مقدّمة: الاختلاف والاستجابة
"أنتَ لا تريد سماع أي شيء غير البطولة" [1]
بهذه العبارة يخاطبُ خليل يونس في حديثه حول عدنان [2]، ولعلّه بهذا يخاطبُ القارئ أيضًا، وتحديدًا من يريد إراحة ضميره والاستماع لحكايات الأبطال والبطولة الخالصة، أمّا عدنان فقد انتقل من البطولة إلى الجنون، وضريبة البطولة كانت بسجنه في سجن العدو المُبغِض، وضريبة الجنون كانت بسجنه في مشفى المجانين من قبل الصّديق المُحِب.
لم يمثّل عدنان صورة خالصة للبطولة، وإنّما مرّ بتحولاتٍ عدّة، وتركّز الورقة على عدنان ما بعد السجن، أي بعد أن "كفّ" عن كونه بطلًا أو كُفَّ عن ذلك، وتحديدًا بعد أن عادَ إلى مخيم برج البراجنة، وإن كان قد عادَ كالأبطال كما يروي خليل، كان البطل مع (ال) التعريف كما يصفه يونس، ولكن "ماذا جرى للبطل؟" [3] الرواية تروي ماذا جرى له، بينما تسعى الورقة لقراءة استجابة المُحبّين لاختلاف عدنان.
والاختلاف وفق أودري لورد مركّب أكثر من كونه ثنائيات واضحة وحاسمة بل وتفنّد الرؤية الأوروبية للاختلافات البشرية التي تحصرها "في تضادٍ بسيط مع بعضها البعض السيادة/ الخضوع، الخير/ الشر، الأسمى/ الأدنى" [4]، وتدعو لورد إلى إعادة تعريف الاختلاف وملاحظته، وإن كانت ترى في أنّ ملاحظة الاختلاف لدى النساء تحديدًا فيها شيء من الغضب إلّا أنّها تؤكد بأنّ غضب النساء"يمكن أن يحوّل الاختلاف من خلال الرؤية المتعمقة إلى قوة لأنّ الغضب بين المتكافئين ينتج التغيير وليس التدمير" [5] وإنْ سبّب الغضب شيئًا من عدم الارتياح إنّما هي علامات للنمو وفق لورد، بعبارة أخرى: الغضب المولّد أو الاستيلاد عبر الغضب سيحمل دائمًا في داخله الألم، خاصة في عندما يكون الحديث حول المتكافئين أو الواقعين تحت مباني القمع والهيمنة نفسها.
ويمكن قراءة هذه المقالة على أنّها استجابة لدعوة لورد في تعريف الاختلاف وملاحظته ثمّ محاولة فهم الاستجابة لاختلاف عدنان، وتتمثل الصعوبة في الكتابة هنا بعدم إزاحة لورد ومقالاتها عن سياقها، وكنوعٍ من الحذر وعدم الإزاحة تهتم المقالة بسؤال الاختلاف والاستجابة له، والاختلاف وفق لورد يقع على من "يوجدون خارج أروقة السلطة" التي تحيك خيوط "المعيار الخرافي" المعيار بمعنى ما هو سائد وبطريقة أو بأخرى مفروض من قبل السلطة السياسية والمجتمعية، والمعيارية في هذه الورقة ترتبط بسلطتيْ المجتمع ومنظمة التحرير الفلسطينية.
تعرّف منظمة التحرير الفلسطينيّة من هو الفلسطيني في ميثاقها الوطنيّ ومن هو الفدائيّ وتثبّت ذلك بشكلٍ مكتوب وموثّق وتثبّته وتؤكّد معه معيارية الفلسطينيّ والفدائيّ، وإن كان الفلسطينيّ هو المعرّف من ناحية فلسطينية الأب، فالمقاتلون هم "نواة الجيش الشعبي الذي سيكون الدرع الواقي لمكتسبات الشعب العربي الفلسطيني"، ويتمثّل دوره وغاية المنظمة ككل بـ"استرداد الوطن وتحريره والعودة إليه" [6] وتنعكس تعريفاتها على مجتمع المقاتلين والناس من حيث الممارسة والتوثيق والحسم في التعريف، أمّا عدنان (وهو أحد الفدائيين) فتبدو ممارسته ما بعد السجن الأول/ الاستعماري خارجًا عن معيارية المنظمة، خارج حدية الأبيض والأسود والتعريف الحاسم.
