<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>عدي الزعبي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/72rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/72rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Thu, 15 Oct 2026 10:41:11 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>عدي الزعبي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/72rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>فوضوية أوسكار وايلد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/39506</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 08 Oct 2026 03:45:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=39506</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/39506">فوضوية أوسكار وايلد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;">مقدمة الترجمة العربية لكتيب وايلد "روح الإنسان في الاشتراكية"، الصادر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، 2026. </span></p>
<p>اشتُهر أوسكار وايلد بدفاعه عن نظريّة الفنّ للفنّ، وبرفضه للواقعيّة. ولكنّ قناعاته الفوضويّة، المتّسقة تماماً مع مذهبه الفنّي، بقيت مغمورة، ولم يلتفت إليها النقّاد كثيراً. نترجم هنا كتيّبه اليتيم في الفوضويّة، "روح الإنسان في الاشتراكيّة"، الذي يشرح فيه رؤيته لمستقبل الإنسان عموماً، والفنّ خصوصاً، في نظام اشتراكي فوضوي. يشكّل هذا الكتيّب أحد الأعمال القليلة المكتوبة بقلم أديب عظيم في الدفاع عن الفوضويّة، وعن استقلال الفنّ، وعن الفردانيّة بوصفها العنصر الأساسي في كليهما: الفنّ والفوضويّة.</p>
<p>عاش وايلد حياته للفنّ، وقدّم مسرحيّاتٍ خلخلت معنى المسرح التقليدي (كما يتبجّح هو نفسه في رسالته "في الأعماق")، وكتب روايةً يتيمة، وقصصاً قصيرة لليافعين وللكبار، وعشرات المراجعات، والمقالات النقديّة، وغيرها. كانت بصمته الخاصّة واضحة في كل ما كتبه، وتتميّز بالتلاعب باللّغة للسخرية من الأفكار السائدة والثورة عليها. يدين الكتيّب هذا بشكل رئيس بوجوده إلى تأثير الأمير الروسي الفوضوي المنفي إلى لندن بيتر كروبوتكين، فقد التقاه وايلد عدّة مرّات، وقرأ أعماله، وأعجب بشخصيّته وبفكره بشدّة. مات وايلد في سنّ الخامسة والأربعين، بعد أن حطّمته سنوات الأشغال الشاقّة، التي قضاها عقب محاكمته بتهمة المثليّة الجنسيّة. بقيت ثورته الفنيّة حيّة، وتنوّعت مصائرها: رفضها آباء الحداثة الإنجليز، مثل إزرا باوند وت. إس إليوت، بسبب ثرثرته المحبّبة وتفاؤله المريب، وتبنّاه بحماسة جورج برنارد شو وبورخيس، وبقي التوجّس سائداً لدى اليسار عموماً من هذا الغندور، الذي جسّدت حياتُه أفكارَه في الفنّ، ببذخه، ورقّته، ومرحه، وثيابه الأنيقة التي عُرف بها على الدوام.</p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-39510" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/10/oscar.jpg" alt="" width="547" height="818" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/10/oscar.jpg 547w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/10/oscar-201x300.jpg 201w" sizes="(max-width: 547px) 100vw, 547px" /></p>
