فصل من رواية "لا بريد إلى غزة": بين رياضة الباركور وحفر القبور

محمد جبعيتي

كاتب من فلسطين

أثناء حفري القبر، صادفتُ ثعابين بأحجامٍ متفاوتة، سوداء اللون، كان آخرها الأكبر حجمًا، بعينَيْن حمراوَيْن. شرح لي والدي أنَّ الثعابين تحبُّ العيش في جماجم الموتى، وأنَّها دليلٌ على سوء الخاتمة.

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

07/08/2025

تصوير: اسماء الغول

محمد جبعيتي

كاتب من فلسطين

محمد جبعيتي

حاصل على درجة الماجستير في الأدب العربي، يعمل في مجالي التعليم والصحافة. له من الروايات: "غاسل صحون يقرأ شوبنهاور"، و"عالم 9" صادرتان عن دار الآداب اللبنانية.

صدرت حديثاً عن دار الآداب في بيروت.

قبرٌ يضيق كلَّما أعملتُ فيه معولي

لن نتحرَّر من المخاوف إلَّا باقتحامها

شاهدة قبر المرحوم العدَّاء زكريا حسني عايش الدبس

 

ما إن اقتربتُ من المقبرة حتى فتحتِ السماء أبوابها بهطولاتٍ غزيرة.  مشيتُ ببطءٍ بين شواهد القبور بجزمتي المهترئة، خائضًا في الوحل.  مقبرةٌ إسلاميَّةٌ تضمُّ آلاف القبور في صفوفٍ متوازية، محاطةٌ بجدارٍ إسمنتيٍّ وأشجار سروٍ وصنوبر. بعض القبور مبنيَّةٌ من الحجر الأبيض، وبعضها الآخر تربته رمليَّةٌ حمراء، مطوَّقةٌ بالطوب، بشواهد رخاميَّةٍ بيضاء مغسولةٍ بالمطر، تعلوها كتاباتٌ أفقيَّة، يجاورها اسم الميِّت، وتاريخ وفاته، وآيةٌ قرانيَّة. لاحقتُ بهوسٍ هذه الكتابات طيلة سنوات، زرتُ خلالها عشرات المقابر، ودوَّنتُها في دفترٍ خاصّ.

وجدتُ بقعةً خاليةً قرب آخر قبرٍ من الناحية الشرقيَّة. أحسستُ بها تناديني لأُعمِلَ فيها معولي. ثمَّة مساحاتٌ في المقبرة تصل مرحلة النضوج، كالبشر تمامًا، وتصبح مهيَّأةً لاستقبال الجثامين.

مشيتُ إليها ومعي عدَّة الحفر. وقفتُ فوق البقعة المستوية، التي ستتحوَّل إلى حفرةٍ بعد لحظات. تأمَّلتُها بخشوع، كفنَّانٍ يقف أمام لوحته، ثم أخرجتُ أداة القياس وأخذتُ المقاسات. وضعتُ أربعة أحجارٍ صغيرةٍ لتحديد زوايا القبر؛ بُعداه متران طولًا، و80 سنتيمترًا عرضًا.

قبضتُ على المعول بقوَّة، وضربتُ به الأرض الرمليَّة. رنَّ صوت الضربات في فضاء المقبرة، عميقًا وقاسيًا، كأنَّه ينبثق من جوف الأرض. لم أحتَج عزمًا كبيرًا، احتجتُ ما يكفي فقط لتحطيم القشرة الرقيقة التي تصلَّبت بفعل خطو الناس فوقها. وباستخدام المجرفة رفعتُ التراب، وألقيتُ به إلى جانبَي الحفرة.

بخلاف ما هو متوقَّعٌ من أنَّ الحَفر عمليَّةٌ رتيبةٌ وعديمة الجدوى، وجدتُ في هذا العمل المتكرِّر متعةً فائقة، وممارسةً تأمُّليَّةً لتصفية ذهني. ما إن أبدأ بالحَفر حتى أنفصل عن واقعي، فأحفر عميقًا في عالمٍ أشدَّ غموضًا وغرابة.

أشعر بدفء الحفرة الغائرة كما لو أنَّني في حضن أمِّي، وأجدها في غاية التماسك والعمق. الأهمُّ أنَّ القبر حقيقيٌّ لم يأكله الزيف، كما هي حال بيوت الأحياء. قليلون مَن يتجرَّؤون على النزول في حفرةٍ ستغدو قبرًا، ما يجعل مهنتي مختلفةً عن غيرها.