بناءً على ما سبق تأتي مناقشة "جنون" عدنان كشكل من أشكال الاختلاف وفق لورد، كونه خارج عن المعيارية الوطنية والاجتماعية لصورة البطل أو الفدائيّ، أمّا عن أخذ عدنان كعيّنة أو كتمثيلٍ ثقافيّ فيأتي من كون الرواية تمثّل مجموعة كبيرة من الحكايات المتوالدة داخل الرواية (أدبيًا) توالدت من عشرات المقابلات (تأريخيًا) [7] ويمكن الافتراض أنّ عدنان أبو عودة كشخصية روائية هو تمثيل ما لصاحب/أصحاب الحكاية، ولقراءة الاختلاف والتعامل معه (الاستجابة له) تسعى المقالة للإجابة على بعض الأسئلة: كيفَ تمّ تمثيل الجنون روائيًا في شخصية عدنان؟ كيفَ تعامل رفاق وأحبّاء عدنان مع جنونه/ اختلافه/ خروجه عن المعيارية؟
سيتم البحث في هذين السؤالين من خلال ثلاث لحظات أساسية: أولًا، خروج عدنان من السجن الاستعماري واستجابة يونس وابنه له وما في هذا الجزء من رحلة البطولة إلى الجنون. ثانيًا، السيناريو المقترح لنهايته شهيدًا كاستجابة بديلة مُقترحة تتجاوز الجنون نحو البطولة المتخيّلة كنهاية مشرّفة للأبطال، ثالثًا، النهاية الفعلية لعدنان في مشفى المجانين وموته هناك وكيفَ أنّ المحبين هم الّذين أخذوه إلى سجنه الثاني (المشفى) وتركوه يموت هناك متخلين عنه وعن "بطولته".
اللحظة الأولى: الخروج من السجن الأوّل – الاستعماري
"لماذا لا تقول إنّك خفتَ على نفسك، وليس على عدنان؟" [8]
بعد عملية فدائية يقوم بها عدنان مع يونس وثلاثة فدائيين يستشهدون دون أن يتذكّرهم يونس، يتم اعتقال عدنان، وخلال التحقيق لم يذكر يونس بكلمة واحدة، ويُحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثين سنة فينفجر في المحكمة ضاحكًا ويصفّق داخل القفص فيضيف القاضي عشر سنوات بتهمة تحقير المحكمة، وإن كان هذا يستفز القاضي/ العدو إلّا أنّه يسرّ الصديق، فيجعل يونس يروي حكايته باستمرار "كنتَ ترويها بلا كللٍ أو ملل، كأنّها حكايتك" [9] ويرويها بوصف عدنان بالبطل (مع ال التعريف)، فلم يكن عدنان ضمن المعيارية وحسب وإنّما بطلها، وهذه البطولة يحتاجها يونس أكثر من عدنان، لا لأنّ عدنان لم يعترف عنه وحسب وإنّما هي حاجة تأتي كتعويض "عن انعدام الحب تجاه أنفسنا" وفق رنا بركات [10]، والضمير الجمعي هنا يعود على الـ"نحن" وتبدأ إشكالية التعامل معها عندما "يخرج" أحد"نا" عن المعيار، وهذا يتمثل بوسم عدنان بالجنون عندما يخرج من السجن.
جنون عدنان يُربك علاقة الأحباء به؛ فهو بذا يخرج عن المعيار الّذي وُضِعَ فيه وقُرِأَ من خلاله، أمّا صديق عمره يونس وابنه وجميل فلم يستطيعا التعامل معه، لم يستطيعا تعريفه، فما أن يخرج عدنان بصفقة التبادل 1983 حتى يلاحظا أنّه يفقد أعصابه ويتكلّم "مع الناس كأنّه يكلّم السجان الإسرائيليّ ويرطن بالعبرية. ثمّ مع الأيام فقد قدرته على النطق، وصار يصرخ ويخرج من البيت عاريًا" [11]، فيختار يونس تجاهل المسألة وإغماض عينيه.
