<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>رواية - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/رواية</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 06 Jun 2026 16:47:53 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>رواية - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/رواية</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الاستجابة للجنون في &quot;باب الشمس&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36611</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[غسان نداف]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 26 Sep 2025 18:53:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36611</guid>

					<description><![CDATA[<p>مقدّمة: الاختلاف والاستجابة "أنتَ لا تريد سماع أي شيء غير البطولة" [1] بهذه العبارة يخاطبُ خليل يونس في حديثه حول عدنان [2]، ولعلّه بهذا يخاطبُ القارئ أيضًا، وتحديدًا من يريد إراحة ضميره والاستماع لحكايات الأبطال والبطولة الخالصة، أمّا عدنان فقد انتقل من البطولة إلى الجنون، وضريبة البطولة كانت بسجنه في سجن العدو المُبغِض، وضريبة الجنون [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36611">الاستجابة للجنون في &quot;باب الشمس&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><b>مقدّمة: الاختلاف والاستجابة</b></span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">"أنتَ لا تريد سماع أي شيء غير البطولة" [1]</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذه العبارة يخاطبُ خليل يونس في حديثه حول عدنان [2]، ولعلّه بهذا يخاطبُ القارئ أيضًا، وتحديدًا من يريد إراحة ضميره والاستماع لحكايات الأبطال والبطولة الخالصة، أمّا عدنان فقد انتقل من البطولة إلى الجنون، وضريبة البطولة كانت بسجنه في سجن العدو المُبغِض، وضريبة الجنون كانت بسجنه في مشفى المجانين من قبل الصّديق المُحِب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يمثّل عدنان صورة خالصة للبطولة، وإنّما مرّ بتحولاتٍ عدّة، وتركّز الورقة على عدنان ما بعد السجن، أي بعد أن "كفّ" عن كونه بطلًا أو كُفَّ عن ذلك، وتحديدًا بعد أن عادَ إلى مخيم برج البراجنة، وإن كان قد عادَ كالأبطال كما يروي خليل، كان البطل مع (ال) التعريف كما يصفه يونس، ولكن "ماذا جرى للبطل؟" [3] الرواية تروي ماذا جرى له، بينما تسعى الورقة لقراءة استجابة المُحبّين لاختلاف عدنان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والاختلاف وفق أودري لورد مركّب أكثر من كونه ثنائيات واضحة وحاسمة بل وتفنّد الرؤية الأوروبية للاختلافات البشرية التي تحصرها "في تضادٍ بسيط مع بعضها البعض السيادة/ الخضوع، الخير/ الشر، الأسمى/ الأدنى" [4]، وتدعو لورد إلى إعادة تعريف الاختلاف وملاحظته، وإن كانت ترى في أنّ ملاحظة الاختلاف لدى النساء تحديدًا فيها شيء من الغضب إلّا أنّها تؤكد بأنّ غضب النساء"يمكن أن يحوّل الاختلاف من خلال الرؤية المتعمقة إلى قوة لأنّ الغضب بين المتكافئين ينتج التغيير وليس التدمير" [5] وإنْ سبّب الغضب شيئًا من عدم الارتياح إنّما هي علامات للنمو وفق لورد، بعبارة أخرى: الغضب المولّد أو الاستيلاد عبر الغضب سيحمل دائمًا في داخله الألم، خاصة في عندما يكون الحديث حول المتكافئين أو الواقعين تحت مباني القمع والهيمنة نفسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويمكن قراءة هذه المقالة على أنّها استجابة لدعوة لورد في تعريف الاختلاف وملاحظته ثمّ محاولة فهم الاستجابة لاختلاف عدنان، وتتمثل الصعوبة في الكتابة هنا بعدم إزاحة لورد ومقالاتها عن سياقها، وكنوعٍ من الحذر وعدم الإزاحة تهتم المقالة بسؤال الاختلاف والاستجابة له، والاختلاف وفق لورد يقع على من "يوجدون خارج أروقة السلطة" التي تحيك خيوط "المعيار الخرافي" المعيار بمعنى ما هو سائد وبطريقة أو بأخرى مفروض من قبل السلطة السياسية والمجتمعية، والمعيارية في هذه الورقة ترتبط بسلطتيْ المجتمع ومنظمة التحرير الفلسطينية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تعرّف منظمة التحرير الفلسطينيّة من هو الفلسطيني في ميثاقها الوطنيّ ومن هو الفدائيّ وتثبّت ذلك بشكلٍ مكتوب وموثّق وتثبّته وتؤكّد معه معيارية الفلسطينيّ والفدائيّ، وإن كان الفلسطينيّ هو المعرّف من ناحية فلسطينية الأب، فالمقاتلون هم "نواة الجيش الشعبي الذي سيكون الدرع الواقي لمكتسبات الشعب العربي الفلسطيني"، ويتمثّل دوره وغاية المنظمة ككل بـ"استرداد الوطن وتحريره والعودة إليه" [6] وتنعكس تعريفاتها على مجتمع المقاتلين والناس من حيث الممارسة والتوثيق والحسم في التعريف، أمّا عدنان (وهو أحد الفدائيين) فتبدو ممارسته ما بعد السجن الأول/ الاستعماري خارجًا عن معيارية المنظمة، خارج حدية الأبيض والأسود والتعريف الحاسم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بناءً على ما سبق تأتي مناقشة "جنون" عدنان كشكل من أشكال الاختلاف وفق لورد، كونه خارج عن المعيارية الوطنية والاجتماعية لصورة البطل أو الفدائيّ، أمّا عن أخذ عدنان كعيّنة أو كتمثيلٍ ثقافيّ فيأتي من كون الرواية تمثّل مجموعة كبيرة من الحكايات المتوالدة داخل الرواية (أدبيًا) توالدت من عشرات المقابلات (تأريخيًا) [7] ويمكن الافتراض أنّ عدنان أبو عودة كشخصية روائية هو تمثيل ما لصاحب/أصحاب الحكاية، ولقراءة الاختلاف والتعامل معه (الاستجابة له) تسعى المقالة للإجابة على بعض الأسئلة: كيفَ تمّ تمثيل الجنون روائيًا في شخصية عدنان؟ كيفَ تعامل رفاق وأحبّاء عدنان مع جنونه/ اختلافه/ خروجه عن المعيارية؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سيتم البحث في هذين السؤالين من خلال ثلاث لحظات أساسية: أولًا، خروج عدنان من السجن الاستعماري واستجابة يونس وابنه له وما في هذا الجزء من رحلة البطولة إلى الجنون. ثانيًا، السيناريو المقترح لنهايته شهيدًا كاستجابة بديلة مُقترحة تتجاوز الجنون نحو البطولة المتخيّلة كنهاية مشرّفة للأبطال، ثالثًا، النهاية الفعلية لعدنان في مشفى المجانين وموته هناك وكيفَ أنّ المحبين هم الّذين أخذوه إلى سجنه الثاني (المشفى) وتركوه يموت هناك متخلين عنه وعن "بطولته".</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>اللحظة الأولى: الخروج من السجن الأوّل – الاستعماري</b></span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">"لماذا لا تقول إنّك خفتَ على نفسك، وليس على عدنان؟" [8]</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد عملية فدائية يقوم بها عدنان مع يونس وثلاثة فدائيين يستشهدون دون أن يتذكّرهم يونس، يتم اعتقال عدنان، وخلال التحقيق لم يذكر يونس بكلمة واحدة، ويُحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثين سنة فينفجر في المحكمة ضاحكًا ويصفّق داخل القفص فيضيف القاضي عشر سنوات بتهمة تحقير المحكمة، وإن كان هذا يستفز القاضي/ العدو إلّا أنّه يسرّ الصديق، فيجعل يونس يروي حكايته باستمرار "كنتَ ترويها بلا كللٍ أو ملل، كأنّها حكايتك" [9] ويرويها بوصف عدنان بالبطل (مع ال التعريف)، فلم يكن عدنان ضمن المعيارية وحسب وإنّما بطلها، وهذه البطولة يحتاجها يونس أكثر من عدنان، لا لأنّ عدنان لم يعترف عنه وحسب وإنّما هي حاجة تأتي كتعويض "عن انعدام الحب تجاه أنفسنا" وفق رنا بركات [10]، والضمير الجمعي هنا يعود على الـ"نحن" وتبدأ إشكالية التعامل معها عندما "يخرج" أحد"نا" عن المعيار، وهذا يتمثل بوسم عدنان بالجنون عندما يخرج من السجن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جنون عدنان يُربك علاقة الأحباء به؛ فهو بذا يخرج عن المعيار الّذي وُضِعَ فيه وقُرِأَ من خلاله، أمّا صديق عمره يونس وابنه وجميل فلم يستطيعا التعامل معه، لم يستطيعا تعريفه، فما أن يخرج عدنان بصفقة التبادل 1983 حتى يلاحظا أنّه يفقد أعصابه ويتكلّم "مع الناس كأنّه يكلّم السجان الإسرائيليّ ويرطن بالعبرية. ثمّ مع الأيام فقد قدرته على النطق، وصار يصرخ ويخرج من البيت عاريًا" [11]، فيختار يونس تجاهل المسألة وإغماض عينيه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تشير لورد إلى أنّ الاستجابة إلى الاختلافات بين الناس تتم عادةً بخوف وبنفور من التعامل مع الاختلافات ولكنها تتم عادةً بأحد الطرق الثلاثة: تجاهلها أو تقليدها إن كانت سائدة، أو "تدميرها إذا ما ظننا أنها أدنى منا" [12] ويختار يونس الأولى فيظلّ داخل إطار المعيارية، يرفض التعرّف على عدنان المحرَّر وإن كان "مبدأ تَعرّف على الآخر لتمنحه القوة" [13] يساهم وفق لورد بتشكيل الـ "نحن" ويقدّم استجابة أكثر إنسانية [14] لمن هو خارج عن المعيارية فإنّ البقاء داخلها والتعامل من خلالها يزيد من التشرذم ويزيد من "تقسيم إحساسنا بالـ "نحن"، وتغريبنا عن مفهوم المسؤولية الكامنة في الوجود الاجتماعي" وفق بركات. [15]</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يبقَ يونس على تعاميه طويلًا فيسمع بعد عدة أيام أنّ جميل (وهو ابن عدنان) يقرر أن يرسل أباه إلى مشفى الأمراض العقلية وهنا يتأزم يونس ويبكي "بكيتَ وقلتَ مستحيل، عدنان بطل، والأبطال لا يدخلون مستشفى المجانين" [16] ويرفض أن يعيش البطل عدنان في دار العجزة حيث يتكدّس المرضى العقليون "كالحيوانات ويعيشون الموت" [17]، ألا يتجاهل يونس مرةً أخرى الاختلاف؟ فهو لم يقدّم فعله أو ردة فعله على جميل من منطلق ما هو كائن بل بالعودة إلى ما كان "عدنان بطل" فعجزه هنا عن التعامل مع عدنان المحرَّر يعيده إلى عدنان المُعتقل وما قبله، بتجاهل تام ليس للنتيجة وحسب وإنّما لكل ما مورسَ عليه خلال اعتقاله.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإن كان التمثيل وفق ستيوارت هول يعتبر "تجسيد المفاهيم والأفكار والعواطف في شكل رمزي يمكن نقله وتفسيره بشكل ذي معنى" [18]؛ فإنّ المعنى (أو المعنى الواحد) الّذي يعود إليه يونس هو البطولة كنقيض أو مواجهة للمعنى الّذي يضعه جميل وهو الجنون. في الحالتين إمّا أن يتم التعامل مع عدنان السابق (بطل المحكمة) أو مع عدنان النتيجة (المجنون) ولم يقرأ يونس ولا عدنان الرحلة من البطولة إلى الجنون أو التجربة الاعتقالية نفسها وأثرها عليه. هذه التجربة التي يصعب النجاة منها دون أن تصيبه تشوّهات إنسانية، بينما الصمتُ عنها يساهم باستمرار التشويه؛ كما تشير لورد حول قمع النساء السوداوات والصمت "باستطاعتنا الجلوس في ركنٍ صامتين للأبد بينما نحن وأخواتنا نفنى" [19].</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما أنّ كليهما لا يستجيب للاختلاف إلّا وفق المعيارية السائدة وإسقاط المعنى الواحد والحاد وفق هول، أو الامتثال الآلي لرؤية أحادية الجانب وفق باولو فريري في تعليم المقهورين وما بناه عليه أوغوستوبوال في مسرح المضطهدين، حيث يعتمد كلاهما على "إنتاج شخصيات بأصوات متعددة وبالتالي تحرير المشاركين من الامتثال الآلي لرؤية أحادية الجانب" [20]، والأصوات المتعددة أو الكرنفالية تتناقض مع الثنائية أو التضاد البسيط: مجنون/ عاقل أو بطل/ ليس بطلًا، فماذا يفعل عدنان إن لم يكن لا هذا ولا ذاك؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن كانت استجابة يونس المعيارية هي بالتعامي والتجاهل أولًا، وبالعودة إلى عدنان السابق ثانيًا، فإنّ استجابة جميل تأتي أكثر تطرفًا وحديةً، فقد أرسَل أباه عدنان إلى موته في مشفى المجانين. وإن كان خروج عدنان عن قانون المستعمِر بقتاله قد أودى به إلى السجن فإنّ خروجه عن المعيارية قد أودى به إلى مشفى المجانين؛ الأول من قبل العدو والثاني من قبل الصّديق. وفي النهاية ومع عدم قدرة يونس على منع مصير عدنان "البطل" فإنّه يختار العودة إلى التجاهل والتعامي إلى حدّ النوم "جئتَ إليّ طالبًا حبوبًا منوّمة وتركتَ صديقك يذهب إلى موته الوحشيّ في ذلك المستشفى" [21]، وقبل التطرّق للمشفى وتجاهل يونس يجدر التطرّق لاستجابة خليل لكلّ هذه التجربة باقتراحه سيناريو مُتخيّلًا لنهاية عدنان.</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-36612 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-scaled.jpg" alt="" width="1682" height="2560" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-scaled.jpg 1682w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-197x300.jpg 197w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-673x1024.jpg 673w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-768x1169.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-1009x1536.jpg 1009w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/09/f2dd039a2af331ff9b990205112edc0a-1346x2048.jpg 1346w" sizes="(max-width: 1682px) 100vw, 1682px" /></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>اللحظة الثانية: سيناريو مُقتَرح</b></span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">"هذه المرّة سأغيّر الحكاية... أعلنتكَ شهيدًا!"</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على طول الرواية يقوم خليل بسرد الأحداث عبر يونس، حيث يستنطقه لإتمام حكايته وحكايات الآخرين من حوله، ثمّ يكتبها بلسانه ولغته وتأويلاته. في قصة عدنان لا يكتفي خليل بممارسة تمثيل الحكايات وحسب، وإنّما يقترح تغيير الحكاية واستبدال النهاية كما يراها أفضل "ألا توافق معي أنّ هذه النهاية أفضل من تلك؟" [22]</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقترح خليل أن يذهب يونس الأسديّ لزيارة صديقه عدنان أبو عودة في مخيم برج البراجنة بعد قضائه ثمانية عشر سنة في السجن، وبعد أن استقبله عند خروجه من السجن واحتفل ورقص أطلق النار في الهواء وطلبَ إلى الناس أن يشتمّوا فيه رائحة فلسطين الّتي كان معتقلًا في سجنٍ أقيمَ على أرضها. عندما ينفضّ الجميع يروي يونس تفاصيل المحكمة ويطلب من عدنان أن يكرّر عليهم مشهده وهو يحقّر المحكمة ويضرب كفًا بكفٍ "انشالله فكركم إنه دولتكم رح تعيش كمان ثلاثين سنة!" [23] ولكنّ عدنان يبقى صامتًا، وتظهر عليه أعراض غريبة، يصرخ ثمّ يسكت، يتكلّم جملة ناقصة، يقول كلمات عبرية، تنتشر أخبار جنون عدنان أمّا يونس غير المصدّق لذلك فيراه ويبكي. وفي النهاية يذهب إليه يجده يتراقص متمايلًا على أغنية "أنا في انتظارك" فيطلق عليه طلقةً واحدة "أعلنتكَ شهيدًا" [24]، ينحني عليه ويبكي "لم أقتلك بل قتلتكَ إسرائيل" [25]. وبهذا يموت البطل عدنان شهيدًا وتُطبع له ملصقات وتخرج جنازة ضخمة في تشييعه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لعلّ هذه الاستجابة تتلاقى مع استجابة يونس فيما يتعلّق بالبطولة، ولكنّ الفرق الأساسيّ والأقسى هو في أنّ خليل لا يعود إلى ما كان عليه عدنان البطل وإنّما يقترح بل يفرض عليه نهاية بطولية؛ لا تنقذ عدنان من جنونه وإنّما تنقذ يونس ومحبي عدنان من القلق في التعامل مع "جنون" عدنان. وفي هذا السيناريو لا يتعامى خليل عمّا صار إليه عدنان كما فعل صديقه يونس، ولا يدمّره في المشفى كما فعل ابنه جميل وإنّما يقتله "كما يقتل الفارس حصانه الجريح" [26]، وكناية الحصان الجريح تتنافى تمامًا مع غضب المضطهَدين والحب فهي تنطلق أساسًا من الامتلاك والسيطرة بدلًا من الحب كما تشير بيل هوكس في نقدها للحب ضمن منظور الهيمنة الأمريكية. [27]</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يطلب خليل إذن من صديق عدنان أن يقتله ثمّ يقول بأنّ إسرائيل هي التي قتلته؛ إنقاذًا ليونس من القلق في التعامل مع المجنون وإعادته إلى إطار البطولة. ألا تبدو بطولة عدنان في السيناريو ممنوحة من المستعمِر؟ فهي بقتلها له تجعل منه بطلًا وتخفي كلّ التناقضات المتمثلة في سلوك عدنان التي يرى فيها خليل انفصام وليست جنونًا أو مرضًا عقليًا، هل يقصد انفصام بين ما هو كائن وما يجبُ أن يكون؟ بين جنونه وبطولته؟ وبقتله أو قتل إسرائيل له يلغي هذا التناقض ويعالج الانفصام؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي كلّ الحالات هناك تجاهل وخوف ونفور من التعامل مع عدنان (كمختلف/ مجنون)، وبالعودة للورد فإنّ عدم الاستجابة وفحص وإعادة تعريف الشروط التي يعيش فيها شخص مثل عدنان سيؤدي إلى الإبادة والعمى والقوة اللاإنسانية وتحرّض على "الرؤية وإعادة البناء، والغضب تلو الآخر، حتى نبني مستقبلًا من الاختلافات التي يخصب بعضها بعضًا" [28] وبذا تتولّد قوة للبحث "عن طرق جديدة للوجود في العالم" [29] أمّا الاستجابة المتمثلة بالتجاهل أو التدمير أو القتل فيمكن قراءتها على أنّها توظيف نفس الأدوات التي يستخدمها المستعمِر، فهو بذلك يستخدم أدوات السيّد لهدم منزله.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعلّ إحدى أهم أدوات أو بالأحرى منظومات المستعمِر/ السيّد هي السجن ومشفى المجانين؛ وكما تمّ الذكر سابقًا فالمستعمِر هو من وضع عدنان في السجن أمّا المُحِب (ابنه) فهو من وضعه في المشفى وهذه هي اللحظة الثالثة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>اللحظة الثالثة: الموت في مشفى المجانين – السجن الثاني</b></span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">"البطل يجب أن يبقى بطلًا، والله حرام، تركتم عدنان، ونسيتموه، ولم تعودوا تتذكرون سوى حكايته، أمّا الرجل فذهب إلى مصيره دون أن يرفّ لكم جفن".</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خوفًا من ممارسة تمثيلٍ من نوعٍ آخر، وانتقاء محطات من حكاية عدنان على حساب عدنان نفسه من المهم أن يتم التطرّق في هذا الجزء تحديدًا على "جنون" عدنان، وإن كانت المقالة قد قدّمت سلوكياته في البداية على أنّها "مختلفة" أو خارجة عن "المعيارية" فذلك من باب الانحياز المُعلَن لعدنان. أمّا مرض عدنان فيوصَّف بالجنون وأحيانًا بالمرض العقلي كما ورد في الجزء الأول، ولكنّ يونس يرى فيه انفصامًا كما وردَ في الجزء الثاني، وفي الحالتين لم يتم مناقشة ما هو الجنون وما معنى الانفصام لهذا كانت المقالة بعض الشيء تأويلية في هذا المجال، فمثلًا ما معنى الصحة العقلية في مجتمع عدنان ورفاقه؟ وإن كانت "السلامة العقلية ضغطٌ يُمارس تدريجيًا كي نعيش بصورة عملية في العالم المادي" [30] فما هو السلوك "العقلانيّ" لعدنان؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اختارَ أو اختيرَ له "الجنون"، ولكن ألا يمكن فهم توظيف الجنون كشكل من أشكال النقد لسلطة المنظمة/ المجتمع؟ أو على الأقل خروج من "عقلانية" القبول بواقع سلطتها؟ وهذه إحدى تأويلات الجنون كطريقة للتساؤل عن سبب جنون المجتمع وفق إدوارد بوند ويرى بأنّ المجانين سريريًا هم الّذين "لا يعودوا قادرين على خلق علاقة عملية مع المجتمع والواقع" [31] وبأخذ السلطة بشيء من المبالغة أكثر ووصفها بالجنون (سلطة تأتي قبل الدولة!) فما الّذي جعل من هذا عقلانيًا وذاكَ جنونًا؟ وإن كان الفرق بين "الجنون الشخصي والجنون الاجتماعي هو السلطة" [32] وفق بوند، فهل يمكن فهم موقف رفاق ومحبي عدنان بأنّهم شركاء السلطة في جنونها ونسيانها لعدنان؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لعلّ في هذا اتهامٌ ما لسنا بصدد تأكيده أو نفيه. ما تؤكده الرواية بشكلٍ حاسم هو أنّ عدنان قد أُرسِلَ "كمجنون" إلى مشفى المجانين، وهذه المرحلة كلّها لم تكن موجودة بالنسبة ليونس، فعدنان بالنسبة إليه انتهى في المحكمة (عند ذروة بطولته)، أمّا في سجنه الثاني فلم يزره لا هو ولا ابنه جميل، وتركوه يموت هناك ولم يقم أحدٌ بنعيه ولم يشارك يأحد في مأتمه "تُركَ يموت كالكلب في المستشفى" [33]، والمشفى هو سجن كما تقدّمه الرواية وكما يصفه خليل حرفيًا، يرى فيه سجنًا قاسيًا يُسجن فيه عدنان ويُقيّد بسلاسل حديدية "بين أكوام المجانين، روائح المجانين، وأصوات المجانين" [34].</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">للتذكير مرةً أخرى، جميل ابن عدنان هو من أرسل أباه إلى هذا المكان، ويونس صديق عمره تجاهل الأمر وطلبَ حبوبًا منوّمة، هل يمكن التساؤل هنا عن مكان الحب في هذه التجربة؟ كيفَ يمكن قراءة الحب "كقيمة ثقافية أساسية لمواجهة الأنظمة القمعية" وفق بيل هوكس؟ وإن كانت ترى بأنّ الصداقات "هي المساحة الأكثر ملاءمة لتعلّم الحب وممارسته" [35] فأينَ يمكن موضعة الحب في وضع المحبوب في المشفى – السجن الثاني بعد خروجه من السجن الاستعماري؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يقدّم إلياس خوري تفاصيل السجن الاستعماري، وعلى العكس من ذلك فقد وصفَ تفاصيل مشفى المجانين، ولعلّه هذا هو سؤاله المرتبط بالـ "نحن"، وماذا تفعل الجماعة في أبنائها، ويقدّمه بشيءٍ من القسوة الواقعية: الطابق الأول يوضع المرضى العقليين غير الخطرين. في الطابق الثاني وهو الأقسى نجد قسم للعجزة، قسم للأطفال، قسم للتخلف العقلي، أطفال وناس يتعذبون، يتم ربط الأطفال هناك، زنازين صغيرة معتمة، ممر ضيق لقسم الخطرين، وهنا يجد عدنان مربوطًا بسلسلة حديدية إلى سريره المسيج بقضبان حديدية، أمّا عن سبب تقييده فيقول الدكتور بأنّهم فكّوه فضربَ ممرضًا وكسر يده وأمر بإعادته إلى الصدمات الكهربائية ليصل إلى هذا الحد (نصف ميت!)