تتواصل الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى لحظة كتابة هذا المقال، في واحدة من أبشع الجرائم الممنهجة التي يشهدها العصر الحديث. وفي خضم هذا العنف المروّع، تبرز شهادات الناجين وثائق إنسانية بالغة الأهمية، لا لأنها تُضيف إلى أرشيف الألم الفلسطيني فحسب، بل لأنها تُجسّد الحقيقة في أنقى صورها.
في كتاب "غزة تروي إبادتها؛ قصصٌ وشهادات" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية (2024)، نلاحظ أن قوة الشهادات تكمن في مباشرتها وصدقها، وفي بعدها عن التزويق اللغويّ، إذ لا تلهث خلف البلاغة ولا تتورّط في الانشغال بالهاجس الجمالي. إنها شهادات حية، نابضة، تنقل التجربة كما هي: صادمة، ومؤلمة، وصادقة. لا تسعى لتقديم أصحابها أبطالًا خارقين كما تفعل بعض وسائل الإعلام، بل تكشف عن بطولة أخرى، بطولة التفاصيل اليومية الصغيرة: النجاة من قصف، تأمين لقمة عيش، أو حتى لحظة دفء في قلب الركام.
هذه الحكايات تشكّل مقاومة من نوع آخر؛ مقاومة الوجود والذاكرة، وتُعيد للإنسان الفلسطيني صوته وسط ضجيج الروايات التي تحاول طمس ملامحه.
ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين:
- القسم الأول بعنوان "شهادات"، ويتضمن روايات حيّة لشهادات ناجين وناجيات من الإبادة، توثّق تجاربهم الشخصية ومعاناتهم.
- أما القسم الثاني، فجاء بعنوان "قصصٌ من الميدان"، ويعرض مشاهدات ومواقف حقيقية جُمعت من قلب الحدث، لتعكس الواقع الميداني بكل تفاصيله المؤلمة.
شهادات: حياة بين القصف والنجاة
في شهادتها "ماذا تفعل امرأة خائفة من الحرب؟" تتحدث هبة الآغا عن انشغال الأمهات وقت الحرب في طمأنة صغارهنّ، وحمل ألعابهم وثيابهم أثناء رحلة النزوح الموحشة. تعبّر عن خوف الأمهات من أصوات القصف، وطائرات "الكواد كابتر"، والجوع والتشرد، وتؤكّد أن البطولة الحقيقية تكمن في تقنّعهن للصبر والقوة أمام أطفالهنّ.
في النص ذاته، تكرّس الآغا شهادتها لتصوير المشهد كما هو: باردًا، حادًا، لا يرحم. لا يوجد مكان للزخرفة، فقط حقيبة صغيرة، طفلان، وأم تحاول النجاة.
أما بتول أبو عقلين، فتكتب في شهادتها "لا تقصفي ذاكرتي أيتها الطائرة!" عن المعاناة اليومية التي تعيشها بعد إغلاق المعابر: من الارتفاع الجنوني للأسعار، والانتظار لساعات طويلة أمام المخابز، إلى مشاركة الحمَّام مع عائلات متعددة، والحر القاتل داخل الخيام. تصف أبو عقلين تفاصيل الحياة التي لم تعد تُحتمل، لكنها مع ذلك، تُكتب، وتُوثّق، لعلّها تمنع النسيان لاحقًا.
تلجأ إيفا أبو مريم إلى القراءة كوسيلة لمواجهة الخوف والشعور بالعجز. تعيد قراءة روايتي "الغريب" و"الطاعون" لألبير كامو أكثر من مرة، محاولةً إنقاذ نفسها من نوبات الغضب والانهيار العصبي، ومن أخبار الموت التي لا تنقطع. في عزلتها، تصير الكتب مساحة للتهدئة، وفرصةً لفهم اللامعقول.

في السياق نفسه، يدرك محمد الهبّاش، عازف العود في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، أن الفن ليس ترفًا ولا وسيلة ترفيه، بل أداة لتخفيف الألم وإحياء الروح في أقسى الظروف. على أوتار آلته، يعيد تنظيم الفوضى من حوله، ويجد لحظات من الاتزان في خضم الفقد والدمار.