تنتهي عمليَّة الحفر في ظرف ثلاث ساعاتٍ أو أربع على الأكثر، لكنَّ هذه الحفرة ظلَّت تضيق كلَّما أعملتُ فيها معولي، ولا تتَّسع إلَّا قليلًا. استمرَّيتُ في دكِّ الأرض العنيدة دكًّا عنيفًا. شعرتُ بالخوف، وأقنعتُ نفسي بأنَّني أتوهَّم أو أشعر بالدوار. جلستُ على كومة الطين لأستريح وألتقط أنفاسي وأشرب بعض الماء، وغنَّيتُ أغنيةً عن الوحدة ومتعة الحفر: » أنا وحيد... أحفر في الأرض الباردة قبرًا... أنا وحيد... ما أجملها من لحظة... مكاني في حفرة... عالمي وبيتي... أنا وحيد... أحفر في الأرض الباردة قبرًا«.

انتصف النهار وما زلتُ أحفر في الأرض الموحلة، وقدماي تغوصان في الوحل، فيما رشقات المطر التي لا تكاد تتوقَّف تزيد العمل صعوبة. كان الحفر مضنيًّا هذه المرَّة. عكفتُ ألاحق التراب اللزج مثل كلبٍ سائب. شعرتُ بأن وقتًا طويلًا قد مرَّ من دون تحقيق أيِّ تقدُّم. خفتُ أن يتحوَّل أكثر كوابيسي رعبًا إلى حقيقة؛ أن أظلَّ أحفر بلا نهاية.

استحضرتُ ما قاله لي والدي: » بعض القبور تعاندكَ أثناء الحفر بسبب سوء أعمال المتوفَّى، كأنَّها تستعجل الضيق والإطباق على جسده، والعياذ باللَّـه، حينها عليكَ بالدعاء وقراءة القرآن. «  انتبهتُ إلى شناعة فعلي بالغناء أثناء تجهيز القبر، فاستعذتُ وقرأتُ سورًا من جزء عمَّ.

تعبتُ حدَّ الإعياء، وجلستُ غير قادرٍ على مواصلة الحفر. أحسستُ بحركةٍ خلفي، فوجدتُ موكب الجنازة قد وصل إلى بوَّابة المقبرة. أدركتُ الورطة التي وجدتُ نفسي فيها حالما اقترب المشيِّعون من القبر، لكنَّ الغريب أنَّ أحدًا منهم لم يلتفت نحوي. نظرتُ بدهشةٍ إلى القبر بأبعاده الطبيعيَّة، ورأيتُ أنَّه أجمل قبرٍ حفرته في حياتي.

احتشدت السماء فجأةً بغيومٍ سوداء ثقيلة، وهبَّت ريحٌ قويَّةٌ عصفت بأشجار السرو والصنوبر التي تحيط بالمقبرة. سمعتُ صوت غراب، وتمتمات أدعيةٍ وصلوات. تجمَّع حول الحفرة عددٌ غفيرٌ من الناس يرتدون معاطف ثقيلة، ومن خلال فرجةٍ بين أرجلهم لمحتُ الجثَّة الهامدة بكفنها الأبيض. كانت مرميَّةً بإهمال، تنتظر لحظة الدفن التي تأخَّرت.

التفت الرجال صوبي، ناظرين إليَّ نظراتٍ غريبةً وكئيبة، كأنَّها تدعوني لفعل شيءٍ ما. وعندما انتبهوا إلى المجرفة الوحيدة التي تعلو كومة الطين، أدركتُ أنَّهم يحتاجون مساعدتي. أنزلوا الجثمان في القبر، ووضعوه على جانبه الأيمن، رأسه ناحية القِبلة. ثم غرزوا ألواح الدعامات واحدةً بعد أخرى، ربَّما لتمنعه من الهروب، أو لتحميه من أعداءٍ مجهولين. سدُّوا الفراغات بين الألواح بكُرَات الطين، وهالوا فوقه التراب الذي أخرجته من القبر، ثم ثبَّتوا شاهدتَيْن في الأرض؛ زرعوا الأطول عند رأسه، وحملت اسمه وتاريخ وفاته، فيما غرزوا الأخرى عند قدمَيْه.