، وهناك يحتضر عدنان لمدة ستة أشهر بين غرف الصدمات الكهربائية وزنزانة السرير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لو أنّ خوري لم يعلن بأنّ هذا مأوى عجزة أو مشفى مجانين لاعتقد القارئ بأنّه يقرأ تفاصيل اعتقال عدنان سواء بكلمات مثل "القسم، مسجل خطر، الزنزانة،..." أو بالمعاناة والتعذيب، أو بكافة أدوات الضبط، ولعلّ هذا سببٌ آخر جعله لا يصف ظروف الاعتقال ولكنّه جعله يموت هناك نهاية تراجيدية، التراجيديا بمعنى المأساة التي يسبّبها القريب المُحب، هل يقصد خوري بأنّ الثورة هنا تموت؟ وإن كان قد كتبها بعد توقيع اتفاقية أوسلو (ولادة السلطة وموت الثورة) فإنّ لحظة نهاية عدنان كانت قبل ذلك، ولعلّه بذلك يوصّف السلطة قبل تشكّلها الرسميّ ويمهّد لموتٍ ما لا للثورة وإنّما لشكلها القائم لما فيه من قتل الأحباء والأبناء. من جديد، المُحبون هم الّذين أرسلوا عدنان إلى هذا المكان، تُرِكَ يموت بوحشية هناك! حسنًا، نحنُ بحاجة إلى الحب، تقول هوكس، فالحب يحسّن العلاقات الفردية ولكنّه أيضًا يحمل القدرة على تغيير المجتمعات، وإن كانت ثقافة الهيمنة (الأمريكية وفق هوكس) "تركز على القوة والسيطرة بدلًا من الاحترام والتعاطف" [36] فإنّ على المجتمعات المقهورة أن تعيد فهم الحب وتصوّره كقيمة ثقافية أساسية لمواجهة الأنظمة القمعية وفق هوكس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">السيطرة مرتبطة إذن بالهيمنة وإن كانت تُغلّف بالحب والثورة ومفاهيم الوحدة التي تُوظّف لوضع الجميع تحت معيارٍ حاسم ومحدد، أمّا الحب وفق هوكس فهو قيمة تشاركية تلاحظ الاختلاف وتقرؤه ضمن سؤال القمع وفرض صورة محددة وواحدة ترفض الاختلاف بحجة الوحدة، الوحدة كأداة قمع وفرض هيمنة وسيطرة، وفي الرواية يطرح خوري سؤال القمع، قمع الأحباء واضطهادهم باستخدام أدوات المستعمِر نفسها، أو كما أوضح باولو فريري بأنّ "التركيز الحقيقي للتغيير الثوري ليس فقط على المواقف القمعية التي نسعى إلى الإفلات منها، ولكن على هذا الجزء من القامع المزروع عميقًا داخل كلٍّ منا" [37].</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإن كانت استجابة عدنان ويونس وخليل للمستعمِر بقتاله فهذا سهل وواضح وعرّفته المعيارية في الميثاق الوطني كحق أو خانة من خانات الحقوق، ولكن كيفَ تكون الاستجابة لعدنان الّذي يُصنّف مجنونًا؟ ألم يخرج كلاهما عن قانون ما؟ فلماذا يحتفي الرفاق بالخروج عن قانون المستعمِر بينما يتجاهلون الإفلات من المعيار السائد وطنيًا واجتماعيًا؟ بعبارة أخرى: لماذا يُترَك المقاتل والحبيب والرفيق والصديق والأب عدنان يموت في السجن الثاني – المشفى، ولا يُنظَرُ إليه بينما كان يُحتفى به في السجن الأوّل – الاستعماري؟ بل وأكثر من ذلك يُترك هناك ليتم تعذيبه ويزداد التعذيب عندما يكسر يد الممرض، أي أنّه يمارس عنفًا ما، ويقول بوند في هذا السياق بأنّ المجانين لا يصبحون "عنيفين إلّا عندما يهددهم عالمهم، أو قصتهم عن الواقع" [38] وهذه القصة مختلفة عن قصة المنظمة كما يبدو.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مهما يكن، فإنّ فعله لم يعبّر عن أيّ كراهية أو حقد وإنّما عن الغضب؛ والغضب لا يدمّر وإنّما يولّد المعرفة وفق بركات [39]، الغضب استيلاديّ أمّا الكراهية والحقد فتدميريّان وفق لورد، الغضب موقف سياسي وجدلي في قدرته على التوليد أمّا الكراهية فعداء وتدمير، ومهما يكن فقد تُرِكَ عدنان يموت في المشفى وحيدًا.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بمثابة خاتمة: خليل ويونس</b></span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">"الحرية يا أبي هي أن نكون قادرين على الخطأ" [40]</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرفض خليل أن يتكرر الشيء نفسه مع يونس، فكل هذه الحكاية المتعلقة بظروف السجن الثاني يرويها خليل عندما أوشك صديقه يونس أن يُساق إلى المصير ذاته وإلى المكان ذاته "إلى هناك، يريد الدكتور أمجد إرسالك. هناك حيث ربطوا عدنان وعذبوه وقتلوه" [41] ويرفض خليل بشكلٍ قاطع، سيتضح أول الأمر أنّ رفضه يأتي حبًا ليونس "أنتَ لا تعرف شو يعني يونس؟"، ولكن بعد لحظات يتبيّن بأنّه يدافع عن بطولة صديقه لا عن صديقه نفسه "لا يمكن، لن ينتهي البطل في مقبرة الأحياء" [42].</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خليل أيضًا يخاف على نفسه (وهي التهمة التي وجهها ليونس مرارًا في موقفه من عدنان)، يختبئ في المشفى مع يونس ويرفض نقله إلى السجن الثاني، ويُتّهم بالجبن والاختباء من شبح شمس وعصابتها، يعترف بخوفه ولكنّه في المقابل يصرّ على البقاء مع يونس "أنا معكَ كي لا تكون وحدك، ولا أكون وحدي، عيب أن نترك بطلًا مثلك يتعفّن في سريره" [43] وسواءً كان حبّه لشمس أو حرصه على "بطولة" صديقه يونس ما دفعه للاختباء في المشفى ففي الحالتين هناك حب وحاجة للذين يحبهم. "المستشفى يعني أنت، وأنا لا أستطيع التخلي عنك، حتى لو لم أكن خائفًا أو مطاردًا أو واقعًا في مصيدة شمس" [44]، وفي كلا الحالتين يدفعه الحب إلى الخوف والاختباء إلى درجة الشك في "عقله" ويتساءل مرارًا "أنا انجنيت؟".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هي يمكن فهم "البطولة" والاهتمام بها على أنّها تناقض القدرة على الحب؟ وهل "تلعب ثقافة تبجيل فعل البطولة ظاهرة بديلة لبلورة إحساسنا بالمسؤولية الجماعيّة" [45] كما تقول بركات؟ فيمكن ربط الحب بالمسؤولية أمّا البطولة فتعفي من المسؤولية وتجعل يونس يأخذ حبوبًا منوّمة ويغفل واقع عدنان بعد أن تحوّل من البطولة إلى الجنون، في الحب مسؤولية ما تحاجج بها هوكس، وتؤطر له معرفيًا ونظريًا ليصير ممارسة، وتعبّر عنه كقيمة ومفهوم في مواجهة السلطة القمعية، تتحدث في محاضراتها عن إنهاء العنصرية والتمييز فيستمع الجمهور والشباب لها كون الطرف الآخر سيكون السيّد/ القامع، أمّا عندما تتحدث عن الحب فيصبح الجمهور "وخاصة الشباب، متوترًا" إذ يتساءل عن "مكان الحب في أي حركة من أجل العدالة "، ولا يزال الشباب (كما تقول) "يترددون في تبني فكرة الحب كقوة محورية للتغيير" [46]</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تؤكد هوكس بأنّ للحب قدرة على إحداث تغيير اجتماعي. والحب بطريقة أو بأخرى هو استجابة رؤوفة وعادلة لمن هو "مختلف" أو خارج عن المعياريّ، وهذا بحاجة إلى القلب كمقرّ للتعلّم وفق لورد، هي دعوة لاعتماد القلب "فالقلب يرف مهما الرياح الدنيئة سيئة جارفة" كما يقول مظفر النواب، وعدا عن هذا ستظل العلاقة مع الـ"نحن" هي علاقة مفرّغة في خانات: خانة الجنون، خانة البطولة، خانة الفقر، خانة المرأة، خانة الكوير... وغيرها، وكل من هو خارج هذه الخانات أو بالأحرى متداخل فيها سيبدو قلقًا ومُقلقًا، وإلّا فكيفَ يمكن لعدنان أن يمارس وجوده ويعيش أزماته المتعلقة بالسياق الاستعماريّ ضمن السؤال الجماعي حول التحرير والعودة دون أن تمارس الجماعة عليه دورًا محددًا لا حياة له خارجه؟ وكيفَ يمكن لخليل أن يوقظ مروية يونس دون تمثيله وتصنيفه وتعريفه؟ وهو طوال الوقت يسعى لهذا، أمّا الجنون فواحدة من الحكايات وإن كان لها أثرها عليه واضحًا فربّما لأنّه هو أيضًا يشعر بشيء من الجنون والسجن "سجين لا يملك سوى حكايات يؤلفها عن حريّته. سجين المستشفى، وسجين الحكاية" [47] ويشكّك في الحكايات ويحاول أن يرويها ويقدّم الثورة من خلالها، ولكنّه (وباعترافه) لا يعرفها وعليه البحث عنها من الأول كما يقول في ختام الفصل الأول من الرواية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من الأول...</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #808080;">شكر خاص للدكتورة رنا بركات على مساعدتها في إنجاز هذه المقالة والتي جاءت ضمن دراستي في الدراسات الثقافية النقدية – جامعة بيرزيت</span></strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h5><b>الهوامش</b></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[1] خوري، </span><b>باب الشمس</b><span style="font-weight: 400;"> (بيروت: دار الآداب، 1998)، ص2016</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[2] شخصيات من رواية باب الشمس</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[3] خوري، مصدر سابق، ص129</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[4] أودري لورد، "العمر، العنصر، الطبقة والنوع: النساء يعدن تعريف الاختلاف،" (ترجمة تامر موافي)  </span><b>اختيار</b><span style="font-weight: 400;"> (2015)..</span></span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[5] أودري لورد، "استخدام الغضب، مواجهة النساء للعنصرية،" (ترجمة تامر موافي) </span><b>اختيار</b><span style="font-weight: 400;">. (2015).</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[6] "المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في القاهرة 10 – 17 تموز (يوليو) 1968" (القاهرة: منظمة التحرير الفلسطينية، 1968)، ص19 – 29.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[7] يُنظر إلى الإشارات في نهاية رواية باب الشمس.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[8] خوري، مصدر سابق، ص129.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[9] خوري، مصدر سابق، ص130.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[10] رنا بركات، "أودري لورد في فلسطين: بين مسار المعرفة التوليدية والاقتلاع المعرفي"، </span><b>كحل</b><span style="font-weight: 400;">، (2023) </span><a style="color: #808080;" href="https://kohljournal.press/ar/node/383"><span style="font-weight: 400;">https://kohljournal.press/ar/node/383</span></a></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[11] خوري، باب الشمس، مصدر سابق، ص137</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[12] لورد، النساء يعدن تعريف الاختلاف، مصدر سابق.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[13] أودري لورد، "أدوات السيد لن تهدم منزله،" (ترجمة تامر موافي) </span><b>اختيار</b><span style="font-weight: 400;">، 2015.</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[14] يُنظَر إلى مفهوم الاستجابة الإنسانية في هذه الورقة انطلاقًا من تنظير أودري لورد، بمعنى الخروج من التصنيف الحاد والحاسم للناس، وبالتالي فالاستجابة الأكثر إنسانية هنا تأتي بمعنى أن نعرف أنفسنا ومن حولنا انطلاقًا من واقعنا وإنسانيتنا (بالمعنى المباشر للكلمة) وليس انطلاقًا من التصنيف المعياريّ الحاسم. "المعيار الخرافي"</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[15] رنا بركات، "أودري لورد في فلسطين، مصدر سابق.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[16] خوري، مصدر سابق، ص137.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[17] المصدر نفسه، ص138.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[18] Stuart Hall, “Representation Cultural Representations and Signifying Practices: Introduction” (The Open University, 1997), P10.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[19] أودري لورد، "تحويل الصمت إلى لغة وفعل"، </span><b>Boring Books</b><span style="font-weight: 400;">، 2019، </span><a style="color: #808080;" href="https://boringbooks.net/2019/12/lorde-silence-into-language-and-action.html"><span style="font-weight: 400;">https://boringbooks.net/2019/12/lorde-silence-into-language-and-action.html</span></a></span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[20] عيسى، يحيى سليم سليمان، "آلية الاشتغال على منهج باولو فرايري (التعلم الحواري) في مسرح المضطهدين عند أوجستو بوال،" </span><b>مجلة اتحاد الجامعات العربية للآداب</b><i><span style="font-weight: 400;">، ع1</span></i><span style="font-weight: 400;">، 503 - 531 .</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[21] خوري، مصدر سابق، ص140.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[22] المصدر نفسه، ص140.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[23] المصدر نفسه، ص138.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[24] المصدر نفسه، ص139.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[25] المصدر نفسه، ص139.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[26] المصدر نفسه، ص140.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[27] ينظر: Bell Hooks, </span><i><span style="font-weight: 400;">All About Love: New Visions</span></i><span style="font-weight: 400;">: Introduction, (New York: William Morrow, 2000).</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[28] لورد، النساء يعدن تعريف الاختلاف، مصدر سابق.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[29] لورد، أدوات السيد لن تهدم منزله، مصدر سابق.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[30] إدوارد بوند، </span><b>الحبكة الإنسانية: ملاحظات حول المسرح والدولة</b><span style="font-weight: 400;">، ترجمة نهى أبو عرقوب (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، رام الله: مركز القطّان للبحث والتطوير التربوي، 2020) ص177.</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[31] المصدر نفسه، ص175</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[32] المصدر نفسه، ص228.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[33] إلياس خوري، المصدر نفسه، ص140.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[34] المصدر نفسه، ص165.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[35] Bell Hooks, </span><i><span style="font-weight: 400;">All About Love: New Visions</span></i><span style="font-weight: 400;">: Introduction, (New York: William Morrow, 2000).</span></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[36] Ipid</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[37] لورد، النساء يعدن تعريف الاختلاف، مصدر سابق.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[38] بوند، مصدر سابق، ص178.</span></h5>
<h5><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">[39] ينظر: رنا بركات، "أودري لورد في فلسطين: بين مسار المعرفة التوليدية والاقتلاع المعرفي"، </span><b>كحل</b><span style="font-weight: 400;">، (2023) </span><a style="color: #808080;" href="https://kohljournal.press/ar/node/383"><span style="font-weight: 400;">https://kohljournal.press/ar/node/383</span></a></span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[40] خوري، مصدر سابق، ص236.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[41] المصدر السابق، ص167.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[42] المصدر السابق، ص169</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[43] المصدر السابق، ص68</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[44] المصدر السابق، ص94.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[45] بركات، أودري لورد في فلسطين، مصدر سابق.</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[46] Bell Hooks, All About Love...</span></h5>
<h5><span style="font-weight: 400; color: #808080;">[47] خوري، مصدر سابق، 236</span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36611">الاستجابة للجنون في &quot;باب الشمس&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>القاهرة: في أثر صنع الله إبراهيم</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36593</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Sep 2025 14:02:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36593</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36593">القاهرة: في أثر صنع الله إبراهيم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">منذ أن رحل صنع الله إبراهيم عن عالمنا هذا، وأنا أحاول التربص بلحظة البدايات التي كانت لي معه. أتذكر صديقي المخرج المصري محمد العسكري، حين أهداني كتاب يوميات الواحات، لصنع الله إبراهيم، وكيف أخذني هذا الكتاب معه في رحلة معرفة واستكشاف لأصواتي الداخلية، والبحث في طبقات أدب السجون، وأنا الذي خضت تلك التجربة مع عبد الرحمن منيف في "شرق المتوسط". ثم أجدني أميل لـ"ذات"، التي وصفت تحولات القاهرة والمجتمع المصري. ثم أخذني البحث إلى "بيروت" و"ظفار"، ليعرفني صنع الله هناك بفواز طرابلسي وعبد الرزاق التكريتي، ومع ذلك لم أجد تلك البداية بعد، أو لعلني لم أخرج منها إلا بوفاته. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعد صنع الله إبراهيم (1937–2025) أحد أبرز الأصوات الأدبية في تاريخ الرواية العربية الحديثة، وصاحب تجربة سردية فريدة جمعت بين التوثيق السياسي والتحليل الاجتماعي والنقد الحاد للسلطة، وتعدد وتراكب الأجناس الأدبية. تشابكت مسيرته مع التحولات الكبرى التي عرفتها مصر والمنطقة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فأصبح جزءًا تليدًا من فهمنا التاريخي لذواتنا العربية والمدينية -كما سنرى-. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دخل صنع الله إبراهيم السجن في عهد جمال عبد الناصر عام 1959 ضمن ما عُرف بـ"قضية الشيوعيين"، وهي تجربة تركت أثرها العميق في وعيه السياسي والسردي، وظهرت بشكل واضح في روايته الأولى "</span><i><span style="font-weight: 400;">تلك الرائحة"</span></i><span style="font-weight: 400;"> (1966). في هذه الرواية، كما في أعمال لاحقة مثل "</span><i><span style="font-weight: 400;">اللجنة"</span></i><span style="font-weight: 400;"> (1981)، يُفكك بنية الدولة التسلطية وممارساتها البيروقراطية القمعية، بلغة ساخرة ومُرّة. يتخذ موقفًا جذريًا من كل أشكال الاستبداد، بما فيها تلك التي مارسها النظام الناصري، رغم تعاطفه مع طموحات العدالة الاجتماعية التي تبناها الخطاب الناصري في تلك المرحلة. ولكنه كان من القلائل الذين أعلنوا قطيعة واضحة مع السلطة الثقافية الرسمية، تتجلى في انسحابه من حفل تكريم رسمي في معرض القاهرة للكتاب عام 2003، احتجاجًا على غزو العراق والتطبيع مع إسرائيل، في مشهد على بساطته إلا أنه كان مركبًا وفاضحًا لكل تلك المؤسسة المتواطئة. فلم تكن هذه مجرد لفتة رمزية، بل امتداداً لموقف بنيوي يرى أن دور المثقف لا يمكن أن يكون تبرير السلطة أو الصمت على جرائمها، بل مساءلتها وكشف بنيتها القمعية.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لعلها كانت القاهرة إذن، هي بداية علاقتي معه؟</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمتد ظل القاهرة عميقًا وبعيدًا في أعمال صنع الله إبراهيم لا بوصفها مجرد مسرح للأحداث السردية، بل ككائن حي يحمل ذاكرة المدينة وجراحها وتشوّهاتها الاجتماعية والسياسية. المدينة ليست خلفية روائية باردة أو حاوية للحدث السردي والروائي فقط، بل مكون بنيوي في المشروع السردي للصنع الله، تُمثل مرآة صادقة لانكسار المجتمع المصري وتحولاته الطبقية في ظل صعود النيوليبرالية وتراجع مشروع الدولة الوطنية، المسماة جزافًا "ما بعد استعمارية". في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">ذات</span></i><span style="font-weight: 400;"> على وجه الخصوص، تصبح القاهرة ميدانًا سرديًا يعكس التاريخ الاجتماعي لمصر من الستينيات إلى نهاية الثمانينيات، حيث تتبع الرواية عبر البطلة "ذات عبد المجيد" تفاصيل الحياة اليومية في أحياء مثل العباسية وحلمية الزيتون ومدينة نصر، وهي أحياء كانت يومًا ما رموزًا للصعود الطبقي ثم صارت شاهدة على انحداره. تزدحم الرواية بوصف دقيق لحياة الطبقة المتوسطة المصرية وهي تنكسر بين مطرقة الغلاء وسندان البيروقراطية، وانهيار منظومات القيم بفعل السادات وانفتاحاته، فنقرأ مثلاً:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"شقة صغيرة في الطابق الحادي عشر... المصعد لا يعمل إلا نهارًا، ويفسد كثيرًا، والمياه تنقطع معظم الوقت، ولا يُمكن فتح النافذة بسبب العوادم".