع التخوميّة بصفتها مجازًا لواقع هلاميّ لا تعريف يؤطّره، وبصفتها الحيّز الجذّاب الذي يحرّر الفرد من خوف المكان الدائم، يفصله عنه وعن هويته كلّما استطاع الى ذلك سبيلا، ويحجبه عن المكان القادم وهويته.</p>
<p dir="rtl">على تخوم الفجور والرّقّة مثلا، يخرج الشاعر عن قانون الامتثال للفضيلة لكنه لا يندفع للنهاية نحو الخطيئة. شيءٌ ما يقف في طريقها وتتحول إلى خليط محيّر من فجور ورقّة، فنقرأ:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">سأكون عمودًا /ترقصين حولي كراقصة تعرٍ/شرط أن تحوّليني لقصيدة.</span></p>
<p dir="rtl">أو:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">لا علاقة للموتى بالعزاء/كلما أُريق دم في هذا العالم/نُصبت ثلاثة أيام عن عذركِ في أيام الحيض.</span></p>
<p dir="rtl">يقع الشاعر بالضّبط على خطّ التماس بين غريزة الحياة وتراجيديا المكان في نقطة التقاء صارخة في هذه القصائد، حيث روح المأساة تأتي من قلب الاسراف في تفاصيل اليومي، تختلط فيها فجأة غريزة ونشوة وعربدة ديونيسوسية تنفلت من قبضة المأساوي باتجاه فسحة تنفيس في قلب القصيدة، تأخذنا إلى الفكاهة والغواية والسخرية والطفوليّ والفطريّ . يحارُ القارىء في هذا التناغم المتماسك بين نشوة الغريزة، والاحتفاء بالطبيعيّ-الحيوانيّ، والامتثال لقواعد الوصف المأساوي للمكان وشخوصه، فتقع القصيدة أحيانًا على خط التخوميّ بين نشوة تكتمل ومأساة لا تحرر. هكذا وعبر التخوميّة مرة أخرى يضع الشاعر نفسه في مواجهة الحياة المثقوبة بالموت بين كلّ مترين فيها، حفرة هي ثقبٌ أسود يشدّ الحياة إلى الأسفل، لكنّه يقابَل بقوّة قلقة عكسيّة تشدّ الكائن الى أعلى. هكذا، بين دفع نحو الأسفل وشدّ إلى أعلى، تصل القصيدة إلى نقطة تتوازن فيها القوّتان هي النقطة الحدوديّة التي يقف عندها الشاعر ويتأمل المشهد النوستالجيّ المأساويّ متقدّمًا بالجسد إلى لا غايته.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">ميلاد الغريب</span></strong></p>
<p dir="rtl">بين اغتراب ومنفى ولجوء وسياحة، تلك هي مصطلحات أساس في هذا الكتاب، وهي أساس معجم الواقع الفلسطينيّ المأساويّ، وبينها يقيمُ الشّاعر حوارًا داخليًا قوامه "الحداد" الصّامت- أقسى درجات الألم. بينَ بهجة السائح مثلا في نشوة الكحول، والتقاط صورة لحبيبين، مسافة قصيرة صوب اللجوء. من سعادة خاطفة لمعنى أن تكون سائحًا يهوي القارىء في مصيدة ألم اللاجىء في دائرة الهجرة كما في القصيدة التالية:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">كانت جولة قصيرة/هذا كل ما فعلته في رحلتي/إلى ميلان/ تصرفت كسائح كي لا ينكشف أمري/<br />
شربت البيرة على حين سكرة/   وساعدت حبيبين/ على التقاط صورة/ ثم خلعتُ نظاراتي الشمسية/<br />
وأغلقتُ زر القميص / وخرجتُ من دائرة الهجرة كلاجئ.</span></p>
<p>ثمّة سعادةٌ انتشاء وغريزة لا تُقفل إلا بمصيرها الذي نعرفه عند الفلسطينيّ، ليجتمع المعجم وتولّد غربة تترنّح بين نشوة وحزن، هي ذات التخوميّة المسرَف فيها في معظم قصائد هذا الكتاب.</p>
<p dir="rtl"> هذا التنافر-التآلف في الصورة الشعريّة الواحدة يأتي في هيئة الإسراف في تناول اللحميّ-الجسديّ، فالشاعر يكرّر تمزّق الجسد بين مفسدة نشوته ومفسدة حزنه، وبين المفسدتين، لا خلاص إلا بالوقوف وتأمّله بين كونه مدجّنًا، ومبتورًا ومعذبًا وضالا ومنتشيًا بغرائزه، لكنّه لا يصل بنا للنهاية إلى اكتمال عاطفته أو نشوته أو ضلالته أو حزنه. إنّه جسدٌ مبتور يبحث عن نجاته بانفصاله عن مفهومه الطاغي في المثاليّة والبطولة. لا تكتمل سعادتنا بإحساس الشفقة تجاهه، ولا تتمّ بهجتنا بالتعاطف معه. مثلا نقرأ في القصيدة التي سبق ذكرها:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أحملُ حبكِ /بنفس الطريقة /التي يُحاول الرجال تهدئة خطواتهم فيها /وهم يحملون نعشًا /إلى المقبرة.</span></p>
<p dir="rtl">أو:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">تقفين </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">كصلاة </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وكلّ ما فيكِ يُبطل </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">الوضوء.</span></p>
<p dir="rtl">أو:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أذكري محاسني </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">أنا كل موتاكِ.</span></p>
<p dir="rtl">نقطة التوازن التي يُحدثها الشاعر بين نقيضين تخلق مجازًا تسيل وتعبر منه القصيدة من الجسد الميّت إلى الجسد الحيّ، النابض باللذة، أو المتحرّك باتّجاه حياته ونجاته.</p>
<p dir="rtl">مكمن قوّة الشاعر هنا في هذه المجموعة الشعريّة هو الخليط الأليم-/المبهج، القاسي/الرقيق، الذي يعجن فيه قصيدته، بين التسامي الذي لا يكتمل والفجور الذي لا يكتمل يقف الشاعر غريبًا، وتدفعه تخوميّته هذه إلى التفوّق على الألم والتفوق على السّعادة، لتبقى المقولة الجوهريّة مفتوحة على راهن ومستقبل مبهمين تتجاذبهما تراجيديا متواصلة وأمل رقيق بالنجاة. يقول الشاعر:</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">لم أكن مؤمنًا بالشكل الكافي لأترفع عن صدرٍ في فم ولستُ مهذبًا كي لا أسترق من وسط التمنع قُبلة. لم أُصلح مزقًا في ثوب وبكل الأحوال لستُ ممن يُقال لهم طُوبى ولم أعرف طريقًا للجُبناء.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وأظنُ بأنني، ورغم الوضوح في اسمي، </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">كلُ الغرباء.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">وربّما تكون التخوميّة مهنة الشاعر ليظلّ غريبا في عالم محكوم بمادّة عصبيّة سامّة.</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21501">التخوميّ أو الشاعر الخارج عن القانون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>خليل ناصيف: فلسطين جزء من العالم وليست كلّه</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21479</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 12 Mar 2024 09:03:05 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ae%d9%84%d9%8a%d9%84-%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%aa-%d9%83/</guid>

					<description><![CDATA[<p>خليل ناصيف، صوتٌ أدبيّ فلسطينيّ قادم من رام الله، يسجّل حضوره في السنوات الأخيرة في مجال الرواية، وكان قبلها قد طرق باب القصّة والشّعر. أصدر حتى الآن أربع أعمال أدبيّة: وليمة للنصل البارد (مجموعة قصصية، الغابة التي قفزت من الصورة (نصوص شعرية)، دومينو (رواية)، نانا (رواية). بينَ محاولاتٍ فرديّة خالصة لقنص التجريبيّ في الكتابة، ورؤية [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21479">خليل ناصيف: فلسطين جزء من العالم وليست كلّه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">خليل ناصيف، صوتٌ أدبيّ فلسطينيّ قادم من رام الله، يسجّل حضوره في السنوات الأخيرة في مجال الرواية، وكان قبلها قد طرق باب القصّة والشّعر. أصدر حتى الآن أربع أعمال أدبيّة: وليمة للنصل البارد (مجموعة قصصية، الغابة التي قفزت من الصورة (نصوص شعرية)، دومينو (رواية)، نانا (رواية). بينَ محاولاتٍ فرديّة خالصة لقنص التجريبيّ في الكتابة، ورؤية نقديّة للمكان الفلسطينيّ، يرى ناصيف أنّه كاتب يكتب عن الإنسان أولا، وأنّ الرواية الفلسطينية لن تتغير إلا بتغيّر الكاتب الفلسطيني نفسه، وأنّ التغيير الجمعي لن يكون بدون ثورة شاملة سياسيا واجتماعيا، وأنّ ثمّة علاقة فاضحة للكاتب بالسّلطة في المشهد الفلسطينيّ ممّا يجعل حصر الأدب في سردية الأرض والاحتلال. عن المشهد الأدبي الفلسطينيّ، والكتابة والقارئ، وما يجري في غزّة، كان هذا الحوار.</span><br />
 </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أنت دائم البحث عن صياغات جديدة في الكتابة السرديّة. فضاءاتك الروائيّة مزيج من فضاءات. تختار المكان الفلسطينيّ معجونًا بأماكن أخرى وجغرافيّات تلتصق، تغازل، تحاور، تتضادّ مع المكان الفلسطينيّ وشخوصه، رأينا ذلك في نانا وفي دومينو وفي روايتك القادمة. أهو وسواس الوقوع في مصيدة المكان الواحد-المتوحّد، أم سعيٌ إلى تغريب المكان وفتحه على جغرافيات أخرى، بوصفه مكانًا تجريبيًا؟</span></p>