تشير لورد إلى أنّ الاستجابة إلى الاختلافات بين الناس تتم عادةً بخوف وبنفور من التعامل مع الاختلافات ولكنها تتم عادةً بأحد الطرق الثلاثة: تجاهلها أو تقليدها إن كانت سائدة، أو "تدميرها إذا ما ظننا أنها أدنى منا" [12] ويختار يونس الأولى فيظلّ داخل إطار المعيارية، يرفض التعرّف على عدنان المحرَّر وإن كان "مبدأ تَعرّف على الآخر لتمنحه القوة" [13] يساهم وفق لورد بتشكيل الـ "نحن" ويقدّم استجابة أكثر إنسانية [14] لمن هو خارج عن المعيارية فإنّ البقاء داخلها والتعامل من خلالها يزيد من التشرذم ويزيد من "تقسيم إحساسنا بالـ "نحن"، وتغريبنا عن مفهوم المسؤولية الكامنة في الوجود الاجتماعي" وفق بركات. [15]
لم يبقَ يونس على تعاميه طويلًا فيسمع بعد عدة أيام أنّ جميل (وهو ابن عدنان) يقرر أن يرسل أباه إلى مشفى الأمراض العقلية وهنا يتأزم يونس ويبكي "بكيتَ وقلتَ مستحيل، عدنان بطل، والأبطال لا يدخلون مستشفى المجانين" [16] ويرفض أن يعيش البطل عدنان في دار العجزة حيث يتكدّس المرضى العقليون "كالحيوانات ويعيشون الموت" [17]، ألا يتجاهل يونس مرةً أخرى الاختلاف؟ فهو لم يقدّم فعله أو ردة فعله على جميل من منطلق ما هو كائن بل بالعودة إلى ما كان "عدنان بطل" فعجزه هنا عن التعامل مع عدنان المحرَّر يعيده إلى عدنان المُعتقل وما قبله، بتجاهل تام ليس للنتيجة وحسب وإنّما لكل ما مورسَ عليه خلال اعتقاله.
وإن كان التمثيل وفق ستيوارت هول يعتبر "تجسيد المفاهيم والأفكار والعواطف في شكل رمزي يمكن نقله وتفسيره بشكل ذي معنى" [18]؛ فإنّ المعنى (أو المعنى الواحد) الّذي يعود إليه يونس هو البطولة كنقيض أو مواجهة للمعنى الّذي يضعه جميل وهو الجنون. في الحالتين إمّا أن يتم التعامل مع عدنان السابق (بطل المحكمة) أو مع عدنان النتيجة (المجنون) ولم يقرأ يونس ولا عدنان الرحلة من البطولة إلى الجنون أو التجربة الاعتقالية نفسها وأثرها عليه. هذه التجربة التي يصعب النجاة منها دون أن تصيبه تشوّهات إنسانية، بينما الصمتُ عنها يساهم باستمرار التشويه؛ كما تشير لورد حول قمع النساء السوداوات والصمت "باستطاعتنا الجلوس في ركنٍ صامتين للأبد بينما نحن وأخواتنا نفنى" [19].
كما أنّ كليهما لا يستجيب للاختلاف إلّا وفق المعيارية السائدة وإسقاط المعنى الواحد والحاد وفق هول، أو الامتثال الآلي لرؤية أحادية الجانب وفق باولو فريري في تعليم المقهورين وما بناه عليه أوغوستوبوال في مسرح المضطهدين، حيث يعتمد كلاهما على "إنتاج شخصيات بأصوات متعددة وبالتالي تحرير المشاركين من الامتثال الآلي لرؤية أحادية الجانب" [20]، والأصوات المتعددة أو الكرنفالية تتناقض مع الثنائية أو التضاد البسيط: مجنون/ عاقل أو بطل/ ليس بطلًا، فماذا يفعل عدنان إن لم يكن لا هذا ولا ذاك؟
إن كانت استجابة يونس المعيارية هي بالتعامي والتجاهل أولًا، وبالعودة إلى عدنان السابق ثانيًا، فإنّ استجابة جميل تأتي أكثر تطرفًا وحديةً، فقد أرسَل أباه عدنان إلى موته في مشفى المجانين. وإن كان خروج عدنان عن قانون المستعمِر بقتاله قد أودى به إلى السجن فإنّ خروجه عن المعيارية قد أودى به إلى مشفى المجانين؛ الأول من قبل العدو والثاني من قبل الصّديق. وفي النهاية ومع عدم قدرة يونس على منع مصير عدنان "البطل" فإنّه يختار العودة إلى التجاهل والتعامي إلى حدّ النوم "جئتَ إليّ طالبًا حبوبًا منوّمة وتركتَ صديقك يذهب إلى موته الوحشيّ في ذلك المستشفى" [21]، وقبل التطرّق للمشفى وتجاهل يونس يجدر التطرّق لاستجابة خليل لكلّ هذه التجربة باقتراحه سيناريو مُتخيّلًا لنهاية عدنان.