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">العمارات المتشققة، والمصاعد المعطلة، وانقطاع المياه، ليست مجرد تفاصيل واقعية، بل رموز سردية لانهيار بنية الدولة والمجتمع معًا، وانكشاف زيف الحداثة المعمارية في ظل غياب الحداثة السياسية. هذا التوتر بين الشكل والجوهر يتكرر في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">أمريكانلي</span></i><span style="font-weight: 400;">، حين يختبر البطل القاهرة من خلال مسافة مكانية ونفسية بعد إقامته في الولايات المتحدة. إذ تتحول القاهرة في نظره إلى مدينة خانقة، خالية من المعنى، تدار فيها الحياة بروتينية بيروقراطية قاتلة، ويتحول سكانها إلى كائنات تائهة، تسير وسط الزحام والضجيج في صمت مطبق. يقول الراوي بمرارة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"الزحام خانق، المواصلات متهالكة، الوجوه شاحبة، والعيون زائغة كأنهم يعيشون تحت تهديد دائم... القاهرة التي أعرفها صارت مدينة تطرد أبناءها".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تعكس الرواية الانفصام بين الخطابات الرسمية التي تروّج للانفتاح والتحديث، وبين واقع يومي تسوده البطالة والفساد والانهيار الخدمي والأخلاقي. العودة إلى القاهرة في هذا السياق لا تشبه عودة الابن إلى حضن الوطن، بل هي أشبه بالسقوط في هوة لا قرار لها، حيث تغيب الكرامة وتتحول الهوية إلى عبء ممارساتي يومي من التفاوض والمقايضة. أما في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">العمامة والقبعة</span></i><span style="font-weight: 400;">، التي تعود إلى بدايات القرن العشرين، فتظهر القاهرة بصيغة مغايرة من حيث الزمان ولكنها متصلة من حيث البنية النقدية. تُقدَّم المدينة بوصفها ساحة يتقاطع فيها الاستعمار البريطاني مع تقاليد المؤسسة الدينية والأزهرية، ومع بذور المشروع الوطني المصري الناشئ. ويكتب الراوي في تأمل حزين:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"وسط القاهرة الخديوية الفخمة، كان السراي الإنجليزية تُشيد جدرانها البيضاء، فيما الأزهر ما يزال يعج بأصوات الشيوخ الغاضبين من آلة التصوير".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذ تمتد هذه الصورة إلى القاهرة الحالية التي يراد لها أن تكون مدخلًا لقاهرة الجنرال الإدارية الجديدة، بعد أن بيعت شواطئ البلاد وصحراؤها. فلا تغيب في هذه الرواية مظاهر التناقض الصارخ بين محاولات النخبة للنهضة والانعتاق من جهة، وبين استمرار البنية التحتية للهيمنة والتبعية من جهة أخرى. تقف القاهرة في هذه الرواية كموقع رمزي لصراع الهويات: هوية تسعى إلى التحرر والسيادة، وأخرى تستبطن منطق الاحتلال والجمود في آن معًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن الأدوات السردية التي يوظفها صنع الله لتصوير المدينة تقوم على التوثيق شبه الصحفي، والملاحظة اليومية الحادة لتفاصيل الحياة اليومية الدقيقة، التي قد لا يعبأ بها الكثيرون بقدر ما تستغلها السلطة، ما يجعلها بهذا الموقع امكاناً مقاومًا (هنا تعرفت إلى آصف بيات، وحديثه عن مقاومات الحياة اليومية في القاهرة والتي راكمت إلى ثورة 2011).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذ يستخدم صنع الله لغة تقريرية في ظاهر، إلا أنها مشحونة بكثافة رمزية تكشف عن عمق التدهور الحاصل في العمران، في اللغة، في العلاقات الإنسانية، وحتى في الأمل. التفاصيل الصغيرة – لافتات الشوارع، أصوات الباعة، إشارات المرور، رائحة المجاري – تتحول في نصوصه إلى مؤشرات لانهيار المعنى الكلي للحياة في المدينة. ومن خلال سخرية سوداء تقترب أحيانًا من الكوميديا السوداء، يفكك الكاتب خطاب الحداثة الرسمية، كاشفًا عن مدينة تتقدم عمرانيًا ولكنها تتفسخ اجتماعيًا، وعن رأسمالية ترفع شعارات الحرية بينما تنتج أشكالًا جديدة من القمع والاغتراب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ففي "</span><i><span style="font-weight: 400;">اللجنة"</span></i><span style="font-weight: 400;">، نقرأ وصفًا دقيقًا لمكاتب إحدى المؤسسات التي تمثل "اللجنة العليا" الغامضة التي تحكم كل شيء:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"ممرات طويلة، غرف بلا نوافذ، موظفون بوجوه خاوية لا يرفعون أعينهم عن الأوراق... لم يكن هناك شيء سوى رائحة الورق القديم والرطوبة، والبيروقراطية الخانقة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا، لا تظهر القاهرة في أدب صنع الله إبراهيم كمدينة فقط، بل ككيان اجتماعي وسياسي، ومختبر لتجريب السياسات الكبرى على الناس الصغار. فهي حاضرة دائمًا بوصفها مرآة للسلطة، وميدانًا للصراع الطبقي، ومقياسًا لانهيار أو بقاء فكرة الوطن. ومن ثم، فإن القاهرة عند صنع الله ليست فقط عاصمة مصر، بل هي خلاصة المشروع العربي في لحظات انحداره، وتجسيد حسيّ لانكسار الحلم في المدينة التي كانت يومًا ما رمزًا للتنوير، فصارت مسرحًا للعبث والتكرار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولأن المدينة هي ظاهرة تعاقدية كتابية ارتبطت بالرواية تاريخيًا، لا بالحكاية، نرى في أدب صنع الله إبراهيم تعاقدات الفنون الكتابية، إذ اعتمد في العديد من رواياته على التوثيق شبه الصحفي للأحداث، والصحافة والطباعة بدايات التمدن الحديث. فنراه يدمج بين الخيال والسرد التاريخي، مستعينًا بمقاطع من الصحف والوثائق الرسمية، في محاولة لمراكمة قراءة مغايرة للخطاب بالمنطق الفوكوي (على علات الأخير).  يتجلى هذا بوضوح في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">ذات</span></i><span style="font-weight: 400;">، التي تتتبع تحولات مصر من عهد عبد الناصر حتى عهد مبارك من خلال شخصية أنثوية بسيطة، تمثل المصري "العادي" الذي يختبر كوارث الانفتاح الاقتصادي وصعود النيوليبرالية، على جسدها.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لعله الاستعمار، إذن؟</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كفلسطيني ومصري، أجدني مشدودًا إلى مدن سلبها مني الاحتلال (يافا)، وأخرى بمجزرة وزوار الفجر ومجزرة (القاهرة)، وأخرى لم يُسمح لها بأن تدخل هويتي (ظفار)، وما بينهم رابط لم ينقطع بمسميات باذخة: الاستقلال، لكن عمن استقلت الدولة العربية الحديثة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مشهد رمزي من </span><i><span style="font-weight: 400;">أمريكانلي</span></i><span style="font-weight: 400;">، يعود البطل إلى مصر، ويصف عبوره من المطار إلى وسط المدينة، فيلاحظ أن كل شيء "أصبح رماديًا": وجوه الناس، جدران المباني، حتى الهواء نفسه. وبينما يتنقل بسيارة أجرة عبر الطرق الممتدة من المطار إلى وسط القاهرة، تتقافز في ذهنه المقارنات بين النظام العام في الغرب، والفوضى في المدينة التي نشأ فيها، لكنه يدرك في لحظة حادة أن هذه الفوضى ليست قدرًا، بل نتيجة لهيمنة داخلية واستعمار ناعم مارسه "الداخل" و"الخارج" معًا. في هذا السياق، لا تظهر القاهرة فقط كموقع للسلطة، بل كمجال مستباح من قِبل القوى الإمبريالية التي لم تغادر يومًا، وإن غيّرت أدواتها. يقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"نفس اللافتات التي كانت تروّج للاشتراكية تروج الآن للاستثمار الأجنبي... كأن القاهرة لم تُحرر قط، بل فقط غيّرت سادتها".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتعامل صنع الله إبراهيم مع القاهرة أيضًا كخط مواجهة رمزية ضد الاستعمار. صحيح أن الاشتباك مع قضايا التحرر الوطني يأخذ طابعًا أكثر حدة في روايات مثل </span><i><span style="font-weight: 400;">شرف</span></i><span style="font-weight: 400;"> و</span><i><span style="font-weight: 400;">العمامة والقبعة</span></i><span style="font-weight: 400;">، لكنه يتخلل أيضًا صورة المدينة بوصفها حاضنة لثقافة المقاومة، ومسرحًا لصراع طويل مع النفوذ الأجنبي. ففي </span><i><span style="font-weight: 400;">العمامة والقبعة</span></i><span style="font-weight: 400;">، تُصوَّر القاهرة أوائل القرن العشرين كموقع استعمار مزدوج: سياسي بريطاني، وثقافي تقليدي، يتصارع فيه الضباط الإنجليز مع الشيوخ والأزهريين والمثقفين الليبراليين، ضمن جدلية عميقة حول من يملك حق تشكيل الهوية المصرية. تتكرر الإشارة إلى الأحياء كعلامات على النفوذ السياسي؛ فـ"جاردن سيتي" لا تعني مجرد حي راقٍ، بل "منطقة النفوذ البريطاني"، بينما "شارع الأزهر" يصبح رمزًا للممانعة الدينية التقليدية التي لم تستطع إنتاج مشروع تحرري مستقل. والآن يعيد التاريخ نفسه، مع انتشار شائعات عن بيع منطقة وسط القاهرة لرجل أعمال إماراتي، كان عرابًا للصهاينة، حتى في حرب إبادة، أعادت ترتيب الجغرافيا السياسية للمنطقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول الراوي في تأمل تاريخي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"كانت القاهرة مستعمرة بأشكال مختلفة: الجنود في الشوارع، الصحف الناطقة بالإنجليزية، والطلبة الذين يرتدون القبعة ويحلمون بالهجرة. لم تكن حرب التحرير فقط في الجبل أو الريف، بل كانت في هذا الشارع، في هذه اللغة، في هذه المدينة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتستمر هذه الرؤية في </span><i><span style="font-weight: 400;">شرف</span></i><span style="font-weight: 400;">، الرواية التي يمثل السجن فيها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، ويضم داخله أنماطًا من القمع والتمييز شديدة الارتباط بالنظام العالمي والاستعمار الجديد. من بين الشخصيات الرئيسية في الرواية، يظهر "رِضا الأفغاني"، الشاب الذي قاتل في فلسطين وظفار وأماكن أخرى، ويحمل في داخله سردية مختلفة عن مصر والعالم، تنبع من التجربة الحية للمقاومة المسلحة ضد الاستعمار والاحتلال. في حواراته مع البطل، يكشف عن أن القاهرة لم تكن فقط عاصمة دولة، بل كانت دومًا ميدانًا لاستقطاب نخب فاسدة، وإجهاض الحركات التحررية. يقول رضا في أحد المقاطع:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"عندما عدت من ظفار، ووجدت القاهرة كما هي، أدركت أن العدو ليس فقط هناك في الجبال، بل هنا... في هذا العفن المعلق بين السلطة والناس".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا يتحول فضاء المدينة إلى بؤرة للتناقض بين التحرر الظاهري والاستعمار المقنّع، بين شعارات الوطنية والممارسة اليومية التي لا تختلف كثيرًا عن شروط الهيمنة الأجنبية. يتمدد هذا التناقض ليشمل حتى المؤسسات الأكاديمية والثقافية، التي تظهر في </span><i><span style="font-weight: 400;">أمريكانلي</span></i><span style="font-weight: 400;"> كواجهات مدنية لنوع جديد من السيطرة، أكثر نعومة، لكنه أكثر تغلغلًا، إذ يُعاد إنتاج النخبة المصرية في جامعات أمريكية التمويل، داخل مبانٍ تقع في قلب القاهرة، وتعمل وفق مناهج الغرب وتطلعاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المدينة عند صنع الله إبراهيم إذًا ليست فقط رمزًا لانهيار الداخل، بل مرآة للاحتلال المستمر بأشكاله المختلفة – عسكريًا في الماضي، واقتصاديًا وثقافيًا في الحاضر. من القاهرة كتب عن ظفار، ومن خلالها عبر إلى فلسطين، وبها استعاد مركزية بيروت كمكان مقاومة لاجئ، ثم عاد ليحاكم الجميع من قلب هذه المدينة المنهكة، التي لم تعد تعرف لمن تنتمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبين مشهد شارع مكتظ بأعلام "الشركات متعددة الجنسيات"، وبين حوار في مقهى شعبي عن الخبز والبنزين، تُولد في سرد صنع الله طبقة رقيقة من الحنين المقاوم، لكنها لا تتورط في الرومانسية. فالمدينة لا تستعاد كما كانت، بل تُكشف كما هي: محاصَرة، مرصودة، ومخترقة، لكنها لم تُهزم بالكامل بعد. وفي هذه المساحة الرمادية، يمارس الأدب – لا السياسي ولا العسكري – فعله الرمزي الأكبر: استعادة الذاكرة التحررية في قلب مدينة مُحتلة بتواطؤ أهلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولأن الكتابة والمدينة عمليات انتاج، فأي كتابة-مدينة تلك التي تعرفت إلى صنع الله فيها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في رواية "</span><i><span style="font-weight: 400;">اللجنة"</span></i><span style="font-weight: 400;">، يبلغ مشروع صنع الله إبراهيم ذروته من حيث التكثيف الرمزي والسخرية السياسية، ولكن ما يميّز هذه الرواية، إلى جانب بعدها الكافكاوي، هو أنها تمثل نموذجًا للكتابة بوصفها فعل ترتيب مقاوم لفوضى الوجود عبثيته، ولممارسات السلطة التي تصوغ الواقع وتُحكم قبضتها عليه عبر بيروقراطياتها، وأجهزتها، ولغتها الخاصة ومخيالها الأجدب. ليست الكتابة عند صنع الله ترفًا أدبيًا، ولا أداة للتماهي مع الأشكال الجمالية السائدة في الأدب، بل هي ممارسة مادية وشبه أرشيفية، تنبع من اليومي العربي، لتعيد تنظيم العلاقة بين الذات والتاريخ، بين الإنسان والمؤسسة، وبين النص والسلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا تتجاوز كتابته التخييل السياسي أو السرد الرمزي، لتُقدَّم بوصفها تفكيكًا عميقًا لاستعمارية مناهج الأرشفة الحديثة. فبدل أن يعيد إنتاج الوثيقة التاريخية بوصفها مصدرًا للسلطة المعرفية، يقوم بإدماجها داخل نسيج سردي يُفرغها من سلطتها الأصلية، ويُعيد توجيهها نحو وظيفة تحريضية، وتحررية، متعددة الحقول.ـ تستثير الإنساني فينا قبل غيره. في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">ذات</span></i><span style="font-weight: 400;"> مثلًا، تتجاور مقاطع من الصحف القومية مع السرد الروائي، لكن هذه المقاطع لا تعمل كأدلة أو شواهد، بل كجزء من تفكيك الوعي الزائف الذي تنتجه السلطة الخطابية الرسمية، وتغرسه في لاوعينا كذوات مواطنية. الخبر الصحفي هنا ليس "مصدرًا"، بل كائنًا لغويًا يكشف عن التلاعب بالوقائع، وتحوير اللغة، وتحويل التاريخ إلى واجهة مزيّفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن دمج الوثيقة في النصوص السردية عند صنع الله لا يسعى إلى "صدق الوقائع"، بل إلى زعزعة احتكار السلطة للحقيقة، تمامًا كما لا تُستخدم المدينة في رواياته كديكور مكاني، بل كحقل اشتباك رمزي، واقتصادي، وأخلاقي. وبهذا المعنى، فإن مشروعه الأدبي يقدم نفسه بوصفه نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بـ"السرد المضاد للأرشفة الكولونيالية الرسمية"، حيث لا يكون الأرشيف سجلًا لتاريخ موحَّد ومأذون به، بل فضاءً تُحرّر فيه الذاكرة من الخطاب المهيمن، وتُعاد فيه كتابة الحاضر بوصفه موضع نزاع مفتوح على التأويل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويُضاف إلى هذا الطابع، أن صنع الله لا يلتزم بالحدود الأجناسية الصارمة؛ فالرواية عنده ليست شكلًا سرديًا فنيًا فقط، بل حقل تداخل معرفي وأجناسي: بين التقرير الصحفي، والمقال السياسي، والمقابلة، والتاريخ الشفوي، والوثيقة المؤرشفة، والمتخيل السردي. هذا الانفتاح على تعدد الأشكال لا يُعَدّ خيارًا أسلوبيًا وحسب، بل هو موقف فكري ضد التجنيس الاستعماري للمعرفة، الذي يفصل بين الخبر والخيال، بين الوثيقة والحياة، بين السرد والحدث، في حين أن مشروع صنع الله يعيد مزج هذه الحقول كي يُنتج معرفة هجينة، وغير قابلة للتصنيف المؤسسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبذا، يصبح أدب صنع الله إبراهيم ليس فقط أداة لسرد المدينة، أو تشريح النظام السياسي، بل أيضًا منظومة تفكير متمردة على بنى المعرفة الموروثة من الاستعمار: أرشفة، تصنيفًا، تأريخًا، وضبطًا، والأهم خطابًا. فكما تفكك رواياته بنية القاهرة بوصفها "مدينة محروسة"، تراقب وتُراقب، وتحكم من خلال المعمار والزحام والجسد، فإنها أيضًا تفكك بنية التاريخ بوصفه نصًا مغلقًا، وتعيد فتحه على الممكن، والمسكوت عنه، والمقموعة أصواتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا تتكامل المقاومة على مستويين: في المدينة، حيث تمارس السلطة قمعها المكاني والاجتماعي والطبقي، وفي النص، حيث تمارس الأرشفة الحديثة قمعها الرمزي والخطابي. وبين هذين الخطين، تنتصب كتابة صنع الله إبراهيم كفعل مزدوج: تفكيك للواقع بوصفه كولونياليًا في جوهره، وإعادة تخييل للكتابة بوصفها أداة تحرر لم تزل قابلة للاستعادة.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لم أجده بعد!</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رحل صنع الله إبراهيم في عامنا الدامي هذا، لكنه ترك وراءه نموذجًا نادرًا للمثقف المشتبك، حيث المدينة العربية تبدأ من غزة وتمر ببيروت والقاهرة وظفار لتعود إلا غزة. لم يكن كاتبًا فقط، بل شاهدًا تاريخيًا، ومؤرخًا سرديًا للانهيارات الكبرى في العالم العربي، وصوتًا واضحًا في زمن التباس الأصوات وتواطؤ المهزومين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تجربته تُشكل درسًا حيويًا في دور الأدب في مقاومة السلطة، وتوثيق التاريخ، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية. وفي زمن الانحدار السياسي والثقافي، يظل صنع الله إبراهيم أثرًا يشير إلى أن أدب لا يزال ممكنًا بوصفه موقفًا وأداة تغيير والتحرر.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">.كُتبت هذه الأسطر دون إحالات مرجعية، في محاولة للتخفف أثناء تتبع أثر صنع الله إبراهيم</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36593">القاهرة: في أثر صنع الله إبراهيم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فصل من رواية &quot;لا بريد إلى غزة&quot;: بين رياضة الباركور وحفر القبور</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36084</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد جبعيتي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 07 Aug 2025 11:43:39 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36084</guid>

					<description><![CDATA[<p>صدرت حديثاً عن دار الآداب في بيروت. قبرٌ يضيق كلَّما أعملتُ فيه معولي لن نتحرَّر من المخاوف إلَّا باقتحامها شاهدة قبر المرحوم العدَّاء زكريا حسني عايش الدبس &#160; ما إن اقتربتُ من المقبرة حتى فتحتِ السماء أبوابها بهطولاتٍ غزيرة.  مشيتُ ببطءٍ بين شواهد القبور بجزمتي المهترئة، خائضًا في الوحل.  مقبرةٌ إسلاميَّةٌ تضمُّ آلاف القبور في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36084">فصل من رواية &quot;لا بريد إلى غزة&quot;: بين رياضة الباركور وحفر القبور</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;">صدرت حديثاً عن دار الآداب في بيروت.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: center;"><strong><span style="color: #ff0000;">قبرٌ يضيق كلَّما أعملتُ فيه معولي</span></strong></p>
<p dir="rtl">
<p dir="rtl">لن نتحرَّر من المخاوف إلَّا باقتحامها</p>
<p dir="rtl">شاهدة قبر المرحوم العدَّاء زكريا حسني عايش الدبس</p>
<p>&nbsp;</p>
<p dir="rtl">ما إن اقتربتُ من المقبرة حتى فتحتِ السماء أبوابها بهطولاتٍ غزيرة.  مشيتُ ببطءٍ بين شواهد القبور بجزمتي المهترئة، خائضًا في الوحل.  مقبرةٌ إسلاميَّةٌ تضمُّ آلاف القبور في صفوفٍ متوازية، محاطةٌ بجدارٍ إسمنتيٍّ وأشجار سروٍ وصنوبر. بعض القبور مبنيَّةٌ من الحجر الأبيض، وبعضها الآخر تربته رمليَّةٌ حمراء، مطوَّقةٌ بالطوب، بشواهد رخاميَّةٍ بيضاء مغسولةٍ بالمطر، تعلوها كتاباتٌ أفقيَّة، يجاورها اسم الميِّت، وتاريخ وفاته، وآيةٌ قرانيَّة. لاحقتُ بهوسٍ هذه الكتابات طيلة سنوات، زرتُ خلالها عشرات المقابر، ودوَّنتُها في دفترٍ خاصّ.</p>
<p dir="rtl">وجدتُ بقعةً خاليةً قرب آخر قبرٍ من الناحية الشرقيَّة. أحسستُ بها تناديني لأُعمِلَ فيها معولي. ثمَّة مساحاتٌ في المقبرة تصل مرحلة النضوج، كالبشر تمامًا، وتصبح مهيَّأةً لاستقبال الجثامين.</p>
<p dir="rtl">مشيتُ إليها ومعي عدَّة الحفر. وقفتُ فوق البقعة المستوية، التي ستتحوَّل إلى حفرةٍ بعد لحظات. تأمَّلتُها بخشوع، كفنَّانٍ يقف أمام لوحته، ثم أخرجتُ أداة القياس وأخذتُ المقاسات. وضعتُ أربعة أحجارٍ صغيرةٍ لتحديد زوايا القبر؛ بُعداه متران طولًا، و80 سنتيمترًا عرضًا.</p>
<p dir="rtl">قبضتُ على المعول بقوَّة، وضربتُ به الأرض الرمليَّة. رنَّ صوت الضربات في فضاء المقبرة، عميقًا وقاسيًا، كأنَّه ينبثق من جوف الأرض. لم أحتَج عزمًا كبيرًا، احتجتُ ما يكفي فقط لتحطيم القشرة الرقيقة التي تصلَّبت بفعل خطو الناس فوقها. وباستخدام المجرفة رفعتُ التراب، وألقيتُ به إلى جانبَي الحفرة.</p>
<p dir="rtl">بخلاف ما هو متوقَّعٌ من أنَّ الحَفر عمليَّةٌ رتيبةٌ وعديمة الجدوى، وجدتُ في هذا العمل المتكرِّر متعةً فائقة، وممارسةً تأمُّليَّةً لتصفية ذهني. ما إن أبدأ بالحَفر حتى أنفصل عن واقعي، فأحفر عميقًا في عالمٍ أشدَّ غموضًا وغرابة.</p>
<p dir="rtl">أشعر بدفء الحفرة الغائرة كما لو أنَّني في حضن أمِّي، وأجدها في غاية التماسك والعمق. الأهمُّ أنَّ القبر حقيقيٌّ لم يأكله الزيف، كما هي حال بيوت الأحياء. قليلون مَن يتجرَّؤون على النزول في حفرةٍ ستغدو قبرًا، ما يجعل مهنتي مختلفةً عن غيرها.</p>