<p>مزج المكان الفلسطيني مع أمكنة خارج البلاد كان لأسباب تتعلق بالحبكة والبنية السردية لرواياتي أكثر من مسألة السّعي للتغريب، الداخل الفلسطيني وحده برأيي سوف يقيّد الحبكة السردية بشكل كبير، فكان لابد من إضافة أماكن خارجية لإغناء العمل وتعزيز التشويق وجاذبية الرواية هذا أحد الأسباب. أما السبب الآخر فجاء من تجربتي كقارئ يرى أنه تم استهلاك المكان الفلسطيني وتصوير فلسطين في معظم الأعمال المحلية وكأنها مكان معزول عن العالم تدور فيه حكايات من ذلك النوع الذي يحدث في جزر ضائعة فجاء مزج الأمكنة من باب التمرد وكسر العزلة إضافة للضرورات المتعلقة بالتشويق والحبكة كما ذكرت سابقا. هل سوف يستمر الحال في روايات قادمة هكذا؟ ليس بالضرورة، فلكل رواية عالمها الخاص ولكنني سوف اتعامل دوما مع الإنسان الفلسطيني والجغرافيا الفلسطينية كبقعة لا يمكن فصلها عن العالم.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">بدأت مسيرتك مع الكتابة بمجموعة قصصية هي وليمة للنصل البارد، مجموعة فيها العاب سرديّة واقتناص خاطف للحكايات في ثياب التجريب الذي يتناسب فيه طول النصوص مع افكارها وتنوعها. ثمّ قفزت في خطوة جريئة الى نصوص شعرية غرائبية مع الغابة التي قفزت من الصّورة. عادةً ما تكون مسيرة القاص عكسيّة، انّه ينتقل من الشعر باتجاه السّرد. أما أنت فلا.</span></p>
<p>أرجو أن لا تكون إجابتي غريبة نوعا ما ولكن الأمر يتعلق بهمسات الكائنات المختبئة تحت جلد الواقع السميك، فأنا مجرد وسيط بين تلك الكائنات وبين القارئ وأحاول إيصال همساتها. أحيانا يكون الشعر هو الوسيلة الأفضل لإيصال تلك الأفكار وكأنها تركب قطار (الشينكانسن ) الياباني السريع أو كأنها جرعة من القهوة الثقيلة (الاسبريسو ) يكون الهدف منها التسبب بصدمة للقارئ، وفي حالات معينة وقصص معينة لا بدّ من رحلة طويلة مليئة بالتفاصيل وهنا يكون القالب الروائي هو الأفضل مثل رحلة في السفينة.  انتقالي كان في نفس العالم السردي ولكن بسرعات مختلفة، فالتجربة الشعرية (الغابة التي قفزت من الصورة) كانت نوعا من السرد السريع فكل نصوص الغابة مثلا كانت تحمل روحا سردية خفيفة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">تجربتك مع الرواية ضمن المشهد الفلسطينيّ، لا يُمكن إخراجها من سياق المشهد الأدبيّ العربيّ الراهن. تمكّنت في السنوات القليلة الأخيرة من إصدار ثلاث روايات واحدة تلو الأخرى وقد صعدت دومينو للقائمة القصيرة لجائزة كتارا. أنت أمام الرواية، وأنت أمام الرواية الفلسطينيّة، وأنت أمام الرواية العربيّة، وأنت أمام الرواية العالميّة. أربع مستويات فيها مطبات وعراقيل وأسئلة وحيرة وتحديات. كيف ترى إلى نفسك روائيًا في كلّ منها؟</span></p>
<p dir="rtl">أرى نفسي كاتبًا يكتب عن الإنسان ويتوجه إلى القارئ الإنسان بشكل عام بغض النظر عن هويته أكثر من توجهي للقارئ العربي أو الفلسطيني بشكل خاص، فالموت والحب والكراهية والدهشة ومفارقات الأقدار هي أمور يتشاركها الناس ككل بغض النظر عن الجغرافيا والثقافة. عندما أكتب أحاول تقديم نتاج أدبي يلمس قلب أي قارئ بغض النظر عن مكانه في هذا الكوكب، ولكن بالطبع لا يمكن إرضاء كل القراء، فهناك دائما من سوف يعترض على فكرة ما لأسباب دينية أو سياسية أو اجتماعية. هذا النوع من الكتابة فيه أيضا الكثير من السباحة عكس التيار الأدبي السائد وهذه السباحة فيها الكثير من التمرد والتجديد والمغامرة الأمر الذي يجذبني كثيرا كقارئ أولا وككاتب ثانيا وكإنسان بالتأكيد. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">للنّساء حضورٌ طاغٍ في أعمالك. المرأة بوصفها عاملا ديناميكيًا متحركًا، قلقًا حفريًا ولا يستكين. إنّه كائن دائم التنقّل والأسئلة، ويخرج أو يحاول الخروج من بطش الجمعيّ دون وجهة محدّدة. بين مغتربات، ومتنقلات بين منفى ووطن، ما الذي تحاول تسجيله عبر مركزة الإناث بين المنفى والأماكن المتعددة في فلسطيني وخارجها؟</span></p>
<p>في الروايات الثلاث الأولى التي كتبتها حتى الآن، حاولت التركيز على نماذج نسائية متطرفة ومرفوضة اجتماعيا إلى حد كبير. رأيت أن قصصهن مثيرة ومشوقة أكثر من قصص النساء العاديات السابحات مع تيار المجتمع، فالسبب الأول أن تلك القصص جذابة أكثر للقارئ، أما السبب الثاني فلأنها نماذج تستحق ان يتم تسليط الضوء عليها فهي موجودة بيننا ولكن يتم تجاهلها وكأنها أشباح وهنا أردت أن أجعل الاشباح تتكلم وأن أقول للنساء أن المغامرة ممكنة ولكنها تتطلب دفع أثمان باهظة: فهل انتن مستعدات لدفع الثمن والمضي قدما أم تفضلن تخبئة أشباحكن الداخلية والعيش على الهامش راضيات بأدوار وقوالب صنعها المجتمع ورجال الدين سواء في واقع الحياة أو الروايات التقليدية؟<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="287" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/9390336a-3993-4b03-8e8a-d02c84a8e220-192X290-1.png" style="float:left" width="192"></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كيف يمكن للرواية الفلسطينيّة الجديدة أن تتخلّص من ذاكرة دمويّة منمّطة وتخرج من صورة الجريح إلى صورة متشافية من جرحها قادرة على النهوض- سرديًا- بفلسطيني نحو مشهد حداثيّ مستقبليّ واعٍ، وكيف يمكن للفلسطينيّ "الجديد" أن يحاور المشهد الأدبيّ العربيّ والعالميّ بأفق جديد؟ </span></p>
<p>الرواية الفلسطينية لن تتغير إلا بتغيّر الكاتب الفلسطيني نفسه، وهذا التغيير ممكن في الظروف الحالية على المستوى الفردي فقط أي أننا سوف نلمس من وقت لآخر حضورا مختلفا للكاتب الفلسطيني من خلال نصوص مختلفة، أما التغيير الجمعي أو تغيير أدباء الواجهة في فلسطين فلن يكون بدون ثورة شاملة سياسيا واجتماعيا. معظم الكتاب الذين يتواجدون في الواجهة الأدبية حاليا هم كتاب سلطة يحصرون أنفسهم في سردية الأرض والاحتلال ويتكئون على المشهد الدموي وطاقة الموت من أجل تبرير نصوص ضعيفة فنيا. تغيير الكاتب ومن ثم تغيير الرواية يأتي من خلال سعة الاطلاع والانفتاح الفكري على العالم وهذا يحدث ولكن ببطء لأن الكاتب المختلف ينحت في الصخر يوميا من أجل إثبات نفسه ومشروعه السردي. السباحة ضد التيار السائد تتطلب الكثير من الشجاعة التي لا يملكها الجميع. إن أردنا الحديث عن خطوات عملية في هذا المجال فالخطوة الأولى هي المثابرة وعدم الاستسلام للواقع والسعي وراء الجودة في النص وترجمة أكبر قدر من النصوص الجيدة إلى اللغات العالمية، مع الوقت سوف يتعرف العالم على نوع جديد وفتي من الأدب الفلسطيني وكل ذلك يحتاج إلى وقت، أما التغيير الجذري والسريع فيحتاج إلى ثورة ضد الواقع السياسي والاجتماعي الحالي وهي مهمة لا يمكن للكاتب أن يقوم بها وحده لبالغ الأسف، ولكن المثابرة هي كلمة السر. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أنت من مواليد رام الله، المدينة المختلف عليها فلسطينيًا بين كونه مركزًا مستقطبًا للناس لحكايات الهامشية وغير الهامشيّة، وكونه بؤرة “بلاستيكية” لحياة تترنّح بين الواقع الفلسطينيّ اليوميّ والواقع السياحيّ. كيف خدم وجودك في هذا المكان المختلف عليه، انتماؤك الى الكتابة السردية وإلى أيّ حدّ رسم المكان معالم هذه الكتابة التجريبيّة؟</span></p>
<p dir="rtl">رام الله في سنوات ما بعد أوسلو تحولت الى سيرك كبير والسيرك مكان غني بالقصص المثيرة، ومكان صالح لإمساك الخيوط المناسبة لنسج القصص. في رام الله عشت طفولة غنية بالمغامرات وتعرفت الى أشخاص يحملون من التعقيدات النفسية ما يكفي لملء عدة روايات. كل ذلك أثر في عوالمي السردية ولكنني أحلم دائما بكتابة رواية تتحدث عن روح مدينة رام الله الحقيقية والتي ضاعت تحت أساسات البنايات الحديثة والمؤسسات الثقافية الرسمية التي تخفي الكثير من غبارها تحت السجاجيد ووراء الستائر. مجتمع رام الله الحالي مجتمع منفتح ظاهريا ولكن تحت جلد هذا المجتمع المنفتح يختبئ الكثير من الزيف والتناقضات وهذا كله يمنح الكاتب مساحات سردية واسعة مقارنة بالتواجد في مدن منغلقة ظاهرها مثل باطنها ووحوشها لا تخفي فرائها الخشن. منذ كتاب وليمة للنصل البارد وأنا مشغول دائما ومنبهر بالوحوش الناعمة التي تتجول في شوارع المدينة توزع الابتسامات الصفراء ولكن أرغب دائما بالكتابة عن القطط اللطيفة التي تختبئ في منازل رام الله العتيقة المهجورة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هناك جيل لا تستطيع الكتابة الفلسطينيّة عموما، في الرواية والشعر والقصة، تجاوزه: محمود درويش، اميل حبيبي، غسان كنفاني (وغيرهم بالتأكيد). كيف ترى إلى ضرورة كسر هيمنة هذه الأصوات على مستقبل الكتابة في فلسطين الراهنة؟</span></p>