اللحظة الثانية: سيناريو مُقتَرح
"هذه المرّة سأغيّر الحكاية... أعلنتكَ شهيدًا!"
على طول الرواية يقوم خليل بسرد الأحداث عبر يونس، حيث يستنطقه لإتمام حكايته وحكايات الآخرين من حوله، ثمّ يكتبها بلسانه ولغته وتأويلاته. في قصة عدنان لا يكتفي خليل بممارسة تمثيل الحكايات وحسب، وإنّما يقترح تغيير الحكاية واستبدال النهاية كما يراها أفضل "ألا توافق معي أنّ هذه النهاية أفضل من تلك؟" [22]
يقترح خليل أن يذهب يونس الأسديّ لزيارة صديقه عدنان أبو عودة في مخيم برج البراجنة بعد قضائه ثمانية عشر سنة في السجن، وبعد أن استقبله عند خروجه من السجن واحتفل ورقص أطلق النار في الهواء وطلبَ إلى الناس أن يشتمّوا فيه رائحة فلسطين الّتي كان معتقلًا في سجنٍ أقيمَ على أرضها. عندما ينفضّ الجميع يروي يونس تفاصيل المحكمة ويطلب من عدنان أن يكرّر عليهم مشهده وهو يحقّر المحكمة ويضرب كفًا بكفٍ "انشالله فكركم إنه دولتكم رح تعيش كمان ثلاثين سنة!" [23] ولكنّ عدنان يبقى صامتًا، وتظهر عليه أعراض غريبة، يصرخ ثمّ يسكت، يتكلّم جملة ناقصة، يقول كلمات عبرية، تنتشر أخبار جنون عدنان أمّا يونس غير المصدّق لذلك فيراه ويبكي. وفي النهاية يذهب إليه يجده يتراقص متمايلًا على أغنية "أنا في انتظارك" فيطلق عليه طلقةً واحدة "أعلنتكَ شهيدًا" [24]، ينحني عليه ويبكي "لم أقتلك بل قتلتكَ إسرائيل" [25]. وبهذا يموت البطل عدنان شهيدًا وتُطبع له ملصقات وتخرج جنازة ضخمة في تشييعه.
لعلّ هذه الاستجابة تتلاقى مع استجابة يونس فيما يتعلّق بالبطولة، ولكنّ الفرق الأساسيّ والأقسى هو في أنّ خليل لا يعود إلى ما كان عليه عدنان البطل وإنّما يقترح بل يفرض عليه نهاية بطولية؛ لا تنقذ عدنان من جنونه وإنّما تنقذ يونس ومحبي عدنان من القلق في التعامل مع "جنون" عدنان. وفي هذا السيناريو لا يتعامى خليل عمّا صار إليه عدنان كما فعل صديقه يونس، ولا يدمّره في المشفى كما فعل ابنه جميل وإنّما يقتله "كما يقتل الفارس حصانه الجريح" [26]، وكناية الحصان الجريح تتنافى تمامًا مع غضب المضطهَدين والحب فهي تنطلق أساسًا من الامتلاك والسيطرة بدلًا من الحب كما تشير بيل هوكس في نقدها للحب ضمن منظور الهيمنة الأمريكية. [27]
يطلب خليل إذن من صديق عدنان أن يقتله ثمّ يقول بأنّ إسرائيل هي التي قتلته؛ إنقاذًا ليونس من القلق في التعامل مع المجنون وإعادته إلى إطار البطولة. ألا تبدو بطولة عدنان في السيناريو ممنوحة من المستعمِر؟ فهي بقتلها له تجعل منه بطلًا وتخفي كلّ التناقضات المتمثلة في سلوك عدنان التي يرى فيها خليل انفصام وليست جنونًا أو مرضًا عقليًا، هل يقصد انفصام بين ما هو كائن وما يجبُ أن يكون؟ بين جنونه وبطولته؟ وبقتله أو قتل إسرائيل له يلغي هذا التناقض ويعالج الانفصام؟