<p>ولكن، ما الذي يربط الفوضويّة بنظريّة الفن للفن، وكيف يمكن لرفض الواقعيّة أن يكون متّسقاً مع الفن اليساري؟</p>
<p>رفض وايلد أن يحمّل الفنّ رسالة، مهما كان نوعها. ودعا إلى الاهتمام بمفردات العمل الفنّي، خصوصاً الشكل، بوصفه جوهر الفن. برأيي، لم يكن وايلد جديّاً تماماً بدعوته هذه، وبالغ في سخريته من تحميل الفنّ أيّة مضامين أخلاقيّة، أو سياسيّة، كي يزلزل القناعات المستقرّة بين النقّاد والفنّانين. مسرحيّاته مثالٌ عن أعمالٍ تحمل رسائل أخلاقيّة، وكذلك قصصه. ولا أعتقد أنّه سعى إلى إخفاء ذلك. في الحكم القصيرة التي افتتح بها رواية "صورة دوريان جراي"، كتب بوضوح:</p>
<p>"الأخلاق مادّة العمل الفنّي، ولكنّ أخلاقيّة العمل الفنّي فنّه".</p>
<p>ممّا يعني، ببساطة، أنّك تستطيع أن تتناول مواضيع أخلاقيّة (الرواية نفسها، ومسرحيّاته، تفعل ذلك)، ولكنّ أخلاق الفنّ تتجلّى بالانصياع للفنّ، للشكل، للتجريب، للتسلية، لكل ما يجعل الفنّ فنّاً.</p>
<p>وعلى أيّة حال، ما يربط نظريّته في الفنّ بفوضويّته لا يتعلّق تماماً بالرسالة الأخلاقيّة، بل برفض الواقعيّة: وهنا يتجلّى موقفه الفلسفي بشكل كامل، ومتّسق.</p>
<p>أوّلاً، رفض وايلد الواقعيّة في الفنّ، ودعا لتجاوز الواقع. وفكرته بسيطة: الإنسان يجلب معه أحلامه، وتصوّراته، وآماله، إلى الفنّ. لا يمكن للفنّان أن يعكس الطبيعة، بالأصل. بمعنى ما، يشبه الكنطيّة وتوماس كون، في الإصرار على أنّنا لا نعكس فقط الواقع، بل دوماً نعيد تشكيله وفقاً لما نحن عليه. والفنّ الذي يفضّله وايلد، هو الفنّ الذي يتجاوز، ويقفز إلى الأمام، ويغيّر البشر. من هنا يأتي رفضه الحاد للواقعيّة.</p>
<p>ثانياً، لم يؤمن وايلد بأنّ الاشتراكيّة تشكّل مرحلة عُليا من البشريّة، لأنّها حتميّة تاريخيّة. لا يوجد إشارات إلى مثل هذا الإيمان في كتيّبه هنا، رغم أنّ هذا الإيمان كان سائداً بين الماركسيّين والفوضويّين. في الحقيقة، تبدو الاشتراكيّة مرحلة عُليا من البشريّة، لأنّها حلمٌ بشري، يوتوبيا، تجاوزٌ للواقع. وهذا ما يشدّ وايلد إلى الفوضويّة: الرغبة بالتغيير نحو عالم أكثر عدلاً ومساواة. ولا يخجل من كلمة يوتوبيا، ولا يستحي من التشدّق بالأحلام والدفاع عنها.</p>
<p>في الفنّ، وفي السياسة، يسعى وايلد إلى تجاوز الواقع، ويقذف كامل ثقته على كاهل الإنسان الذي يقوم بالتغيير، ويصوّر الفنّ على أنّه حامل لواء المستقبل، والممثّل الأكثر كثافةً لأحلام التغيير، ولجوهر البشريّة (كما فعل قبله شوبنهاور- ولكن وايلد يرفض أي تواصل مع الماورائيّات من خلال الفنّ).</p>
<p>على أنّ الرابط الأهم بين الفنّ والفوضويّة، في نظريّة وايلد، وفي حياته العمليّة، يكمن في دفاعه المستميت عن الفردانيّة. في هذا، يتّفق مع آباء الفوضويّة، باكونين وكروبوتكين، ولاحقاً راسل وتشومسكي، ويختلف عن الماركسيّين.</p>
<p>يعتقد وايلد أنّ الاشتراكيّة ستخلّصنا من الطغيان: طغيان الدولة، والدين، والناس. ومثل الليبرالي جون ستيوارت مل، كان حسّاساً جدّاً لطغيان الناس، والمجتمع، والرأي العام. ودفاعه عن الفردانيّة بحرارة ينبع من تجاربه الشخصيّة من جهة، ومن سُلطة الصحافة والناس التي أصبحت تفرض على الأفراد ما يجب أن يؤمنوا به، وتحوّلت إلى سُلطة أقسى من سُلطة الدولة والدين، في زمنه، في إنجلترا القرن التاسع عشر. جوهر الحريّة، والاشتراكية، والفنّ، يكمن في الفردانيّة، بحسب وايلد. رفض وايلد الاشتراكيّة السلطويّة، كما رفض أيّة سُلطة على روح الإنسان؛ روح الإنسان في الاشتراكيّة ستكون حرّة تماماً، وفردانيّة تماماً.</p>
<p>ويكون الإنسان حرّاً عندما لا يكون هناك ملكيّة خاصّة. هذا جوهر الاشتراكيّة، وبه يلتزم وايلد. إضافةً إلى إلغاء الملكيّة الخاصّة، والفردانيّة، يتميّز عمله، أيضاً، بنقطتين أساسيّتين:</p>
<p>الأولى، التفاؤل بمستقبل العلم، الذي سيحلّ مكان الإنسان في الأعمال القذرة، والمنهكة، وغير الخلّاقة. راسل آمن بشيء مشابه. وايلد، الفنّان الحسّاس، كان أيضاً ملتزماً بالرؤية العلميّة، ومتفائلاً بها، وداعياً إليها. العلم شيء إيجابي، للفنّان، وللفوضوي، وللإنسان. والعلم سيحرّرنا من ضرورة العمل اليدوي، لنتفرّغ للمتعة.</p>
<p>وهذه هي النقطة الثانية: وايلد مهووس بالمتعة، ويعتقد أنّ البشر خُلقوا من أجلها. المتعة، بكل أشكالها، المتعدّدة، بحسب مقدّرات كل فرد، ورغباته الخاصّة. لا يوجد شكل واحد للمتعة، أو معنى واحد؛ بل هي كثيرة جدّاً، ومتغيّرة جدّاً، وكبيرة جدّاً. السعي إلى المتعة ليس أنانية، الأنانية هي أن تفرض رغباتك على الآخرين. أمّا أن تحقّق رغباتك الخاصّة، وتجهد من أجلها، وتجعلها أولويّة، فهذا ما يريده كل البشر، وهذا ما ستحقّقه البشريّة في الاشتراكيّة.</p>
<p>وبما أنّ وايلد ناقدٌ فنّي، فأكثر من نصف كتيّبه هذا مخصّص للفوائد التي ستعود على الفنّانين في الاشتراكيّة، والتحذير من مخاطر الطغيان التي تحاصرهم بغيابها.</p>
<p>ربّما، لا يوجد دفاع فنّي أكثر حرارة عن الفوضويّة من هذا الكتيّب، بقلم فنّان غمره الفنّ، والهوس بالشكل الفنّي، والرغبة بتغيير عالم الفنّ، وبالتالي كامل عالم البشر، إلى عالم يكون فيه كل فرد حرّاً تماماً، من أشكال الطغيان والسُّلطات كافّة.</p>
<p>...</p>
<p>أضفتُ ثلاثة نصوص، بعد أن فرغتُ من ترجمة الكتيّب: نص قصير لوايلد، ومراجعة جورج أورويل للكتيّب، ونص قصير كتبه خورخي لويس بورخيس عن أوسكار وايلد.</p>
<p>نص وايلد، "حِكمٌ وفلسفات لمنفعة الشباب"، شهيرٌ جدّاً، وفيه يقدّم مجموعة نصائح للشباب، بأسلوبه الممتع، على شكل شذرات، تحمل معنيَيْن تقريباً، كأنّها أحجية.</p>
<p>مراجعة أورويل الفوضوي، لكتيّب وايلد، نموذجيّة ومباشرة، وجزءٌ من عمل أورويل الصحفي الطويل، إذ كان يراجع عشرات الكتب سنويّاً، ويعلّق عليها. هنا نراه يحلّل الكتيّب، وينقده، ويتّفق مع رسالته الجوهريّة.</p>
<p>نص بورخيس مختلفٌ تماماً، وفيه يراجع الأرجنتيني مجملَ أعمال وايلد وحياته، في سياقها التاريخي الأدبي. كان بورخيس معجباً بشدّة بوايلد، وبأسلوبه، وبثورته الأدبيّة. تحوّل بورخيس إلى يميني مع تقدّمه في السنّ، وأصبح نخبويّاً بوضوح، على العكس من وايلد وأورويل.</p>
<p>يتّفق الكاتبان، المتناقضان كليّاً، على تقديرهما لعمل الإيرلندي، وعلى الإعجاب بقدراته الفذّة، الأدبيّة، والأسلوبيّة، والفكريّة.</p>