مشيتُ فَزِعًا صوب البوَّابة، أبحث عن علبة السجائر في جيب سترتي.  أخرجتُ سيجارةً والتهمتها بنهم. كنت جائعًا للنيكوتين، ودمي يطلبه بجنون. حوَّلت صدري إلى مدخنةٍ مليئةٍ بالسُّخام، بعد ساعاتٍ مضنيةٍ أتلفتُ فيها أعصابي، وأرقتُ عرقًا كثيرًا لأنَّني لم أفهم ما جرى.

ما إن دخلتُ البيت حتى ولجت الحمَّام، وفتحت الدُّش ليتدفَّق منه الماء الساخن. هرولتُ إلى غرفتي أبحث عن الأغطية الصوفيَّة. فردتُها على السرير، وفتحتُ الدُّرج وأخرجتُ منه علبة أقراصٍ منوِّمة. ابتلعتُ قرصًا، وأطفأتُ لمبة الغرفة. ارتميتُ على الفراش وتدثََّرتُ بالأغطية. شعرتُ ببردٍ شديدٍ ينخر عظامي.

بقيتُ نائمًا طيلة فترة ما بعد العصر، وعندما استيقظت شعرت بصداعٍ رهيب.  وضعت الركوة على النار لأُحضِّر القهوة، وجلست على كنبة الصالون أُنقِّل نظري بين أفراد أسرتي الذين طبعت صورهم في مكتبةٍ قريبة، وعلَّقتها على حائط الصالون. ألصقت صورة أمِّي في الأعلى، ثم رتَّبت صور أخي وأخواتي تحتها لتُشكِّل مثلَّثًا. اعتدت الجلوس وأنا أشرب القهوة متأمِّلًا وجوههم، لأُجدِّد حواري معهم وأسمع أصواتهم.

وجه والدي خارج مجموعة الصور، يمثِّل في ذهني قطعة رخامٍ لا توحي بشيء. ليس راضيًا ولا غاضبًا، وليس سعيدًا ولا حزينًا. يبدو وجهًا رصينًا، يتهيَّأ لتأدية واجبه في الخدمة العسكريَّة.

لمَّا ذهبت إلى السرير، رأيت أخي في حلمٍ مُقتبَسٍ من حفري للقبر الذي يضيق كلَّما حفرته. وجدتني واقفًا بمحاذاة قبرٍ ومن حولي المشيِّعون. سألتهم: لمن هذه الجثَّة؟ لم يجِبني أحد. لماذا أنا حزينٌ إلى هذا الحدِّ على الميِّت، إن كنت لا أعرفه؟ تناهى إلى مسمعي دعاء أحدهم:  »اللَّـه يرحمك يا أحمد! «، وأضاف آخر:» اللَّهم اجعلها روضةً من رياض الجنَّة، ولا تجعلها حفرةً من حفر النار«.

وقفتُ فوق الجثَّة، وشعرتُ بأعضائي قد تصلَّبت. انحنيت بصعوبةٍ لأتأكَّد من هويَّتها، وكشفت الغطاء عن وجهه. أبصرت وجهًا يفيض بابتسامةٍ مشرقة، وكأنَّه ما زال على قيد الحياة. شاهدت حاجبَيْه الكثيفَيْن الأسودَيْن كما عرفتهما دائمًا، لكنَّهما كانا هذه المرَّة فوق جفنَيْن مسبلَيْن.

حدَّقت في وجهه بتركيز، ثم مرَّرت أصابعي على خدَّيْه وأنا أهمس باسمه باكيًا. تساقطت دموعي لتغسل وجهه، وكنت أصرخ بحرقة، حتى تحوَّلت الدموع إلى نهرٍ انحدر نحو القبر. إنَّه أخي أحمد الذي انتظرت عودته منذ سنوات. كيف عاد من غيبته الطويلة؟ كيف هرب من ثلَّاجة الموتى وحرَّاس الجثث؟

فجأة، فتح عينَيْه ونظر إليّ. سألته:

ـ أحمد، هل تسمعني؟

ـ طبعًا، أسمعك.

ـ ماذا تفعل هنا؟

ـ حبسوني في هذا الكفن، أرجوك حرّرني!

حين همَمتُ بتحريره من الكفن، تقدَّم نحوي رجلان ضخمان وسحباني إلى الخلف. أبصرت عينَيْه وهما تنفتحان على الضوء قبل أن تختفيا، ويتحلَّل وجهه ليبقى منه جمجمةٌ عارية.