وفي كلّ الحالات هناك تجاهل وخوف ونفور من التعامل مع عدنان (كمختلف/ مجنون)، وبالعودة للورد فإنّ عدم الاستجابة وفحص وإعادة تعريف الشروط التي يعيش فيها شخص مثل عدنان سيؤدي إلى الإبادة والعمى والقوة اللاإنسانية وتحرّض على "الرؤية وإعادة البناء، والغضب تلو الآخر، حتى نبني مستقبلًا من الاختلافات التي يخصب بعضها بعضًا" [28] وبذا تتولّد قوة للبحث "عن طرق جديدة للوجود في العالم" [29] أمّا الاستجابة المتمثلة بالتجاهل أو التدمير أو القتل فيمكن قراءتها على أنّها توظيف نفس الأدوات التي يستخدمها المستعمِر، فهو بذلك يستخدم أدوات السيّد لهدم منزله.
ولعلّ إحدى أهم أدوات أو بالأحرى منظومات المستعمِر/ السيّد هي السجن ومشفى المجانين؛ وكما تمّ الذكر سابقًا فالمستعمِر هو من وضع عدنان في السجن أمّا المُحِب (ابنه) فهو من وضعه في المشفى وهذه هي اللحظة الثالثة.
اللحظة الثالثة: الموت في مشفى المجانين – السجن الثاني
"البطل يجب أن يبقى بطلًا، والله حرام، تركتم عدنان، ونسيتموه، ولم تعودوا تتذكرون سوى حكايته، أمّا الرجل فذهب إلى مصيره دون أن يرفّ لكم جفن".
خوفًا من ممارسة تمثيلٍ من نوعٍ آخر، وانتقاء محطات من حكاية عدنان على حساب عدنان نفسه من المهم أن يتم التطرّق في هذا الجزء تحديدًا على "جنون" عدنان، وإن كانت المقالة قد قدّمت سلوكياته في البداية على أنّها "مختلفة" أو خارجة عن "المعيارية" فذلك من باب الانحياز المُعلَن لعدنان. أمّا مرض عدنان فيوصَّف بالجنون وأحيانًا بالمرض العقلي كما ورد في الجزء الأول، ولكنّ يونس يرى فيه انفصامًا كما وردَ في الجزء الثاني، وفي الحالتين لم يتم مناقشة ما هو الجنون وما معنى الانفصام لهذا كانت المقالة بعض الشيء تأويلية في هذا المجال، فمثلًا ما معنى الصحة العقلية في مجتمع عدنان ورفاقه؟ وإن كانت "السلامة العقلية ضغطٌ يُمارس تدريجيًا كي نعيش بصورة عملية في العالم المادي" [30] فما هو السلوك "العقلانيّ" لعدنان؟
اختارَ أو اختيرَ له "الجنون"، ولكن ألا يمكن فهم توظيف الجنون كشكل من أشكال النقد لسلطة المنظمة/ المجتمع؟ أو على الأقل خروج من "عقلانية" القبول بواقع سلطتها؟ وهذه إحدى تأويلات الجنون كطريقة للتساؤل عن سبب جنون المجتمع وفق إدوارد بوند ويرى بأنّ المجانين سريريًا هم الّذين "لا يعودوا قادرين على خلق علاقة عملية مع المجتمع والواقع" [31] وبأخذ السلطة بشيء من المبالغة أكثر ووصفها بالجنون (سلطة تأتي قبل الدولة!) فما الّذي جعل من هذا عقلانيًا وذاكَ جنونًا؟ وإن كان الفرق بين "الجنون الشخصي والجنون الاجتماعي هو السلطة" [32] وفق بوند، فهل يمكن فهم موقف رفاق ومحبي عدنان بأنّهم شركاء السلطة في جنونها ونسيانها لعدنان؟
لعلّ في هذا اتهامٌ ما لسنا بصدد تأكيده أو نفيه. ما تؤكده الرواية بشكلٍ حاسم هو أنّ عدنان قد أُرسِلَ "كمجنون" إلى مشفى المجانين، وهذه المرحلة كلّها لم تكن موجودة بالنسبة ليونس، فعدنان بالنسبة إليه انتهى في المحكمة (عند ذروة بطولته)، أمّا في سجنه الثاني فلم يزره لا هو ولا ابنه جميل، وتركوه يموت هناك ولم يقم أحدٌ بنعيه ولم يشارك يأحد في مأتمه "تُركَ يموت كالكلب في المستشفى" [33]، والمشفى هو سجن كما تقدّمه الرواية وكما يصفه خليل حرفيًا، يرى فيه سجنًا قاسيًا يُسجن فيه عدنان ويُقيّد بسلاسل حديدية "بين أكوام المجانين، روائح المجانين، وأصوات المجانين" [34].
للتذكير مرةً أخرى، جميل ابن عدنان هو من أرسل أباه إلى هذا المكان، ويونس صديق عمره تجاهل الأمر وطلبَ حبوبًا منوّمة، هل يمكن التساؤل هنا عن مكان الحب في هذه التجربة؟ كيفَ يمكن قراءة الحب "كقيمة ثقافية أساسية لمواجهة الأنظمة القمعية" وفق بيل هوكس؟ وإن كانت ترى بأنّ الصداقات "هي المساحة الأكثر ملاءمة لتعلّم الحب وممارسته" [35] فأينَ يمكن موضعة الحب في وضع المحبوب في المشفى – السجن الثاني بعد خروجه من السجن الاستعماري؟
لم يقدّم إلياس خوري تفاصيل السجن الاستعماري، وعلى العكس من ذلك فقد وصفَ تفاصيل مشفى المجانين، ولعلّه هذا هو سؤاله المرتبط بالـ "نحن"، وماذا تفعل الجماعة في أبنائها، ويقدّمه بشيءٍ من القسوة الواقعية: الطابق الأول يوضع المرضى العقليين غير الخطرين. في الطابق الثاني وهو الأقسى نجد قسم للعجزة، قسم للأطفال، قسم للتخلف العقلي، أطفال وناس يتعذبون، يتم ربط الأطفال هناك، زنازين صغيرة معتمة، ممر ضيق لقسم الخطرين، وهنا يجد عدنان مربوطًا بسلسلة حديدية إلى سريره المسيج بقضبان حديدية، أمّا عن سبب تقييده فيقول الدكتور بأنّهم فكّوه فضربَ ممرضًا وكسر يده وأمر بإعادته إلى الصدمات الكهربائية ليصل إلى هذا الحد (نصف ميت!)، وهناك يحتضر عدنان لمدة ستة أشهر بين غرف الصدمات الكهربائية وزنزانة السرير.
لو أنّ خوري لم يعلن بأنّ هذا مأوى عجزة أو مشفى مجانين لاعتقد القارئ بأنّه يقرأ تفاصيل اعتقال عدنان سواء بكلمات مثل "القسم، مسجل خطر، الزنزانة،..." أو بالمعاناة والتعذيب، أو بكافة أدوات الضبط، ولعلّ هذا سببٌ آخر جعله لا يصف ظروف الاعتقال ولكنّه جعله يموت هناك نهاية تراجيدية، التراجيديا بمعنى المأساة التي يسبّبها القريب المُحب، هل يقصد خوري بأنّ الثورة هنا تموت؟ وإن كان قد كتبها بعد توقيع اتفاقية أوسلو (ولادة السلطة وموت الثورة) فإنّ لحظة نهاية عدنان كانت قبل ذلك، ولعلّه بذلك يوصّف السلطة قبل تشكّلها الرسميّ ويمهّد لموتٍ ما لا للثورة وإنّما لشكلها القائم لما فيه من قتل الأحباء والأبناء. من جديد، المُحبون هم الّذين أرسلوا عدنان إلى هذا المكان، تُرِكَ يموت بوحشية هناك! حسنًا، نحنُ بحاجة إلى الحب، تقول هوكس، فالحب يحسّن العلاقات الفردية ولكنّه أيضًا يحمل القدرة على تغيير المجتمعات، وإن كانت ثقافة الهيمنة (الأمريكية وفق هوكس) "تركز على القوة والسيطرة بدلًا من الاحترام والتعاطف" [36] فإنّ على المجتمعات المقهورة أن تعيد فهم الحب وتصوّره كقيمة ثقافية أساسية لمواجهة الأنظمة القمعية وفق هوكس.
السيطرة مرتبطة إذن بالهيمنة وإن كانت تُغلّف بالحب والثورة ومفاهيم الوحدة التي تُوظّف لوضع الجميع تحت معيارٍ حاسم ومحدد، أمّا الحب وفق هوكس فهو قيمة تشاركية تلاحظ الاختلاف وتقرؤه ضمن سؤال القمع وفرض صورة محددة وواحدة ترفض الاختلاف بحجة الوحدة، الوحدة كأداة قمع وفرض هيمنة وسيطرة، وفي الرواية يطرح خوري سؤال القمع، قمع الأحباء واضطهادهم باستخدام أدوات المستعمِر نفسها، أو كما أوضح باولو فريري بأنّ "التركيز الحقيقي للتغيير الثوري ليس فقط على المواقف القمعية التي نسعى إلى الإفلات منها، ولكن على هذا الجزء من القامع المزروع عميقًا داخل كلٍّ منا" [37].
وإن كانت استجابة عدنان ويونس وخليل للمستعمِر بقتاله فهذا سهل وواضح وعرّفته المعيارية في الميثاق الوطني كحق أو خانة من خانات الحقوق، ولكن كيفَ تكون الاستجابة لعدنان الّذي يُصنّف مجنونًا؟ ألم يخرج كلاهما عن قانون ما؟ فلماذا يحتفي الرفاق بالخروج عن قانون المستعمِر بينما يتجاهلون الإفلات من المعيار السائد وطنيًا واجتماعيًا؟ بعبارة أخرى: لماذا يُترَك المقاتل والحبيب والرفيق والصديق والأب عدنان يموت في السجن الثاني – المشفى، ولا يُنظَرُ إليه بينما كان يُحتفى به في السجن الأوّل – الاستعماري؟ بل وأكثر من ذلك يُترك هناك ليتم تعذيبه ويزداد التعذيب عندما يكسر يد الممرض، أي أنّه يمارس عنفًا ما، ويقول بوند في هذا السياق بأنّ المجانين لا يصبحون "عنيفين إلّا عندما يهددهم عالمهم، أو قصتهم عن الواقع" [38] وهذه القصة مختلفة عن قصة المنظمة كما يبدو.
مهما يكن، فإنّ فعله لم يعبّر عن أيّ كراهية أو حقد وإنّما عن الغضب؛ والغضب لا يدمّر وإنّما يولّد المعرفة وفق بركات [39]، الغضب استيلاديّ أمّا الكراهية والحقد فتدميريّان وفق لورد، الغضب موقف سياسي وجدلي في قدرته على التوليد أمّا الكراهية فعداء وتدمير، ومهما يكن فقد تُرِكَ عدنان يموت في المشفى وحيدًا.
بمثابة خاتمة: خليل ويونس
"الحرية يا أبي هي أن نكون قادرين على الخطأ" [40]
يرفض خليل أن يتكرر الشيء نفسه مع يونس، فكل هذه الحكاية المتعلقة بظروف السجن الثاني يرويها خليل عندما أوشك صديقه يونس أن يُساق إلى المصير ذاته وإلى المكان ذاته "إلى هناك، يريد الدكتور أمجد إرسالك. هناك حيث ربطوا عدنان وعذبوه وقتلوه" [41] ويرفض خليل بشكلٍ قاطع، سيتضح أول الأمر أنّ رفضه يأتي حبًا ليونس "أنتَ لا تعرف شو يعني يونس؟"، ولكن بعد لحظات يتبيّن بأنّه يدافع عن بطولة صديقه لا عن صديقه نفسه "لا يمكن، لن ينتهي البطل في مقبرة الأحياء" [42].