<p>هذ الجيل يفترض به أن يكون أساسًا نبني عليه الكتابات الجديدة وننطلق نحو التجديد والإبداع ولكن ما حدث أنه تحول إلى جدار ممنوع على الكاتب تجاوزه أو بعبارة أدق تضع المؤسسة الرسمية دائما بما في ذلك لجان التحكيم في المسابقات العراقيل أمام من يرغب بتجاوزه، وإذا أردنا الانطلاق نحو العالم علينا كسر ذلك الجدار. الكتابات الجديدة لا يجب أن تظل نسخًا عن كتابات الآباء لأنها في أفضل الأحوال ستظل مجرد نسخ وسوف يفضل القارئ قراءة الأصل على النسخة. يجب كسر صنم الآباء من ناحية اللغة والأفكار إن أردنا المضي قدما ، مجددا لا يمكن عزل الكاتب الفلسطيني عن الإنسانية بشكل عام وفلسطين هي جزء من العالم وليست كل العالم. ثم الأدهى من ذلك أن بعض الإباء أخذوا صيتا مبالغا فيه ليس بسبب إبداعهم بل بسبب قربهم من السلطة أو بسبب كونهم مسؤولين في أحزاب أو بسبب اللعب على مشاعر القارئ العربي المتعاطف مع القضية الفلسطينية، ولكنني دائما أستثني غسان كنفاني الذي شكل مشروعا أدبيا تجديديا رائدا في وقته. ما أطالب به هو السماح للكتابة الجديدة بالتواجد الى جانب كتب الكبار ومنحها فرصة للتنفس، أنا مزارع وأعلم جيدا أن الأشجار الجديدة قد لا تجد في حالات كثيرة فرصة للنمو إلا إذا أحرقنا الغابات العتيقة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">إذا كانت القراءة شكل من أشكال استخلاص المعاني المحتملة، فأين تقع تجربتك في التأليف الروائيّ في عمليّة التفاعل مع القراء، ومن هم القراء المثاليّون للنص الروائيّ في عصر انفجار المعلومات وشبكات التواصل وابتكار العالم الرقمي الموازي؟ كيف، وأنت الحاضر في المشهد الراهن، يمكن تحاشي مصيدة "القارىء" واستخلاصه للمعاني المحتملة، أم هو فعلا شريكُ في بناء المعنى؟</span></p>
<p>أحاول دائما أن أقدم للقارئ المشاهد والصور والمشاعر التي لن يراها على شبكات التواصل، أي أحاول دفعه للبحث عما يدور تحت جلده ومواجهته. الرواية التي تقدم للقارئ ما لن يراه في مكان آخر هي الرواية الناجحة في نظري، بالطبع لا يمكن لكاتب إرضاء جميع أنواع القراء ومشروعي الكتابي يستهدف القراء الذين يعانون الاغتراب في هذا العالم وذلك من خلال تقديم قصص وحكايات وأفكار تقول لهم: انظروا الى العالم الغريب تحت قماشة الواقع المزيفة إنه يشبهكم أنتم لستم وحدكم. يوجد بالطبع قرّاء يحبون قصص السطح أو التاريخ أو تعذيب الذات بقراءة قصص واقعية مباشرة وجميعهم سوف يجدون كاتبهم المفضل. القارئ  أحد العوامل التي يجب أن يأخذها الكاتب بعين الاعتبار، فالقارئ شريك في صياغة المعنى لا في بناء المعنى، هو عامل آخذه بالاعتبار خلال الكتابة ولكن القصة هي من تحدد مسارها وأحاول إخراجها دائما بأفضل صورة دون الاهتمام للحكم عليها من قبل القارئ. وظيفتي ككاتب هي إيصال الصورة بأدق ما يمكن وبأكثر قدر من التشويق والاثارة وبعدها للقارئ مطلق الحرية بأن يفسرها كما يشاء. بالطبع أتمنى أن انال رضى كل القراء وأن تصل افكاري اليهم جميعا ولكن هذا غير ممكن، يكفيني أن أوصل الحصان للنهر وبعد ذلك له أن يقفز او يشرب أو حتى أن يقتلني.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">تبرز في السنوات الأخيرة ككاتب مستقلّ عن المشهد الفلسطينيّ عمومًا. عملك في الكتابة السرديّة لا يأتي في نطاق جماعيّ، ولا يسعى باتّجاه أن يكون جزءًا من تجربة جمعيّة. بين كتابة فرديانية مستقلة، وكتابة تقول مقولة جمعيّة، ما هي في رأيك المقوّمات التي تحتاجها الكتابة الفلسطينيّة لتصوغ مقولاة-مقولات جديدة تصوغ وتتعامل وتلبّي وتعكس الواقع الجديد المتشكّل حاليًا في فلسطيني، في مستوى الهوية والكتابة؟</span></p>
<p>تحتاج الكتابة الفلسطينية للتحرر في المقام الأول، التحرر من فكرة أننا قضية يدور حولها وحدها اهتمام العالم، معظم الكتابات الفلسطينية (للكتاب المكرسين) تفترض ان القضية الفلسطينية مهمة لجميع القراء ومن هذا الافتراض تظل  كتاباتهم حبيسة قصص المعاناة تحت الاحتلال. ومع استثناءات قليلة يتم التعبير عن المعاناة بأسلوب أدبي ركيك وتقليدي  ، وبمناسبة الحديث عن التحرر من الضروري أيضا أن يتحرر الكاتب من سجن الخوف من السباحة ضد التيار الاجتماعي السياسي السائد أو كتابة نصوص تهدف إلى ابتزاز لجان التحكيم عاطفيا من خلال الاعتماد على كونها كتابات تتحدث عن القضية المقدسة. يجب على الكاتب أن يتغير ويقرأ ويتصرف على أساس أنه جزء من هذا العالم الواسع وليس حجرا يدور العالم حوله.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">غيّرت الحرب على غزّة الكثير في وعي الفلسطيني تحديدًا، وربّما أسكتته برَميه في صحراء فارغة عليه أن يواجه مصيره وحده فيها. غزّة تحضر بكتّابها وكاتباتها بإعلانهم مواقف ومقولات سياسية ونقديّة وأدبيّة وهويّاتيّة لم نشهد لها مثيل من قبل. ما هو الرهان الذي تضعه هذه الحرب أمامك وأنت تشارك في بناء المشهد الأدبي الفلسطينيّ؟</span></p>
<p>من المحتمل أن تكون الحرب الأخيرة مجرد صدمة سوف تزول آثارها بسرعة، لا يمكننا الحكم على اثارها حاليا كوننا مازلنا في خضمها، فنحن لا ندري هل سوف تتسبب في تغيير مستمر أم أن المشهد سوف يعود الى طبيعته بعد فترة قصيرة من وقف إطلاق النار. على الصعيد الشخصي، تألمت لمأساة غزة بصفتي إنسانًا أولا وفلسطينيًا ثانيا، ولكن هذا الألم أصبح ممزوجا بالغضب بسبب المواقف السياسية المخزية للنخب العربية ولناس دائما ما اثقلونا بالشعارات. لكن مأساة غزة بنظري هي مأساة لا يمكن فصلها عن مآسي البشرية في كل مكان فالموت واحد وآلمني موت أبناء سوريا واليمن بطريقة لا تقل عن ألمي لما يحدث في غزة. بالنسبة لما اخطط له وموضوع الرهان فما زال الوقت مبكرا لأن الحدث لم ينته. ربما كان أفضل من يكتب عن غزة هم الناس الذين تأكلهم الحرب الان أما بالنسبة لشخص بعيد نسبيا عن القصف فيمكنه كتابة قصص الناس الذين وقفوا يشاهدون ما يحدث في غزة وهم متألمون أو شامتون او خائفون أو حتى ينتظرون بفارغ صبر أن يقبضوا ثمن الدم المسفوك هناك. علينا الانتظار قليلا  فالحرب تخفي تحتها ملايين القصص.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21479">خليل ناصيف: فلسطين جزء من العالم وليست كلّه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يسري الغول: في غزة نرسم ممالكنا بالخيال وبين الحطام</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21422</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 04 Jan 2024 10:19:14 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%8a%d8%b3%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%88%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d9%86%d8%b1%d8%b3%d9%85-%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%86%d8%a7-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أبدأ معك من السؤال البسيط المركّب: أن تكتب أدبًا من قلب غزة، المكان الذي حوّله الواقع إلى أسطورة. في نظرك ككاتب فلسطينيّ خارج-داخل هذا الواقع الأسطوريّ العبثيّ، ما جدوى الكتابة من قلب هذا المكان، أولا؟، وهل تعتقد أنّ الكتابة قادرة على إصلاحه أو إعماره روائيًا أو شعريًا؟ الكتابة فعل جنون، أو بإمكانك اعتبارها فعل انتحار [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21422">يسري الغول: في غزة نرسم ممالكنا بالخيال وبين الحطام</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أبدأ معك من السؤال البسيط المركّب: أن تكتب أدبًا من قلب غزة، المكان الذي حوّله الواقع إلى أسطورة. في نظرك ككاتب فلسطينيّ خارج-داخل هذا الواقع الأسطوريّ العبثيّ، ما جدوى الكتابة من قلب هذا المكان، أولا؟، وهل تعتقد أنّ الكتابة قادرة على إصلاحه أو إعماره روائيًا أو شعريًا؟</span></p>