صرخت بهم أنَّ أخي حيّ، لكنَّهم أطبقوا عليَّ بقبضاتهم القاسية وهم يذكِّرونني باللَّـه. حملوه إلى القبر. أطلقت صراخًا يشبه العواء، لم يستجيبوا له. ظنُّوا أنَّني أتوهَّم، وقطعوا الأمل في دفني له، ثم هبط ظلامٌ كثيف.

كان بوسعي فعل شيءٍ ما بدل تركه بين أيدي أولئك الغرباء والاكتفاء بالصراخ، غير أنَّني تركتُه مهمَلًا وتخلَّيتُ عنه. لو أنَّ الموت لم يوجد، ولو لم أكن موظَّفًا لدَيْه! شعرت بأنَّني أختنق. أَسَألتُهُ يومًا: ما بك؟ لِمَ تجاهلتُهُ واعتقدتُ أنَّني محور الكون؟ يا إلهي، كم كنت أنانيًّا؟ الآن، في لحظة الموت، أتمكَّن من رؤية الأشياء على حقيقتها.

هربت، كما اعتدتُ أن أفعل طيلة حياتي. خفتُ أن يقبضوا عليَّ ويلقوا بي في مستشفى المجانين. ركضت في مقبرةٍ واسعة، قفزت فوق القبور بشواهدها الرخاميَّة، وواصلت الركض حتى وجدت نفسي داخل حقل قمحٍ يغطِّي الأفق. شققت الحقل بجسدي المنهَك. بدا لي أنَّه من دون نهاية. شعرتُ بالدوار، فسقطتُ على الأرض.

فقتُ من نومي لاهثًا ومبلَّلًا بالعرق. مسحت وجهي بقماش البيجامة، وكانت الغرفة غارقةً في العتمة. شعرت برأسي ثقيلًا يكاد يتفجَّر ألمًا. مشيت بصعوبةٍ صوب نافذة الغرفة، وأزحت الستائر لأستكشف الجوّ. أدركت أنَّني في فترة الصباح. نظرت إلى الحوش الصغير المليء بفوضى الأثاث المستعمل، ونفايات الجيران، والأغصان الجافَّة.

جلست على حافَّة السرير، ونظرت صوب عقارب الساعة التي تقترب من الثامنة صباحًا. مشيتُ نحو الحمَّام، وغسلت رأسي بالماء البارد وحلقت ذقني. رنَّ هاتفي المحمول من نوع نوكيا. كان الرقم غريبًا، ما يشير إلى أنَّه ليس من معارفي.

ـ ألو.

ـ أهلًا.

ـ أعطاني رقمك أبو وليد، نريدكَ أن تجهّز لنا قبرًا قبل صلاة الظهر، ولن نختلف على الأجرة.

ـ كم عمر المرحوم؟

ـ إنّها جدّتي، ماتت في الخامسة والثمانين ... بسرعة أخي، لا تتأخّر.

خلعت بيجامتي، وأخرجت من أسفل الخزانة سروالًا رياضيًّا ممزَّقًا ومتَّسخًا ببقع، وكنزةً صوفيَّةً زرقاء، وسترةً جلديَّة، وسحبت طاقيَّةً سوداء من الدولاب وضعتها على رأسي.

بيتنا صغير، يتألفَّ من غرفتَيْن: الأولى لأمِّي وأبي، والأخرى لأخواتي الأربع. أمَّا أنا وأخي، فكنَّا ننام على أرضيَّة الصالون التي نفرشها بحصائر قشٍّ وسجَّادٍ رخيص. وينتهي الصالون بمطبخٍ يقع في زاويته. ورغم ضيق مساحة بيتنا، كنَّا محظوظين بوجود باحةٍ خلفيَّةٍ حوَّلتُها إلى ملعبٍ في صغري، تنبتُ في آخرها شجرة تينٍ كبيرة، لطالما تسلَّقتُها واختبأتُ بين أغصانها الكثيفة.

أخرجت بيضتَيْن من البرَّاد، وفقستهما في القلَّاية وتركتهما على النار. ووضعت على عين الغاز إبريق الشاي، فيما صففت على طاولة المطبخ صحون اللبنة وزيت الزيتون، ورغيف خبزٍ أخرجته من الثلَّاجة وسخَّنته.

بعد انتهائي من الفطور، تركت ركوة الماء حتى تسخن. مشيت باتِّجاه الباب المعدنيِّ في خلفيَّة المنزل، الذي يطلُّ على حوش البيت. فتحته لأطمئنَّ على عدَّة الحفر. وجدتها في مكانها. حملت دلوين بلاستيكيَّيْن أسودَيْن، داخلهما فأسٌ حادَّةٌ ومجرفةٌ بمقبضَيْن خشبيَّيْن طويلَيْن، وضعتهما بمحاذاة الباب لألتقطهما عند خروجي.

