صدر حديثًا كتاب "محمود درويش في الثقافة الإسرائيلية" من إعداد وترجمة الكاتبة الفلسطينية ريم غنايم التي خصّتنا بهذه المقاطع من حوار يظهر في الكتاب أعدته معه الكاتبة الإسرائيلية هيليت يشورون:
-هيليت يشورون: هل هناك قصيدة واحدة من بين جميع قصائدك ليست مكتوبة من حالة منفى؟ ألا يمكن اعتبار المنفى معادلاً واقعياً لحالة الشاعر في العالم، سواء كان في وطنه أم في المنفى؟
محمود درويش: يمكن وصف كل ما كتبته بأنه شعر المنفى. لقد وُلدتُ في المنفى، والمنفى مفهوم واسع للغاية ونِسبي في آنٍ واحد. هناك منفى في المجتمع، منفى في الأسرة، منفى في الحب، ومنفى داخل الذات. كل شعر هو تعبير عن منفى أو اغتراب، وعندما يتوازى هذا الاغتراب مع تجربة واقعية، يصبح المنفى أكثر تركيزًا وكثافة.
أجد هذا المنفى في كل كلمة أبحث عنها في قاموسي. لكنني لا أشتكي، فرغم كل شيء، كان المنفى كريمًا معي في مسيرتي الشعرية.
لقد منحني الفرصة للقيام برحلة بين الثقافات، بين الشعوب، بين المدن، وبين الألوان.
-ه.ي.: المنفى صقل تجربتك الشعرية وأثرى رؤيتك. لقد منحك التحوّل الذي كان مفقودًا في شعرك قبل مغادرتك الوطن.
م.د. هذا صحيح، ولكن إذا سمحتِ لي بتصحيح بعض المفاهيم: كنتُ أؤمن سابقًا بأن الشعر هو نضال، أما اليوم فلم أعد أعتقد أن له دورًا فوريًا. تأثيره بطيء للغاية، مسألة تراكم. ما ساعدني على صقل نبرتي الشعرية هو المسافة.
المسافة منحتني فرصة التأمل في ذاتي، في الاحتلال، في المشهد، في السجن، وأضافت بعدًا من القدسية، وجعلت الشعر دينًا للجمال بلا التزامات.
الاختفاء في البُعد هو نوع من التحرر، فكلما قلّت معرفة الناس بك، زادت معرفتك بنفسك. هذا أيضًا جزء من النضج. قرأتُ أكثر، استمعتُ إلى الشعر الأوروبي، وتعلّمتُ التسامح.
لأننا في النهاية جميعًا منفيون. أنا والمحتل – كلانا يعاني من المنفى.
هو منفيّ داخلي، وأنا ضحية منفاه.
نحن جميعًا، على هذا الكوكب الجميل، جيران. نحن جميعًا منفيون، نسير في المصير الإنساني ذاته، وما يوحدنا هو حاجتنا إلى رواية قصة هذا المنفى.
- ه.ي.:ألا تعتقد أنك سلكت هذا الطريق لأنك كنت في حالة منفى؟ الآن، بعدما أصبحت محبة الوطن حقيقة وسط متاعب الحياة اليومية، هل سيكون عليك أن تسلك الطريق المعاكس، نحو الواقع الملموس؟ وهل تخشى ذلك؟
م.د. لا علاقة للشعر بالمنفى، بل بالسياسة. من منظور الشعر، الوضع الحالي أفضل. لدينا حلٌّ سحري لكل مشكلة: أن تكون لنا دولة. هذا هو التفكير السياسي، لكنه من منظور الأدب، خطأ فادح.
عندما يكون للفلسطينيين دولة، سيصبح التحدي الأدبي أكثر صعوبة.
ستوفر الدولة ظروفًا "طبيعية" للكتابة، لكن هذه الظروف ستُختبر: هل هذه الأدبيات تستحق أن تُكتب؟
يعتمد العديد من الكتّاب الفلسطينيين على فكرة "غياب الدولة"، لكن الدولة ليست موضوعًا أدبيًا، ولا حتى الوطن. عندما يكون لديك وطن، وتتحدث عنه بحماسة وطنية ملتهبة، يبدو الأمر سخيفًا.