<p dir="rtl">الكتابة فعل جنون، أو بإمكانك اعتبارها فعل انتحار في مكان مثل قطاع غزة، الكتابة فعل جنون، أو بإمكانك اعتبارها فعل انتحار في مكان مثل قطاع غزة، اذ ان الانسان يعيش واقعا مهزوما  نتيجة عوامل كثيرة مرتبطة بهذه المدينة، التي لم نختر العيش فيها، ولم يكن لنا في تقرير مصيرنا شيء تجاه هذه الأسطورة التي يصعب الخلاص منها، لذا بات الكاتب محاصرًا بهمومها التي تخلقت بفعل الاحتلال وعوامل أخرى ارتبطت بوجوده.</p>
<p dir="rtl">ولأن المثقف ابن بيئته لم يكن من السهل تجاهل قضايا المجتمع العامة والخاصة، لذا بت مرتبطا بشكل لا إرادي في سيناريو حياة المخيم أنقل هموم العامة إلى العالم من خلال القصة والرواية، ولكن بشكل غير كلاسيكي تقليدي، فأنا لا أكتب القصة التقريرية أو الصحفية، أو المقالة التي تنتهي بانتهاء الحدث، كذلك لا أكتب بلغة المخيم أو المدينة وإنما أسعى أن أكتب باللغة التي يفهمها العالم، وهي عولمة النص من خلال أنسنته والتركيز على قضايا حساسة يهاب الكثير من الأدباء الاقتراب منها، قضايا لا تهتم بالموت كنهاية لحياة الإنسان وإنما بداية لوقائع فنتازية أخرى تناقش المسكوت عنه في الأدب والحياة الفلسطينية. الكتابة هي الجدوى وما دونها بحاجة لمراجعة، لأن الكلمة هي الأسطورة والتاريخ الخالد، الذي لا يمكن أن يتجاوزه الزمن، هي الرسالة القوية في مواجهة كل قوى الظلم، حيث للأديب أن يدافع عن حقوقه في وجه تغول الاستعمار في أي مكان، وكذلك الاحتلال.</p>
<p dir="rtl">العمل الأدبي أو حتى الفني أو السينمائي لا يمكن أن يصلح ما أفسده الساسة على الأرض بهذه السهولة، فنحن نرسم ممالكنا في الخيال بينما يعيش الطغاة في رغد من العيش على الأرض، يستثمرون كل شيء لتحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية أو الكولونيالية الاستعمارية في نطاقها الشمولي. إلا أن هذا لا يجب أن يدفعنا إلى الركون أو الانزواء، إنما الكفاح والنضال من أجل تحقيق التنمية المستدامة وتحقيق الحرية والوعي من براثن الاحتلال وأدواته، وكذلك من براثن الجماعات الراديكالية أو زبانيتهم الذين يعيثون فسادا في الأرض العربية باستخدام الدين أداة. التغيير قادم، عاجلا أم آجلا، في مكان يسمى غزة، لأن الجيل الجديد واعد يستثمر العولمة لبناء الوعي تجاه الاختلاف حتى في رؤيته للتحرير.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">يسري، أنت من مواليد العام 1980. تواجدك في المكان الفلسطينيّ القاسي والأكثر ايلاما، غزة، كان له أكبر الأثر في تشكيل وعيك الأدبيّ مراحل، تبدو واضحة في تدرّج عناوين أعمالك الأدبيّة وتنوّع مواضيعها وأساليبها في حالة من القلق الواعي داخل المكان المحاصِر والمحاصَر، والسعي نحو فضح المسلّمات وصولا إلى انتصار الذات على هذا المكان. فأي مراحل عشتها في قلب المكان إلى أن وصلت إلى "جون كينيدي يهذي أحيانًا"؟</span></p>
<p dir="rtl">في مدينة تضيق على ساكنيها، وفي بيت ال يتجاوز 45 متر مربع ولدت، جئت إلى الدنيا بينما كانت أمي تغسل ملابس الأب الذي انطلق بها إلى عيادة وكالة الغوث على أطراف مخيم الشاطئ بغزة، ولأنني جبلت من طين المخيم، المكان الذي لا يمكن اعتباره أسطورة بالنسبة لي أو حتى جنة كما يظن البعض، إنما قطعة من جحيم لا لون فيها غير الأسود، كبرت وترعرعت وصرت شابا يافعا أتمرغ في وحل تناقضاته، فما بين مراحل الحياة الأولى والاندماج مع رفاق المسجد الذي فتح لنا الأبواب لنقرأ القرآن ونتقن العربية، وصولا الى رفاق الفكر اليساري المختلف أثناء المرحلة الثانوية والجامعية لنقرأ ماركس وإنجلز ولينين وهيجل ونيتشه، ثم العلماني الليبرالي الذي جاء مع بداية سفري إلى أوروبا ثم الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى مؤتمرات وبرامج حول تحالف الحضارات في أذربيجان وماليزيا وغيرهما، أدركت أن المخيم لم يكن سوى سجن يضيق بأهله، وأن غزة قمقم لا يعرف الواحد معنى الحرية إلا إذا طار بعيدا عنه. مجموعة أفكار وتناقضات ومواقف، بصحبة أصدقاء مختلفين فكريًا وانسانيًا، وفي عوالم متباعدة مختلفة تشكلت رؤيتي الجديدة، التي أظن أنها بدأت مع مجموعة الموتى يبعثون في غزة بخلاف المجموعتين القصصيتين السابقتين: على موتها أغني، وقبل الموت بعد الجنون، الصادرتين عن مركز أوغاريت للنشر والترجمة في رام الله في 2007 و2010. ولأنني مؤمن بأن التغيير هو الثابت الوحيد في حياة البشرية، كان لا بد من انتهاج مجموعة مدارس وأفكار سعياً نحو صناعة المدرسة الخاصة بي، لذا ستجدينني أحاول في كل عمل أن أذهب بعيداً عن سابقاته، لغة وأسلوباً وكذلك في طرح الجديد من الأفكار، وصولا إلى جون كينيدي الذي قررت فيه إعادة تغيير المشاهد التي حفظتها البشرية أثناء اغتيال شخصيات مثل كينيدي ونيرودا وإلينيدي وجيفارا ورابين وأبو عمار وأحمد ياسين وغيرهم، ذلك لأن الحقيقة وصلت -بالتأكيد- منقوصة أو غير واضحة، حسبما يريد للسيناريست أو صانع الحدث لها أن تصل؛ فأنا مؤمن أن التاريخ محض كذبة كبيرة، يكتبها جلاوزة الحكام والأقوياء، فكانت لدي رغبة بإعادة صناعة التاريخ بشكل فنتازي مختلف في مقهى داخل الجنة، بجوار نهر الكوثر وشجرة التفاح التي التهمها آدم برفقة حواء.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أنت أيضًا لاجئ من مخيّم الشاطئ. وللجوء في المخيلة الجمعيّة الفلسطينيّة الراهنة معنى أكثر عمقًا من أي وقت مضى في عشريّة الثورات العربية. معنى يتّخذ سرديّة خاصّة بالفلسطينيّ لكنّه يتماهى مع سرديّة اللجوء العربيّ. ما بين اللجوء الفرديّ، واللجوء الجمعيّ، هل ينجح الأدب العربي، والفلسطينيّ بشكل خاصّ، في خلق وتشكيل أساليب تعبير جديدة تواجه هذا الواقع الجديد؟</span></p>
<p dir="rtl">لم يعد يقتصر اللجوء على الفلسطيني، ولم يعد مكان اللجوء أو حتى النزوح مقتصرًاعلى البلدان العربية أو الإنسان العربي، فهناك الافريقي الذي يهرب من جحيم الفقر والموت إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أو إلى دولة الاحتلال الاسرائيلي، كما بات يهرب السوري إلى أماكن أكثر رأفة، وكذلك العراقي والليبي والفلسطيني وغيرهم، لذا فإن ثيمة اللجوء والهروب من الوطن لم تعد خاصة بالفلسطيني المتخم بويلات الحروب، بل بكل شرقي أو إفريقي في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وأمكنة أخرى غارقة في الوحشة. ويمكن للمتابع للأدب العربي الحديث أن يكتشف كيف تأثرت الأمة بجحيم الأنظمة الشمولية ووعاظ السلاطين والجلاوزة الذين قمعوا الرأي والفكر المختلف، حتى جاءت الثورات التي لم تكن منظمة ولم يكن المجتمع العربي بعمومه مؤهلا لممارسة الديمقراطية كما يجب، لذا فإنها فشلت فشالً ذريعا فنجحت الثورات المضادة وعادت الأنظمة السابقة أكثر قمعا وإقصاء، يدفع المواطن ثمن تلك الطموحات التي تبنتها المعارضة من أجل مصالحها الخاصة بينما كان المواطن العادي يسعى من خاللها تحسين شروط العبودية في الوطن العربي الكبير.</p>
<p dir="rtl">الهجرة باتت سبيلا للخلاص، حتى لو قضى الشخص وأبناؤه في البحر، بدلا من انتظار الموت عبر قذيفة من الاحتلال الاسرائيلي أو رصاصة طائشة بالنسبة للفلسطيني، أو من طائرة روسية تقع على رأسه وعائلته بالنسبة للمواطن السوري، أو طائرة أمريكية بالنسبة للعراقي أو الحرب الأهلية السودانية أو اللبنانية ووو. </p>
<p dir="rtl">لدينا اليوم كتّاب المهجر من العرب مثل سنان أنطون ومحسن الرملي وحسن بلاسم ومازن معروف وأسماء أخرى كبيرة، كما أن لدينا مثل خالد حسيني الأفغاني، وأسماء بمداد البحر عملت على تغيير نمط وأسلوب وعوالم الرواية والقصة العربية والعالمية نتيجة الاندماج مع مجتمعات ذات فكر وأسلوب مختلف، فالهجرة عملت بالفعل على خلق وتشكيل أساليب تعبير جديدة تواجه هذا الواقع المرير، ركزت على الحدث والحبكة أكثر من تركيزها على اللغة التي كانت عقدة العربي المتخم بعلم البلاغة والبيان. </p>
<p dir="rtl">وكنت قد أصدرت قبل عامين رواية مشانق العتمة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وتدور أحداث الرواية عن شخوص من أماكن مختلفة تهاجر على متن قارب مطاطي ثم تموت في عرض بحر إيجة، ليس بفعل الطبيعة كما ذهب كثيرون لختام أعمالهم الروائية من قبل، وإنما بسبب وجود شخصية مثل هتلر القاتل، المحقق السوري الهارب من صراع الأجهزة الاستخباراتية هناك، فقد أصبح ديلر لتهجير الهاربين من الموت إلى اليونان من خلال تركيا، حيث يطلق النار على ذلك القارب المطاطي لأنه لم يقدر على إقامة علاقة جسدية كاملة مع هاجر الفلسطينية التي تشبه زوجته الغائبة.</p>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="417" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/3049587603459781werv-1.jpg" width="1111"></div>
<p dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">أنتقل معك إلى حذافير العمل الأدبيّ. شخوص نصوصك القصصية يموضَعون دائمًا في سؤال الهوية-الهويّات لكنّ نصوصك السرديّة مكتوبة بهالة سرياليّة ديستوبيّة لكنّ النصّ الواحد يهاجر إلى أكثر من أسلوب فتجد فيه الكوميديّ والغاضب والتراجيديّ والقوطيّ إلخ. ضغط من تقنيات سرديّة مدوّخة تحرّك النصّ بسرعة مشهديّة فائقة أحيانا تكون عصيّة على الفهم. أهيَ محاولة ابتداع الممكن الخلاق في المكان المستحيل، أم أنّ مقولةً حول الراهن والمستقبل باتت أسيرة الدستوبيا فعلا؟</span></p>
<p dir="rtl">سبق وأن تحدثنا عن إشكالية الأدب الفلسطيني حسب وجهة نظري المتواضعة، وهي صناعة البطل في الرواية، ومحاولة إظهار الفلسطيني بثوب المثالي العظيم، السوبر هيرو الذي يتحلى بكل آيات الاخلاق الرفيعة، وهذا ما كنت أصطدم معه في معظم أعمالي وأسأل نفسي: هل الفلسطيني بالفعل يوتوبي مثالي لا شبيه له؟ هل يجب أن نحصل على حريتنا لأننا كذلك؟ وماذا لو كان الفلسطيني ديستوبيًا؟ هل الوطن يستحق الأنبياء فقط؟ لأجل ذلك قررت تشكيل الفلسطيني العادي، العادي جدًا، الذي يخطىء ويرتكب الخطايا ايضًا، ولكنه رغم ذلك يسعى لنيل الحرية، وهو حق كفلته القوانين الإلهية والبشرية.</p>
<p dir="rtl">نحن لسنا سوى شيطالئكيين وليس كما تم تقديمنا في الأدب الفلسطيني إبان الثورة والانتفاضات اللاحقة في مواجهة الاحتلال. لذا كان لا بد من طرق جدران الخزان، وتحديث الرؤية للقارئ العربي والعالمي في شتى أصقاع العالم من كون الفلسطيني ملوث بالخطايا والمصائب كما أنه نقي السريرة وعظيم الكرم والأخلاق، هو الإنسان بكل صفاته وتناقضاته، فقد تجده يمارس القتل والقمع والاستعباد والعلاقات الجسدية غير الشرعية، وقد تجده يستغفر ويحسن الى الآخرين ويموت لأجل كرامة امرأة. هو بشري الصفات والطباع مثل أي فرد في مجتمع متنوع، فالأخيار والأشرار موجودون في كلّ زمان ومكان، وفي كلّ دين ومذهب، وفي كل جنس ولون، لذا فإنّ الهوية بالنسبة لي أسمى وأشمل من حصرها بجنس أو دين أو لون أو حزب سياسي أو حتى انتماء لوطن أو أمة، ورغم ذلك فإن الهدف العام هو المطالبة بالحقوق المدنية للفلسطيني في كل مكان من الوطن والمهجر. </p>
<p dir="rtl">أما على صعيد التقنيات السردية، وبعد هذا العمر بين الكتب، وقراءة المختلف من ثقافات وآداب الآخرين حول العالم، أدركت أنه لا يجب الالتفات إلى النقاد أو أي مدرسة نقدية موجودة، إذ إن هناك ذائقة مختلفة ورؤية جديدة لي شأني شأن كثيرين اليوم، أؤمن أنني قادر من خلالها على صناعة مدرسة جديدة، بدأت ملامحها مع الموتى يبعثون في غزة، وصرت أسعى فيها جاهداً أن أبتدع الأفكار التي يمكن أن تدهش القارئ في ظل استهلاك الأفكار التي لم يعد بد من تحديثها بما يتناسب مع الواقع والأدوات الجديدة في ظل عولمة جعلت من الثقافة هجين وخليط مركب من ثقافات وعادات وتقاليد متنوعة يسعى للاندماج خلالها في عالم هائل التنوع. وهذا هو ما جعلني أتلاعب بالنص كيف أريد دون الاهتمام برأي أحد، لأنني ربّه والمتصرف بأحوال أبطاله وبطريقة العرض التي أشعر أنها تنسجم معي ثم مع قارئي المثقف وغير العادي، وللتاريخ الحكم؛ فهو الكفيل بإبراز وتثبيت الأصلح والأقدر على تجاوز معضلة الزمن، فالبقاء للأٌوى والأقدر على الإبهار وصناعة الدهشة على الدوام.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">على الرّغم من ولوجك عالم القصة القصيرة وتركيزك عليها منذ البدايات، إلا أنّك تصدر عام 2021 رواية مشانق العتمة، الرواية التي طرحت بقسوة واقعيّة ثيمة النجاة من الواقع بالهروب الى اللجوء والتماهي مع الواقع بالبقاء فيه وفي كلتا الحالتين هناك ثمن باهظ لا بدّ من دفعه. تجربتك مع كتابة الرواية هنا استثناء بارز في سيرتك الأدبية في الأسلوب وفي اتساع الرؤية. فماذا أضاف التوجه لكتابة الرواية لتحديد عبث هذا المشهد العربي الفلسطيني؟</span></p>
<p dir="rtl">كاتب القصة يسهل عليه كتابة الرواية، خصوصاً مع تعلم اختزال الكلام، واقتضاب الجمل، والتركيز على الحدث وصولا إلى الحبكة أو الحبكات المطلوبة، فالرواية ذات مساحة أوسع لتقبل الخطأ من القصة التي يظهر عوار الكاتب فيها بسهولة، لأن القصة لا تحتمل الثرثرة. واليوم مع تطور الكتابة بدءاً من رواية الأجيال ذات الحجم الكبير أو األج ازء المتتالية، وصولا إلى الرواية القصيرة التي تهتم بالحدث على حساب اللغة وأدوات أخرى كان لا بد لي من ولوج عالم الرواية، خصوصاً أن العالم للأسف ترك الشعر جانباً ثم تجاهل كتابة القصة القصيرة والمسرح وبات يركز على الرواية ويصنع لأجلها الجوائز العربية والعالمية، ولكن ربما ويأتي زمان نستعيض عن الرواية بنوع جديد من الأدب، وسنضطر أن نصنع قوالب تتماهى مع المانح والممول وما يرضي الناشر.</p>
<p>وبالعودة لسؤالك، فقد سبق ونشرت رواية غزة 87 التي صدرت عن مكتبة سمير منصور في غزة عام 2018، ثم صدرت عن دار ميم بالجزائر لاحقًا في بداية 2021، ورواية مشانق العتمة، التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت نهاية 2021، والآن أنتهي من كتابة رواية جديدة أظنّ أنها محاكمة لتاريخ فلسطيني سابق، إذ يجب أن نكون أكثر جرأة في محاكمة أنفسنا تجاه كثير من القضايا المفصلية في تاريخ الوعي الفلسطيني، مثل حرق دور العرض ودور السينما ومكتبة الهلال الأحمر وغيرها، بالإضافة إلى محاكمة الفلسطيني تجاه الانقسام والعمل الوطني بشموليته. وكنت قبل كل هذه الأعمال قد كتبت روايات ثم هجرتها لأسباب عديدة، حيث كنت أشعر بانتمائي للقصة أكثر منها للرواية، خصوصاً أن القصة عالم خلاب، مجنون، جامح في الخيال، بخلاف الرواية التي غالباً ما ترتبط بوقائع تنحو بالكاتب إلى السير في ذات الطريق لأتمام وسبر أغوار الأحداث التي تحاكي واقعاً بعينه.</p>
<p>كل كاتب يمكن له أن يضيف ما يشاء من مكونات اللغة التي يشعر باستحسان الضيف لنكهتها. ولعلي مؤمن بأن الكتابة تحتاج لمجنون يتجاوز القوالب المعتمدة في كتابة الرواية أو القصة ليصنع قالباً جديداً أو مدرسة يلتحق فيها لاحقا الآخرون. وأختم أن الرواية حاولت تسليط الضوء بشكل موسع على قضايا الواقع المحلي والواقع العربي لأجل طرق جدران الخزان من أن القاع قد اكتظ بالحمقى ويجب تدارك المصيبة التي حلت بالعربي قبل أن تتحول المصيبة إلى كارثة ذات حجم أعظم وأكبر لا ينتهي إلا بانهيار الحضارة والانسان. الرواية والقصة والمسرحية هي التي تتنبأ وتستشرف المستقبل لأن الأدباء هم الأقدر على قراءة المشهد بوضوح.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">في سياق سؤال الحريّة والكتابة داخل المكان الضيّق-الواسع في نفس الوقت، وداخل معيقات ثقافيّة-اسلاميّة- حداثويّة-أعرافيّة-اجتماعيّة. كيفَ ترى إلى صراعكَ ككاتب من غزّة مع قلق الكتابة الحرّة في هذا السياق وما هي تحدياتك على المستوى الشخصيّ مقابل تحديات المشهد الأدبي الثقافيّ ككلّ في ذات المكان؟</span></p>
<p dir="rtl">ليس من السهولة بمكان الحديث عن الظروف السيئة التي يعيشها الكاتب الفلسطيني في قطاع غزة أو حتى الضفة الغربية، الفلسطيني أو حتى العربي المحاط به أدوات الأنظمة الشمولية التي تضرب بيد من حديد كل من يخالف الزعيم أو جلاوزة القائد المفدى. وربما أكثر ما يبهج الكاتب أن الاجهزة الأمنية لا تقرأ غالبا ، والزعماء لا يفعلون ذلك أيضاً، فالقراءة ليست ذات جدوى فيمن امتلك الأرض ومن عليها. الصراع لا يتوقف، الصراع داخلي نتيجة عوامل مرتبطة بالخوف من الرقيب وأزلامه، ومن المجتمع المدجن بتأثيرات راديكالية، وجيش من الحاقدين الذين يعتقدون صوابيتهم في كل شيء، وما دونهم الخطأ الكامل.</p>
<p dir="rtl">الكاتب الفلسطيني مسكون بالرهبة والخوف من خسارة نفسه أو راتبه أو سمعته لأن الناس لديها مشكلة مع إدراك أن الكاتب لا يكتب نفسه وإنما ينقل صوت الآخر، فالناس حتى المثقف منهم يسعى لإسقاط شخصيات أي عمل أدبي على الكاتب كجزء من التأويل البيوغرافي، فكيف يمكن لكاتب حينها أن يتحدث بحرية عن المثلية أو العلاقات الجسدية أو حتى الخيانة أو الغدر.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">البطل في السرد الفلسطيني التقليدي هو بطل نموذجي مكرر ويتحرك ضمن صراعات وأطر واضحة ومحددة مسبقا. بطل عضوي منخرط في قضيته الكبرى. أما أبطالك فهم انسلاليون إلى حد التحول، في كل فقرة تقريبا تجدهم كائنات جديدة وكأنهم في حالة رفض للثابت، ورغبة متواصلة في التكيف مع واقع متغير. ما الذي تحفر فيه ويختلف عن مجايليك ومن سبقوك في المشهد الأدبي الفلسطيني من خلال هذه النماذج الانسلالية المتحولة؟</span></p>
<p dir="rtl">الثابت الوحيد في هذه الحياة هو مبدأ التغيير، فالإنسان قد يغير دينه أو مذهبه كما نسمع من اعتناق مسيحي للإسلام أو بوذي للمسيحية أو سني إلى الشيعية أو أي اتجاه آخر. وهذا شيء يفوق الخيال، فما بالك بقضايا أخرى أكثر ليونة، كأن يحب الطفل شيئا ثم يعزف عنه حين يكبر، ويحب المراهق شيئا ثم يكرهه حين يكبر، والراشد البالغ حين ينضوي تحت لواء فكر أو حزب أو جماعة، فلا مسلمات باختصار في هذه الحياة إلا ما تسعى إليه النفس، ومهما حاولت الأديان أو المذاهب، أو الجماعات والدول، أو الأحزاب والفرق من تدجين الإنسان نحو رؤية بعينها، إلا إنه في لحظة سيتمرد على ذلك الشيء ولو في الخفاء. وهذا ما دفعني لرفض فكرة الفلسطيني البطل، المثالي الخارق الذي لا ند له، فهو بشري الطباع، يخطئ ويصيب ويرتكب الأخطاء، يحب ويكره، يصلي ويكفر، يصوم ويفطر، يضحك ويبكي، خليط من المتناقضات الطبيعية في إنسان مجبول على ذلك.  </p>
<p dir="rtl">لذلك يمكن للفلسطيني الفدائي أن يرتكب حماقة وينتصر لذاته في مصلحة شخصية، أو يقتل رفيقا لأجل زوجة أو ينتقم من جار لأنه يرغب بالاستيلاء على بيته، ويمكن له فعل الكثير. لكن هذا لا يعني أن الفلسطيني ملوث بالخطايا وحده، بل كل بشري جاء إلى الدنيا أصابه شيء من أدرانها، بدءا من قابيل وصولا إلى آخر رجل على هذه البسيطة، اللهم إلا من عصمهم الله.  </p>
<p dir="rtl">ولكن رغم كل هذا العبث، هل يجب على الفلسطيني أن يتوقف عن النضال؟ وهل يجب على العالم أن يدعم الاحتلال الإسرائيلي الذي يوغل قتلا في الفلسطينيين لأن الفلسطيني غير مؤهل لممارسة الحرية والديموقراطية؟ بالتأكيد لا، لذا كان لا بد من أن أقول إن الفلسطيني العادي جدا يسعى لنيل الحرية شأن أي إنسان في هذا العالم وسينتصر إن امتلك الوعي الحقيقي بأهمية النضال السياسي والدبلوماسي والفكري والثقافي والعلمي أيضا. </p>
<p dir="rtl">ونماذجي لن تكون من نسل الأنبياء، فهم شيطلائكيون، لكنهم في النهاية لديهم رؤاهم ومواقفهم وقضاياهم التي تشغلهم ويبحثون من خلال حروفي وأعمالي الأدبية عن إيصال صوتهم المقموع إلى العالم، سعيا نحو الحرية والاستقلال، ومطالبة الاحرار بالتحرك لإيقاف الدم الذي يسهل على الإسرائيلي إهراقه لأن الفلسطيني رخيص الثمن عند الحكومات والمنظمات العالمية، ولأن العربي منشغل بقضاياه عن قضية فلسطين المركزية.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">الرغبة والغريزة والفردوس المفقود. قصص في مجموعتك القصصية نساء الدانتيل تخترق عوالم المقهورين والمقموعين والمكبوتين، وتوهَب فيه الأنوثة الموءودة صوتًا مركزيًا ومعها أيضًا تنكشف الحساسيّات والتعقيدات الدقيقة لحرب الذات مع نفسها بصفتها آخر قبل ذاك الآخر المفترض مسبقًا. المكان لا يزال في قماطه لم يتحرر من حصاراته ولا من ثقافته البدائيّة. المكان يحتلّ نفسه ويعنف نفسه. </span></p>
<p dir="rtl">سؤالك يجعلني أقف وأتمعن في الكلمات والجمل مرات ومرات، خصوصاً وأنك شخص يقرأ ويكتب ويترجم، صاحب تجربة كبيرة، ولكن باختصار فإن نساء الدانتيل كانت تمثل لي تجربة جريئة في مجتمع يرفض البوح بكثير من المصائب التي تحدث نتيجة الاحتلال والحصار والفقر والجوع والحرمان، ونتيجة توجه المجتمع نحو الفكر المتشدد في كثير من القضايا الدينية والمجتمعية، الأمر الذي يتناقض مع العولمة التي اخترقت كل بيت في قطاع غزة وباتت تؤثر فيه. اذ كيف يمكن لامرأة مطلقة أو أرملة أو فتاة في مقتبل العمر تنتظر زوجا لا يأتي، وترغب في الاستقلال عن عائلة تعيش تحت خط الفقر ثم يصبح بين يديها هاتف محمول، ثم كمبيوتر ثم انترنت ثم مواقع تواصل ثم متابعة لشبان لا يستطيعون الزواج نتيجة البطالة القاهرة والفقر الشديد وضيق الأمكنة، لكنهم رغم ذلك لا يتوقفون عن إظهار مفاتنهم عبر منصات العالم االجتماعي المختلفة، وكذلك فتيات ونساء ضمن ثقافة متنورة محدودة تمنح الأخريات الجرأة للانقلاب على الواقع، وسعياً نحو صناعة واقع يشبه المسلسلات التركية أو الكورية أو حتى أفلام هوليود أو بوليود التي كانت ملاذ المحاصرين والمحاصرات في قطاع غزة. نحن في واقع تراجي- كوميدي، إذ أصبح الحليم حيران، فادعاء المثالية أمام ما نسمع ونرى ضرب من الخيانة، وهو ما يحتم على كل كاتب حقيقي أن يكتب بجرأة ولا يخاف الرقيب، أياً كان مكانه أو قوته، لأن علاج أي مشكلة يبدأ بمعرفة مكان وسبب المشكلة، أما المهدئات لعلاج العرض الناتج عن المرض لن تحل مشكلة المرض نفسه. صدقيني نحن بحاجة لسنوات كي نشفى من مصيبة الاحتلال الذي تسبب بكل هذه المصائب بصورة أو أخرى، إذ يمكن لأي شخص في هذا العالم التنقل بحرية في أي وقت للمشاركة في مؤتمر أو حضور مباراه أو سياحة أو غيره، لكن في غزة لا مطار أو ميناء، ولا متنزه أو مساحات شاسعة خضراء، إنما بيوت متلاصقة وشوارع مليئة بالقاذورات والزحمة التي لا يمكن التخلص منها الا بمنح الفلسطيني في قطاع غزة مساحات أخرى للعيش الكريم، حيث ان قطاع غزة لا تتجاوز مساحته 365 كيلومتر مربع، ويقطنه أكثر من 2350000 نسمة، وهي أكبر نسبة تكدس سكاني في العالم يعيشون في بقعة بهذا الضيق. </p>
<p dir="rtl"> جل ما أكتبه يمثل انقلابا على الواقع ورفضا للسائد، لأن السمك الميت وحده من يجري مع التيار، ولم أستطع يوماً أن ألهث خلف أحد، إذ تركت الأجسام السياسية والفكرية خلفي وآمنت أنني صاحب مذهب وفكر ورؤية مختلفة تسعى لتحقيق مساحة من الوعي للفلسطيني الجديد المتخم بأدوات التواصل االجتماعي، وفي هذا السياق أتذكر ما قاله علي بن أبي طالب صاحب نهج البلاغة، أن علموا أولادكم لزمانهم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم. نحن كذلك خلقنا لنكتب بشكل مختلف، أكثر جرأة وطموحاً نحو التغيير، التغيير الذي يأتي بكشف زيف المثالية والاختباء خلف عباءة التدين، وسيأتون من بعدنا ليكتبوا ما لم نستطع التعبير عنه أو إدراكه، فلكل همومه العامة والخاصة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كان المفكر المصري نصر حامد أبو زيد يرى أن معنى الثقافة الحقيقي يكمن في تحوّل الكائن من مجرد الوجود الطبيعي إلى الوعي بالوجود. من الوجود إلى الوعي بالوجود، أيّ رؤية وتحديات يحملها فعل الكتابة الراهن من غزة في هذه اللحظات؟</span></p>
<p dir="rtl">ربما يعاني معظم كتاب غزة من عقدة المكان، المكان الذي أصبح سجناً كبيرًا، بلا مقومات عيش كريم، إذ لا يوجد ميناء أو مطار للتنقل واكتشاف ثقافات وحضارات يمكن أن تسهم بعولمة النص لدى كثير من الجيل الذي نشأ في مساحة قطاع غزة الضيقة، والتي أثرت بشكل سلبي جداً تجاه رؤيتهم للحياة والثقافة والتنوع. فكم من فنان أو أديب أو سينمائي أو مسرحي استطاع أن يسافر للمشاركة بمؤتمر أو لعمل إقامة فنية أو أدبية؟ كم عدد الذين يخرجون للتعلم في جامعات غير فلسطينية؟ ألا تعتقدين أن ضيق الأمكنة والحصار داخل مساحات ضيقة سيعمل على تعطيل الانفتاح والانغلاق والحقد على الآخر.</p>
<p dir="rtl">أظن وإن بعض الظن إثم أن كتاب غزة يحاولون تسليط الضوء نحو قضاياهم الخاصة، ما بين الطالب الجامعي الذي لا يجد رسوماً للدراسة كما فعل الروائي الشاب نور حجاج، ومسيرات العودة كما كتبها الشاب محمود جودة في حديقة السيقان وبين أزمة المعبر كما فعل الروائي عبد الله تايه في روايته الأخيرة وجع لا بد منه، وأزمة الفقر والتشرد كما أشار إليها صديقي أحمد عيسى، والانقسام كما كتبه الروائي والسياسي شفيق التلولي في زمن الشيطنة، وأزمة الموت التي انتشرت بفعل الاحتلال كما كتبها وزير الثقافة عاطف أبو سيف في روايته حياة معلقة، أعمال متنوعة لكنها تركز على ثيمة القهر والحصار الذي يعانيه الغزي وما نتج عنه من تداعيات عميقة أحدثت شرخاً في الوعي الفلسطيني تجاه قضيته الأساس، وهي التحرر من براثن الاحتلال.</p>
<p dir="rtl">الفلسطيني المتخم بويلات الحروب لا يمكن أن يتجاهل الدم، رغم أنني كنت أرفض التركيز على الحرب بمعناها المادي، بل أخذت نحو الحديث عن قضايا إنسانية بحتة لأن الآلالم متعددة والإنسانية واحدة، وهذا ما يجيب عن سؤالك، قول علي بن أبي طالب: إن لم نكن أخوة في الدين؛ فنحن أخوة في الخلق، شمولية الانسانية وتنوعها والبحث عن الاندماج في هذا التنوع، لذا لم يكن الدم ما أطمح بالحديث عنه، بل أفكار عادية لكنها لا تهم الكاتب، كفكرة ترك المكان والذكريات كما في قصة رسالة إلى صديقي اللدود، وفكرة محاولة إنشاء علاقة جسدية زمن الحرب، فكرة الحصول على حمام ساخن والماء، أزمة الكهرباء، السفر، التعليم ولكن بشكل فنطازي غير تقليدي يمكن لك رؤيته في جون كينيدي يهذي أحياناً بشكل جلي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">تكتب الأدب في ظل الاحتلال والدمار، وهذا واضح تقريبا في معظم نصوصك، الآخر حاضر بقوة في شكله المألوف، المغيب، المتوحش والمجازي. لكن عينك على الذات والحفر في أنفاقها. في تأسيس أو إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والأخر تحدث انشطارات داخل الذات الذاتية والذات الآخرية. بين تفوق وتَدنّ لكلتا الذاتين، أي سلطة حقيقية يلعب الأدب في غزة تحديدا في إعادة النظر في هتين الذاتين، وما هي حدود ومعيقات هذه النظرة؟  </span></p>
<p dir="rtl">شكرا على هذا السؤال الذي يفتح آفاقا واسعة لإيصال صوت الفلسطيني إلى العالم من خلال الحديث عن مدى تأثر أي كائن بالظروف التي يعيش. وهذا ما كنت أكتبه في قصصي من خلال المونولوج، الحوار الذاتي الذي يأتي نتيجة ظروف نفسية قاهرة، فمحاولتي دفع الأبطال للحديث عن أنفسهم واستخدام ضمير المتكلم لرغبة منه في الحفر عميقا في الذات الفلسطينية داخل النص.  </p>
<p dir="rtl">ويمكن لك من خلال رواية غزة 87 قراءة ذات الآخر وأحلامه وطموحاته مقابل رؤية ابن المخيم العامل في الداخل المحتل لأجل لقمة العيش، الفارق بين عالمين، مخملي إسرائيلي وآخر متخم في البروليتارية الفلسطينية؛ لتسليط الضوء على القضية بشكلها الواضح وليس كما أراد لها البعض أن تكون؛ إذ إن مشكلة الفلسطيني مع اليهودي الذي جاء إلى فلسطين ليست مشكلة دينية، بل مشكلة احتلال جاء مغتصبا للأرض، ولم يقبل حتى بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي جاءت بعد الهجرة والإعلان عن تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي. فهل يعتقد أحد أن المحتل لو كان مسلما سيسلم من نضال الشعب المسلم الآخر؟ وهذا ما يجري الآن بين روسيا وأوكرانيا.. مشكلة احتلالات موجودة في أماكن كثيرة من هذه البسيطة.  </p>
<p dir="rtl">وبالعودة مجددا لسؤالك المتخم في الفلسفة، فإن الفلسطيني كما الإسرائيلي، ما بين يمين ويسار ووسط، كل تلك الهويات تعيش تناقضات أحيانا، فهناك من يريد كامل تراب فلسطين، وآخر يقول نكتفي بقرار 194 أو القرارات اللاحقة، وآخر يقول نريد أي شيء مقابل العيش بسلام، خصوصا بعد كل الدمار الحاصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذه الفرق كما الإسرائيلية التي تعيش تطرفا كبيرا اليوم. لذا فإن الذات الفلسطينية لم تتحطم رغم حالة التيه والتخبط، بعضها في أوج قوته، وآخر يعيش على التنفس الاصطناعي، لكنه لن يذوي أو يموت. وأظن أن الاحتلال لديه جيل لا يهتم كثيرا بالدولة بقدر ما يهتم بتحقيق رغباته وطموحاته، ثم الجلوس مع حبيبته تحت ظل شجرة في يافا، يرسم قلبا ويكتب أول حرف من اسمها واسمه كذكرى أبدية. </p>
<p dir="rtl">في غزة 87 الذات الفلسطينية المنشطرة نصفين في شخصية عادل الذي يعيش الخوف والتيه أثناء إقامة علاقة جسدية مع سارة الأشكنازية ويسأل نفسه كمونولوج داخل النص: هل خان وطنه أم انتصر له؟ هل وضع رأسه في التراب أم رأس الوطن؟ وكذلك ديفيد الإسرائيلي الذي يغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يعيش حالة تمرد داخلي ورفض للمجتمع الإسرائيلي بكل مكوناته من الداخل.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">بين ديالكتيك حب الآخر وكراهيته، تكتب غزة 87، وقصصا أخرى تتناول الآخر في شكل المحتل. هذا العمل يعرض أمامنا ديالكتيك الجسد الفلسطيني المضحّى به خارج إطار المقاومة المألوف. الجسد الذكوري منزوع الإرادة الزاحف صوب محتله. العنف هذه المرة هو عنف ناعم رقيق والضحية تقدم نفسها قربانا كي تنجو. كيف واجه المجتمع الفلسطيني المحلي هذه الفكرة؟  </span></p>
<p dir="rtl">للأسف، لم يتقبل المجتمع تلك الرواية، لأنها كانت تتحدث عن جانب إنساني بحت، كيف يمكن للإنسان الفلسطيني أن يعيش علاقة جسدية كاملة مع فتاة من تل أبيب، فكلا الشخصيتين في النهاية بشر، من لحم ودم، وكذلك الشخصيات الأخرى، لها من المشاعر ما يمكن أن يعمد إلى إلغاء فكرة دين أو مذهب الآخر أو حتى سبب وجوده، والإبقاء على حالة الرغبة والإعجاب الذي قد يصل في النهاية إلى علاقة جسدية بطريقة أو بأخرى، وكنت من خلال ذلك أسعى لإيصال رسالة للمتلقي الإسرائيلي قبل الفلسطيني، والعالمي قبل العربي: ألا يمكن للفلسطيني أن يندمج مع مواطني دولة الاحتلال؟ وسؤال أكثر أهمية: هل سيقبل الآخر، وأقصد بذلك الاحتلال بهذه العلاقة؟ هل يمكن للزمن أن يغفر خطيئة الدم؟ ألم يحدث وأن تمت ممارسة العديد من العلاقات الجسدية بين العمال الفلسطينيين وفتيات إسرائيليات داخل تل أبيب كما كنا نسمع في طفولتنا؟ هل يوجد من جنود دولة الاحتلال من جاء من ظهر رجل عربي فلسطيني؟ والسؤال الأكثر أهمية: هل يمكن اختلاط الأنساب حتى يصبح المجتمع قادرا على قبول الاندماج كحل لدولة ثنائية القومية بدلا من حل الدولتين الذي ترفضه دولة الاحتلال حتى اللحظة.  </p>
<p dir="rtl">لقد ذهبت لقراءة العديد من الأعمال الأدبية والسياسية والبرامج لأتعرف على طبيعة المجتمع الإسرائيلي قبل أن أجيب عن أسئلتي التي جاءت من خلال علاقة جنسية كاملة بين سارة الإسرائيلية الأشكنازية وعادل ابن مخيم الشاطئ. قرأت آخر الحصون المنهارة لمشهور البطران ووجع أيوب لمحمد نصار وأعمال أخرى لا أذكرها، ووصلت إلى رسالة مفادها أن لا أحد يستطيع الفكاك من بيئته وأيديولوجيته، رغم أن الاحتلال كان أكثر وطأة وتشددا في هذه القضية، فعمد إلى طمس الفلسطيني وعدم منحه أي مساحة من الحرية أو القرار.  </p>
<p dir="rtl">بعض الأدباء والقراء والمهتمين طالبوا بسحب الرواية من السوق، لأنني رسمت العلاقة الجسدية بوضوح وليس كما جرت العادة عند أدباء قطاع غزة من الإشارة لذلك بكلمات مقتضبة بسبب العيب والحرام، فعلت ذلك لأنني مؤمن أن المشهد يجب أن يصل كاملا للقارئ، بكل المشاعر الجياشة المجنونة التي قد تكون جنسية أحيانا، لأنني لا أكتب مقالا أو دراسة نقدية. </p>
<p dir="rtl">الأمر الآخر، نظرًا لعدم وجود نقد حقيقي في فلسطين وعدم دعم للمثقف أو حتى اهتمام بما يكتب، غابت الرواية عن المشهد، إذ ليس من الممكن أن يقوم طالب بعمل دراسة أكاديمية عنها أو باحث بعمل دراسة نقدية أو نصية عن تلك الرواية التي أعتز بها كثيرا. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">تتوارى في كتابتك السردية شبكة عميقة من الاستعارات الشعريّة. الكتابة القصصية عندك لا تنجو من اللغة المجازية التي تتوازن فيها لغة القصّة وأجواؤها لتخلقَ وهمًا عريضًا ينضاف الى واقع محدد وقاسٍ. كأنها لعبة مراوغة بين قلق التعبير عن الدنيويّ الفظّ بضرورة رفعه شعريًا. أم أنّها عفويّة لا تكتيكيّة؟</span></p>
<p dir="rtl">بدأت حياتي مع الكتابة إبان انتهائي من الجامعة، إذ كان كل ما سبق مجرد محاولات، يغلب عليها القراءة والبحث، حيث وجدت ملاذي بين الكتب، رغم أنني نشرت بعض القصص التي لم يحدث وطبعتها في أي عمل لاحق، وظلت مغمورة في صحف ومدلات محلية. مذ كنت طفلا عشقت القراءة، حيث كنت أستعير بمصروفي قصصاً يعيرها جارنا المقعد، بعد أن فتح كشكاً صغيرًا في المخيم، وصرت مأخوذاً بعوالم ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ثم قصص عبد الحميد جودة السحار وعقلة الإصبع، وكبرت لأصيرَ عضواً في مكتبة الهلال الأحمر، ألتهم القصص وأعود إلى البيت بقصص أخرى، حتى وصلت إلى المرحلة الجامعية.</p>
<p dir="rtl">في تلك الفترة، خرج الى النور مشروع كتاب في جريدة الذي انطلق بدعم من اليونيسكو ووزارة الثقافة اللبنانية ومؤسسة العويس ألجل النهوض بالعقل العربي، وخالل كتاب في جريدة تعرفت على أدباء لم يسبق وسمعت عنهم، كنت أشتري صحيفة الأيام أول أربعاء من كل شهر، وهو الوقت المحدد ، لصدور العدد الجديد من كتاب في جريدة، الذي يصدر عن صحيفة واحدة في كل قطر عربي، وكانت صحيفة الأيام في فلسطين جزء من هذا المشروع ، فأتعرف من خلال الكتاب الجرائدي على شعراء وأدباء ومفكرين عرب وأجانب من أمريكا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهم. يعجبني أسلوب هذا الكاتب وعوالمه فأذهب إلى مكتبة الهلال الأحمر لأستعير كل أعماله كي أشبع رغبتي باكتشاف المؤلف بشكل أعمق، فعشقت يوسف إدريس و بهاء طاهر ومحمد البساطي ومحمد خضير وغائب طعمة فرمان وزيد مطيع دماج وعبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني وجبرا جبرا وغيرهم الكثيرين. </p>
<p dir="rtl">شاعرية اللغة جاءت من خلال القرآن الكريم الذي كنت أقرأه كل يوم ثم من خلال دواوين الشعر التي كنت أتلذذ عليها قبل النوم ثم قراءة القصص والروايات لأدباء مختلفي الفكرة والأسلوب. لهذا يمكنك القول إنّ اللغة الشاعرية ليست عفوية تماما أو رواية وانّما يتم توظيفها تبعًا لظروف كل قصّة، وحالة كل شخصية داخل متن النصوص والطريقة التي تلائم السرد.</p>
<p dir="rtl">"الهوية ال تعطى مرة واحدة نهائية، بل هي تبنى وتتحول طوال الحياة". أظن سبق وتحدثنا في هذا الامر من خلال ثيمة التغيير، التي أعتبرها الثابت الوحيد في حياة الإنسان، لذا فهوية الشخص تختلف كما صورته في جواز السفر أو بطاقة التعريف، تتقلب الحياة على جمر المواقف والخبرات، فما نؤمن به اليوم قد نصبح أعداءه في الغد، وما نرفضه اليوم قد يصير منهاج حياة لاحقا فالمواقف والظروف والتجارب والخبرات تمنح الانسان فرصة لتغيير هويته نحو الأفضل، وربما نحو الأسوأ، لكنه في النهاية لن يكون كالحجر الأصم.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">فلسطين، في المستوى الأدبي، اليوم، لا تقدّم نفسها بالكتابة إلا عبر هذا البناء المتحوّل الذي يتمّ إعماره بنقله من مستوى الهوية الواحدة إلى مستوى الهويّات المتعدّدة. غزّة، الضفّة الغربيّة، الداخل الفلسطينيّ، والشتات. أربعة أقطاب تتحوّل فيها بنية الهوية الفلسطينية من مستوى الهوية الواحدة-الخالصة إلى الهوية المتعددة التي سكنتها هويّات برانية وبنت عليها. ما هو الخطر الذي تعيشه هذه الهويّات الفلسطينيّة الفلسطينية وما هي الإنجازات الحقيقية التي سجلها هذا الاختلاف بينها؟</span></p>
<p dir="rtl">لا أعرف إن كان من الصواب الحديث عن هويات فلسطينية مختلفة، ذلك لأن الإنسان صاحب هويات مختلفة تبعا للتغيرات العمرية والأحداث والمواقف التي تنشأ بفعل الظروف المحلية أو السياسية العالمية أو غيرها.</p>
<p dir="rtl">فإن كان الانسان يتغير بفعل حوادث كثيرة، ماذا يمكن القول عن مجموعة بشر داخل محيط واحد؟ وماذا عن آخرين في أماكن وبيئات وظروف مختلفة؟ أليس من الممكن أن يذهب كل فريق للحديث عن ظروفه وأحالمه وآماله. ورغم ذلك، لا يمكن إغفال الانقسام على الواقع الفلسطيني، سواء على الأرض وكذلك على الورق، لأن الفلسطيني يعاني حالة اغتراب عن وطنه الكامل بفعل وجود الاحتلال في مفاصل حساسة، إذ بات لكل منطقة همومها الكبيرة التي تشغلها عن غيرها، فظروف الفلسطيني في مخيمات الشتات وتحديدا لبنان تختلف عن ظروف ابن مخيم الشاطئ في غزة، وكذلك عن ابن الضفة الغربية أو وتحديدا عن الفلسطيني المغترب في أي قارة غير عربية. بالنسبة لي كفلسطيني، أعتقد أنه لا يوجد مزايا في تعدد الهويات المناطقية نتيجة الحيد عن القضية الأساس، وهي وجود احتلال كولونيالي يسيطر على كل مقومات الدولة الفلسطينية، بينما بات الفلسطيني يناقش قضايا هامشية وليست ذات أساس، كالانقسام وما نشأ عنه. لذا فإننا بحاجة لعدم نسيان الهوية المركزية للإنسان الفلسطيني الذي يدفع ثمن التهاوي والسقوط الأخلاقي للعالم الظالم أمام أطول احتلال في العصر الحديث.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يوازيه صعود وأفول حكومات وديكتاتوريات في الشرق الأوسط عموما، حروب وحصار على الإنسان الفلسطيني والعربي، وانفجار الهويات الصغيرة في أرض الشتات، تكون واقع جديد: شذري. ماذا الذي يهدد الرواية الفلسطينية في رأيك اليوم، في عصر التحولات؟  </span></p>
<p dir="rtl">أكثر ما يهدد الرواية الفلسطينية هو ما سبق ذكره، انشغال الفلسطيني بقضايا حياته اليومية على حساب قضيته الأساس، وهي الدفاع عن حقوقه السليبة، وطرق جدران الخزان من أن الإنسان يدفع ثمن وجود احتلال يمارس التطهير العرقي بشكل غير مسبوق. </p>
<p dir="rtl">والأكثر قهرا، أن الرواية الفلسطينية في ظل وجود حكومات عربية تسعى، بل تستميت للتطبيع مع الاحتلال، تحاول منع انتشار تلك الأعمال الأدبية، وترفض تأهلها للفوز بأي جائزة كنوع من كي الوعي للكاتب الفلسطيني من أن يشغل نفسه بأي شيء بعيدا عن المطالبة بحقوقه. فنحن اليوم لم نعد نقرأ الأدب الجيد فقط، بل نقرأ الأدب المُسوّق جيدا، وهو ما تقوم به الأنظمة والسلطة الرابعة لأجل إلغاء فكرة مركزية القضية الفلسطينية.. لكنني رغم ذلك أقول لك إن أي حدث بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي سيعيد العربي إلى قوميته وعروبته وسيعود للاشتباك بالحروف والكلمات والصوت العالي.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">في ثالوث الكاتب والناقد والقارئ في الأدب الفلسطينيّ، يمكن أن نلاحظ عنفًا ما مبطّنا يسكن هذه العلاقة. عنف الرؤية النمطية السابقة للناقد والقارئ حول ما يجب للفلسطيني أن يقدمه وهي رؤية مجحفة لجرأة الكاتب الفلسطيني في فضح الذات وتفكيكها اجتماعيًا ونفسيًا وسلطويًا، وصراعاتها الباطنية مع ذاتها قبل صراعها مع أي آخر خارج ذاتها. وقد يواجه عمل أدبيّ أو كاتب يجرؤ على القيام بهذا الفعل بعملية إقصاء متعددة الجوانب. ما العمل؟</span></p>
<p dir="rtl">أتمنى لو كان لدينا ناقد حقيقي، فما هو موجود حالة من المجاملات لا يمكن وضعها ضمن فئة النقد، اللهم إلا عددا شحيحا من النقاد. أما بخصوص القارئ، فهو يهتم بالتسويق الجيد، وليس العمل الجيد، مأخوذا بعقدة الغربي والمترجَم، فهو يريد العيش في بيئات جديدة بين طيات الكتب، خصوصا وأنه محروم من السفر والتنقل بحرية بسبب عدم وجود المطارات والموانئ.</p>
<p dir="rtl"> بالنسبة للأدباء في الأراضي الفلسطينية، فإنهم يعيشون انقسامات حادة نتيجة اصطفافات قد تنشأ بسبب تعارض المصالح وليس بسبب الهم الجمعي الفلسطيني، حتى داخل الحزب الواحد أو الجماعة الواحدة فإنهم لا يفكرون بالبناء على نقاط الالتقاء، بل يتنازعون في السر والعلن. ربما يصلح في حالتنا الفلسطينية فكرة الشللية الثقافية، إذ إن لكل كاتب جماعته وأصدقاءه الذين يأخذون دور الناقد بالكتابة عن أي عمل جديد كنوع من المجاملة فقط. وأظن أننا بحاجة ماسة لناظم حقيقي لأي عمل أدبي، وذلك يأتي بإعادة الاعتبار لوزارة الثقافة الفلسطينية واتحاد الكتاب من خلال تمويل جاد وكبير يساهم بإعادة بناء دار الكتب الوطنية، وتبني دور النشر التي باتت تبحث عن المال لأجل توفير لقمة العيش للعمال الموجودين لديها، إذ لم يعد يهمها كثيرًا جودة العمل من عدمه.</p>
<p dir="rtl">أختم بأنه من الضروري تبني الرأي والرأي الآخر لدى فئة المثقفين أولا، لتعزيز ذلك لدى جمهور العامة، وتقبل المختلف وتبنيه والدفاع عنه كما قالها فولتير: إنني على استعداد أن أدفع عمري ثمنا ليبوح من يخالفني الرأي برأيه. فهل المثقف الفلسطيني قادر على ذلك؟</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21422">يسري الغول: في غزة نرسم ممالكنا بالخيال وبين الحطام</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-12 02:55:13 by W3 Total Cache
-->