يرى الشاعر جواد العقّاد أن الكتابة في زمن الإبادة تشكّل تعويضًا عن خسارات الذاكرة؛ فهي توثّق ما دمّرته الحرب: البيوت، والشوارع، والأصدقاء. يتحوّل الخوف إلى دافع للكتابة، لكن حتى الورق يصبح عزيزًا في زمن الحصار. يستخدم أوراق قصائده لإشعال النار فوق الفرن الطيني، فيقول ساخرًا: "الشعر يُطعم خبزًا و'مناقيش' أيضًا."
ويصف الشاعر حيدر الغزالي أصابعه التي كانت لتزرع الورد وتلاحق الفراشات في مدينة أخرى، لكنها اليوم لا تفعل سوى الارتجاف من شدة الرعب تحت القصف الوحشيّ.
من جهتها، تؤمن هدى بارود بجدوى المقاومة، حتى وإن كانت مقاومة الجوع والعطش من تحت الركام. وتؤكّد أن تمسّكها بالبقاء في غزة هو بحد ذاته فعل مقاوم، يُفشل مخطّط التهجير الذي يسعى إليه الاحتلال الإسرائيلي.
قصصٌ من الميدان: يوميات النجاة
في القسم الثاني من الكتاب، المعنون بـ "قصصٌ من الميدان"، نقرأ شهادات لأشخاص نجوا من الإعدام والاعتقال أو واجهوا الموت في أبشع صوره.
توثّق منى الغرباوي تجربتها المروّعة في النزوح إلى مستشفى الشفاء، حيث تكدّس عشرات الآلاف من النازحين الذين اعتقدوا أن المستشفى مكان محميّ بقوانين الحرب. لكن جيش الاحتلال الإسرائيلي حاصر المستشفى ثم اقتحمه، كاسرًا كل الأعراف الإنسانية.
تصف الغرباوي لحظة الخروج من "الشفاء" بمشهد جنائزيّ: سارت وسط شوارع مجرّفة، وبيوت مدمّرة، وجثث مدنيين داستها جنازير الدبابات، والجنود يشتمون النازحين ويوجّهون البنادق إلى صدورهم. المشهد يتجاوز حدود اللغة، لكنه يبقى شاهدًا لا يمكن إنكاره.
يحاول المهندس المدني موسى قنديل صياغة فاجعته من تدمير بيته وفقدان أفراد من عائلته، إلى لحظات الاعتقال القاسية، حيث تعرّض لتحقيق ميداني عنيف، شمل التعذيب والضرب المبرّح، ثم نُقل إلى معتقل معزول عن العالم. هناك، بلغ التوحّش ذروته باستخدام الكلاب لترهيب المعتقلين وإذلالهم.
ويوثّق التاجر أبو محمد، الذي خسر تجارته وانتهى به المطاف يعمل على عربة لبيع الحلوى للأطفال، تجربته الطويلة التي بدأت بالنزوح إلى الجنوب. عمل سائقًا لشاحنة مساعدات، ومن خلف نافذة شاحنته، شهد مجازر الطحين، وعلى رأسها مجزرة دوّار النابلسي. يروي مظاهر التجويع التي عاشها بنفسه، إذ صار الجوع أداة قتل بطيئة.
كثيرة هي القصص والشهادات التي يرويها هذا الكتاب التوثيقي المهم، إذ سعى أصحابها إلى كتابة تجاربهم وخساراتهم أمام آلة المحو، وركام الذاكرة. ولا تستطيع هذه المقالة الإحاطة بها كاملة؛ لغناها بالتفاصيل، وتشعّب ألوان المعاناة.
لكنها، في مجملها، تؤكّد أن ما يكتبه الناجون ليس مجرد سرد للحدث، بل فعل مقاومة ضد النسيان، وتوثيق لحياة لا يجب أن تُختزل في أرقام وتقارير. هؤلاء ليسوا ضحايا فحسب، بل شهود على لحظة إنسانية تختبر حدود الألم، وتُعيد تعريف معنى البقاء.