<p dir="rtl">تنتهي عمليَّة الحفر في ظرف ثلاث ساعاتٍ أو أربع على الأكثر، لكنَّ هذه الحفرة ظلَّت تضيق كلَّما أعملتُ فيها معولي، ولا تتَّسع إلَّا قليلًا. استمرَّيتُ في دكِّ الأرض العنيدة دكًّا عنيفًا. شعرتُ بالخوف، وأقنعتُ نفسي بأنَّني أتوهَّم أو أشعر بالدوار. جلستُ على كومة الطين لأستريح وألتقط أنفاسي وأشرب بعض الماء، وغنَّيتُ أغنيةً عن الوحدة ومتعة الحفر: » أنا وحيد... أحفر في الأرض الباردة قبرًا... أنا وحيد... ما أجملها من لحظة... مكاني في حفرة... عالمي وبيتي... أنا وحيد... أحفر في الأرض الباردة قبرًا«.</p>
<p dir="rtl">انتصف النهار وما زلتُ أحفر في الأرض الموحلة، وقدماي تغوصان في الوحل، فيما رشقات المطر التي لا تكاد تتوقَّف تزيد العمل صعوبة. كان الحفر مضنيًّا هذه المرَّة. عكفتُ ألاحق التراب اللزج مثل كلبٍ سائب. شعرتُ بأن وقتًا طويلًا قد مرَّ من دون تحقيق أيِّ تقدُّم. خفتُ أن يتحوَّل أكثر كوابيسي رعبًا إلى حقيقة؛ أن أظلَّ أحفر بلا نهاية.</p>
<p dir="rtl">استحضرتُ ما قاله لي والدي: » بعض القبور تعاندكَ أثناء الحفر بسبب سوء أعمال المتوفَّى، كأنَّها تستعجل الضيق والإطباق على جسده، والعياذ باللَّـه، حينها عليكَ بالدعاء وقراءة القرآن. «  انتبهتُ إلى شناعة فعلي بالغناء أثناء تجهيز القبر، فاستعذتُ وقرأتُ سورًا من جزء عمَّ.</p>
<p dir="rtl">تعبتُ حدَّ الإعياء، وجلستُ غير قادرٍ على مواصلة الحفر. أحسستُ بحركةٍ خلفي، فوجدتُ موكب الجنازة قد وصل إلى بوَّابة المقبرة. أدركتُ الورطة التي وجدتُ نفسي فيها حالما اقترب المشيِّعون من القبر، لكنَّ الغريب أنَّ أحدًا منهم لم يلتفت نحوي. نظرتُ بدهشةٍ إلى القبر بأبعاده الطبيعيَّة، ورأيتُ أنَّه أجمل قبرٍ حفرته في حياتي.</p>
<p dir="rtl">احتشدت السماء فجأةً بغيومٍ سوداء ثقيلة، وهبَّت ريحٌ قويَّةٌ عصفت بأشجار السرو والصنوبر التي تحيط بالمقبرة. سمعتُ صوت غراب، وتمتمات أدعيةٍ وصلوات. تجمَّع حول الحفرة عددٌ غفيرٌ من الناس يرتدون معاطف ثقيلة، ومن خلال فرجةٍ بين أرجلهم لمحتُ الجثَّة الهامدة بكفنها الأبيض. كانت مرميَّةً بإهمال، تنتظر لحظة الدفن التي تأخَّرت.</p>
<p dir="rtl">التفت الرجال صوبي، ناظرين إليَّ نظراتٍ غريبةً وكئيبة، كأنَّها تدعوني لفعل شيءٍ ما. وعندما انتبهوا إلى المجرفة الوحيدة التي تعلو كومة الطين، أدركتُ أنَّهم يحتاجون مساعدتي. أنزلوا الجثمان في القبر، ووضعوه على جانبه الأيمن، رأسه ناحية القِبلة. ثم غرزوا ألواح الدعامات واحدةً بعد أخرى، ربَّما لتمنعه من الهروب، أو لتحميه من أعداءٍ مجهولين. سدُّوا الفراغات بين الألواح بكُرَات الطين، وهالوا فوقه التراب الذي أخرجته من القبر، ثم ثبَّتوا شاهدتَيْن في الأرض؛ زرعوا الأطول عند رأسه، وحملت اسمه وتاريخ وفاته، فيما غرزوا الأخرى عند قدمَيْه.</p>
<p dir="rtl">مشيتُ فَزِعًا صوب البوَّابة، أبحث عن علبة السجائر في جيب سترتي.  أخرجتُ سيجارةً والتهمتها بنهم. كنت جائعًا للنيكوتين، ودمي يطلبه بجنون. حوَّلت صدري إلى مدخنةٍ مليئةٍ بالسُّخام، بعد ساعاتٍ مضنيةٍ أتلفتُ فيها أعصابي، وأرقتُ عرقًا كثيرًا لأنَّني لم أفهم ما جرى.</p>
<p dir="rtl">ما إن دخلتُ البيت حتى ولجت الحمَّام، وفتحت الدُّش ليتدفَّق منه الماء الساخن. هرولتُ إلى غرفتي أبحث عن الأغطية الصوفيَّة. فردتُها على السرير، وفتحتُ الدُّرج وأخرجتُ منه علبة أقراصٍ منوِّمة. ابتلعتُ قرصًا، وأطفأتُ لمبة الغرفة. ارتميتُ على الفراش وتدثََّرتُ بالأغطية. شعرتُ ببردٍ شديدٍ ينخر عظامي.</p>
<p dir="rtl">بقيتُ نائمًا طيلة فترة ما بعد العصر، وعندما استيقظت شعرت بصداعٍ رهيب.  وضعت الركوة على النار لأُحضِّر القهوة، وجلست على كنبة الصالون أُنقِّل نظري بين أفراد أسرتي الذين طبعت صورهم في مكتبةٍ قريبة، وعلَّقتها على حائط الصالون. ألصقت صورة أمِّي في الأعلى، ثم رتَّبت صور أخي وأخواتي تحتها لتُشكِّل مثلَّثًا. اعتدت الجلوس وأنا أشرب القهوة متأمِّلًا وجوههم، لأُجدِّد حواري معهم وأسمع أصواتهم.</p>
<p dir="rtl">وجه والدي خارج مجموعة الصور، يمثِّل في ذهني قطعة رخامٍ لا توحي بشيء. ليس راضيًا ولا غاضبًا، وليس سعيدًا ولا حزينًا. يبدو وجهًا رصينًا، يتهيَّأ لتأدية واجبه في الخدمة العسكريَّة.</p>
<p dir="rtl">لمَّا ذهبت إلى السرير، رأيت أخي في حلمٍ مُقتبَسٍ من حفري للقبر الذي يضيق كلَّما حفرته. وجدتني واقفًا بمحاذاة قبرٍ ومن حولي المشيِّعون. سألتهم: لمن هذه الجثَّة؟ لم يجِبني أحد. لماذا أنا حزينٌ إلى هذا الحدِّ على الميِّت، إن كنت لا أعرفه؟ تناهى إلى مسمعي دعاء أحدهم:  »اللَّـه يرحمك يا أحمد! «، وأضاف آخر:» اللَّهم اجعلها روضةً من رياض الجنَّة، ولا تجعلها حفرةً من حفر النار«.</p>
<p dir="rtl">وقفتُ فوق الجثَّة، وشعرتُ بأعضائي قد تصلَّبت. انحنيت بصعوبةٍ لأتأكَّد من هويَّتها، وكشفت الغطاء عن وجهه. أبصرت وجهًا يفيض بابتسامةٍ مشرقة، وكأنَّه ما زال على قيد الحياة. شاهدت حاجبَيْه الكثيفَيْن الأسودَيْن كما عرفتهما دائمًا، لكنَّهما كانا هذه المرَّة فوق جفنَيْن مسبلَيْن.</p>
<p dir="rtl">حدَّقت في وجهه بتركيز، ثم مرَّرت أصابعي على خدَّيْه وأنا أهمس باسمه باكيًا. تساقطت دموعي لتغسل وجهه، وكنت أصرخ بحرقة، حتى تحوَّلت الدموع إلى نهرٍ انحدر نحو القبر. إنَّه أخي أحمد الذي انتظرت عودته منذ سنوات. كيف عاد من غيبته الطويلة؟ كيف هرب من ثلَّاجة الموتى وحرَّاس الجثث؟</p>
<p dir="rtl">فجأة، فتح عينَيْه ونظر إليّ. سألته:</p>
<p dir="rtl">ـ أحمد، هل تسمعني؟</p>
<p dir="rtl">ـ طبعًا، أسمعك.</p>
<p dir="rtl">ـ ماذا تفعل هنا؟</p>
<p dir="rtl">ـ حبسوني في هذا الكفن، أرجوك حرّرني!</p>
<p dir="rtl">حين همَمتُ بتحريره من الكفن، تقدَّم نحوي رجلان ضخمان وسحباني إلى الخلف. أبصرت عينَيْه وهما تنفتحان على الضوء قبل أن تختفيا، ويتحلَّل وجهه ليبقى منه جمجمةٌ عارية.</p>
<p dir="rtl">صرخت بهم أنَّ أخي حيّ، لكنَّهم أطبقوا عليَّ بقبضاتهم القاسية وهم يذكِّرونني باللَّـه. حملوه إلى القبر. أطلقت صراخًا يشبه العواء، لم يستجيبوا له. ظنُّوا أنَّني أتوهَّم، وقطعوا الأمل في دفني له، ثم هبط ظلامٌ كثيف.</p>
<p dir="rtl">كان بوسعي فعل شيءٍ ما بدل تركه بين أيدي أولئك الغرباء والاكتفاء بالصراخ، غير أنَّني تركتُه مهمَلًا وتخلَّيتُ عنه. لو أنَّ الموت لم يوجد، ولو لم أكن موظَّفًا لدَيْه! شعرت بأنَّني أختنق. أَسَألتُهُ يومًا: ما بك؟ لِمَ تجاهلتُهُ واعتقدتُ أنَّني محور الكون؟ يا إلهي، كم كنت أنانيًّا؟ الآن، في لحظة الموت، أتمكَّن من رؤية الأشياء على حقيقتها.</p>
<p dir="rtl">هربت، كما اعتدتُ أن أفعل طيلة حياتي. خفتُ أن يقبضوا عليَّ ويلقوا بي في مستشفى المجانين. ركضت في مقبرةٍ واسعة، قفزت فوق القبور بشواهدها الرخاميَّة، وواصلت الركض حتى وجدت نفسي داخل حقل قمحٍ يغطِّي الأفق. شققت الحقل بجسدي المنهَك. بدا لي أنَّه من دون نهاية. شعرتُ بالدوار، فسقطتُ على الأرض.</p>
<p dir="rtl">فقتُ من نومي لاهثًا ومبلَّلًا بالعرق. مسحت وجهي بقماش البيجامة، وكانت الغرفة غارقةً في العتمة. شعرت برأسي ثقيلًا يكاد يتفجَّر ألمًا. مشيت بصعوبةٍ صوب نافذة الغرفة، وأزحت الستائر لأستكشف الجوّ. أدركت أنَّني في فترة الصباح. نظرت إلى الحوش الصغير المليء بفوضى الأثاث المستعمل، ونفايات الجيران، والأغصان الجافَّة.</p>
<p dir="rtl">جلست على حافَّة السرير، ونظرت صوب عقارب الساعة التي تقترب من الثامنة صباحًا. مشيتُ نحو الحمَّام، وغسلت رأسي بالماء البارد وحلقت ذقني. رنَّ هاتفي المحمول من نوع نوكيا. كان الرقم غريبًا، ما يشير إلى أنَّه ليس من معارفي.</p>
<p dir="rtl">ـ ألو.</p>
<p dir="rtl">ـ أهلًا.</p>
<p dir="rtl">ـ أعطاني رقمك أبو وليد، نريدكَ أن تجهّز لنا قبرًا قبل صلاة الظهر، ولن نختلف على الأجرة.</p>
<p dir="rtl">ـ كم عمر المرحوم؟</p>
<p dir="rtl">ـ إنّها جدّتي، ماتت في الخامسة والثمانين ... بسرعة أخي، لا تتأخّر.</p>
<p dir="rtl">خلعت بيجامتي، وأخرجت من أسفل الخزانة سروالًا رياضيًّا ممزَّقًا ومتَّسخًا ببقع، وكنزةً صوفيَّةً زرقاء، وسترةً جلديَّة، وسحبت طاقيَّةً سوداء من الدولاب وضعتها على رأسي.</p>
<p dir="rtl">بيتنا صغير، يتألفَّ من غرفتَيْن: الأولى لأمِّي وأبي، والأخرى لأخواتي الأربع. أمَّا أنا وأخي، فكنَّا ننام على أرضيَّة الصالون التي نفرشها بحصائر قشٍّ وسجَّادٍ رخيص. وينتهي الصالون بمطبخٍ يقع في زاويته. ورغم ضيق مساحة بيتنا، كنَّا محظوظين بوجود باحةٍ خلفيَّةٍ حوَّلتُها إلى ملعبٍ في صغري، تنبتُ في آخرها شجرة تينٍ كبيرة، لطالما تسلَّقتُها واختبأتُ بين أغصانها الكثيفة.</p>
<p dir="rtl">أخرجت بيضتَيْن من البرَّاد، وفقستهما في القلَّاية وتركتهما على النار. ووضعت على عين الغاز إبريق الشاي، فيما صففت على طاولة المطبخ صحون اللبنة وزيت الزيتون، ورغيف خبزٍ أخرجته من الثلَّاجة وسخَّنته.</p>
<p dir="rtl">بعد انتهائي من الفطور، تركت ركوة الماء حتى تسخن. مشيت باتِّجاه الباب المعدنيِّ في خلفيَّة المنزل، الذي يطلُّ على حوش البيت. فتحته لأطمئنَّ على عدَّة الحفر. وجدتها في مكانها. حملت دلوين بلاستيكيَّيْن أسودَيْن، داخلهما فأسٌ حادَّةٌ ومجرفةٌ بمقبضَيْن خشبيَّيْن طويلَيْن، وضعتهما بمحاذاة الباب لألتقطهما عند خروجي.</p>
<p dir="rtl">جلست إلى الطاولة أشرب فنجان القهوة، محدِّقًا من خلال زجاج النافذة نحو الحوش. استغرقت في التفكير بدلالات الحلم، وما عدت أسمع غير الأصوات داخل رأسي.</p>
<p dir="rtl">لم تكن المرَّة الأولى التي أحلم فيها بأخي. غالبًا ما تزورني أحلامٌ غير مكتمِلة، وإذا كنت محظوظًا وبقيت أتذكَّرها، فإنَّني أتمكَّن من تركيب الحلم بشكله النهائيّ، لذا مع نهاية الشهر أجد في رصيدي ثلاثة أحلامٍ أو أربعة.</p>
<p dir="rtl">الأسوأ أنَّ أخي لا يأتي في الحلم إلَّا مبتورًا؛ مرَّةً بلا رأس، ومرَّةً بلا ساق. وليست هذه الأحلام مجرَّد بقايا تتبدَّد مع خيوط الفجر الأولى وينساها الحالم أثناء النهار، بل إنَّها تدفعني إلى الجلوس والتفكير طيلة ساعات محاولًا فهم دلالاتها؛ فماذا يعني أن أحمل رأس أخي مقطوعًا عن جسده؟ أو أن أراه جثَّةً محترقة؟</p>
<p dir="rtl">لم أعرف أكثر ممَّا يتداوله الناس. قالوا إنَّه مقاتلٌ في «سرايا القدس»، الجناح العسكريُّ لحركة الجهاد الإسلاميّ، استُشهِد في اشتباكٍ عسكريٍّ مع قوَّاتٍ خاصَّةٍ إسرائيليَّةٍ خلال حرب عام 2012 على التخوم الشرقيَّة، واستطاع الجنود سحب جثَّته رغم كثافة النيران، ثم احتجزوها في ثلَّاجة موتى بانتظار صفقة تبادلٍ محتمَلة.</p>
<p dir="rtl">وهناك روايةٌ أخرى، يتبنَّاها عددٌ من المقاتلين، تشير إلى أنَّ طائرةً اغتالته بينما كان يُلقِّم إحدى منصَّات الصواريخ، فتمزَّق جسده وطارت قطع لحمه المحروق، وعَلِق بعضها بأغصان الأشجار المغبرَّة. وقالوا أيضًا إنَّ النفق الذي احتمى به أثناء المعركة تهدَّم، بعد أن قصفته طائرةٌ بصاروخَيْن ارتجاجيَّيْن.</p>
<p dir="rtl">شغَّلتُ التلفزيون، وأمسكت جهاز التحكُّم وقلَّبت بين القنوات الإخباريَّة. فشلتُ بالابتعاد عن متابعة الأخبار. منذ اختفاء أخي، داومتُ على الجلوس أمام شاشة التلفزيون أملًا في سماع خبرٍ عنه.</p>
<p dir="rtl">في غزَّة، لا يسير الوقت إلى الأمام، بل يدور حول نفسه داخل حلقةٍ مُفرَغة. تكرَّر الأخبار نفسها منذ سنوات: التحذير من عدوانٍ جديد، وعودٌ فارغةٌ برفع الحصار، لقاءاتٌ بين الفصيلَيْن الكبيرَيْن لإنهاء الانقسام، من دون أن تكون لديهما رغبةٌ حقيقيَّةٌ في تحقيق المصالحة.</p>
<p dir="rtl">رشفت رشفةً أخيرةً من فنجان القهوة، ثم نهضت ووضعت الفنجان في المجلى. غسلت الأطباق المتراكمة منذ الأمس، ثم توجَّهت نحو المدخل لأرتدي جزمتي الجلديَّة.</p>
<p dir="rtl">في الخارج كان البرد قارصًا، وهطلت الأمطار بسخاءٍ فأغرقت الطرقات وأزقَّة المخيَّم. بدت السماء مظلَّةً رماديَّةً كئيبة، تتزاحم فيها سحبٌ ثقيلة. شتاءٌ طويلٌ وبارد، يقول العجائز إنَّهم لم يعرفوا مثله طيلة حياتهم. عندما اجتزت عتبة البيت، استقبلني ضجيج طائراتٍ من دون طيَّار، وهي طائراتٌ لا تغادر أجواء غزَّة، تطنُّ فوق رؤوسنا مثل خليَّة نحل.</p>
<p dir="rtl">
<p dir="rtl"><img decoding="async" class="size-full wp-image-36085 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/WhatsApp-Image-2025-02-15-at-1.26.47-PM.jpeg" alt="" width="1280" height="904" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/WhatsApp-Image-2025-02-15-at-1.26.47-PM.jpeg 1280w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/WhatsApp-Image-2025-02-15-at-1.26.47-PM-300x212.jpeg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/WhatsApp-Image-2025-02-15-at-1.26.47-PM-1024x723.jpeg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/WhatsApp-Image-2025-02-15-at-1.26.47-PM-768x542.jpeg 768w" sizes="(max-width: 1280px) 100vw, 1280px" /></p>
<p dir="rtl">
<p dir="rtl">سلَّمتُ في طريقي على أصحاب محالِّ البقالة، الذين يدخِّنون السجائر ويشعلون الحطب في الكوانين وتنكات الزيت الفارغة، بعد أن أدخلوا بضاعتهم وعرضوها على مناضد خشبيَّة. وسلَّمتُ على أبي صبحي، صاحب مطعم الحمُّص والفلافل الذي أتردَّد عليه منذ طفولتي.</p>
<p dir="rtl">مشيتُ تحت زخَّات الأمطار صوب مقبرة الفالوجا، منتعلًا جزمتي الملطَّخة بالطين. وجدت الطريق موحلةً في بدايتها، ثم بدأت برك الماء تلوح لي. طويت طرفَي بنطالي استعدادًا لاجتيازها، وشتمت البلديَّة التي لا تفعل شيئًا لتحسين حياة الناس.</p>
<p dir="rtl">شاهدت البيوت المتهالكة على ضفَّتَي الطريق، التي تغرق في كلِّ شتاءٍ بفيضانٍ من المياه المتَّسخة، بينما يحاول أصحابها انتشال الماء لتخفيض منسوبها، وإنقاذ أثاث بيوتهم. كافح غالبيَّة أهل المخيَّم لتحسين بيوتهم، بعد أن كانت مجرَّد خِيَم، فحوَّلوها إلى علب إسمنتيَّة تعلوها ألواح الزينكو. قلَّةٌ منهم استطاعوا الخروج من المخيَّم والعيش في المناطق المجاورة، مثل بيت لاهيا وبيت حانون ومدينة غزَّة. أمَّا والدي، فلم يعرف غير التذمُّر والشكوى. اكتفى بالعمل في مهنةٍ ظلَّ يقول إنَّها شريفة، ولها أجرٌ عظيم، مع أنَّ النقود التي يكسبها لا تكفي لسداد ثمن طعام الأسرة.</p>
<p dir="rtl">غزت أنفي رائحة المجاري، والخضراوات العفنة، والطين الملوَّث بروث الحيوانات. رائحةٌ قويَّةٌ لا يمكن نسيانها حتى لو مرَّ عليها سنوات. بعد أن خرجت من المستنقع بسلام، دخلت شارعًا أفضل حالًا. على أحد الأرصفة، اصطفَّ عددٌ من العمَّال بانتظار وصول سيَّارةٍ لتقلَّهم. كانوا يدخِّنون، ويثرثرون، ويضحكون، ويشربون القهوة في أكوابٍ كرتونيَّة. أمَّا على الرصيف المقابل، فكانت سيَّاراتٌ متوقِّفة، وبسطات، وعرباتٌ تتدلَّى من أسقفها ملابس صوفيَّة، وأغطية رأس، وأشياء كثيرة.</p>
<p dir="rtl">واصلت سيري وأنا أحمل عدَّة الحفر، فقد كنتُ معتادًا الذهاب مشيًا مهما كانت الظروف أو الأحوال الجويَّة. هي الطريق ذاتها التي سلكها والدي، الذي ظلَّ يعلن دائمًا، ونحن ذاهبان إلى العمل:  «لن أُضِيع الحسنات التي يمكن أن أجنيها فأركبَ سيَّارة».</p>
<p dir="rtl">وجدت نفسي أمام تدوير الحياة نفسها، فقد كان يختنق ما إن يخرج من حياته التي أفنى معظمها في المقابر. لم يعرف غير قطاع غزَّة، بل إنَّه لم يخرج من مخيَّم جباليا غير مرَّاتٍ قليلة. التقينا في نهاية المطاف أنا ووالدي على هامش الحياة، على ضفَّتَي قبر.</p>
<p dir="rtl">أثناء حفري القبر، صادفتُ ثعابين بأحجامٍ متفاوتة، سوداء اللون، كان آخرها الأكبر حجمًا، بعينَيْن حمراوَيْن. شرح لي والدي أنَّ الثعابين تحبُّ العيش في جماجم الموتى، وأنَّها دليلٌ على سوء الخاتمة.</p>
<p dir="rtl">لطالما سمعت خلال عملي في المقبرة أصواتًا تشبه زمجرة الكلاب تتصاعد من القبور، وكنت أظنُّ أنَّها مجرَّد تخيُّلات، خاصَّةً أثناء تجوالي ليلًا. أحيانًا كنت أسمع أصوات جري، فأذهب لاستكشاف الأمر، لكن سرعان ما كانت تلك الأصوات تختفي. فسَّر بعض الشيوخ ذلك قائلين إنَّها لعُصاةٍ تهاجمهم وحوشٌ بأنياب حادَّة، بينما نصحني حارس المقبرة الشرقيَّة بعدم الهروب، وفتح القبر عند سماع الاستغاثة.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36084">فصل من رواية &quot;لا بريد إلى غزة&quot;: بين رياضة الباركور وحفر القبور</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عودة من القبر... مقطع من &quot;الروائي المريب&quot; لفواز حداد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35120</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 23 Mar 2025 07:15:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35120</guid>

					<description><![CDATA[<p>من الفصل السابع المعنون بـ "ظهور الشبح واختفاؤه" بعد ما يزيد على عامين من صدور رواية الشبح، لم يحدث ما يثير الاهتمام، مرور الزمن ولو كان بالسنوات لم يسجل تغييرًا لافتًا. فالعام الحالي يشبه ما سبقه، ولا يوحي بأنه سيختلف عما بعده، أحوال البلد لم يطرأ عليها ولو نزرًا يسيرًا من التغيير، فالوعود بالإصلاح بقيت [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35120">عودة من القبر... مقطع من &quot;الروائي المريب&quot; لفواز حداد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><strong>من الفصل السابع المعنون بـ "ظهور الشبح واختفاؤه"</strong></p>
<p dir="rtl">بعد ما يزيد على عامين من صدور رواية الشبح، لم يحدث ما يثير الاهتمام، مرور الزمن ولو كان بالسنوات لم يسجل تغييرًا لافتًا. فالعام الحالي يشبه ما سبقه، ولا يوحي بأنه سيختلف عما بعده، أحوال البلد لم يطرأ عليها ولو نزرًا يسيرًا من التغيير، فالوعود بالإصلاح بقيت وعودًا، والمعارضة ما زالت ملاحقة، أو في السجون، والمثقفون يتبادلون الأحاديث المتفائلة والمتشائمة، مع أن ما يرجى من الرئيس الوارث كان واعدًا، فهو طبيب عيون، لكنه غير ذي اختصاص يؤهله لمعالجة بلد متكلس، وإذا كان يسعى للإصلاح الإداري، فلا جدوى إن لم يترافق بإصلاح سياسي، بدا مستحيلًا. تَرِكة الرئيس الراحل لا يمكن إصلاحها، كانت المخابرات الضامن الوحيد لعدم المساس بها.</p>
<p dir="rtl">في هذه الأجواء المحبطة بانسداد الآفاق، صدرت رواية تحت عنوان "المنعطف" للكاتب عبد الرحمن حسن، لم يلتفت جسّام إليها، إلا بعدما كثر الحديث عنها. المؤلف لم يسمع به أحد، كانت روايته الأولى. علق الناشر على تساؤلات الأدباء عنه، بأن الاسم مستعار، المؤلف لم يرغب في إعلان اسمه الحقيقي، ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا يدري إن كان له علاقة بمؤلف رواية "لقاء لا ينتهي"، فالروايتان وصلتا إليه بالبريد، مع ملاحظة مرفقة بعدم رغبة الكاتب في إعلان اسمه الحقيقي لأسباب خاصة.</p>
<p dir="rtl"><span class="Apple-converted-space"> </span>بدت الأسماء المستعارة بدعة، قد تشكل إغواءً للكتّاب الجدد، للفت الأنظار إليهم، ما دام كاتب "المنعطف" يجاري من سبقه، ربما كسب بعض الشهرة، فالكاتب الحالي يقلد الكاتب السابق، لكن لماذا لا يكون هو نفسه؟ أي إن الاثنين واحد، وكلاهما الشبح، خشي من الظهور على الساحة الأدبية بالاسم نفسه، بعدما نُكّل بروايته الأولى، فاستعار اسمًا آخر.<span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl">جزم بعض الأدباء بأنهما الشبح نفسه، ما جدد الاهتمام به. <span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl">طار صواب جسّام وكرّوم، إذا كان الشبح، فقد عاد من القبر، لم يحسنا دفنه، مع أنهما واروه التراب معًا، عندما كانا يحتسيان البيرة الوطنية في نادي الصحافيين. لم يكن غيابه إلا لانشغاله بكتابة رواية، وما عودته إلا تصميمه على المناكدة.<span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl">ما أحرج كرّوم إزاء جسّام، كيف مرت الرواية من رقابة الاتحاد؟</p>
<p dir="rtl">"الشبح خدعنا، غيّر اسمه المستعار، وكالمعتاد كان الرقيب غبيًا".</p>
<p dir="rtl">وأصدر حكمه على الرواية مواسيًا جسّام:</p>
<p dir="rtl">"لن تكون أفضل من هذا الهراء الذي تلفظه المطابع".</p>
<p dir="rtl">كانا تحمّلا هذه الصدمة بشكل أفضل، لو أن توقيت صدورها لم يكن سيئًا، إذ خاب أمل كرّوم بجائزة الرواية، بعدما تأجلت إلى أجل غير معلوم، وربما ألغيت. وكان جسّام على وشك أن يبدأ بكتابة روايته مسترشدًا بالسحر المستولي عليه، فإذا بالسحر ينجلي عن إصابته بالعقم، بينما قريحة الشبح الشغالة تفتقت عن رواية ثانية، ما زعزع يقين جسّام بحلمه الروائي.</p>