خليل أيضًا يخاف على نفسه (وهي التهمة التي وجهها ليونس مرارًا في موقفه من عدنان)، يختبئ في المشفى مع يونس ويرفض نقله إلى السجن الثاني، ويُتّهم بالجبن والاختباء من شبح شمس وعصابتها، يعترف بخوفه ولكنّه في المقابل يصرّ على البقاء مع يونس "أنا معكَ كي لا تكون وحدك، ولا أكون وحدي، عيب أن نترك بطلًا مثلك يتعفّن في سريره" [43] وسواءً كان حبّه لشمس أو حرصه على "بطولة" صديقه يونس ما دفعه للاختباء في المشفى ففي الحالتين هناك حب وحاجة للذين يحبهم. "المستشفى يعني أنت، وأنا لا أستطيع التخلي عنك، حتى لو لم أكن خائفًا أو مطاردًا أو واقعًا في مصيدة شمس" [44]، وفي كلا الحالتين يدفعه الحب إلى الخوف والاختباء إلى درجة الشك في "عقله" ويتساءل مرارًا "أنا انجنيت؟".
هي يمكن فهم "البطولة" والاهتمام بها على أنّها تناقض القدرة على الحب؟ وهل "تلعب ثقافة تبجيل فعل البطولة ظاهرة بديلة لبلورة إحساسنا بالمسؤولية الجماعيّة" [45] كما تقول بركات؟ فيمكن ربط الحب بالمسؤولية أمّا البطولة فتعفي من المسؤولية وتجعل يونس يأخذ حبوبًا منوّمة ويغفل واقع عدنان بعد أن تحوّل من البطولة إلى الجنون، في الحب مسؤولية ما تحاجج بها هوكس، وتؤطر له معرفيًا ونظريًا ليصير ممارسة، وتعبّر عنه كقيمة ومفهوم في مواجهة السلطة القمعية، تتحدث في محاضراتها عن إنهاء العنصرية والتمييز فيستمع الجمهور والشباب لها كون الطرف الآخر سيكون السيّد/ القامع، أمّا عندما تتحدث عن الحب فيصبح الجمهور "وخاصة الشباب، متوترًا" إذ يتساءل عن "مكان الحب في أي حركة من أجل العدالة "، ولا يزال الشباب (كما تقول) "يترددون في تبني فكرة الحب كقوة محورية للتغيير" [46]
تؤكد هوكس بأنّ للحب قدرة على إحداث تغيير اجتماعي. والحب بطريقة أو بأخرى هو استجابة رؤوفة وعادلة لمن هو "مختلف" أو خارج عن المعياريّ، وهذا بحاجة إلى القلب كمقرّ للتعلّم وفق لورد، هي دعوة لاعتماد القلب "فالقلب يرف مهما الرياح الدنيئة سيئة جارفة" كما يقول مظفر النواب، وعدا عن هذا ستظل العلاقة مع الـ"نحن" هي علاقة مفرّغة في خانات: خانة الجنون، خانة البطولة، خانة الفقر، خانة المرأة، خانة الكوير... وغيرها، وكل من هو خارج هذه الخانات أو بالأحرى متداخل فيها سيبدو قلقًا ومُقلقًا، وإلّا فكيفَ يمكن لعدنان أن يمارس وجوده ويعيش أزماته المتعلقة بالسياق الاستعماريّ ضمن السؤال الجماعي حول التحرير والعودة دون أن تمارس الجماعة عليه دورًا محددًا لا حياة له خارجه؟ وكيفَ يمكن لخليل أن يوقظ مروية يونس دون تمثيله وتصنيفه وتعريفه؟ وهو طوال الوقت يسعى لهذا، أمّا الجنون فواحدة من الحكايات وإن كان لها أثرها عليه واضحًا فربّما لأنّه هو أيضًا يشعر بشيء من الجنون والسجن "سجين لا يملك سوى حكايات يؤلفها عن حريّته. سجين المستشفى، وسجين الحكاية" [47] ويشكّك في الحكايات ويحاول أن يرويها ويقدّم الثورة من خلالها، ولكنّه (وباعترافه) لا يعرفها وعليه البحث عنها من الأول كما يقول في ختام الفصل الأول من الرواية.
من الأول...
شكر خاص للدكتورة رنا بركات على مساعدتها في إنجاز هذه المقالة والتي جاءت ضمن دراستي في الدراسات الثقافية النقدية – جامعة بيرزيت