ولهذا، ستجد أجزاء كبيرة من الأدب الفلسطيني نفسها في مأزق، في أزمة.
الأحلام ستتحقق، وماذا بعد؟
أنا شخصيًا لن أواجه هذه الأزمة، فقد تجاوزتها. لقد بنيتُ وطني في اللغة، بل حتى أقمتُ دولة فيها.
إذا لم يكن في الشعر فضاءٌ إنساني، يلمس جوهر الإنسان، فإن النص يموت. لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نكتب عن موضوعات عالمية مجردة.
الأدب ينبع من الحياة اليومية، لكن هل هذه الحياة محددة بحدود الوطن؟ ما الوطن؟ إنه مكان يمنح الناس فرصة للنمو، وليس شيئًا يُحوَّل إلى عَلَم وشعار.
في "هدنة مع المغول أمام غابة السنديان"، أقول "إِذا ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغَسيلْ ثم نَصْنَع منها جوارب".
لا أكرّس حياتي من أجل عَلَم.
جان جينيه قال ذات مرة إنّ الوطن فكرة سخيفة، إلا بالنسبة لأولئك الذين لا يملكونه بعد.
فأجابه الشاعر الإسباني غويتيسولو:"وماذا بعد أن يصبح لهم وطن؟"
ردّ جينيه :فليرموه من النافذة.

- ه.ي.:أشعر، بشكل متزايد في شعرك خلال العقد الأخير، بنوع من التقارب مع التصور "اليهودي" الذي تبلور عبر قرون المنفى، فيما يتعلق بالعلاقة بين النص والواقع، وبين "المكان" المجرد والمكان الفيزيائي. أدرك أن مقارنة المصير اليهودي بالمصير الفلسطيني تزعجك، لأنها تنطوي على إيحاء بمنافسة ضمنية حول من هو الضحية الأكبر.
م.د. أولًا، هذه المقارنة لا تزعجني ما دامت تُطرح في سياق أدبي عميق، لأن الأدب، في جوهره، لا يعترف بالقوميات. أعتقد أن هذا التعقيد-قبول المقارنة أو رفضها-سيُحَلُّ مع تحقيق السلام، حيث لن يخجل اليهودي حينها من الاعتراف بالمكوّن العربي فيه، ولن يتردد العربي في الإقرار بأن هويته تتضمن أيضًا عناصر يهودية، خاصة عندما نتحدث عن "إسرائيل" بالعبرية و"فلسطين" بالعربية.
أنا نتاج لكل الثقافات التي مرت بهذه الأرض-اليونانية، الرومانية، الفارسية، اليهودية، العثمانية. هذا الحضور التاريخي لا يزال حيًّا حتى في لغتي، فكل حضارة قوية مرت هنا تركت أثرًا. أنا ابن لكل هؤلاء الآباء، لكنني أنتمي إلى أم واحدة.
هل هذا يعني أن أمي كانت زانية؟ لا. أمي هي هذه الأرض، التي استوعبت الجميع، كانت شاهدة، وكانت ضحية في الوقت ذاته.
أنا أيضًا ابن للثقافة اليهودية التي كانت موجودة في فلسطين، ولذلك لا أتحفظ على المقارنة. لكن بسبب التوتر السياسي، حيث يتم تصوير وجود إسرائيل على أنه نفي للفلسطينيين، ووجود الفلسطينيين على أنه نفي لإسرائيل، لم نصل بعد إلى القبول بحقيقة أننا أبناء ظروف متشابهة، وبدلًا من ذلك دخلنا في منافسة حول من هو الضحية الأكبر.
لقد سمعت بالفعل بعض الصهاينة يفقدون صوابهم عندما يُذكَّرون بأن الكارثة لم تكن حكرًا على اليهود، مثل إيلي فيزل، الذي كتب مستنكرًا:"لماذا يقولون إن ما يحدث في البوسنة هو هولوكوست؟" وكأن هناك احتكارًا يهوديًا للمأساة.