<p dir="rtl">كان وقع الرواية عليهما أليمًا، وإن استعادا جأشهما وتظاهرا باللامبالاة، لكن استولى عليهما إحساس قاسٍ بالمظلومية، ضاعفه أن الفاعل شبح نكرة يؤلف وينشر دونما عائق، لا من يراقبه ولا من يمنعه!! لم يكبتا مشاعر الحقد، ولا نيات الثأر التي استعادت عنفوانها على ما أخذت رواية الشبح الثانية، تناله من استحسان فاق الأولى، بتعرضها لمرحلة مغيبة من التاريخ، كانت السنوات التالية للاستقلال السوري، وما أحدثه أول انقلاب عسكري، وتأثيره السلبي في الدولة والمجتمع في أجواء من فنون الغناء والطرب والمسرح.<span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl"><img decoding="async" class="size-full wp-image-35121 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/att.IRLbQEOZmPmdQgqUBrh5hBkdSHDX429wtKWAro4rll0.jpg" alt="" width="1450" height="2048" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/att.IRLbQEOZmPmdQgqUBrh5hBkdSHDX429wtKWAro4rll0.jpg 1450w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/att.IRLbQEOZmPmdQgqUBrh5hBkdSHDX429wtKWAro4rll0-212x300.jpg 212w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/att.IRLbQEOZmPmdQgqUBrh5hBkdSHDX429wtKWAro4rll0-725x1024.jpg 725w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/att.IRLbQEOZmPmdQgqUBrh5hBkdSHDX429wtKWAro4rll0-768x1085.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/att.IRLbQEOZmPmdQgqUBrh5hBkdSHDX429wtKWAro4rll0-1088x1536.jpg 1088w" sizes="(max-width: 1450px) 100vw, 1450px" /></p>
<p dir="rtl">قُرظت الرواية من الناحية الأدبية على ما تمتعت به من أسلوبية حاذقة؛ خلطة الحلم بالواقع، والماضي بالحاضر، واتساع المكان وتعدد فضاءاته. أما المثير المسكوت عنه، فدار الحديث حوله في الجلسات الخاصة؛ لم يوفر الكاتب العسكر من الانتقاد، وتحميلهم المسؤولية عن الأوضاع المتردية الحالية جراء الانقلابات المتتالية. فانكشف لهما دهاء الشبح الذي تفاقم تنكره، ليس بالاسم فقط، بل زاد عليه بلبوس معارض استعار اليسار، وربما اليمين، وأظهر شجاعة بتوجيه الاتهام للعسكر، مستغلًا عدم معرفة أحد به. علق جسّام حانقًا:</p>
<p dir="rtl">"لو كان يساريًا قحًا، لما تخفى تحت اسم مستعار".<span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl">أكثر ما أزعجه، أن الرواية حازت ثناءً طيبًا، بتعمد الروائي التجريبية كدليل على تمرسه في الفن الروائي على الوجه الصحيح، على الضد من السمعة السيئة للرواية التجريبية، التي يعيبها ضعف الأسلوب، والخلخلة في السرد، والفوضى وعدم التركيز، فلا تجذب القارئ، ولا يستمتع بها، وإن كان بعض مثقفي النخبة يزعمون الإعجاب بها، حتى لو كانت مهلهلة. فإذا كان الشبح قد تغلب على هذه السقطات كلها، واستأثر باهتمام القراء واستمتعوا بالرواية، فسوف تصبح للشبح مكانة مرموقة في عالم التجريب يصعب زحزحته عنها.</p>
<p dir="rtl">لم يعد من إجراء يُتخذ ضده، سوى تشديد كرّوم على ما وعد به سابقًا، بتأكيد عدم قبول انتساب الشبح إلى اتحاد الكتّاب، مهما كان اسمه، ولو كان يحق له، بعدما بات لديه كتابان من تأليفه؛ لا، لن يُعترف به روائيًا.<span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl">بينما تعهد جسّام بتولي العناية بالشبح، فعقد اجتماعًا في المقهى لعصابته ضمّ أربعة من المقربين إليه، من محترفي الأذى الأدبي، وزع عليهم المهمات الموكلة إليهم، ثم أطلق حسب قوله كلابه لصيد وافر.</p>
<p dir="rtl">برهن الأول أن التجريبية في الرواية مصطنعة، لا انسجام فيها، كانت مشوشة ودخيلة. بينما مسخ الثاني الرواية إلى أحداث متلاحقة وتداعيات تاريخية، لا علاقة لها بالفن الروائي. وكتب الثالث أنه كان من الأجدى كتابة مقال يعبر عما يريد الكاتب بقول واضح، لا رواية تحفل بأفكار هشة، وأحداث عفّ عليها الزمن. أما الرابع، فكتب عن الروائي الجبان الذي أخفى هويته طمعًا بالشهرة، مستعينًا بانتقادات سياسية تداولها حزب البعث قبل سنوات في معرض النقد الذاتي البنّاء، ظهرت في الرواية بمعرض النقد الهدام.</p>
<p dir="rtl">مسك الختام، أشار إليه جسّام في زاويته الأسبوعية معلقًا على ما دار من نقد حول الرواية؛ إذا كانت قد كشفت عن شيء، فعدم القدرة على التجريب الروائي، لا تعدو محاولة هبطت بالسرد الروائي إلى الثرثرة، كذلك لم يجتهد الكاتب في التاريخ، بقدر ما اجتهد في التحريف. الماضي الحقيقي أبعد ما يكون عنه.</p>
<p dir="rtl">قُضي على الرواية بزاوية أدبية، وبضع مقالات نارية، والأهم إلحاحه على اعتبار الشبح كاتبًا تقليديًا أكل الدهر عليه وشرب، لا يزيد على كاتب كلاسيكي من الماضي، لا باع له في عالم التجديد والتجريب.<span class="Apple-converted-space"> </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #808080;">صدرت الرواية أخيراً عن دار رياض الريس للنشر، في بيروت.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35120">عودة من القبر... مقطع من &quot;الروائي المريب&quot; لفواز حداد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;بلاد لا تشبه الأحلام&quot; لبشير البكر (مقتطف)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35021</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 12 Mar 2025 18:04:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35021</guid>

					<description><![CDATA[<p>لا تتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم أمام اليزيدي، قد يسحب خنجره، ويهجم عليكَ. لا تتحدّث عن الطاووس بسوءٍ. لا تلعب مع أولاد اليزيدية، أو تأكل من طعامهم. انتبه، حاول حين تقف مع اليزيدي أن ترسم حوله دائرة. يمكن لكَ أن تحبسه فيها، لا يخرج منها إذا لم تفتح له مخرجًا. انظر، هو لا يلبس قميصًا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35021">&quot;بلاد لا تشبه الأحلام&quot; لبشير البكر (مقتطف)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>لا تتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم أمام اليزيدي، قد يسحب خنجره، ويهجم عليكَ. لا تتحدّث عن الطاووس بسوءٍ. لا تلعب مع أولاد اليزيدية، أو تأكل من طعامهم. انتبه، حاول حين تقف مع اليزيدي أن ترسم حوله دائرة. يمكن لكَ أن تحبسه فيها، لا يخرج منها إذا لم تفتح له مخرجًا. انظر، هو لا يلبس قميصًا بفتحةٍ عاديّةٍ، بل مستطيلة أو مربّعة. حذِر جدًا، لا يعيش بين الناس، بل يسكن الجبال العالية، لا يُصادق غير أبناء جنسه. هادئ جدًا، لكنّه شرس مثل ذئب الثلوج الأبيض الذي تفيض الوداعة من عينيه، على غير طبيعته الأصليّة.</p>
<p>لم أكن قد رأيتُ طاووسًا بعد، تذكّرتُ تلك الطفلة التي وجدتها قرب البئر تملأ براميل الماء وحدها، أطلق عليها والدها اسم طاووس، حينما قابلتها للمرّة الأولى، وجدتها مثل لعبةٍ، بيضاء كالثلج مزركشةٍ بألوانٍ زاهيةٍ، كأنّها خارجة من حلمٍ مسكونٍ بالألوان. سألتُها عن اسم قريتها، قالت:</p>
<p>– جنّة.</p>
<p>– أنتِ من الجنّة.</p>
<p>صمتتْ وظلّتْ تنظر نحوي بعينَيْن واسعتَيْن بالدمع. ربّما أصابتْها حالة من العطف تجاهي، وأنا في ذلك القيظ الشديد بشعري الأشعث، وحماري العالي، المدعوّ الشهري. يقولون إنّه يُولد من جماع الحمارة مع البغل، قريب النغل إذن، الذي يُولد من جماع الحصان مع البغلة، لكنّه ليس في قوّته وذكائه.</p>
<p>تكبرني قليلًا، لذلك أخذتْ بيدي لأعتلي ظهر الشهري، وعندما ودّعتُها وجدتُ عينَيّ تُغمضان على نحوٍ تلقائيّ، وتدمعان ملوحةً قويّةً، كأنّ بردًا شديدًا صفعني، وأنا أخرج من مكانٍ شديد الدفء. لاحقًا، وبعد زمنٍ طويلٍ خمّنتُ سبب تلك الحالة. يبدو أنّي أغمضتُ عينيّ بقوّةٍ على صورتها، وحين فتحتُهما كانتْ قد غادرتْ على ظهر الرهوان، مسرعةً في اتجاه جبل سنجار.</p>
<p>بقيتُ أتبعها بنظري وهي تتجه شرقًا، حتّى اختفتْ وراء خطّ الأفق، وصارتْ غيمةً بيضاءَ، جالسةً فوق قمّة الجبل في هيئة حمامةٍ، تنظر باتجاهي من بعيدٍ.</p>
<p>لم يكن منامًا، بل حصل أنّي حاولتُ حبس صورتها، كلّما عادتْ في شريط الوقت المفقود، تسقط دمعة مالحة حارّة، كناية عن عزاءٍ لحلمٍ مرَّ كالبرق. ولا أدري لماذا بقيتُ أفكّر في أنّها ربّما رحلتْ خطيفة مع أحدهم، لأنّ أهلها رفضوا زواجها به، أو أنّها غطست في الثلج، وصارتْ عينَ ماءٍ.</p>
<p>أخبرتُ والدتي بالأمر. قالتْ لي بأنّها جنيّة من بنات الشيطان، في وسعها أن تسحركَ، وتُجبركَ على أن تتبعها، تقتفي أثرها. لا يهدأ لكَ بال، ولا يأنس لكَ مكان إذا لم ترها. وذهلتْ حين عرفتْ أنّ اسمها طاووس. قالتْ إنّ والدها أنزل عليها اللعنةَ حين سمّاها بهذا الاسم. من جانبي، خمّنتُ أنّ هناك سرًّا وراء هذا الاسم الرنّان، وتبيّن لي صدق ظنّي حينما شاهدتُ الطاووس للمرّة الأولى في حديقة دار محافظ الحسكة، الواسعة القريبة من نهر الخابور، التي بناها الفرنسيون من عدّة طوابق، وصار اسمها السراي، كما كان شائعًا بالتركية لمقرّ الحاكم.</p>
<p>طيور وحيوانات تسرح في حديقة دار المحافظة، منها الغزال البري، الذي يعيش في مناطق الجزيرة، ويأتي فيلمون وهبي وكميل شمعون ونزيه أبو عفش، ليصطادوه. عصافير بأصواتٍ وألوانٍ كثيرةٍ، دجاج وديكة، الديك الرومي الضخم، أو الحبش ذو الحلق الأحمر المتدلّي حتّى يقترب من الأرض. ووسط هذا الجمع طائران بألوانٍ وأحجامٍ مختلفةٍ. واضحٌ أنّ أحدهما ذكر والآخر أنثى، وللنظر إليهما وقع يختلف عن بقيّة الطيور الأخرى.</p>
<p>غياث ابن المحافظ صديقي في المدرسة، دعاني للفرجة عن كثبٍ. قال لي: «هذا الطائر هو الطاووس». وقد ذهب تفكيري مباشرةً نحو تلك الصبية. ألوانه الزاهية، قامته، عنقه، ذيله الطويل، حركات الريش، النظرات، تحريك العنق. أدركتُ أنّ الوالد أراد للصبية أن تكون هذا الطائر، الذي يجعلنا نحلم حين نقف أمامه.</p>
<p>أمّي تترنّم بأغنيةٍ وهي تعجن، وتضع مقادير الخميرة. أُغافلها وأردّد الكلمات «كلما تنام الضواري، بيغو يصحيها». يصرخ أخي الصغير، كأنّه تعرّض للسعة عقربٍ أسودَ، من ذاك الذي كان منتشرًا بكثرةٍ في تلك الديار العامرة بالحيوانات القاتلة. يبدو أنّ الولد أجفل من صوتي، لا يُريد سوى أغنية الأمّ.</p>
<p>يتردّد كثيرًا أنّ براري الجزيرة السورية بقيتْ مأهولةً بالحيوانات الأليفة والمتوحّشة، وإلى وقتٍ قريبٍ، في الطفولة طاردنا أصنافًا من الغزلان والمها والأرانب والثعالب، ورأينا الذئاب والضباع والقطط البرية. لم نتعرّف إلى الأسود والنمور وغيرها من أصناف الضواري. وحين تجوّلت، وأنا فتى، بصحبة والدي يومين متتاليين في تلك المناطق على ظهور الخيل، صادفنا مجموعاتٍ صغيرةً من الذئاب تظهر وتختفي، ولكنّها لم تُهاجمنا لكثرةِ عدد الكلاب التي رافقتْنا.</p>
<p>حينما بدأتُ قراءة قصص الأطفال صارت الضواري ترتبط بالديناصورات. وهذه يسمّيها الأهل «الهوام». يعنون حيواناتٍ خرافيّةً. يكثُر الحديث عنها في المرويات الشفوية الدارجة. ويظنّ الأب العارف بجغرافيّة البادية وحياتها أنّ الهوام ابتعدتْ تدريجيًّا بالتوازي مع بدء الحديد بالوصول، وقصدتْ مناطق لا يصلها البشر، ثمّ اختفتْ. ولم يبقَ سوى صغار الحيوانات. لكن يصعب الخروج إلى البراري من دون بارودةٍ أو خنجرٍ. الذئاب لا تقترب حينما تُدرك أنّ المرءَ مسلّح بسلاحٍ حديديٍّ أو ناريٍّ. امتحنتُ مدى صدق هذه النظرية أكثر من مرّة، لوّحتُ بالسلاح للذئب الجائع، وهو يتربّص بقطيع الغنم، لكنّه لم يتحرّك من مكانه، لم يهرب، بقي يحدّق بي، ليس عن جوعٍ فقط، بل عن فراسةٍ صحراويّةٍ، وفطنة الحيوان المتمرّس. المسافة بيننا لم تكن بعيدةً، وحينما هممتُ بأن أطلق عليه النار، منعني الراعي حميدي ابن نشمية، العارف بشؤون البادية. لا تُوجّه سلاحكَ للحيوان، إذا لم يهاجمكَ. شرح لي أنّ استفزاز الذئاب في الصحراء أمر خطير، لأنّه يجعلها تعوي، توجّه نداء استغاثة، تدعو الأشقاء للاجتماع.</p>
<p>تقول الأغنية إنّ «بيغو» هو الذي تمكّن من قهر الضواري. دفع جماعاتٍ كثيرةً منها إلى الموت. هذا الرجل اليزيدي من جبل سنجار، حيث عاشتْ طائفة اليزيدية، وتحصّنتْ في الأعالي الوعرة، كي تحمي نفسها، كان عليها أن تحرس الطرقات المؤدّية إليه من جانبي الحسكة والموصل. يبدو أنّ الخطر الذي كانت تحسّه الطائفة وتعيشه، يأتي من جهة الحسكة وبواديها. فالموصل مدينة زراعيّة قديمة نهريّة متطوّرة عرفت القانون والنظام والتعايش بين المكوّنات الطائفية. بينما تعيش القبائل الرعويّة في سهول محافظة الحسكة، وينفّذ بعضها غاراتٍ على اليزيديين في جبل سنجار، من أجل سلب الدوّاب والمحاصيل الزراعية، وحتّى سبي النساء.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;">تصدر قريبا عن دار نوفل / هاشيت أنطوان السيرة الروائية "بلاد لا تشبه الأحلام" للكاتب السوري بشير البكر، يسرد فيها فصولا لحكاية مسافر اكتشف بعد رحلة طويلة أن البلاد لا تشبه الأحلام. قد تكون أعلى قامة، أو على العكس ، أقرب إلى الكوابيس.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-35023 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Bachir-Bakr-Bilad-La-Touchbiho-Al-Ahlam-1000.jpg" alt="" width="604" height="1000" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Bachir-Bakr-Bilad-La-Touchbiho-Al-Ahlam-1000.jpg 604w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Bachir-Bakr-Bilad-La-Touchbiho-Al-Ahlam-1000-181x300.jpg 181w" sizes="(max-width: 604px) 100vw, 604px" /></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35021">&quot;بلاد لا تشبه الأحلام&quot; لبشير البكر (مقتطف)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري... الصديق الذي وجدته في &quot;يالو&quot; </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34839</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد الزقزوق]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 06 Feb 2025 08:32:29 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34839</guid>

					<description><![CDATA[<p>كنتُ في برلين وقد تملّكتني حالة مؤقتة من الملل دفعتني إلى التجوال في مكتبةٍ كانت في الجوار. مكتبةٌ أنيقة ومرتبة لكنها تحتوي على العديد من الكتب المكتوبة بلغاتٍ غير العربية: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية. من بين كل تلك الكتب كان هناك كتاب عربي وحيد، هو كتاب "يالو" لإلياس خوري. شعرت، بمجرد أن وقعت عيني على الكتاب، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34839">الياس خوري... الصديق الذي وجدته في &quot;يالو&quot; </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ في برلين وقد تملّكتني حالة مؤقتة من الملل دفعتني إلى التجوال في مكتبةٍ كانت في الجوار. مكتبةٌ أنيقة ومرتبة لكنها تحتوي على العديد من الكتب المكتوبة بلغاتٍ غير العربية: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية. من بين كل تلك الكتب كان هناك كتاب عربي وحيد، هو كتاب "يالو" لإلياس خوري. شعرت، بمجرد أن وقعت عيني على الكتاب، بذلك الشعور الذي يشعر به أحدهم حين يجد ضالته؛ بهجة تسلّلت إلى قلبي وآنست وحدتي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ إلى ذلك الحين لم أقرأ كتاباً كاملاً لإلياس خوري، على الرغم من حضوره شبه الدائم في حديث الأصدقاء في كل الأوقات التي كنا نتحدث فيها عن كتبٍ مهمة وكتّاب جديرين بالاهتمام. لكني، ولأسباب كثيرة، كنتُ كلما حاولت أن أبدأ في قراءة عمل ما له، أجد ما يمنعني من ذلك، إلى أن وجدت "يالو" في برلين. لم يكن هناك ما يمنعني من قراءة "يالو" أو الغوص في عوالم إلياس خوري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كثيراً ما أجد صعوبة في التعامل مع قاعدة رولان بارت حول "موت المؤلف"، وفي حالة إلياس خوري يصعب الفصل تماماً بين الكتابة وصاحبها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ في برلين، مُحاطاً بالدهشة والأسئلة، ومشاعر من الوحشة والخوف لا تفسير لها سوى السنوات الطويلة التي قضيتها في غزة، في عزلة وانقطاع هائل عن العالم. وجدت نفسي، بعد ثلاثة عقود من الزمان وفي مرة واحدة، في مكان جديد بلغة جديدة وعالم كبير متّسع لا طاقة لي به. كنتُ ابن المكان الضيق والصغير كبيت العائلة، ولذا كنتُ أعيش ارتباكاً هائلاً وفوضى وخوفاً ودهشة جعلتني في حالة من الذهول الدائم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كل هذه المشاعر جعلتني في حاجة إلى شيء ما يُدخل إلى قلبي شيئاً من الهدوء والركوز. ربما ثباتاً أريده لترتيب كل تلك المعاشات التي وجدت نفسي مغموراً فيها. وفي إلياس خوري وجدت ذلك، ليس في "يالو" ككتاب بدأتُ أقرؤه في البلاد الباردة والبعيدة، ولكن في شخص دافئ كان يطلّ على نحو جيد من بين الصفحات. بدأتُ القراءة، وقرأتُ، قرأتُ حتى شبعتُ من الكتاب الذي أضاء قلبي كما يُضيء البرق سماء برلين الملبدة بالغيوم.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><span style="font-weight: 400;">"</span><b>يالو" كنافذة إلى الذات والآخر</b><span style="font-weight: 400;">  </span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان "يالو"، الشخصية الموجودة في الرواية، محفزاً حقيقياً للدخول في رحلة في أغوار نفسي، أو ربما لسبرها. كنتُ، وكلما تقدمتُ أكثر في قراءة النص، وهي قراءة تتقدم في "يالو" الشخصية التي تعيش أهوال الحرب الأهلية اللبنانية، أتقدم في الوقت ذاته داخلي. بدأتُ أستكشف العديد من المناطق التي كانت بالنسبة لي، ولسنوات طويلة قضيتها في غزة، معتمة ولا أستطيع إبصارها على ذلك النحو الكاشف الذي يمكنني من خلاله إيجاد معنًى ما للعديد من الأسئلة والأفكار والهواجس التي كانت تمكث داخلي في مساحة جامدة لا حراك فيها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غزة، وعلى الرغم من أنها تبدو لمن هم خارجها مكاناً متحركاً وصاخباً، فإنها كانت بالنسبة لي، ولسنوات طويلة، مكاناً لا يساعدني في استدعاء القدرة على تفسير الكثير من الأشياء التي كانت تؤرقني طويلاً. وفي "يالو" تحركتُ للبحث والاكتشاف عن معرفةٍ ما، معرفة تلامس حالة الاغتراب النفسي والوجودي الواضح الذي كنت أعيشه في غزة سنوات طويلة، دون أن أتمكن من تفكيكه وشرحه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في برلين، حيث حطت قدماي بعد سنوات طويلة من المكوث في غزة -ثلاث عقود من الزمن كانت فيها غزة محجوبة وبعيدة، وكانت أفكار مغادرتها والسفر خارجها كما لو أنها أفكار مستحيلة أو غير قابلة للتحقق في المدى المنظور- اشتعلت الحالة الواضحة من الاغتراب والقلق الوجودي العميق الذي كنت أعيشه. وعلى الرغم من سكونها وهدوئها وشيخوختها ربما، أيقظت برلين بصمتِها ووحدتي فيها، وربما ما شكّلته تجربة السفر الأولى إلى بلد بعيد بلغة غريبة وأناس جدد وجغرافيا بدت لي كما لو أنها خارجة من حلم ما، كل تلك البنية المعرفية الكامنة داخلي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>إلياس خوري ومرآة الذات الجمعية  </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن إلياس خوري في "يالو"، وأعتقد في كل تجربته الكتابية، كاتباً يقدم صورة قشرية أو تناولاً سطحياً للإنسان اللبناني على وجه الخصوص، والعربي عموماً، كما كان سائداً في مشهدٍ واسع من الكتابة العربية المعاصرة. بل كان كاتباً يستطيع أن يقدم صورة معقدة للإنسان العربي المعاصر، ذي التركيب المعقد بطبيعة الحال. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ أستطيع أن أنسج مع "يالو"، وقت قراءتي لهذا العمل في برلين، الكثير من الجسور مع الذات الجمعية، أو لنقُل "المجموع". في غزة، كان المجموع، وإن بدا لمن هم خارجها متشابهاً حد الملل، إلا أنني كنت أراه -وعلى الرغم من المحدودية الجغرافية والدينية والإثنية- متبايناً ومعقداً للغاية. ولقد وفرت لي قراءة "يالو" فرصة لبناء معرفة حول ذلك المجموع، وعقد مجموعة من المقاربات مع الذات الجمعية اللبنانية وقت الحرب الأهلية. لم تكن تلك المقاربات سوى مدعاة لتكوين فهم أكثر دقة وشمولاً حول الآخر، ومن ثم حول نفسي.</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الكتابة كضوء يخترق العتمة  </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في برلين، كانت السماء في أغلب الأوقات ملبّدة بكثير من الغيوم السوداء، وكنتُ مثلها، في داخلي الكثير من الغيوم والأسئلة. حينَ أضاء البرق سماء برلين، محدِثاً فيها ومضاً مشعاً وخاطفاً، كان كتاب "يالو" يحدث داخلي بروقاً لها الوميض المشع والخاطف ذاته. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن ذلك بوصفه كتاباً عربياً في مدينة لا تنطق بالعربية، ولا تحضر فيها العربية وسط السيل الهائل من اللغات الأخرى، وإنما بوصفه فعلاً جسّدته كتابة إلياس خوري محاولةً لتبديد الشعور بالظلام، وإن كان ذلك من خلال الغوص عميقاً في ظلمات أخرى كثيرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الكتابة والأدب لدى إلياس خوري هما فعل مقاومة للاغتراب عبر تفكيكه وفهمه والغوص فيه، وليس بتقديم مجموعة جاهزة من الحلول السحرية. بهذا تتشكّل القيمة الوجودية العميقة لأدب إلياس خوري، الأدب الذي يمكنه أن يستعيد الذاكرة ليس من منظور "نوستالجي"، بل طريقةً للدخول إلى الذات والآخر، واستبصار المعنى وسط الضباب حين تختلط الرؤى في واقع التردّي والنكوص العربيين، الأدب الذي يمكنه أن يستنطق الحقيقة المطمورة وسط الحرب والصراعات.  </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34839">الياس خوري... الصديق الذي وجدته في &quot;يالو&quot; </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34819</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 31 Jan 2025 08:34:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[حوارات]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34819</guid>

					<description><![CDATA[<p>حوار مطوّل (٢/٢)</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34819">ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;">هذا</span> <span style="color: #808080;">الجزء الثاني، يمكن قراءة</span> <a href="https://rommanmag.com/archives/34813">الجزء الأول هنا</a><span style="color: #808080;">.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يبدو الأمر وكأنَّ هذه التقاطعات المحدَّدة ما بين سجلَّات اللغة- ما بين اليوميِّ والتراث الكلاسيكيّ- قد تكون ما يضفي على نصٍّ ما حركيَّةً بمعنى عالميّ. أجدُ هذا مثيراً للاهتمام، لأنَّ الاعتقاد السائد عادةً هو عكس ذلك: أي أنَّ هذه الأنواع من الابتكارات اللغويَّة شديدة الإفراط في المحلِّيَّة والخصوصيَّة، وبالتالي لا يمكن ترجمتها إلى أدبٍ عالميّ. </strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بل على العكس تماماً. يخبرني البعض أنَّ الناس في شمال أفريقيا لن يفهموا أعمالي لأنَّني أستخدمُ اللهجة اللبنانيَّة (أو اللبنانيَّة-السوريَّة أو اللبنانيَّة-الفلسطينيَّة). لكنَّ هذا ليس صحيحاً. أوَّلاً، هم يفهمونها. وثانياً، عندما يقرأ المرء أيَّ رواية، أيَّاً كانت لغتها- عندما أقرأ بالإنكليزيَّة مثلاً- فهناك أشياء لا أفهمها، وهذا طبيعيّ! لكنَّنا نَتبيَّنها مع تدفُّق الرواية. بطبيعة الحال، يتعيَّن على الباحثين فهم كلِّ مفردةٍ إذا ما أرادوا إنتاج ورقةٍ بحثيَّة أو نقدٍ أدبيّ. مع ذلك، تتدفَّق اللغة الأدبيَّة؛ فتؤتي أُكُلها، ويفهمها الناس. بناءً على تجربتي الشخصيَّة، أقول إنَّ يفهمون رواياتي على امتداد العالم العربيّ. لم أواجِه أيَّ مشكلةٍ في هذا الصدد، ممَّا يعني أنَّ الأمر ناجع. كما أنَني لستُ الوحيد الذي يستخدم العاميَّة في أعماله؛ كتَّابٌ كثيرون يستخدمونها أيضاً. ونحنُ الآن بصدد التكيُّف مع المحكيَّة المغربيَّة التي بمقدورنا أن نفهمها. وهي بالطبع مختلفة بعض الشيء، أكثر صعوبة- لكنَّها تُفلِحُ أيضاً! إذن ليست هناك مشكلةٍ مع اللغة، فهي جزءٌ من تاريخ الأدب العربيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على مقلبٍ آخر، يختلف الأمر حينما تقتصر الكتابة على المحكيَّة أو اللهجة فقط، كما في حالة سعيد عقل، الشاعر اللبنانيّ الذي ضغط من أجل فكرة لغةٍ لبنانيَّة. مضى عقل في هذا الاتِّجاه إلى أقصاه، وأراد كتابة اللغة العربيَّة بحروفٍ لاتينيَّة. لكنَّك تكتشفين بعد ذلك أنَّه كان يتعيَّن عليه اختراع لغة في واقع الأمر، لأنَّ كلَّ مدينةٍ (في لبنان) تتحدَّث بطريقةٍ مختلفة عن الأخرى. لذا، كان لا مناص له من اختراع فصحى من العامِّيَّات كي يُنتجَ لغةً لبنانيَّة! ولكن ماذا ستكون نتيجة ذلك الجهد؟ ستكون لغةً عربيَّة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يثيرُ اهتمامي أنَّك تطرحُ هذه المسألة من منظور العلاقات الممتدَّة عبر العالم العربيّ كإقليم، كقراءة المغاربة للأدب اللبنانيّ على سبيل المثال. وهُنا أتساءل عن الآفاق التي تراها في الازدهار الحاليّ للجوائز في الخليج، والتي تهدف إلى تعزيز هذه الروابط الإقليميَّة فيما يتعلَّق بنسب القراءة والدعم المادِّيّ.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بادئ ذي بدء، ولأقول لك الحقيقة، أرى غرابةً شديدة في كون جوائز الأدب العربيِ في الخليج. فواقع الأمر أنَّ عواصم العالم العربيِّ الثقافيَّة ليسَت هناك، ولا الإنتاج الثقافيّ أيضاً. عواصم العالم العربيِّ الثقافيَّة هي القاهرة وبغداد ودمشق والدار البيضاء. انظري إلى عدد الروايات التي تصدر سنويَّاً في كلٍّ من القاهرة وبيروت. بالطبع دمشق اليوم في حالة خراب، لكنَّها على هذه الحال منذ خمسة أعوام فقط. لذا، (هذا التحوُّل نحو الخليج) يثيرُ الدهشة. وأعتقدُ أنَّه جزءٌ من هيمنةٍ حديثة ترافقت مع آخر مراحل الحرب الباردة، حينما عمل الأميركيّون بالتنسيق مع السعوديِّين ودول الخليج على إخراج المشروع الإسلاميّ إلى النور؛ المشروع الذي أضرَّ بأميركا نفسها في أحداث الحادي عشر من أيلول الكارثيَّة. لكنَّ الكارثة الحقيقيَّة حلَّت بالعالم العربيّ. ونتيجةً لهذه الكارثة، شغَلت مدن الخليج فجوةً صغيرة. لكنَّها مجرَّد حالة طارئة ليس إلَّا؛ ولن تدوم طويلاً. حقيقةُ وجود تلك الجوائز هناك ليست بالأمر السيِّئ، لكنَّها ليس المسألة التي ينبغي أن نصوِّب إليها أنظارنا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>نشرتَ مؤخَّراً مقالة عن أدونيس وجائزة نوبل، قلت فيها: "عالميَّة الجائزة تأتي من قوَّة المركزيَّة الأوروبيَّة، فكي يصير الكاتب عالمَّياً عليه أن يُترجَم إلى الإنكليزيَّة والإسبانيَّة والفرنسيَّة، أمَّا إذا تُرجم إلى الصينيَّة أو التركيَّة أو الفارسيَّة، فهذا لا يساعده كي يحظى بلقب كاتبٍ عالميّ".</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالفعل، كتبتُ هذه المقالة في مسألة أدونيس وجائزة نوبل، وذكرتُ فيها، أوَّلاً، أنَّه يجب أن يحصل أدونيس على الجائزة كي نفرغ جميعاً من المشكلة المتمثِّلة في فشلنا نحن العرب عاماً تلو عامٍ في الحصول عليها. قد بلغ السيل الزبى. من ثمَّ كانت الفكرة الثانية أنَّه لا بدَّ أن نكون أكثر جدِّيَّة. نحنُ نولي جائزة نوبل قدراً كبيراً من التقدير، وحقيقة أنَّها تمنح مالاً كثيراً للفائزين بها أمر ممتاز بالنسبة إلى جميع الكتَّاب. لكن يجب ألَّا ننسى أنَّ هذه الجائزة معنيَّةٌ باللغات الأوروبيَّة بالأساس. يكفي كي ندرك ذلك أن نقرأ أسماء من فازوا بها. بمقدور أدب أميركا اللاتينيَّة أن يكون مناسباً للجائزة باعتبار أنَّه يُكتب بالإسبانيَّة، وكذلك أدب جنوب أفريقيا الذي يُكتب بالإنكليزيَّة. وفي حالة الكاتبين الجنوب أفريقيّين اللذين فازا بجائزة بنوبل، فكانت أعمالهما بالإنكليزيَّة، وليس بالأفريقانيَّة أو اللغات المحلِّيَّة. ومن وقتٍ لآخر، يمنحون الجائزة إلى كاتبٍ صينيّ، أو تركيّ، أو عربيّ، منحوها ذات مرَّةٍ لنجيب محفوظ. وهذا من باب خلق تصوُّرٍ أنَّ نوبل جائزةٌ عالميَّة. لذا، كانت فكرتي هي أن نفهم تلك الجائزة في سياقها الحقيقيّ. ففي كلِّ مرَّةٍ لا يفوز فيها كاتبٌ عربيّ بنوبل، يعتري العالم العربيَّ حزنٌ عظيم- وهذا أمرٌ فارغ، لا معنى له! يكفي أنَّ لدينا نجيب محفوظ. ما جدوى ذلك؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الآن، وعوداً إلى الفقرة التي أشرتِ إليها، فهذا صحيح. نحنُ نعيش اليوم في ظلِّ إمبراطوريَّة. ذكرتُ الإنكليزيَّة والفرنسيَّة والإسبانيَّة، لكن الإنكليزيَّة في الواقع هي لغة هذه الإمبراطوريَّة. نحنُ نتحدَّث بها الآن بالفعل! وعندما أزور برلين، فلست بحاجة نطقِ أيِّ كلمةٍ بالألمانيَّة كي أعيش هنا حياةً طبيعيَّة، لأنَّ الإنكليزيَّة لغة الإمبراطوريَّة. طالما كانت لغات الإمبراطوريَّة حاضرةً في تاريخ الثقافات؛ اللاتينيَّة واليونانيَّة في حقبة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة؛ والعربيَّة والسريانيَّة في العالم العربيِّ إبَّان العصر العبَّاسيّ. في الحقيقة، كلُّ ترجمات الفلسفة اليونانيَّة جاءت من السريانيَّة، وليس من اليونانيَّة. لذا، وعلى الرغم من وجود تعدُّديَّةٍ لغويَّة، ظلَّت لغة الإمبراطوريَّة سائدة. اليوم نعيشُ في ظلِّ إمبراطوريَّةٍ جديدة. ولعلَّها لن تدوم طويلاً لأنَّ الأميركيِّين مجانين بما يكفي لانتخاب ترامب رئيساً لهم. وهكذا لا بدَّ من ترجمة الكاتب إلى لغة الإمبراطوريَّة، وإلَّا فلن يكون جزءاً منها. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لثقافاتٍ ذات تقاليد عظيمة، كالصينيَّة والعربيَّة والهنديَّة، والتي تَنعمُ بتراثٍ أدبيٍّ هائل، أن تضع نفسها في موقع الانتظار؛ فلديها أعمالها الروائيَّة الخاصَّة، وبمقدورها ابتكار جوائزها الخاصَّة أيضاً، إذا أرادت ذلك. أتساءلُ عمَّا يمنعهم من فعل ذلك، رغم أنَّ تلك مسألة أخرى بصدد السياسة والبُنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أخيراً، أرى أنَّه لا معنى للجوائز الأدبيَّة أبداً. أعني، لا بأس بها، تُقدِّمُ بعض المساعدة، لكنَّها ليسَت الأشياء التي يجب على الكتَّاب والنقَّاد أن ينفقوا طاقاتهم عليها. في وقتٍ قريب، خضت نقاشاً مع صديقٍ سألني عن جائزة نوبل. قلت له إنَّ أعظم جائزةٍ فزتُ بها على الإطلاق كانت في عام 2013، على مقربةٍ من القدس، عندما استقرَّت مجموعةٌ من الشباب الفلسطينيِّين -350 شخصاً- على قطعةٍ من أرضٍ عزمَ الإسرائيليّون على مصادرتها لبناء مستعمرة. لذا، أقامَت فيها تلك المجموعة، وشيَّدوا عليها قريةً أطلقوا عليها اسم "باب الشمس" تيمُّناً بروايتي التي تحمل الاسم نفسه. بالنسبة إليّ، هكذا تكون الجائزة الحقيقية. عادةً ما تُحاكي الرواياتُ الواقع؛ لكن في هذه الحالة، كان الواقع يُحاكي الرواية. وبالنسبة لأيِّ كاتب، فهذه أفضلُ مكافأةٍ يمكن أن يحصل عليها من قرَّائه. وأمَّا الجوائز الأخرى فلا بأس بها، ولا مانع من تقبُّلها إذا حضرَت. لستُ ضدَّها. بيد أنَّنا لسنا مضطرِّين إلى انتظارها، بل علينا أن نكون أكثر جدِّيَّةً وتفاعلاً.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يبدو أنَّ سؤالَ القضايا السياسيَّة، والذي غالباً ما يَغيبُ عن النقاشات الحاليَّة بصدد الأدب العالميّ، شديدُ الحضور في هذا السياق. كيف ترى عالميَّة القضيَّة الفلسطينيَّة أو الانتفاضة السوريَّة، على سبيل المثال لا الحصر؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بُنيةُ الأدب العالميِّ شديدةُ التعقيد، وهي مسألةٌ جديدة في عصرنا النيوليبراليّ. إبَّان الحرب الباردة، كان ساد خطابٌ مفاده أنَّ الأدب لا بد أن يكون لا سياسيَّاً. كان هذا ضرباً من ضروب الاتِّهامات التي وُجِّهت إلى كتَّابٍ مثل بابلو نيرودا، وناظم حكمت، ويانيس، والقائمة تطول جدَّاً. لقد اتُّهِموا بنشر البروباغندا لا الأدب، لأنَّهم كانوا جزءاً من كفاح شعوبهم من أجل الثورة، والديموقراطيَّة، والحرِّيَّة، وما إلى ذلك. ما كَشفَتهُ لنا هذه التجربة هو أن كون المرء لا سياسيَّاً في الأدب حينذاك يعني أنَّه من المفترض ألَّا يكون يساريَّاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">واليوم، في ظلِّ الحقبة النيوليبراليَّة عقب الحرب الباردة، أضحَت أهمِّيَّة القضايا السياسيَّة في الأدب مقوَّضةً تماماً - تماماً- ما لم يكن الأدب "غريباً". على سبيل المثال، أشعر بالشفقة إزاء كاتبٍ عظيم أكنُّ له حبَّاً جمَّاً، ألا وهو سلمان رشدي، لأنَّه سَقط في أيدي أعدائه بفعل الفتوى الفظيعة والغبيَّة، التي أصدرها الخمينيُّ ضدَّه. سقطَ في أيدي أعدائه كلِّيَّاً. اليوم، صارت فكرة التعاطي مع القضايا السياسيَّة، مع نضالات الشعوب، غير عصريَّة. الغرابة هي الموضة السائدة. هاك بعض الموضوعات العصريَّة: انتقاد الإسلام، دعم النسويَّة، وما إلى ذلك. وإنَّني أنتقدُ الإسلام طوال الوقت، وأناصر حقوق المرأة، بيد أنَّ هذه ليست القضايا الوحيدة. إنَّها جزءٌ من قضايا أكبر، وأقصدُ تحرير شعوبنا من الهيمنة الاستعماريَّة، والاستبداد، والاحتلال، والصهيونيَّة، على سبيل المثال لا الحصر. القضايا المنفصلة مهمَّة، لكن لا مناص من فهمهما ضمن هذا الإطار الأشمل. فإذا انتُزعَت من إطار الانعتاق، ستغدو، أوَّلاً، مبتذلة؛ وثانياً، ستفتحُ نافذةً لخطاباتٍ فاشيَّةٍ جديدة، والتي تراها اليوم في أميركا وأجزاء من أوروبا. هذا لأنَّ الناس نسوا أنَّنا عندما نناضل من أجل حقِّ المرأة في الإجهاض، فلا نفعل ذلك لأنَّنا نحبُّه أو لمجرَّد أنَّنا نسويّون. بل نفعل ذلك لأنَّ (هذا الحقَّ) ضروريٌّ لتحرير المرأة، وتحقيق تحرير المجتمع. إنَّه جزءٌ من تحرير المجتمع. وعندما تتلاشى فكرة تحرير المجتمع، تفقدُ هذه القضايا معناها. وما إن تفقدَ معناها، لأنَّها فقدَت علاقتها بالفكرة الأساسيَّة، حتَّى تصبحَ هامشيَّة، ثمَّ تدخلُ الفاشيَّة بخطابها القديم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما كنتُ طالباً شابَّاً في ستينيَّات القرن الفائت، لم يتخيَّل أحدٌ أنَّ العالم ماضٍ باتِّجاه هذه اللغة: أعني لغة ترامب، ومارين لوبان، وفيون، وبوتين، ونتنياهو، وبينيت. لم يكن أحدٌ ليتصوَّر أنَّ هناك من سيجرؤ على قول أشياء كهذه. وبطبيعة الحال، كلُّ هذا ليسَ محضَ مسألةٍ ثقافيَّة؛ بل مشكلة في غايةٍ التعقيد على صعيد النماذج الفكريَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة وغير ذلك. لكن على المستوى الثقافيِّ الذي نعمل عليه، أعتقدُ أنَّه في ظلِّ الأيديولوجيا الليبراليَّة الجديدة وتدفُّق أفكار ما بعد الحداثة، فإنَّ القضايا تنفصل عن جذورها كأدواتٍ للتحرُّر، كجزءٍ من التحرُّر، وبالتالي تفقدُ معناها. وهذا بدوره يُيسِّر عودة الخطابات الفاشيَّة واحتلالها المشهد.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هناك تناغمٌ بين ما تتحدَّث عنه، والانتقادات الأخيرة لدراسات الأدب العالميّ، كتلك التي وجَّهتها إيميلي أبتر وفينغ تشيا. يشيرُ هذا النوع من الحجج إلى أنَّ الأدب العالميّ، ولكونه شديد التركيز على الشبكات والسلعيَّة والتدفُّقات- ودون صياغة نقدٍ جوهريٍّ للرأسماليَّة-، يُخاطِر بالمضي على طريق منطق تداول السلع ومَسالِكه.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليس الأدب جزءاً مهمَّاً من هذه التدفُّقات السلعيَّة. الجزء المهمُّ هو الفنّ، فنُّ الأداء، التركيبات الفنِّيَّة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>لماذا هذه الأشكال بالذات؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لأنَّنا هُنا أمام بُنية تداولٍ حقيقيَّة. على سبيل المثال، بمقدور فنَّانٍ ما بعد حداثيٍّ أنَّ ينجزَ عملاً يمكن عرضه لمدَّة يَومين في بيروت ثمَّ يتنقَّل من متحفٍ إلى آخر. سيجني الفنَّان أموالاً طائلة، لكنَّ تأثيره سيكون صفراً. صفر! لقد أنشئت المسارح لتكون جزءاً من المدينة، جزءاً من البنية الاجتماعيَّة. لا يمكن للثقافة أن تطفو وحدها في الهواء، بهذه البساطة. لا بدَّ أن تكون جزءاً (من شيء أكبر). وأمَّا بالنسبة للثقافة العالميَّة، وهي ظاهرةٌ موجودة فعلاً، فينبغي أن ترتبط بالنضالات في مواقع شتَّى من العالم. يكمن أسُّ مشكلة الأدب العالميّ، والثقافة العالميَّة، وغير ذلك، في ماهيَّة هذا العالميّ. فلم يعد لدينا اليوم تضامنٌ عالميّ. انتهَت هذه الفكرة. العالميُّ اليوم هو الاستهلاك. لذا، إذا أراد المرء دخول هذا الميدان العالميّ، فلا بدَّ له من دخول ميدان الاستهلاك. البديل الوحيد هو إعادة بناء فكرة التضامن العالميّ. لقد رأينا رأي العين كيف انهارَت هذه الفكرة: انظري فقط إلى سوريا. إنَّ الشعب السوريَّ يُكابد أعظم مأساةٍ عرفها العالم منذ الحرب العالميَّة الثانية؛ هذا ما يُردِّده الجميع بالمناسبة، لكنَّ الجميع أيضاً يكتفون بالمشاهدة وحسب، وكأنَّ شيئاً لم يحدث. عشرة ملايين لاجئ، عشرة ملايين لاجئ! ماذا يرقَبون أكثر من ذلك؟</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هل ترى انهيارَ التضامن هذا ناجماً عن افتقارٍ إلى الخيال، أم افتقارٍ إلى الإرادة؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">باعتقادي، عن السببين معاً. وأعتقدُ أنَّ هذا الانهيار هو الصدمة الكبرى (في حقبة ما بعد الحرب الباردة). كان الأمر مذهلاً لأنَّنا لم ندرك أنَّه كان يحدث بالفعل. عندما سقط جدار برلين، كنَّا سعداء ظنَّاً منَّا أنَّه آن الأوان للاشتراكيَّة الحقيقيَّة، وأنَّ من شأن سقوط الإمبراطوريَّة السوفييتيَّة والديكتاتوريَّة أن يفسح المجال لفكرةٍ جديدة للعدالة الاجتماعيَّة. لكن ما حدث هو العكس، وأصبحَت أفكار الاشتراكيَّة والعدالة الاجتماعيَّة في مجتمعاتنا في خطر. انظري إلى ترامب، الذي يُريد إنهاء "أوباما كير"؛ مع العلم أنَّه إذا ما قورن الأخير ببرامج الرعاية الصحِّيَّة في فرنسا أو ألمانيا، فسيبدو قاصراً إلى أبعد الحدود! ومع ذلك، يريد ترامب تدميره لأنَّ الدولة ليسَت مسؤولةً عن رفاهية المجتمع. عندما نتوصَّل إلى أفكار مثل هذه، فيعني أنَّ كلَّ شيءٍ أمسى في خطر. وإنَّني أشعر بذعرٍ شديد؛ فالمؤشَّراتُ شديدة القتامة. كما أنَّنا نتحدَّث اليوم من جديد بالأساليب نفسها التي كانت الناس يتحدَّثون بها إبَّان صعود النازيَّة والفاشيَّة. ففي ذلك الوقت، كان الناس مندهشين لرؤية النتيجة. وأعتقدُ أنَّنا سائرون على دربٍ تفضي إلى نتيجةٍ مماثلة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>إذن، مفادُ حجَّتك أنَّ بعض المسائل أو المُثُل العليا أو القضايا قد أصبحت منفصلةً عن سياقاتها الأصليَّة، أي سياقات النضال التحرُّريّ، وبالتالي صار ممكناً تداولها بحرِّيَّةٍ حول العالم. ويجعلني هذا أفكِّر بأساليب "التضامن" عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو الطرق التي استلهمَت بها الحركاتُ الاجتماعيَّة في الولايات المتَّحدة فكرةَ الربيع العربيِّ منزوعةَ السياق، على سبيل المثال. في هذا السياق، ما هي وظيفة الأدب المتداول؟ هل هي إعادة تأسيس تلك الروابط العميقة، بمعنى خلَّاق؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا، لا، ليسَت تلك وظيفة الأدب أبداً. لا يمكن للأدب أن يؤسِّسَ أيَّ شيء. بمقدوره أنَّ يحرِّك الراكد في الأشياء، في الأفكار، في السلوكيَّات. لكن في حالة البنى، فذاك موضوعٌ آخر. وإلَّا فإنَّنا نطالبُ الأدب بأشياء لا يستطيعُ فعلها. فلا يستطيع الأدبُ تغيير المجتمعات. الأدبُ يغيِّرُ أدباً. وعندما نغيِّرُ أدباً نغيِّرُ الأفكار، ولهذا التغيير تأثيره بطبيعة الحال أيضاً. بيد أنَّ كتابة الأدب ليست ككتابة الكرَّاس. فأنا أكتب الرواية، لكنَّني أكتبُ أيضاً كرَّاساتٍ ومقالاتٍ على درجةٍ عالية من الاشتباك السياسيّ. كتابة مقالةٍ مشتبكةٍ سياسيَّاً تختلفُ كلِّيَّاً عن كتابة رواية. عندما يكتب المرء رواية، فإنَّه يهزُّ اللغة التي نَستخدمها في حياتنا اليوميَّة، ويطرحُ مناظير جديدة، وما إلى ذلك؛ أي أنَّه يهزُّ أسلوب حياتنا، وهذا بالطبع سيكون له أثره. لكنَّ التحليل ليسَ وظيفة الروائيّ. بل وظيفتُنا، والقضيَّة الرئيسيَّة أمام الكتَّاب اليوم، تتمثَّل في أن نكون نقديِّين -نقديِّين للغاية- وأحراراً. يجب على الأدب أن يدافع عن فكرة الحرِّيَّة باعتبارها فكرةً شاملة: فيدافع عن حرِّيَّة المرأة كجزءٍ من حرِّيَّة الطبقة العاملة، كجزءٍ من حرِّيَّة الشعوب المقهورة، وإلَّا فلا طائل منه.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>إذن، كيف يرتبط مفهوم المتعة الذي ناقشناه في موضعٍ سابق بهذه الفكرة عن الحرِّيَّة الشاملة التي يمكن أن نصادفها في الأدب؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أين المتعة؟ لعلمك، إنَّ أعظمَ متعةٍ في الحياة والعمل الفكريَّين هي قولُ الحقيقة دونما خوفٍ من العواقب. باعتقادي، هذه هي المتعة الأعظم. أعتقدُ أنَّ اللحظة التي تجرَّع فيها سقراط السمَّ كانت تعبيراً عن الحياة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>وهل يختبر القارئ الحرِّيَّة أيضاً من خلال الأدب؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أعتقدُ أنَّ القرَّاء هم الكتَّاب الحقيقيّون. على سبيل المثال، ربَّما تأتين لتخبريني أنَّكِ قرأتِ روايةً وقد أعجبتك. سأقول لكِ حينها: هذا رائع، حدِّثيني عنها. ثمَّ ستكتبين كتاباً؛ ستبتكرينَ روايةً لأجلي! بطبيعة الحال، ما ستنطوي عليه روايتك سيكون مبنيَّاً على روايةٍ ما. وعلى المنوال نفسه، عندما نكتبُ روايات، فإنَّها تستندُ إلى رواياتٍ أخرى، إلى تجارب. وعلى هذا النحو، يصبحُ القارئُ الكاتبَ النهائيّ. لذا، أعتقدُ أنَّ بمقدور القارئ أن يَشغل موقعاً في غاية الأهمِّيَّة، بل، في بعض الأحيان، أكثر أهمِّيَّةً من الكاتب نفسه.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>أخيراً، إذا تسنَّى لك تحرير سلسلةٍ عن الأدب العالميِّ باللغة العربيَّة اليوم، فماذا ستفعل؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا حاجةَ لنا اليوم بسلسلةٍ مثل "ذكريات الشعب". لدينا الآن ترجماتٌ باللغة العربيَّة، حتَّى وإن كانت غير منهجيَّة. واقتراحي هو أن تولي دور النشر المعنيَّة بالأدب العربيِّ اهتماماً أفضل بهذه المسألة. لكن، إصدارُ سلسلةٍ اليوم؟ لا حاجةَ لنا بتكرار الماضي. لدينا مترجمون عن التركيَّة والفارسيَّة. لكن يتعيَّن على دور النشر الكبرى، في بيروت والقاهرة والدار البيضاء، أن تكون أكثر منهجيَّةً وتتعاطى مع هذه المهمَّة على نحوٍ أكثر جدِّيَّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما نحتاجُ إليه اليوم هو سلسلةٌ تُعنى بالنقد الأدبيّ: أعني ترجماتٍ للنقد الأدبيِّ من الهند، وأميركا اللاتينيَّة، وأفريقيا. ربَّما سأضطلع بهذه المهمَّة، إذا سنحت لي الفرصة لمواصلة هذا النوع من العمل (نظراً لضيق وقتي). أعتقدُ أنَّ الوقت قد حان لترجمة النقد الأدبيِّ والاشتغال على تقديم هذا الحقل. ذلك أنَّ جميع طلَّابنا اليوم يَصبوُّن اهتمامهم على أميركا وإنكلترا وفرنسا وألمانيا، وبالتالي لا يعرفون سوى القليل عن تَطوُّر الحركات الأدبيَّة في أماكن مثل جنوب أفريقيا أو الهند. لذا أرى أنَّ هناك حاجةً ماسَّة لترجمة النقد الأدبيّ من مثل هذه الأماكن.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34819">ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34813</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 30 Jan 2025 09:49:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[حوارات]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34813</guid>