جلست إلى الطاولة أشرب فنجان القهوة، محدِّقًا من خلال زجاج النافذة نحو الحوش. استغرقت في التفكير بدلالات الحلم، وما عدت أسمع غير الأصوات داخل رأسي.

لم تكن المرَّة الأولى التي أحلم فيها بأخي. غالبًا ما تزورني أحلامٌ غير مكتمِلة، وإذا كنت محظوظًا وبقيت أتذكَّرها، فإنَّني أتمكَّن من تركيب الحلم بشكله النهائيّ، لذا مع نهاية الشهر أجد في رصيدي ثلاثة أحلامٍ أو أربعة.

الأسوأ أنَّ أخي لا يأتي في الحلم إلَّا مبتورًا؛ مرَّةً بلا رأس، ومرَّةً بلا ساق. وليست هذه الأحلام مجرَّد بقايا تتبدَّد مع خيوط الفجر الأولى وينساها الحالم أثناء النهار، بل إنَّها تدفعني إلى الجلوس والتفكير طيلة ساعات محاولًا فهم دلالاتها؛ فماذا يعني أن أحمل رأس أخي مقطوعًا عن جسده؟ أو أن أراه جثَّةً محترقة؟

لم أعرف أكثر ممَّا يتداوله الناس. قالوا إنَّه مقاتلٌ في «سرايا القدس»، الجناح العسكريُّ لحركة الجهاد الإسلاميّ، استُشهِد في اشتباكٍ عسكريٍّ مع قوَّاتٍ خاصَّةٍ إسرائيليَّةٍ خلال حرب عام 2012 على التخوم الشرقيَّة، واستطاع الجنود سحب جثَّته رغم كثافة النيران، ثم احتجزوها في ثلَّاجة موتى بانتظار صفقة تبادلٍ محتمَلة.

وهناك روايةٌ أخرى، يتبنَّاها عددٌ من المقاتلين، تشير إلى أنَّ طائرةً اغتالته بينما كان يُلقِّم إحدى منصَّات الصواريخ، فتمزَّق جسده وطارت قطع لحمه المحروق، وعَلِق بعضها بأغصان الأشجار المغبرَّة. وقالوا أيضًا إنَّ النفق الذي احتمى به أثناء المعركة تهدَّم، بعد أن قصفته طائرةٌ بصاروخَيْن ارتجاجيَّيْن.

شغَّلتُ التلفزيون، وأمسكت جهاز التحكُّم وقلَّبت بين القنوات الإخباريَّة. فشلتُ بالابتعاد عن متابعة الأخبار. منذ اختفاء أخي، داومتُ على الجلوس أمام شاشة التلفزيون أملًا في سماع خبرٍ عنه.

في غزَّة، لا يسير الوقت إلى الأمام، بل يدور حول نفسه داخل حلقةٍ مُفرَغة. تكرَّر الأخبار نفسها منذ سنوات: التحذير من عدوانٍ جديد، وعودٌ فارغةٌ برفع الحصار، لقاءاتٌ بين الفصيلَيْن الكبيرَيْن لإنهاء الانقسام، من دون أن تكون لديهما رغبةٌ حقيقيَّةٌ في تحقيق المصالحة.

رشفت رشفةً أخيرةً من فنجان القهوة، ثم نهضت ووضعت الفنجان في المجلى. غسلت الأطباق المتراكمة منذ الأمس، ثم توجَّهت نحو المدخل لأرتدي جزمتي الجلديَّة.

في الخارج كان البرد قارصًا، وهطلت الأمطار بسخاءٍ فأغرقت الطرقات وأزقَّة المخيَّم. بدت السماء مظلَّةً رماديَّةً كئيبة، تتزاحم فيها سحبٌ ثقيلة. شتاءٌ طويلٌ وبارد، يقول العجائز إنَّهم لم يعرفوا مثله طيلة حياتهم. عندما اجتزت عتبة البيت، استقبلني ضجيج طائراتٍ من دون طيَّار، وهي طائراتٌ لا تغادر أجواء غزَّة، تطنُّ فوق رؤوسنا مثل خليَّة نحل.