في كل مرة تتم دعوتي إلى مهرجان أدبي أو برنامج تلفزيوني، يحرص المنظمون، من باب التوازن السياسي، على دعوة كاتب إسرائيلي إلى جانبي. في إيطاليا، اقترحوا أن أنشر كتابًا مشتركًا مع ناتان زاخ . قلت لهم: إذا كنتم تعتقدون أن ناتان زاخ شاعر جيد، وأنا أعتقد ذلك أيضًا، وإذا كنتم ترونني شاعرًا جيدًا، رغم أنني لست متأكدًا من ذلك، فلتصدروا كتابًا له وكتابًا لي. لماذا يجب أن أُعرَّف دائمًا من خلال علاقتي-سلبًا أو إيجابًا-بالإسرائيليين؟
هذا تسييس للأدب، وهو ما رفضته دائمًا.
لكن، هل هناك قواسم مشتركة بين رحلتي الشعرية والتجربة اليهودية؟ أعتقد ذلك. من منظور المصير الإنساني، هناك الكثير من التقاطعات. هذا أمر جيد وسيئ في الوقت نفسه.
ما أخشاه هو أن يؤدي ذلك إلى خلق غيتو جديد... غيتو نستمتع به.
- ه.ي.:لقد سمعتُ أيضًا إسرائيليين يرون في الفلسطينيين إخوتهم في هذه الأرض. هل يمكنك أن تشعر بذلك تجاه اليهود؟
م.د. ليس بعد، لأنني منفصل عن الأرض منذ ستة وعشرين عامًا. هيلين، المنتصر هو من يملك رفاهية التسامح، فهو قادر على أن يكون معتدلًا. لو كنتُ أنا المنتصر، لربما استطعتُ قول ذلك. لكن في الوقت الحالي، لا تصدقيني إن قلتُه.
للمحبة شروط. يجب أن يكون المحب مقبولًا، وألّا يكون جائعًا. صحيح أن الحب لا يقوم على مساواة مطلقة، لكنه يتطلب على الأقل شعورًا بالقبول والرغبة المتبادلة. حتى الآن، الفلسطينيون لم يشعروا بأنهم مقبولون.
ما تقولينه يبدو رائعًا للسّمع، لكن الفلسطيني هو الذي يجب أن يقول لكِ إنكِ أخته، ويجب أن يُتاح له الوقت والمساحة للوصول إلى هذا الفهم. ولكن قبل ذلك، دعيه يعبّر عن شكواه.
- ه.ي.:هناك عدد لا بأس به من الإسرائيليين يتحدثون عن مأساة "عدالة مقابل عدالة".
أنا لا أقبل بأن يكون الطرفان على حق، فالعدالة لا تواجه العدالة-هناك عدالة واحدة.
أفضّل: كيانًا ضد كيان، رواية ضد رواية، حجة ضد حجة، غياب في مواجهة حضور، أو العكس.
لكن ليس عدالة مقابل عدالة. هذا أكبر خداع سمعته في حياتي، مثل الخداع الآخر: "أرض إسرائيل هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض." كلاهما كذبتان.
- ه.ي.: ما العبرية بالنسبة لك؟
م.د. هذا سؤال معقّد للغاية، ولا يمكنني الإجابة عليه باستخفاف...
أي عبرية؟
العبرية هي أول لغة أجنبية تعلمتها، في سن العاشرة أو الثانية عشرة. بهذه اللغة تحدثتُ مع الغريب، مع الشرطي، مع الحاكم العسكري، مع المعلم، مع السجّان، ومع الحبيبة.
لذلك، لا تحمل لديّ معنى "لغة المحتل"، لأنني تحدثتُ بها بكلمات الحب، وهي أيضًا لغة أصدقائي.
علاقتي بها علاقة نقية. لقد فتحت لي الباب إلى الأدب الأوروبي. قرأتُ لوركا بالعبرية، وقرأتُ أيضًا ناظم حكمت، ذلك الشاعر الذي فُرض على المعسكر اليساري. أما المأساة الإغريقية، فقد قرأتها لأول مرة بالعبرية.
العبرية أيضًا لغة ذكريات طفولتي. عندما أقرأ العبرية، أتذكر المكان. إنها تحمل معها المشهد.
كثير من أصدقائي في أوروبا يغارون مني لأنني أستطيع قراءة التوراة بلغتها الأصلية. لم أتوقف عن قراءة العبرية، حتى الصحافة الإسرائيلية. أنا مهتم بالأدب، وخاصةً بالشعر. آمل أن تتاح لي الفرصة لإعادة إحياء اللغة في داخلي.
ليس لديَّ أي عقدة تجاهها.
- ه.ي.: تتحدث عن الآخر، وعادةً ما يكون الآخر هو الفلسطيني. هل يوجد في داخلك اليوم مكانٌ لآخر يكون اليهودي، الإسرائيلي؟
م.د. لا يمكن الهروب من المكان الذي احتله الإسرائيلي في هويتي. إنه موجود، رغم ما أفكر فيه. إنه حقيقةٌ جسديةٌ ونفسية. الإسرائيليون غيّروا الفلسطينيين، والعكس صحيح. الإسرائيليون لم يعودوا نفس الأشخاص الذين جاؤوا، والفلسطينيون لم يعودوا نفس الأشخاص الذين كانوا.
داخل الواحد يوجد الآخر. إذا خرج الإسرائيلي من هويتي، هل ستنهار هذه الهوية؟
أظنّ أن هذا كان سؤالك.
هذا الكتاب
يقدّم العمل قراءة مركّبة ومغايرة لحضور الشاعر الفلسطيني محمود درويش داخل الوعي الثقافي الإسرائيلي، عبر بناء منهجي يقوم على ثلاثة فصول رئيسية متكاملة. يضمّ الفصل الأول حوارات أجراها مثقفون وصحفيون إسرائيليون مع درويش بين الأعوام 1987 و2008، تكشف عن رؤيته للهوية والمنفى وعلاقته بالشعر والسياسة، وتُبرز صورته كما تتشكّل في نظر “الآخر”، بين شاعر يدافع عن موقعه الرمزي والثقافي وشخصية تُثير القلق والجدل، فيما يقدّم الفصل الثاني مجموعة مختارة من المقالات النقدية من الصحافة الإسرائيلية الممتدة من 1988 حتى 2016، والتي تعكس تباين المواقف منه بين الإعجاب بقيمته الشعرية العالمية والاختلاف معه سياسيًا، كاشفةً عن حضوره كشاعر وخصم وصديق في آن واحد، بينما يسلّط الفصل الثالث، "ريتا، الوجه الآخر للقصيدة"، الضوء على البعد الإنساني والشخصي في حياته من خلال تجربة تمار بن عامي ومراسلاتها معه وحوارها حوله، بما يفتح نافذة على عالمه العاطفي وانعكاساته في شعره. وفي هذا الإطار، يبرز درويش حالةً جدالية تتجاوز كونه شاعرًا وطنيًا إلى موقع صراع رمزي داخل الثقافة الإسرائيلية. فهو، من جهة، شاعر مُحتفى به لجماليته وقدرته على اختراق فضاء التلقي العبري، ومن جهة أخرى، يظلّ “الآخر” الذي يُربك السردية الإسرائيلية ويحمل في نصّه رواية مضادة عصيّة على الاحتواء، وهي الازدواجية التي تكشف أن حضوره لم يكن أدبيًا خالصًا، بل سياسيًا وثقافيًا بامتياز، حيث يتحوّل شعره إلى مساحة مواجهة غير مباشرة بين سرديتين، ويتعزّز ذلك بما تشير إليه مقدمة الكتاب من أن درويش لم يُقرأ في إسرائيل كشاعر فقط، بل كظاهرة تُختبر من خلالها حدود الاعتراف بالآخر وإمكان فهمه، ليغدو حضوره المستمر سؤالًا مفتوحًا يتجاوز النص إلى ما هو أبعد منه. الكتاب من إصدار منشورات راية عام 2026 ومن تقديم للبروفيسور باسيليوس حنّا بواردي الذي وضع العمل في سياقٍ فكري أوسع، مشيرًا إلى أن "قراءة درويش في الثقافة الإسرائيلية لا تكشف الشاعر فحسب، بل تكشف حدود هذه الثقافة في قدرتها على مواجهة الآخر واستيعابه"، وهو ما ينسجم مع بنية الكتاب ومقاصده.