					<description><![CDATA[<p>حوار مطوّل (١/٢)</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34813">ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #999999;"><span style="font-weight: 400;">كتبتها آن- ماري ماكمانوس، <a href="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/٣٤٩٨٥٦٥٤٠٩٦٧٨٣٠٩٦٨٧٣٥٩٠٨٦٧٨٤٥٧٦٣٥٨٩٤.pdf" target="_blank" rel="noopener">نُشرت</a> </span><span style="font-weight: 400;">في مجلّة الأدب العالمي، الصادرة عن دار بريل للنشر، 2017. </span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ملخَّص</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">في هذا الحوار، يُحدِّثنا إلياس خوري، وهو أحد أبرز الأصوات في الأدب والنقد العربيَّين المعاصرَين، عن عالميَّة الأدب العربيّ، وككاتبٍ وصوتٍ نقديّ ذي باعٍ طويل في المشاركة السياسيَّة، يطرحُ خوري مقاربةً شديدة الأهمِّيَّة بصدد كلٍّ من الإمكانيَّات والقيود ذات الصلة بالمناقشات الأدبيَّة العالميَّة الراهنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعتبر الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري واحداً من أبرز الأصوات في الأدب والنقد العربيَّين المعاصرَين؛ وهو مفكِّرٌ عامّ يحظى باحترامٍ واسع النطاق في عالمَي السياسة والصحافة العربيَّتين؛ وكذلك مؤلِّفٌ مرموق تُرجِمت رواياته إلى الإنكليزيَّة والفرنسيَّة. من أبرز رواياته "باب الشمس" (1998)، و"رحلة غاندي الصغير" (1989)، و"الوجوه البيضاء" (1981)، و"يالو" (2002). حظيَت كتابات خوري وأعماله الثقافيَّة بجوائز إقليميَّة وأوروبيَّة؛ أحدثُها، في عام 2016، جائزة محمود درويش للإبداع، والتي تبرَّع بها إلى جامعة بيرزيت؛ كما تزامن إعداد هذا الحوار مع وصول أحدث رواياته، "أولاد الغيتو- اسمي آدم" (2016)، إلى القائمة الطويلة للجائزة العالميَّة للرواية العربيَّة (البوكر العربيَّة). وفي الترجمة، فاز خوري بالجائزة الفرنسيَّة للرواية العربيَّة في أولى دوراتها، عام 2008، وذلك عن رواية "كأنَّها نائمة" التي صدرت بترجمة رانيا سمارة. بالإضافة إلى ما سبق، أُقرَّ بخوري سفيراً عالميَّاً للثقافة العربيَّة إذ فاز في عام 2012 بجائزة اليونسكو-الشارقة لمساهماته في تعزيز الثقافة العربيَّة في العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على هذا النحو، يتمتَّع خوري بمكانةٍ فريدة تخوِّله تناول عالميَّة الأدب العربيّ؛ سواءٌ بوصفه كاتباً دخلَت أعمالُه شبكات الأدب العالميّ المعاصر، أو كصوتٍ نقديٍّ يوفِّرُ انخراطُه السياسيّ طويل الأمد، لا سيَّما مع كلٍّ من القضيَّة الفلسطينيَّة والانتفاضة السوريَّة، مقاربةً شديدة الأهمِّيَّة بصدد كلٍّ من الإمكانيَّات والقيود ذات الصلة بالمناقشات الأدبيَّة العالميَّة الراهنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلال حوار أُجري في كانون الأوَّل من عام 2016 في برلين، تحدَّث خوري عن رؤيته المميَّزة للعلاقات التي تربط الأدب العربيَّ بآداب العالم الأخرى. يبتعد خوري عن محطّ التركيز السائد في المجال على الدوائر المعاصرة للترجمة والتبادل، ليدعو بدلاً من ذلك إلى سردٍ تاريخيّ متعدِّد المستويات لعالميَّة الأدب العربيّ؛ الذي من شأن نتاجِه أن يكون نموذجاً لقراءات أدبيَّةٍ وتفاعلاتٍ إبداعيَّة لا حصر لها، بمقدورها ربط سرديَّة القرن العاشر العبَّاسي بأميركا اللاتينيَّة في القرن العشرين، وكذلك الربط ما بين الآداب العربيَّة بنظيراتها في الصين والهند والجنوب العالميّ ما بعد الكولونياليّ. علاوةً على ذلك، تحمل تعليقات خوري مقاييس مختلفةً لعالميَّة الأدب إذ يُميِّزُ ما بين الميادين الإقليميَّة (أي بين شمال أفريقيا وبلاد الشام) والميادين العالميَّة الأوسع. يُبيِّن خوري أيضاً أنَّ كلَّاً من الاختلاف اللغويّ وجماهير القراءة الجديدة إنَّما تسهمُ مساهمةً فعَّالة مع انتقال النصوص من لبنان إلى المغرب- في عمليَّةٍ تداوليَّة يُعزِّزها اليوم انتشار الجوائز الإقليميَّة والوسائط الرقميَّة. فكيف بإمكان دراسات الأدب العالميّ تفسير أنماط التداول المتنوِّعة هذه خارج الحدود الوطنيَّة؟ بالنسبة إلى خوري، على أيِّ حال، ما تتقاطع عنده العديد من الشبكات الأدبيَّة الغنيَّة هو مفهومٌ مهمَّش ضمن الدراسات والتعليم الأدبيَّين في أغلب الأحيان: العلاقة الأساسيَّة بين السرد والمتعة، سواءٌ أفُهِمَت بوصفها التجربة الاجتماعيَّة للإصغاء إلى حكايةٍ ليلاً، أو التفسير الإبداعيَّ الذي يُسقِطه قارئٌ على رواية، أو قدرة المؤلِّف على التحدُّث دونما قيود.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يوطِّئ مفهوم المتعة الأخير هذا للأبعاد السياسيَّة في منظور خوري للأدب العالميّ، الذي يُقرأ من داخل التقليد الأدبيِّ العربيّ المعاصر الذي تتردَّد فيه أصداء أعمالٍ نقديَّةٍ حديثة للأدب العالميّ من قِبل باحثين وباحثات مثل إيميلي أبتر وفينغ تشيا، بل ويتوسَّع فيها. تفتحُ صياغة خوري لأدبٍ عالميٍّ متجذِّرٍ تاريخيَّاً الباب لنقدِ القضايا السياسيَّة الراهنة؛ التي يصفُها بأنَّها غير مُقيَّدةٍ بسياقاتها الأصليَّة، وتُفسَّر كنضالٍ عالميٍّ من أجل التحرُّر. وإنَّ تجريد القضايا السياسيَّة من سياقاتها المحلِّيَّة يفضي إلى تداولها مثلما تتداول السلع، ممَّا يوقعها فريسةً لتهديد الغرائبيَّة. وربَّما الأهمّ من ذلك هو أنَّ هذه المعالجة المجتزأة وغير السياقيَّة للسياسة تُقوِّض الفرص أمام التضامن العالميّ- الذي يصرُّ خوري على ضروريَّته اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. رافضاً إجبار الأدب على لعب أيٍّ دورٍ أداتيٍّ أو تربويّ، يرسم مفهوم خوري عن الأدب العالميِّ سرداً يتَّسم بالدقَّة والتنوُّع لكلٍّ من الإبداع والالتزام: سرداً يظلُّ فيه الأدب الملاذ الضروريَّ للتعبير عن تجارب الحرِّيَّة، فرديَّةً كانت أم جماعيَّة.</span></p>
<p><strong>فيما يلي نصُّ محادثتنا، بعد تحريره بغاية التوضيح:</strong></p>
<p><strong>سبقَ وأن أشرفتَ على سلسلةٍ من نصوصٍ أدبيَّةٍ عالميَّة تُرجِمت إلى العربيَّة في ثمانينيَّات القرن الفائت. أتساءلُ عمَّا إذا كان بمقدورك البدء بالحديث عن تلك التجربة.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت فكرة هذه السلسلة ترجمة آداب العالم الثالث إلى العربيَّة. بدأنا بتقديم مجموعةٍ من (النصوص) الأفريقيَّة، والأسيويَّة، والهنديَّة، واليابانيَّة، ثمَّ الأميركيَّة اللاتينيَّة، إلى الأدب العربيِّ الحديث. أعلنَت هذه السلسلة، التي أطلقنا عليها مسمَّى "ذكريات الشعب"، بداية طفرة ترجمة هذه الآداب إلى العربيَّة. حرَّرت بنفسي قرابة 45 كتاباً، وكتبتُ كلَّ التوطئات. عملنا مع مترجمين قادرين على الترجمة (مباشرةً) من الإسبانيَّة، على سبيل المثال، وليس من الإنكليزيَّة أو الفرنسيَّة. كان عملاً شاقَّاً بالنسبة إليَّ، وفي الوقت نفسه مصدراً لسعادةٍ جمَّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ مهتمَّاً بالأدب المقارن، الذي أصبحتُ (في فترةٍ لاحقا) أستاذاً فيه. في هذا الميدان، عادةً ما نقارنُ الأدب العربيَّ بالأدبين الفرنسيّ والإنكليزيّ، وهو أمرٌ عديم الجدوى - ليس عديم الجدوى تماماً، لكنَّه ليس القضيَّة الحقيقيَّة التي ينبغي لنا في العالم العربيِّ الاهتمام بها. لذا، أردنا الاشتغال على آداب الثقافات -ولنقل الآداب النامية- التي كانت قريبةً جدَّاً من تجاربنا الحديثة في العالم العربيّ. من هذا المنظور، كانت التجربة مثيرةً للاهتمام ومبتكرةً للغاية. قادني ذلك إلى اشتغالٍ دؤوب في مقارنة الأدبين الفلسطينيِّ والجنوب أفريقيّ، وكذلك العربيِّ والتركيّ. حتَّى ذلك الوقت، لم تكن مثل هذه المقارنات قد عُقِدت، للأسف، سواءٌ في الأدب العربيّ أو في آداب العالم الثالث. ما زلت أتذكَّر أوَّل لقاءٍ جمعني بكاتبٍ تركيّ، يقيمُ اليوم في فرنسا، وقد أخبرني حينها أنَّه قرأ عنَّي في "لوموند". أجبتُه بنعم، وأنَّني كنتُ بحاجةٍ إلى القراءة عنه في "الغارديان". وهذا واقعٌ مؤسِف. لذا، كان بناء مثل هذا الجسر مهمَّاً للغاية، وأرى أنَّه بُنيَ بالفعل. وكان ذلك أيضاً إشارة إلى أنَّ آداب العالم الجديدة لم تعد تأتي من أوروبَّا، بل من هذه البلدان الأخرى بصورةٍ رئيسيَّة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هل ترى في هذه السلسلة استمراريَّةً للنزعة "العالم ثالثيَّة" التي ميَّزت مؤتمر باندونغ وتلك الحقبة المفصليَّة في ستينيَّات القرن المنصرم؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكنك ربطها بباندونغ، لكن في وعينا لم يكن للأمر علاقة به، باعتبار أنَّني كنتُ صغير السنِّ إبَّان انعقاده. بالنسبة إليّ، كان الدافعُ شعوراً بالعودة إلى تراثنا. أوَّلاً وقبل كلِّ شيء، وعلى الرغم من أنَّنا خضعنا في العالم العربيِّ للحكم العثمانيِّ على مدى أربعة قرون، لكنَّنا لا نعرف الأدب التركيّ، وهذا أمر مخجل. وكذلك لا نعرف الأدبين الفارسيِّ والهنديّ. لكن إذا عدنا إلى تراثنا الكلاسيكيّ، فسنجدُ أنَّ "ألف ليلةٍ وليلة" كان كتابَ العالمِ القديم. هذا العالم القديم الذي لم يكن سوى العالم العربيّ، والهند، والصين، واليونان. وعليه، بمقدور المرء أن يجد آثاراً من كلِّ هذه الثقافات كجزءٍ من ثقافتنا العربيَّة. بدأت فكرة (السلسلة) من هنا، ثمَّ تطوَّرت باتِّجاه قراءة الآداب الأفريقيَّة. وعلى الصعيد الشخصيّ، كانت تجربةً عظيمةً بالنسبة إليَّ أن نترجمَ أعمالاً لأتشيبي وسوينكا وآخرين، مثل نغوغي واثيونغو، إلى العربيَّة. بعد ذلك، أشرعَت (السلسلة) أبوابها لآداب أميركا اللاتينيَّة: كورتاثار، وفوينتس، وماركيز، وبورخيس، وغيرهم. يكتشفُ المرء كيف ترتبطُ هذه الآداب ببعضها البعض. وخاصَّةً في آداب أميركا اللاتينيَّة، حيثُ لمسنا إلى أيِّ مدى شكّلت أعمال بورخيس فصاعداً امتداداً لـ "ألف ليلةٍ وليلة". ولا يتعلَّق الأمر فقط بما كان يُسمَّى آنذاك بالواقعيَّة السحريَّة. بل أعتقد أنَّ أولئك المؤلِّفين قد عرفوا "ألف ليلةٍ وليلة" (نعرف أن بورخيس كتبَ عنه بإسهاب)، وخبِروا هذا التقليد جيِّداً، وكانوا بمعنى ما يواصلونه. كان هذا الاكتشافُ في غاية الأهمِّيَّة بالنسبة إلينا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يعني هذا أنَّنا توقَّفنا عن قراءة (الآداب) الإنكليزيَّة، أو الفرنسيَّة، أو الألمانيَّة. بل على العكس من ذلك، فمفهوم الأدب العالميِّ بحدِّ ذاته من ابتكارِ ألمانيّ، كما يعلم الجميع، فضلاً عن أنَّ فهم الأنواع الأدبيَّة الجديدة كان لا مناص سيمرُّ عبر التجارب الفرنسيَّة والإنكليزيَّة. لكنَّ الفكرة تلخَّصت بالوصول إلى نقطةٍ حيثُ بمقدورنا أن نكون أحراراً في قراءة ما نريد أيَّاً كان، ما يروق لنا؛ وليس القراءة وحسب، بل التواصل بعمقٍ أيضاً مع هذه النوعيَّة من الآداب. </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>في طيَّات تبيينك الأوَّل لهذه السلسلة، يبدو الأمر وكأنَّها مشروعٌ ما بعد استعماريّ، في حين أنَّ مستويات التجربة والقراءة النصِّيَّة التاريخيَّتين اللتين تصفهما توحي بفهمٍ أعمق تاريخيَّاً للأدب العالميّ- وهو فهمٌ ليس قاصراً على لحظة إنهاء الاستعمار وحسب.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنتِ محقَّة؛ هذه السلسلة، بطريقةٍ ما، مشروعٌ ما بعد استعماريّ، لكنَّها ليسَت كذلك فقط. فهي تتعلَّق أيضاً بالغوص عميقاً في طبقات هذه الثقافات من أجل فهم تراثنا الأدبيّ. وفي الواقع، ليس فقط لغاية فهمه، بل للاستمتاع به. نحنُ نقرأ للاستمتاع! بيد أنَّنا ننسى ذلك. معظم الأساتذة يدرِّسون في المجالات كافَّةً على نحوٍ يجعلُ (القراءة) عبئاً. لكنَّنا في واقع الأمر بحاجةٍ إلى الاستمتاع! الاستمتاع هو الغاية الأساسيَّة من الأدب. وكما تعلمين، لدى الكاتب العربيِّ العبَّاسيّ، أبو حيَّان التوحيديّ، كتابٌ بعنوان "الإمتاع والمؤانسة". وهذا هو الأدب: الاستمتاع والتواصل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من ثمَّ، أجل، يمكن أن تساعدك قراءة الرواية على فهم المزيد عن مجتمعٍ ما. تتيحُ الروايات تلك الإمكانيَّة في بعض الأحيان. وكما كان ماركس يقول، يتعيَّن على المرء قراءة بلزاك إذا ما أراد فهم المجتمع الفرنسيّ؛ لأنَّه كان أفضل من أيِّ عالِم اجتماع. لكنَّني أرى أنَّ هذا الأمر هو أحد الآثار الجانبيَّة للأدب. وأمَّا تأثيره الرئيسيّ، فهو الغوص في خبايا النفس البشريَّة، في التجربة الإنسانيَّة، ومنحك هذه المعرفة العميقة لحالتنا الإنسانيَّة. أوَليسَت المعرفة متعة؟ بل إنَّ أعظم متعةٍ هي متعة المعرفة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هل ما تصفهُ هُنا يُحاكي مفهوم المؤانسة التي نجدها في المعنى الكلاسيكيّ للأدب؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا ما عدتِ إلى التراث العربيّ، إلى "المقامات" أو "ألف ليلةٍ وليلة"، أو غيرها من أشكال السرد القصصيّ، ستجدين أنَّ سرد القصص كان يحدُث في حيِّز الليل، ففيه يجدُ المرء كلَّ ظلال الحياة. بالمناسبة، كان مفهوم الليل مختلفاً حينذاك؛ دَمَّرنا الليل بالكهرباء. كان الليل أواناً تتجلَّى فيه الأرواح، وموعداً للحديث إلى الموتى، وظهورِ الجنّ، وانكشافِ أسرار الحياة كلِّها. لذا، أوَّلاً، كانت (القصص) تُروى ليلاً. وثانياً، كان سرد القصص متعة. وثالثاً، كان فخَّاً. حكت شهرزاد حكاياتها من أجل النجاة بحياتها؛ وفي المقامات روت شخصيَّات (على غرار أبي الفتح الإسكندريّ) قصصها تسوُّلاً وإبهاراً لجماهيرها. بناءً على ما تقدَّم، نجد أنَّ هناك مستويات عديدة لمعنى السرد القصصيِّ والتعاطي مع الأدب؛ بيد أنَّها تصبُّ جميعاً في بوتقةٍ واحدة إذا ما تحدَّثنا عن فكرة المتعة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يقول الناقد عبد الفتَّاح كيليطو، في معرضٍ تعليق له على أشكال الأدب العربيِّ الكلاسيكيِّ وأنواعه التي دخلَت الأدب العالميّ: عمل "ألف ليلةٍ وليلة"، الذي لم يُصنَّف كأدبٍ رفيع في أوساط اللغة العربيَّة، أوفى بولعٍ أوروبيٍّ نحو السردِّ الطويل والعجائبيّ في آن، على عكس ما حدث للمقامات. ونتيجةً لذلك، لم تشغَل الأخيرة مكانة ممثِّلةٍ "عالميَّة" للأدب العربيِّ- بخلاف مآل "ألف ليلةٍ وليلة". هل تتَّفق مع هذا التوصيف؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالطبع. وأودُّ أن أضيف أنَّ مشكلة المقامات ليسَت فقط في كونها لم تَرُق للذائقة الأوروبيَّة في القرن الثامن عشر، بعكس "ألف ليلةٍ وليلة"؛ بل إنَّها لم تَرُق لذائقتنا أيضاً! لا يمكننا قراءة المقامات. ويَبرُز ثقل اللغة كواحدٍ من ضمن فروقاتٍ رئيسيَّةٍ عديدة بين المقامات و"ألف ليلةٍ وليلة". لغة العمل الأخير سلسلة، كالماء؛ مزيجٌ من المحكيَّة والكلاسيكيَّة، مزيجٌ مبسَّط جدَّاً من النثر والشعر. بينما المقامة أشبه بمعجم؛ فكانت مكاناً يستعرضُ الكاتب فيه مدى معرفته باللغة. لذا أصبحَت معرفة اللغة هدفاً بحدِّ ذاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن ينبغي ألَّا تكون اللغة هدفاً إلَّا بمعنى الكشف والإفصاح؛ فهي ليسَت حجاباً. اللغة في المقامات حجاب. بيد أنَّها، في "ألف ليلةٍ وليلة"، تكشفُ النقاب عن الحياة. هذا فارق كبير. لذا، باعتقادي، وصل "ألف ليلةٍ وليلة" إلى الأدب العالميّ، وليس فقط لأنَّ القصص راقَت للذائقة الأوروبيَّة. وهي بالطبع راقت لهم، ومن الواضح كيف قرأها الأوروبيُّون ووظَّفوها. لقد سبقَ أن تحدَّثنا عن تأثير "ألف ليلةٍ وليلة" في أدب أميركا اللاتينيَّة، لكنَّ تأثيره في الأدب الأوروبيّ عظيمٌ أيضاً.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>بصفتك كاتباً، فأنت تجمع في أعمالك الأدبيَّة أيضاً بين الفصحى والمحكيَّة أو العاميَّة. هل تبتغي من هذا تحقيق خفَّةٍ مماثلة على مستوى اللغة؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أجل. كما أجمعُ أيضاً بين الشعر والنثر في رواياتي. أوَّلاً، فيما يتعلَّق باللغة: فنحنُ قد ورثنا لغةً غنيَّةً جدَّاً. ولا أقصد بهذا الفصحى وحسب؛ فالعربيَّة لغةٌ غنيَّة لأنَّها تنطوي على أربع "عائلات" عاميَّةٍ مُنظَّمة، على الأقلّ: أعني الشاميَّة، والعراقيَّة-الخليجيَّة، والمصريَّة-السودانيَّة، والشمال أفريقيَّة. كما أنَّ كلَّاً من هذه العائلات الأربع الكبرى تضمُّ عائلاتٍ أصغر، ممَّا يمنحنا ككتَّابٍ إمكانيَّةً هائلة للعب بالكلمات، وانتقاء كلمةٍ من موقعٍ وتوظيفها في آخر، وما إلى ذلك. وهذا بدوره يمنحنا طبقاتٍ من المعنى لا يمكن تخيُّلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طالما حضرَت العاميَّة في العربيَّة. وأمَّا النموذج الذي يدأب بعض المثقَّفين العرب، والعديد من المستشرقين، على إقحامه، فهو ليس صحيحاً: أتحدَّث عن تلك الفكرة القائلة إنَّ اللغة العربيَّة مُقدَّسة، ومصيرها مشابه لمصير اللاتينيَّة. أوَّلاً، لم يَحدُث أن كانت اللغة العربيَّة مقدَّسةً قطّ. ومنذ بداية "عصر التدوين"، في القرن الثامن، كان النقَّاد العرب واضحين جدَّاً بهذا الصدد. يخبرنا ابنُ جعفر أنَّ "الشعر غير الدين"، لذا نفصلُ بينهما.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أعتقد أنَّ النقَّاد العرب العبَّاسيِّين أظهروا ذكاءً متَّقداً إذ جعلوا من الشعر الجاهليَّ مرجعاً لغويَّاً للقرآن. إذن للقرآن مرجعٌ في اللغة محكيٌّ تماماً؛ مرجع لا ينطوي على أيِّ قداسة. وليس القرآن أصلَ اللغة العربيَّة؛ بل يتعيَّن على المرء العودة إلى الشعر الجاهليّ ولغته لفهم القرآن. لذا تتباين اللغة العربيَّة عن لغةٍ مقدَّسة أخرى، ألا وهي العبريَّة، التي بادَت حتَّى أُعيدَ إحياؤها من خلال الصهيونيَّة الحديثة والنموذج الأوروبيِّ للدولة القوميَّة. بيد أنَّهم ما زالوا إلى اليوم يشتمون بمفرداتٍ عربيَّة! هل بوسعك تخيُّل لغةٍ بلا مفردات شتائم؟ على أيِّ حال، تلك كانت الأسطورة الأولى (عن اللغة العربيَّة)، وهي مجافيةٌ للصواب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأسطورة الثانية هي أنَّ العربيَّة تشبهُ اللاتينيَّة. لكن في حالة العربيَّة، ظلَّت الفصحى حاضرةً على الدوام، جنباً إلى جنب مع العربيَّة المحكيَّة، وكذلك (تعايشَت) معاً مستوياتٌ عديدة للغة نفسها منذ أزمنة ما قبل الإسلام. وهكذا، فإنَّ توظيف هذه المستويات في أدبنا المعاصر هو في المقام الأوَّل ثورةٌ في وجه مفهومٍ صيغَ في عصر النهضة (النهضة العربيَّة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين): أعني الدعوة للعودة إلى لغة المتنبِّي "الذهبيَّة" ورفض لغة "ألف ليلةٍ وليلة"، إذ كان يُنظر إلى الأخيرة على أنَّها تغصُّ باللغة المحكيَّة. أعمال الجاحظ مليئةٌ بالعربيَّة المحكيَّة؛ قلائل من يعرفون هذه المعلومة. إنَّ بمقدورنا التعاطي مع اللغة المحكيَّة باعتبارها مستوى من مستويات العربيَّة، ممَّا سيفسح لنا مجالاً للعب على مستوياتٍ مختلفة من اللغة. في رواياتي، لا أقصر استخدامي للعاميَّة على الحوارات وحسب. بل أوظِّف في واقع الأمر صياغات الجمل العاميَّة في بناء لغتي، ممَّا يساعد على تغيير معناها. يفترض بنا، معشر الكتَّاب، فعلُ أشياء عديدة، من بينها الابتكار في اللغة وجعلها أكثر ملاءمةً لحياتنا وأساليب حديثنا.</span></p>
<p><br style="font-weight: 400;" /><a href="https://rommanmag.com/archives/34819">الجزء الثاني من الحوار هنا...</a></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34813">ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الحكاية في التباسات الهوية وانعكاسات الحقيقي والتخييلي </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34684</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علاء رشيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 23 Jan 2025 14:41:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34684</guid>

					<description><![CDATA[<p>تتعدد الدراسات النقدية والأدبية التي تناولت البنى الحكائية والسردية في أدب إلياس خوري (1948-2024)، والتي وصفتها بالحكايات الدائرية، والمتوالدة، فالنهاية تفسر البداية، التي تقوم بدورها على إحالات على حكايات أخرى من أحداث التاريخ الواقعية أو من استلهامات الأعمال الأدبية السابقة عليها، ولكن هذه البنى التي يختارها الأديب ليست إمتاعاً جمالياً أو بناءً سحرياً لعالم يمتزج [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34684">الحكاية في التباسات الهوية وانعكاسات الحقيقي والتخييلي </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">تتعدد الدراسات النقدية والأدبية التي تناولت البنى الحكائية والسردية في أدب إلياس خوري (1948-2024)، والتي وصفتها بالحكايات الدائرية، والمتوالدة، فالنهاية تفسر البداية، التي تقوم بدورها على إحالات على حكايات أخرى من أحداث التاريخ الواقعية أو من استلهامات الأعمال الأدبية السابقة عليها، ولكن هذه البنى التي يختارها الأديب ليست إمتاعاً جمالياً أو بناءً سحرياً لعالم يمتزج فيه الواقع بالتخييل، والسيرة الذاتية بالمنام وحسب، بل هي أيضاً تنطوي على غايات أراد الأديب توظيفها في طرح أسئلته الوجودية، والهوياتية، والذهنية. فشكلت خيارات البنى السردية الأدبية تنويعات بين الرواية والأخرى، بحسب الموضوعات والعوالم التي أراد العمل الأدبي اختبارها أو ابتكارها.  </span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">تشكيلات الحكاية وانعكاسات مرايا الهوية</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يستوقف الأديب إلياس خوري في فيلم "خارج الحياة" لمارون بغدادي (1991) مشهداً سينمائياً نرى فيه الصحفي الفرنسي المخطوف "باتريك" داخل زنزانته وهو يقيم حواراً مع حارس زنزانته الذي يطلب من المخطوف أن يعلمه الفرنسية، ويطلب منه أن يختار له اسماً في درس تعلم التعريف عن النفس. يحار الفرنسي قليلاً قبل أن يختار للحارس اسم فيليب، يفرح السجان بالاسم ويطلق بدوره على المخطوف الفرنسي اسماً عربياً هو نعوم. هي لعبة الأسماء والشخصيات والهوية التي تفتن الأديب خوري في المشهد السينمائي، الذي يرى فيه تركيزاً مكثفاً لانعكاسات مرايا الهوية. فيعتبر خوري أن الاسم هو علامة الهوية الشخصية ومعبر لمعرفة الآخر. ولهذه الغاية، يتشكل الأسلوب السردي في روايته "رحلة غاندي الصغير، 1989"، فتفتتح الرواية باقتباس من "ابن عربي" يعبر عن تحولات الأنا بين الفردية والتعددية، بتنويع زوايا السرد المرآتية: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وما الوجه إلا واحد غير أنه    إذا أنت عددت المرايا تعددا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشرع السارد في اللهو مع القارئ في التعريف بهويته: هل هو حضور إنساني أم مجرد صدى ذكريات في صورة؟ وهل معرفة الحكاية هي قدرة تملك الأسماء التي تشكلها؟ "لا أعرف من يحكي ومن يسمع. أنا الذي حكى طوال الوقت. لكني غير متأكد. هل هو صوتي أم هي الصورة؟ لماذا الصور هكذا؟ أرى صورهم وهم يتلاشون كالماء. الماء لا يتلاشى الماء يأخذك ويمضي. وهم في الماء. كلهم يشبهون الماء. أروي الحكاية والحكاية لم تنته. الحكاية هي مجرد أسماء. عندما عرفت أسماءهم عرفت الحكاية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحين يدّعي الراوي تالياً بأن خادمة في فندق تدعى "أليس" هي التي روت له الحكاية، تتشكل هوية أليس غامضةً؛ حاضرةً وغائبة، حقيقية ومتخيلة: " وكانت أليس خادمة في الفندق. هي قالت لي إنها خادمة، لكني لا أعرف. ولا أعرف لماذا روت لي كل تلك الحكايات". وحين تصل الرواية إلى التعريف بهوية الشخصية الرئيسية فيها، أي "غاندي"، فإنه يبدو أيضاً شخصاً هارباً من التعريف، من النسب، ومن التاريخ. فيخلق السارد لاسم "غاندي" مرايا ملتبسة، فهو أيضاً يحمل اسماً آخر "عبد الكريم حصن الأحمدي المغايري": "ولد غاندي الصغير لا يذكر كيف، وسماه أبوه عبد الكريم لأنه يدعى حصن، ولأن والده كان عبد الكريم، وجده حصن ووالد جده عبد الكريم، هكذا وصولاً إلى سفينة سيدنا نوح. لكن سيدنا نوح الذي هرب إلى سفينته لم يكن يتخيل ماذا سيحصل أحد أحفاده. فسيدنا نوح وأمثاله ممن استطاعوا ويستطيعون الهرب، يجهلون أن الحكاية الحقيقية هي حكاية الناس العاجزين عن الهرب". وحين يعتقد القارئ مع نهاية الرواية بأنه امتلك حكاية الشخصية، فإن السرد ما يلبث أن يذكره بأن الحكاية ملآنة بالثقوب، ليفقد المعرفة الكلية، وليفقد قدرة الروي أيضاً: "أذكر كلمات أليس وأحاول أن أتخيل ما حدث، فأكتشف ثقوباً في الحكاية. كل الحكايات ملآنة بالثقوب. لم نعد نعرف أن نروي، لم نعد نعرف شيئاً. وحكاية غاندي الصغير انتهت. الرحلة انتهت والحياة انتهت. هكذا انتهت حكاية عبد الكريم حصن الأحمدي المغايري، الملقب بغاندي الصغير".</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الاستلهام المتفاعل للحكاية بين الحقيقة والتخييل</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يجيب خوري في لقاء سابق نشرته مجلة رمان الثقافية على اقتباس المحاور المعتصم خلف لمقولة تولستوي بأن "موضوع التاريخ ليس ما يريد الإنسان، بل تصورنا لما يريده"، بأنه لا يكتب التاريخ، بل يكتب رواية، مبيّناً أن الحكاية أهم من التاريخ، لأن التاريخ مصنوع، ومؤدلج بينما الحكاية هي التي تبقى. ومن هنا، فإن الأسلوب السردي في رواية "مجمع الأسرار، 1994" يسعى إلى تشكيل أحداث متداخلة بين الحقيقة التاريخية، والاستلهام التخييلي من روايات أخرى. فتتفتح الرواية بقول منسوب لهارون الرشيد في كلامه عن الشاعر ابن السري سهل بن غالب الخزرجي: "إن كنت رأيت ما ذكرت، فقد رأيت عجباً، وإن كنتَ ما رأيته فقد وضعت أدباً". ويختزل ذلك القول العلاقة المتداخلة، الملتبسة أحياناً واللعُبية أحياناً أخرى، بين الحقيقة التاريخية والتخييل القصصي. وبغية التلاعب السردي في هذه المساحة فإن الراوي في "مجمع الأسرار" يوحي بدايةً بأن أحداث الرواية تعود إلى حقيقة تاريخية: "بدأت الحكاية هكذا، وكان السادس من كانون الثاني 1976، توفيت السيدة سارة نصار عن عمر يناهز 80 عاماً. والموت كان متوقعاً، وحده ابراهيم نصار فوجئ به". لكن السارد ما يلبث أن يشكل في ذهن القارئ شعوراً بأنه يتابع متاهة عن حدث أو سر خفي، لغز ستبنى عليه حبكة الحكاية: "السر هو الشيء ونقيضه، المخفي والمعلن، فهو لا يكون مخفياً عن البعض، إلا لأنه معلن للبعض، ولا يتحول إلى حكاية إلا حين يختفي البعضان، عندها لا يعود السر سراً بل يصبح لغزاً، واللغز بحاجة إلى حل". وبعد تشكيل الحكاية بأسلوب الحدث التاريخي، ومن ثم اللغز الخفي، فإن الراوي يقدم براهين ملموسة على أن الحكاية ليست هذا ولا ذاك، بل إنها تتمة مستلهمة من رواية أدبية أخرى، هي "قصة موت معلن، 1981" لغابرييل ماركيز، التي يجب العودة إليها لاكتشاف سر الرواية التي نقرأها: "هل كان الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز يعلم حين كتب روايته "قصة موت معلن" أنه يكشف سر تلك الرسالة الذي بقي غامضاً فترة طويلة". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنها رواية جديدة مستلهمة من رواية سابقة. أما حل لغز الرواية الحالية فهو موجود في الرواية الأصل: "تستدعي حكاية سانتياغو نصار، كما رواها ماركيز، عدة مستويات من التحليل، ولا سيما ذلك الجانب الذي يذكرنا بالحلم. أسطورية الحكاية تشبه المنام. تقرأ الحكاية فيأخذك كل المنام إلى المتاهة، السر هو المتاهة. من أدخل سانتياغو نصار تلك المتاهة من المنامات؟". وبعد أن برهن الكاتب على أن حكاية روايته مستلهمة من رواية أخرى، يتحول الاستلهام التخييلي إلى الشخصية، فتتكشف شخصية "سانتياغو نصار" كاستلهام لشخصية "مورسو" في رواية "الغريب، 1942" لألبير كامو. إن الغرابة هي التي تجمع بين الشخصيتين، وكأن الهامشية انسلّت من شخصية "مورسو" لتخلق وتبتكر شخصية "سانتياغو نصار". ومع اقتراب النهاية، يعيد الرواي نسج استلهامات جديدة عن شخصيته الروائية فيربطها بالإنسان الأول "آدم": "هل كان سانتياغو نصار غيباً؟ سيدنا آدم عليه السلام هو الغريب الأول". كل ما سبق يدفع للاكتشاف بأن السرد في رواية إلياس خوري صُنع ليشكل نموذجاً عن رأي الكاتب، وبأن التداخل بين الحقيقي -  التاريخي وبين التخييلي – الاستلهامي عبارة عن حلقة متوالدة مستمرة من الابتكارات. كل ذلك لفتح أفق الاستلهام بين التاريخ والأدب، وهذا ما حدث حين ألهمت رواية "باب الشمس، 1998" لإلياس خوري مجموعة من النشطاء الفلسطينيين، وعددًا من الناشطين الأجانب، ليبنوا قرية فلسطينية مكوّنة من خمسين خيمة على أرضٍ فلسطينية مصادرة، ويطلقوا عليها اسم "باب الشمس"، ليتناسل حضور المدينة في الرواية إلى الواقع، ويبتكر منها مدينة واقعية مستلهمة من العمل الأدبي.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">تشكيلات الحكاية في الرؤى الحالمة وأصناف المنامات</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكتب الناقد "ماهر جرار" تحت عنوان "اللغة واستراتيجيات النص" عن أدب إلياس خوري: "الدخول إلى عالم خوري يستدعي قراءات متكررة للنص الروائي، حيث تضيف كلّ قراءة بعدًا جديدًا في عملية الاستقبال، واستمتاعًا في التلقي ومشاركةً في جماليات فعل الإبداع. تعيش رواياتُه هاجسَ الأسئلة، أسئلة الرواية وأسئلة الحداثة: هل الكتابة وهْم، وهل تقع حقيقة الحكاية خارج الحكاية؟ فالرواية -بما هي قصٌّ تخييلي- تستعيد عبر أنساق اللغة لحظاتٍ كانت عاشتها الأنا الفرديّة في خضمّ الفعل الاجتماعي لتدفعَها إلى الأمام في نسق جدلية الصيرورة التي تصنع المستقبل. تنطلق غالبية روايات إلياس خوري من موتٍ ما لتحكي قصص الحياة وأحلام الناس البسطاء وآلامهم. وهي تقوم على الاستعادة والتذكر عبر حركة نحو الأمام؛ فالنهاية تفسِّر البدايةَ التي لا يمكن فهمها إلا عبر حركةٍ استعاديةٍ تنطلق من بدايةٍ ليست هي سوى الحكاية نفسها. الموت هو الذي يفتح فجوات القصّ ليفسحَ مجالًا للرواة المهمّشين والأبطال الصغار ليرووا حكاياتهم". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن كل الخصائص السردية المذكورة في الاقتباس السابق، تنطبق على رواية "كأنها نائمة، 2017" لإلياس خوري، التي يبنى السرد فيها على التداخل بين الواقع والمنام في وعي الشخصية الرئيسية "ميليا"، التي تختزن مناماتها حكاية ثلاثة أجيال من عائلتها، وتتنقل أحداثها بين لبنان وفلسطين؛ بيروت ويافا والناصرة. تكتب الباحثة "عايدة فحماوي وتد": "تمتاز هذه الرواية لغوياً بأنها تقوم على المنامات التي تشكل العمود الفقري للسرد. فمنذ العنوان وحتى النهاية تسعى الرواية لموضعة القارئ في حالة بَيْنية لغة وحدثاً، كما أن البُنية السردية التي قد تضلل القارئ تُمَوْضِعه في بَيْنية سردية تتواتر بين سرد لمنام وسرد لواقع موازٍ، فلا يعود سؤال فصل لغة المنام عن الواقع همّاً مشروعاً للقارئ. تزدحم منامات ميليا بقصص ثلاثة أجيال من عائلتها البيروتية، وهنا نتعرف إلى تراكمات تلك القصص في ذاكرتها من خلال فضاءات سردية ضبابية لها أكثر من وجهة نظر، وأكثر من رواية، وهي قصص يبنيها الروائي في لحظات غائمة وملتبسة بين الشك واليقين، كلحظات النوم وساعة الولادة. وتحضر مزق الحكايات التي سمعتها ميليا من عدة أطراف، كما تحضر أطراف الحكايات التي عاشتها بمشاعر متبدلة، وظلال الحكايات التي لم تعشها بعد، لكنها تشعر باقترابها".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تعلمت ميليا في رواية "كأنها نائمة" أن تصنف مناماتها. وفي مضمر السرد، فإن منهجية تصنيف المنامات ليست في العمق إلا أنواعاً للحكايات، فالنوع المتعلق بالمنامات - الحكايات ذلك المتعلق بالحياة اليومية: "النوع الأول، هو المنام السطحي. يأتي في الصباح ويلعب دور الدافع إلى اليقظة. وهو منام بسيط مصنوع من تفاصيل الحياة اليومية"، والنوع الثاني من المنامات - الحكايات ذلك المتعلق بالذكريات والقائم على استرجاعات الصور. "النوع الثاني هو المنام المسيّج. تأخذ ميليا هذا المنام معها إلى النوم، تغمض عينيها، يتنمّل رأسها، وتبدأ في نسج الحكايات والصور. "ترى صورًا تختار من بينها ما تشاء، وتقوم بتركيب العناصر على ذوقها". أما النوع الثالث من المنامات - الحكايات ذلك المتعلق بالأنا الحالمة أو الساردة، حين تبحث عن هويتها في العمق من المعاني والأحداث. "النوع الثالث، هو المنام العميق، في النوعين الأولين من المنامات لا ترى ميليا نفسها، كانت ترى الآخرين، وصورتها لا تنعكس على مرآة الليل، إلاّ في المنام العميق. المنام الذي لا يطفو، بل عليها الغوص بحثًا عنه". إن أحلام ميليا ليست إلا كنايات عن أنواع الحكايات الأدبية؛ حكايات الحياة اليومية، حكايات الذكريات، وحكايات البحث عن الذات. </span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">موت الأديب بداية التوالد العجائبي للحكايات</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في نص بعنوان "الكتابة والألم، 2019"، يشرح الأديب خوري البنية الداخلية في مفهوم الحكاية الأدبية: "بداية الحكاية هي المسألة، وهذا ما يسميه نقاد "ألف ليلة وليلة" الحكاية الإطار، أي الحكاية التي أدت دور نقطة الانطلاق للتوالد العجائبي للحكايات، وُضعت من خارج سياق الحكايات وبعد تأليفها، فإنها تبدو كضرورة شكلية بغاية أن يكتمل السرد ويتخذ شكله الأخير، محولاً الحكايات إلى مرايا. قلت إن الحكايات لا نهاية لها، وهذا يعني أيضاً أنه لا بداية لها، لذا يصير السؤال عن البداية هو سؤال عن إطار للحكاية يسمح لها بأن تأخذ مساراتها. السؤال عن البداية لا معنى له، إلا بصفته سؤالاً عن هذا الإطار". فهل يكون موت الأديب إلياس خوري حكاية أولية، حكاية إطار لتنسج أو لتتوالد من بعده سلسلة الحكايات؟ هل بدأت حكاية الأديب المغامر خوري مع انتهاء سيرته؟ وهل رسم الرحيل والغياب والموت دوائرَ جديدةً لفهم حكاياته وتعمقها؟ ربما يكون ذلك حتمياً حين النظر إليه من زاوية ما كان يؤمن به من أفكار، حول الموت والحكاية، كما كتب في نص بعنوان "الحكاية وأبواب الغياب، 2005": "غريب هو الموت. نقبله دون تردد، يأتي وذاكرته تسبقه، كأن الذاكرة ابنة الموت، فجأة ومن دون مقدمات نتعامل مع الراحلين وكأنهم حكايات. ونبدأ في سرد الذكريات عنهم. الحكاية هي بديل القبر أو نقيضه. القبر ساكن وغامض ومجهول، يكتبه الصمت بممحاة الكلمات. أما الحكاية فلا نهاية لها إلا باختفاء رواتها والمستمعين إليها. ومع الكتابة صارت الحكاية عصية على الامّحاء، إذ إنها تستطيع أن تنتظر وتتجدد وتعيد تأليف نفسها. يتابع بطل الحكاية حياته بعد موته، بل إن الموت يعيد تنظيم الدلالات والأحداث، فجأة يتحول حجاب الموت إلى كشف لا نهاية له، كأن الموت أحد استعارات الحياة، أو كأنه الباب السري الذي تملك الحكاية مفاتيحه".</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34684">الحكاية في التباسات الهوية وانعكاسات الحقيقي والتخييلي </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34660</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 21 Jan 2025 08:33:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34660</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة:</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34660">الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">ينتقد إلياس خوري، أو يسخر من، عمل المؤرّخين في أكثر من صفحة على طول روايته «أولاد الغيتو»، بكتبها الثلاثة. فالمؤرخ، بخلاف الأديب، لا يصدّق القصص ما لم تكن بوثائق ملموسة تكون رسمية، في حين تشدّ الروائيَّ قصصٌ متناقلة شفاهةً لكارثة لم تترك مجالاً للمنكوبين لـ «ترسيمها».</p>
<p dir="rtl">يمتد هذا الانحياز الحكائي لدى خوري إلى ما قبل الرواية الثلاثية، إلى روايته «باب الشمس» (١٩٩٨) التي بُنيت على مقابلات طويلة أجراها الروائي اللبناني في المخيمات الفلسطينية، شاتيلا تحديداً. بنى حكايته على ما حكاه شهود تهجّروا من الجليل الفلسطيني إلى لبنان عام النكبة، وأسّس روايةً شخصية على أساسها، فروايته هذه قصّة حب كما عرّفَها دائماً.</p>
<p dir="rtl">القصة هي أساس الأدب، أما التأريخ فيجد ضالته في المعلومة. لكن، من قال إن كتب التاريخ أشدّ مصداقية من كتب الأدب!</p>
<p dir="rtl">التاريخ لدى خوري -كما أفهمه على الأقل- هو تراكم قصص شخصية، تتشابه القصص لتشابُه الظرف، فيودي التراكم إلى ظاهرة، أو كارثة، كانت النكبةَ في فلسطين عام ٤٨. ألّف خوري في «باب الشمس» واحدة من أعمق التمثيلات و"أجملها" لهذه الكارثة، لم يتجاوزها من بعدها سواه، في الأعوام الأخيرة قبل رحيله، في روايته «أولاد الغيتو»، العمل الروائي الشاسع، للكارثة الفلسطينية.</p>
<p dir="rtl">لم تنَل الرواية بكتبها الثلاثة، بعد، نقدياً على الأقل، ما يفيها حقّها. باستثناء كتابها الأول «اسمي آدم» (٢٠١٦). أما «نجمة البحر» (٢٠١٩) و«رجل يشبهني» (٢٠٢٣)، فلم تنالا، إلى اليوم، مساحاتهما النقدية المستحَقّة، خاصة الختامية منهما، لجدّتها. ولعلّي كنت بين كثيرين ممن نظّموا المسألة: قرأتُ الكتاب الأول عام صدوره. صدر الثاني فاقتنيته وانتظرت، فالأول يوحي بتتابع لصيقٍ ضمن أجزاء الرواية الثلاثية. صدر الكتاب الثالث واقتنيته بقرارٍ مسبق في إعادة قراءة الأول، ٨ أعوام بعد القراءة الأولى، مستتبعاً إياه بالكتابين التاليين، وهو واحد من أفضل القرارات القرائية التي يمكن أن أقول إني اتخذتها.</p>
<p dir="rtl">أعوام قليلة قد نحتاجها لندرك أن «أولاد الغيتو» تتخطى «باب الشمس» في مكانتها الأدبية والتأريخية، لتكون العملَ الأدبي الفلسطيني الأشمل. لكن خوري الروائي بقي مخلصاً إلى الأدب رغم تلك الشمولية. بخلاف أعمال أدبية عربية سعت إلى الشمولية في ثلاثيات ورباعيات وغيرها، لنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وآخرين، فزاحت الشموليةُ الروايةَ من الفرد إلى المجتمع، لتكون أقرب إلى دفتر العائلة منها إلى دفتر اليوميات.</p>
<p dir="rtl">بخلاف ذلك، وازنَ خوري بين العنصرين، منحازاً إلى دفتر اليوميات، بحساسية الأديب تجاه الأفراد، وانتباهه تجاه المجتمع. نحن هنا أمام رواية عمّرت سرديةً فلسطينية، تامة في اجتماعيتها وتاريخيتها، من خلال فرد، وشخصيات قليلة تحيط به. لسنا أمام رواية دوستويفكسيّة أو ماركيزيّة أو بروستيّة تتشعب فيها الشخصيات مشكّلةً شبكة، وتالياً، عيّنةً اجتماعية، وتالياً وبالتراكم، شهادةً لشعب في سياق مُحدّد.</p>
<p dir="rtl">وصل خوري إلى الغاية ذاتها إنّما من خلال فرد لم يطمح، لا هو ولا مؤلّفُه ربما، لأن يكون عيّنة، بل كان، من خلال استثنائيته الحكائية، الفردية، واحداً من أصحاب القصص الفلسطينية المتشابكة فلا تنفصل واحدتها عن الأخرى. خوري في ذلك، مثل باموق، أقرب إلى الرواية الحديثة الغربية، إلى كونراد وسارتر وأوستر. وكان خوري ينقلنا في أعماله الطويلة، برشاقة الروايات القصيرة، من قصة، أو فصل حكائي من حياة آدم، ختمها بعبارة «فتلك حكاية تستحق أن تروى»، ينقلنا إلى أخرى، كأننا لا أمام رواية بنحو ١٤٠٠ صفحة، بل أمام -لنقُل- عشر روايات يحملنا خوري من واحدتها إلى الأخرى. وفيها، عشرتها، جاذبية «ألف ليلة وليلة» وسحر «كتاب الإمتاع والمؤانسة»، حيث ليالي الكلام تتواصل موصلةً القصةَ بالتالية.</p>
<p dir="rtl">غاص خوري بصفحاته الـ ١٤٠٠ في تاريخٍ فلسطيني جمعيّ، بالإخلاص إلى فردانية شخصيته الرئيسية، وخصوصياتها، وقلقها، منذ وُجد آدم مرمياً على صدر أمه الميتة، على قارعة طريق الخارجين يوم النكبة، إلى غيتو اللد، مروراً بحيفا ووصولاً إلى مطعم الفلافل في نيويورك. شخصية واحدة، ملحميّة، رسم من خلالها خوري الشخصية الجمعية للفلسطينيين، المودية أخيراً إلى منفى أوصل الموت بالولادة، الموت احتراقاً في الشقة النيويوركية بالولادة في بلاد تحترق منتكبة.</p>
<p dir="rtl">الرواية التي جعلت من القصة الفردية سرديةً جمعية، ما كان لها أن تفعل، ولا لنا أن ننجذب وننسحر، ما لم تكن تتنقّل بنا في بساط سندباديّ، من حكاية تستحق أن تُروى، إلى أخرى تستحق كذلك، أن تُروى، إلى سرديةٍ لشعب تحقّقت بهذه الملحمة الأدبيّة.</p>
<figure id="attachment_34661" aria-describedby="caption-attachment-34661" style="width: 1024px" class="wp-caption alignleft"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-34661" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54.jpg" alt="" width="1024" height="768" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54-300x225.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54-768x576.jpg 768w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /><figcaption id="caption-attachment-34661" class="wp-caption-text">إلى جانب الياس خوري في مؤتمر في فيينا، ٢٠٢٣.</figcaption></figure>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34660">الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-24 11:54:28 by W3 Total Cache
-->