سلَّمتُ في طريقي على أصحاب محالِّ البقالة، الذين يدخِّنون السجائر ويشعلون الحطب في الكوانين وتنكات الزيت الفارغة، بعد أن أدخلوا بضاعتهم وعرضوها على مناضد خشبيَّة. وسلَّمتُ على أبي صبحي، صاحب مطعم الحمُّص والفلافل الذي أتردَّد عليه منذ طفولتي.

مشيتُ تحت زخَّات الأمطار صوب مقبرة الفالوجا، منتعلًا جزمتي الملطَّخة بالطين. وجدت الطريق موحلةً في بدايتها، ثم بدأت برك الماء تلوح لي. طويت طرفَي بنطالي استعدادًا لاجتيازها، وشتمت البلديَّة التي لا تفعل شيئًا لتحسين حياة الناس.

شاهدت البيوت المتهالكة على ضفَّتَي الطريق، التي تغرق في كلِّ شتاءٍ بفيضانٍ من المياه المتَّسخة، بينما يحاول أصحابها انتشال الماء لتخفيض منسوبها، وإنقاذ أثاث بيوتهم. كافح غالبيَّة أهل المخيَّم لتحسين بيوتهم، بعد أن كانت مجرَّد خِيَم، فحوَّلوها إلى علب إسمنتيَّة تعلوها ألواح الزينكو. قلَّةٌ منهم استطاعوا الخروج من المخيَّم والعيش في المناطق المجاورة، مثل بيت لاهيا وبيت حانون ومدينة غزَّة. أمَّا والدي، فلم يعرف غير التذمُّر والشكوى. اكتفى بالعمل في مهنةٍ ظلَّ يقول إنَّها شريفة، ولها أجرٌ عظيم، مع أنَّ النقود التي يكسبها لا تكفي لسداد ثمن طعام الأسرة.

غزت أنفي رائحة المجاري، والخضراوات العفنة، والطين الملوَّث بروث الحيوانات. رائحةٌ قويَّةٌ لا يمكن نسيانها حتى لو مرَّ عليها سنوات. بعد أن خرجت من المستنقع بسلام، دخلت شارعًا أفضل حالًا. على أحد الأرصفة، اصطفَّ عددٌ من العمَّال بانتظار وصول سيَّارةٍ لتقلَّهم. كانوا يدخِّنون، ويثرثرون، ويضحكون، ويشربون القهوة في أكوابٍ كرتونيَّة. أمَّا على الرصيف المقابل، فكانت سيَّاراتٌ متوقِّفة، وبسطات، وعرباتٌ تتدلَّى من أسقفها ملابس صوفيَّة، وأغطية رأس، وأشياء كثيرة.

واصلت سيري وأنا أحمل عدَّة الحفر، فقد كنتُ معتادًا الذهاب مشيًا مهما كانت الظروف أو الأحوال الجويَّة. هي الطريق ذاتها التي سلكها والدي، الذي ظلَّ يعلن دائمًا، ونحن ذاهبان إلى العمل:  «لن أُضِيع الحسنات التي يمكن أن أجنيها فأركبَ سيَّارة».

وجدت نفسي أمام تدوير الحياة نفسها، فقد كان يختنق ما إن يخرج من حياته التي أفنى معظمها في المقابر. لم يعرف غير قطاع غزَّة، بل إنَّه لم يخرج من مخيَّم جباليا غير مرَّاتٍ قليلة. التقينا في نهاية المطاف أنا ووالدي على هامش الحياة، على ضفَّتَي قبر.

أثناء حفري القبر، صادفتُ ثعابين بأحجامٍ متفاوتة، سوداء اللون، كان آخرها الأكبر حجمًا، بعينَيْن حمراوَيْن. شرح لي والدي أنَّ الثعابين تحبُّ العيش في جماجم الموتى، وأنَّها دليلٌ على سوء الخاتمة.

لطالما سمعت خلال عملي في المقبرة أصواتًا تشبه زمجرة الكلاب تتصاعد من القبور، وكنت أظنُّ أنَّها مجرَّد تخيُّلات، خاصَّةً أثناء تجوالي ليلًا. أحيانًا كنت أسمع أصوات جري، فأذهب لاستكشاف الأمر، لكن سرعان ما كانت تلك الأصوات تختفي. فسَّر بعض الشيوخ ذلك قائلين إنَّها لعُصاةٍ تهاجمهم وحوشٌ بأنياب حادَّة، بينما نصحني حارس المقبرة الشرقيَّة بعدم الهروب، وفتح القبر عند سماع الاستغاثة.

الكاتب: محمد جبعيتي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع