حزيران/يونيو 2025. تعبر الصواريخ الإيرانية سماء رام الله، تعترضها الدفاعات الجوية الإسرائيلية، فيما يملأ هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية الليل وهي تمضي شرقاً لقصف إيران. وسط هذا المشهد الحربي المتسارع، أجلس إلى جانب والدي، عادل الترتير، في ساحة منزل والديّ. كان يجلس بقربي يلوّن صندوق العجب الثاني عشر، وقد اختار لوناً لم أتوقعه: وردياً زاهياً، نابضاً بالحياة.
لم تكن تفصلنا سوى أيام قليلة عن إنجاز اللمسات الأخيرة لمعرض "سيرة حياة صناديق العجب" في رام الله، وهو معرض يحتفي بصناديق العجب الاثني عشر التي ابتكرها وصمّمها وطوّرها عادل الترتير على امتداد ثلاثة عقود، لتروي الحكاية الفلسطينية للأجيال. كان رائداً في مسرح الطفل الفلسطيني، ومبتكر شخصية أبو العجب التي أصبحت لاحقاً عنواناً لمدرسته المسرحية، وكرّس حياته لحماية الحكاية الفلسطينية، وصون الخيال، وحفظ الذاكرة الثقافية.
ومع احتدام الانفجارات وازدياد صخب الليل، كان يضع لمساته الأخيرة على صندوق العجب الثاني عشر، يعتني بكل ضربة فرشاة، ويوزّع الألوان بصبر عاشق يعرف أن التفاصيل تصنع الجمال. وفي الوقت نفسه، كان يستعيد بصوت مسموع كلمة افتتاح المعرض التي كان قد أعدّها في مخيلته؛ لا بوصفها خطاباً تقليدياً، بل عرضاً مسرحياً لا تستطيع الحروب ولا الصواريخ أن توقفه. وما إن انتهى من أدائها حتى التفت إليّ، وابتسم ابتسامة هادئة، ثم همس: "وبهذا... أختم."
بعد أيام قليلة، بدأنا ننقل صناديق العجب من مسرحه في البلدة القديمة من رام الله إلى قاعة المعرض. التقطت صورة وأرسلتها إلى أمي، تهاني، لأطلعها على ما أنجزناه. انقبض قلبها، وضاق نفسها، لكنها آثرت الصمت.
وفي عصر اليوم التالي، قبل افتتاح المعرض بيوم واحد، تركت الإطار الأخير ليعلّقه والدي لاحقاً في المساء؛ كانت تلك اللمسة الأخيرة التي ستكتمل بها رحلة إعداد المعرض. وما إن غادرت المكان حتى رنّ هاتفي. كانت أمي تخبرني أن والدي نُقل لتوّه إلى قسم الطوارئ.
هرعت إلى المستشفى، ولم يكن يفارق ذهني ذلك الإطار الأخير الذي ما زال ينتظر أن يعلّقه أبي.
وبعد ساعات...أغمض عينيه إلى الأبد.
وقفت إلى جواره، ممسكاً باليد التي أحببتها طوال عمري، أقبّل جبينه العريض، بينما همس إليّ بكلماته الأخيرة: "لا تنسى يا ولدي، حياتنا المسرح والمسرح حياتنا."
في العاشر من تموز/يوليو 2025، رحل عادل الترتير.
لم يكن أبي فحسب. كان، بكل ما للكلمة من معنى، أباً للمسرح الفلسطيني.
وبعد أربعة أيام، في الرابع عشر من تموز/يوليو، افتتحنا المعرض كما كان مقرراً. وما كان من المفترض أن يكون احتفاءً بمسيرة حياته، تحوّل إلى تحية وفاء لرحلته الاستثنائية. تتبّع المعرض محطات حياة كرّسها للمسرح، وللحكاية، ولفلسطين؛ حياة ظلّ يصرّ على أن يصفها بأنها "سيرة مؤقتة"، لا سيرة مكتملة، وكأن الحكاية التي عاشها وآمن بها ستظل تُكتب حتى بعد رحيله.
لم أعرف عادل الترتير أباً فحسب، بل عرفته أيضاً رفيق العمر الأول. كنت ابنه البكر، وصديقه، وزميله، وكنا ننادي بعضنا بمحبة “يخي". على امتداد أربعين عاماً، لم تجمعنا رابطة الدم وحدها؛ بل جمعتنا المودة والفرح، والإيمان الراسخ بقضية مشتركة، وعشق المسرح الذي صاغ حياتنا، والأمل الذي ظل يقاوم أحلك الأزمنة، ومتعة الإبداع وعناءه، والفخر الهادئ بأننا نبني معاً ما هو أكبر منا.
ترك الفنان المسرحي الفلسطيني، والحكواتي، وصاحب صندوق العجب ومبتكره وحارسه، وأبو المسرح الفلسطيني، ووالدي عادل الترتير، إرثاً مسرحياً ثرياً بعد أن كرّس أكثر من نصف قرن من حياته للمسرح. فقد أسّس الركائز الأولى للحركة المسرحية الفلسطينية المعاصرة. فمن مسرح السقيفة إلى فرقة بلالين، ثم مسرح صندوق العجب، آمن الترتير بشكل مطلق بأن المسرح الجاد والحقيقي المنتمي إلى الجماهير والمنبثق منها، يؤدي دوراً تنويرياً وتحريضياً وتوعوياً وتحررياً. آمن بأن المسرح الحقيقي ما هو إلّا حالة إبداعية اشتباكية مقاومة دائمة، وبأن المسرح حياة، وبأن المسرح المقرون والمجبول بالحب والحياة لا خوف عليه ولا خوف منه. وقد كرّر مراراً وتكراراً بأننا "نعيش المسرح، نتنفسه، نمشيه، نرقصه، ننامه"، وحاجج دوماً بأن المسرح – أبو الفنون – هو أساساً مساحة وساحة وفضاء وخشبة للبوح والكشف والتحريض والجدل والاشتباك المبدع.
ولخّص عادل الترتير، الذي جعل من خشبة المسرح فضاءً للمقاومة، جوهر فلسفته المسرحية بقوله: "فالمسرح، بتنوع خشباته، يجب أن يكون دوماً مساحة للجدل وللنقد الذاتي، وحيزاً منحازاً لقضايا المضطهدين، وبوصلة للتحرر والانعتاق، وعنواناً للأمل. فكلما تراكمت هموم المسرح والمسرحين وتبددّت آمالهم وتبعثرت أحلامهم، فلنعلم يقيناً وجميعاً - كثقافة وكمجتمع وكقضية - أننا لسنا بخير".
وفي تأمله المسرحي الأخير قبل رحيله، وبمناسبة اليوم العالمي للمسرح الذي يُحتفى به في السابع والعشرين من آذار/مارس من كل عام، كتب: "فالسابع والعشرين من آذار شكّل لنا دوماً مناسبة للاحتفاء بالمسرح رغم كل الصعاب والتحديات، مناسبة للاستمرار والديمومة رغم كل المعيقات، مناسبة للتجمع وللتذكير بأن المسرح الحقيقي ما هو إلاّ حالة إبداعية اشتباكية مقاومة دائمة، مناسبة للتأكيد على أننا باقون ومستمرون مع أننا لسنا بخير، مناسبة للبوح بحبنا للمسرح، مناسبة للتأكيد على أن المسرح حياة، ومناسبة لطمأنت الجموع بأن لا يخافوا على المسرح الحقيقي؛ فالمسرح المقرون والمجبول بالحب والحياة لا خوف عليه ولا خوف منه".

كان عاشقاً للتفاصيل. وكان، بوصفه حكواتياً، يؤمن بأنها ليست زوائد عابرة، بل الموضع الذي يقيم فيه المعنى، وتتشكّل فيه العاطفة، وتعثر فيه كل حكاية على حقيقتها. وحين تحدّث عن طقوسه في اليوم العالمي للمسرح، كتب:
"استهل السابع والعشرين من آذار بمكالمة من مايكل مسيس نستذكر خلالها شهر المسرح الذي نظمناه عام ١٩٧٣، أذهب بعدها لمسرحي وعالمي الصغير في رام الله القديمة لألقي التحية على شخوص مسرحية مونودراما "راس روس"، أتفقد البوسترات والتذاكر لمسرحيات "لما انجنينا" و "تغريبة سعيد ابن فضل الله"، وأتأكد أن بيضة مسرحية "القبعة والنبي" لم تفقس وبقيت ماثلة كقطعة الديكور شبه الوحيدة للمسرحية، وأطمئن على صناديق العجب وقصصي وحكاياتي، واستلم مكالمة من سامية قزموز نسترجع فيها تكريمنا في اليوم العالمي للمسرح عام ٢٠٠٥، وأحاكي رفيقي مصطفى الكرد ونستذكر تشاركنا للرغيف والمنجل، والتقي بزملاء وزميلات يتمتعون بحس مسرحي مرهف ونبض ابداعي لا يتوقف، ونستذكر يعقوب إسماعيل وأنيس البرغوثي وفرانسوا أبو سالم وعمر سمارة وغيرهم من الزملاء الذين غادروا خشبة المسرح وكواليسها، ونجدد العهد على الاستمرار".
وأضاف، بعشقه المعروف للتفاصيل:
"من القدس يمسيّ عليّ أحمد أبو سلعوم ودوماً يقول "والله كنت جاي ع السريع ع رام الله وحبيت أمسي عليك بهذا اليوم"، ولمحض الصدفة (والتي أمست طقساً سنوياً) يكون ذلك اليوم دوماً في السابع والعشرين من آذار. تليه ريم تلحمي، وفادي الغول، ونضال الخطيب، وماجد الماني، وأكرم المالكي، ودرويش أبو الريش، وحسين نخلة، وغيرهم/نّ، لنتشارك جرعة من الشاي وجرعات من العشق المسرحي. نطمئن على المسرح ونسعد به ببساطة وصدق حسام أبو عيشة في "قهوة زعترة". فنحن "نعيش المسرح، نتنفسه، نمشيه، نرقصه، ننامه، ونحلم به" كما شهِدَنا وقصّ علينا زياد خداش في العام ٢٠٠٦ ونعتنا - حباً - بمجانين المسرح الفلسطيني يوم أغلقنا شوارع رام الله احتفاء بيومنا. يوم المسرح برمزيته يذكرنا جميعاً بأن المسرح – أبو الفنون – هو بالأساس مساحة وساحة وفضاء وخشبة للبوح والكشف والتحريض والجدل والاشتباك المبدع".
إلاّ أنّ اليوم العالمي للمسرح لم يكن مناسبة للاحتفاء وحده، بل كان أيضاً مناسبة لاستحضار أعباء المسرح ومشاركة الهموم والتحديات التي واجهها هو ورفاقه المسرحيون، والتفكير في سبل تجاوزها وضمان استمرار المسيرة. كانت التحديات كثيرة، والظروف قاسية، والموارد المالية شحيحة دائماً ـ إن وُجدت أصلاً ـ فيما كانت مساحات الحرية تضيق باستمرار، وكان حال المسرح أبعد ما يكون عن المثالية. وكانت كل مرحلة من مراحل الإنتاج المسرحي، وكل خطوة في طريقه، محفوفة بالعقبات، حتى غدا إنجاز أي عمل مسرحي حقيقي فعلاً من أفعال المقاومة بحد ذاته. أما أبي، فكان يرى أن المسرح الحقيقي هو عطاء لا منتهي، والإنتاج الرصين لا يقاس بقدر التعقيدات السينوغرافية وبذخ الديكور على خشبة المسرح، ولا يقاس بعدد الممولين على البوسترات والمطبوعات، ولا بقدر "غربيته" لتبرير "عصريته" لمجتمع المانحين.
وكان أبي، وأبو المسرح الفلسطيني عادل الترتير، يرى في اليوم العالمي للمسرح دائماً:
"يوماً للتأمل بحالنا وبحالتنا المسرحية، يوماً نستلهم فيه من ماضينا وننظر لمستقبلنا ونستمر في بلورة رؤيتنا للمسرح الذي نريد، يوماً نجتمع فيه لنشحذ الهمم لبناء مسرح قادر على العطاء والديمومة والاستمرارية، مسرح صادق يعلي الشغف والأمل، يوماً نجتمع فيه لنتفاكر برؤيتنا المسرحية الجمعية التقدمية المناهضة لكل أشكال القمع والاضطهاد، يوماً نجتمع فيه لنؤسس أو على الأقل لنحلم بمسرح يتسع لنا جميعاً، وبجسم مسرحي يمثلنا ويعنون همومنا ويلبي تطلعاتنا وطموحاتنا، وبحركة مسرحية حقيقة نقية صادقة إنسانية تترابط عضويا مع الفنان الإنسان، ومع نهج المسرح كحياة، ومع الإبداع العابر للحدود والذي يقاوم كل أشكال الاضطهاد ويسير في نهج الانعتاق".
لم يقتصر فعل وإيمان أبي على تصوّر كل هذا والتنظير به ومجرد حمل تلك المثل العليا والقيم فحسب، بل عاشها ومارسها بكل تفاني، وكانت دوماً تقود فعله المبدئي، ولم يساوم عليها أبداً أبدًا. كان حريصًا كل الحرص على نقاء المسرح في مهمته، ومصممًا على الحفاظ على وضوح الرؤية والاتجاه الاستراتيجي لمسرحه، ومصّراً على أن إنتاج أي عمل مسرحي حقيقي هو في جوهره فعل مقاومة.
واختتم عادل الترتير رحلته بوصيةٍ ودعوة، قال فيها: لنحتفي بكل حبة عرق نتصببها في سبيل المسرح الحقيقي الذي نريد، ولنعايد بعضنا بعضاً بكل نفس نتنفسه من أجل المسرح الذي نعشق، ولنردد دوماً وأبداً "يا مسرحيي العالم، اتحدوا".
وفي الذكرى الأولى لرحيله، كتب أخي يزن رسالة حب إلى أبي، قال فيها:
"لا زلت أذكر، يا أبي، تلك الرجفة التي هزّت قاع قلبي حين أخبرنا أخي برحيلك. قبلها بدقائق فقط، كنت إلى جوارك، أمسك بيدك، أحدّق في شاشة الأجهزة وأسلاكها المتشابكة، بينما كان قلبي يعتصره وجع أنفاسك المتعبة وألمك. في ذكرى رحيلك، يا أبي، أيقنت أن الفواجع لا يبهت وقعها مهما طال الزمن، وأن الحزن على الراحلين لا يموت. فمنذ رحيلك، لا حزن ينتهي، ولا فرح يكتمل. يقولون إن الموتى يشعرون بنا. ابتسمت. تذكرت. اشتقت. ثم بكيت... بكيت حتى جفّت دموع القلب قبل أن تجف دموع العين. لروحك الرحمة والسلام يا حبيب الروح".
أما أختي حنين، فقد اختزلت شعورنا جميعاً حين زارت أبي في المقبرة في الذكرى الأولى لرحيله، وقالت له:
"عم بهرب، عم بهرب من فكرة إنك مش موجود، لفكرة إنك بقلبي مدفون".
وفي يوم رحيله، العاشر من تموز/يوليو 2025، كتب الأديب والشاعر الفلسطيني محمود أبو هشهش رثاءً لعادل الترتير بعنوان "عادل الترتير... جمعٌ بصيغة المفرد"، قال فيه:
"كان هادئاً، طيباً، متواضعاً، بشوشاً، يشع وجهه بقبس من النور والخجل الشفيفين، وتحمل شارباه الكثّان المتصلان بشعره الأبيض الطويل سمات مرحلة لم يشأ لها أن تنتهي، وهوية تنتمي لزمن جميل مضى، كانت تُشق فيه الطرقات الوعرة بأيدي أناس مفعمين بالشغف، وممتلئين إيماناً بقدرتهم على الفعل والتغيير وتوسيع فضاءات الحرية في المخيلة والحلم، وفي الأرض وعليها. كانوا معاً يصنعون تاريخاً كبيراً، من دون أي ادعاء أو تعالٍ".
لم تكن هذه الكلمات وصفاً لشخصيته فحسب، بل كانت نافذةً على الفلسفة التي وجّهت حياته وأعماله. فقد اختزلت رؤيته للمسرح بوصفه فعلاً من أفعال المقاومة، ووعاءً للذاكرة الجمعية، وممارسةً يومية للتحرر؛ وهي الرؤية التي لم يكتفِ عادل الترتير بالدعوة إليها، بل عاشها، وجسّدها، وظل وفياً لها، بهدوءٍ ويقين، حتى النَّفَس الأخير.