<p>....</p>
<p>يبدو عالمنا اليوم بعيداً جدّاً عن أحلام وايلد ورؤاه. ولكن، الطغيان الذي تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي، وصعود التعصّب القومي والديني، وتراجع دور الفنّ، وتحوّله إلى مجرّد دعاية لأهداف سياسيّة، أو تلاعب شكلي فارغ، يجعل لعمل وايلد أهميّة استثنائيّة، ويغدو الدفاع عن الفنّ دفاعاً عن الحياة، وعمّا هو الأكثر قيمة وأهميّة في الحياة: المتعة، ولذّة الفنّ.</p>
<p>كما شرح أورويل، يذكّرنا وايلد بأهميّة الأحلام الكبرى. وكما أكّد بورخيس، المتعة التي نستمدّها من وايلد غير محدودة. وكما جادل وايلد، في خاتمة كتيّبه هذا، تحقيق الأحلام الكبرى سيجعل كل حياتنا ممتعة:</p>
<p>"سعى الإنسان إلى أن يحيا بامتلاء، وقوّة، وكمال. وعندما يستطيع فعل ذلك من دون أن يُجبر الآخرين على شيء، أو أن يعاني من الإجبار، وعندما تكون كل نشاطاته ممتعة له، سيصبح أكثر عقلانيةً، وصحّةً، وحضارةً، سيصبح أكثر قرباً من نفسه".</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/39506">فوضوية أوسكار وايلد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مثلجات وثنية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/39163</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 05 Sep 2026 13:26:17 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=39163</guid>

					<description><![CDATA[<p>حرّ حارق في برلين. أقرأ الشعر. لا أفكار كبرى اليوم. ريتسوس يكتب مجموعة شعرية عن كافافي. ريتسوس ملتزم، وشعره ليس كذلك. الترجمة مغرية، قدّم رفعت سلام منتخبات لأعمال شاعر لا يشبهه. لا أحد يشبه ريتسوس. ربما، أحياناً، سعدي يوسف؟ كلا... في أعمال كافافي، يظهر الإغريق، وتطغى الإسكندرية، ولكن أيضاً، باستمرار وتواتر: سوريا. بكل أشكالها. عالمه [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/39163">مثلجات وثنية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">حرّ حارق في برلين. أقرأ الشعر. لا أفكار كبرى اليوم. ريتسوس يكتب مجموعة شعرية عن كافافي. ريتسوس ملتزم، وشعره ليس كذلك. الترجمة مغرية، قدّم رفعت سلام منتخبات لأعمال شاعر لا يشبهه. لا أحد يشبه ريتسوس. ربما، أحياناً، سعدي يوسف؟ كلا... في أعمال كافافي، يظهر الإغريق، وتطغى الإسكندرية، ولكن أيضاً، باستمرار وتواتر: سوريا. بكل أشكالها. عالمه مربك للجميع. كسل مرغوب. ريتسوس سُجن مرات كثيرة. شيوعي حتى مخ العظام. ما الذي تعلّمه من كافافي؟ البساطة، أولاً. هناك بساطة لا تشبه البساطة السهلة. ليس التلاعب بالصور، ولا بالكلمات، ما يجعل الشعر العظيم عظيماً. حداثة أخرى، هنا، من مكان غير متوقع. في خاتمة "الغسق"، إحدى القصائد في المجموعة الصغيرة، تظهر مفاتيح "لا يمكنه أبداً أن يعرف، إن كانت للفتح أو للإغلاق." لا صورة أعظم من ذلك، ولا أبسط. وقفتُ حائراً أمامها: دقيقةٌ تماماً، تكاد تقبض على كل أعمال كافافي وحياته وجهده، بلمح البصر. اخترقت الحداثةُ الشعرَ من جهتين: الحياة اليومية العادية، والتعالي الميتافيزيقي. جهتين مختلفتين تماماً. وأنا، على العموم، أقرب إلى الأولى. لم يتدخّل كافافي في السياسة. رغم كل القصائد التاريخية المذهلة، التي تعالج سياسة ميتة، قديمة، وثنية. تعلّم ريتسوس أيضاً الهشاشة: يقول إن زجاج المصباح، شفافيته الهشة "تجبرك منذ البداية، على حماية نفسك، وحماية الآخرين". سوريا التي يصفها كافافي، إغريقية، مفككة، ومتعددة، مع إغريقيتها. ربما، كان يعرفها أكثر من معاصريه؟ شخصيات هامشية، قديمة، بالإضافة إلى سياسيين وشعراء وأبطال. لا أعرف الكثير منهم. لا يعنينا كثيراً تاريخ الهلنستيين في سوريا. لماذا؟ ثلاث قصائد عن المصباح. أكثر مما تحتمل المجموعة النحيلة؟ كلا، ليس بالضبط. المصباح يحكي الأرق، والظلمة، والحسية الشهوانية، والغموض، والتكيّف، والليل والنهار، والذكريات، والأبدية، بالإضافة إلى الهشاشة تلك. تشبه قصيدة سليم بركات عن محمود درويش. أقل خبثاً، وفيقهةً. النظارات في كلا القصيدتين. هل تأثر بركات بقصيدة ريتسوس؟ أقرأ الشعر، باستمرار. كأنني أؤمن به؟ لا فائدة من الشعر. أعرف ذلك. القليل من الفهم، والكثير من المتعة. بعض الشعراء لا يعرفون ذلك! ليس كل الشعر. الشعر البسيط، ولكن أيضاً الملتبس، المتردد، المفتقر إلى مبادئ صارمة: صفات يكيلها ريتسوس، بلا هوادة، لكافافي. وريتسوس نفسه يتماهي مع البساطة. يخلطها أحياناً مع صور ساحرة (تبقى بسيطة، بشكل ما)، ومع بعض العبث فوق الواقعي. لا يوجد شيءٌ من هذا في أعمال كافافي. لا يحتاج كافافي إلى أية ألاعيب أو شطارة. تكفيه واقعيته المباشرة. حر حارق. كل الكسل، والتاريخ السوري والمصري واليوناني، بهدوء مفزع. حتى قصائده "الفلسفية"، تتصف ببساطة مطلقة. في الحقيقة، يبدو المزدوجان المحاصران لكلمة "فلسفية" عقيمان. أجل، فلسفية. لا عيب في هذا. كان ريتسوس يعرف ذلك. قبيل الموت، إذن، يرتّب كافافي أغراضه، في حقيبة سفر، لم يرغب يوماً في أن يضلل أحداً. وقبيل العبور، يبكي، "مدركاً للمرة الأولى براءته". ما الذي حدث؟ أعيد القراءة. ماذا حلّ بخبثه؟ والتباساته، وتلاعبه بالشكل؟ وشهوانيته؟ ورؤاه النورانية؟ يموت الشباب في قصائده، كثيراً. بعضهم سوريون. يتخذ الموت مظهراً رهيباً: موت شباب من عصور مضت، من عصور لا تثير شيئاً من الغضب، أو الافتتان، أو العواطف: عصور وثنية فيما كان يوماً خليطاً من الحضارات واللغات. موتٌ لا يتكرر. لا موت يعود. الحرّ يمزج الأمزجة: الشمال البارد يذوب في منتجات الثورة الصناعية مع نهايتها المأساوية. كتب ريتسوس متحدياً الديكتاتورية العسكرية اليونانية المدعومة من الغرب. لم أفهم يوماً ذلك التاريخ: بيزنطة إمبراطوريتهم الأشهر، وككل الإمبراطوريات القديمة والوسيطة، كانت خليطاً من بشر. ولكن اليونان الحديثة، استعادت الماضي الوثني. كما فعل كافافي، وريتسوس. على أن السكان تمسكوا بهويتهم الدينية، بالكنيسة الأرثوذكسية بكل مجدها، وغبارها. مع تمدد الإسلام، في سوريا، تبنى الأرثوذكس اللغة العربية، بسرعة قياسية، فيما رفضها السريان اليعاقبة. في مصر، بعد قرنين أو أكثر، قبل الأقباط لغة الفاتحين. ولكن، لا يوجد أرثوذكس في مصر. من أين أتى، إذن، اليونانيون، المنتشرون في ربوعنا؟ أتوا مع العثمانيين؟ آه، خدعة متوقّعة! ألم تكن الإمبراطورية متعددة، إثنياً وإدارياً، حتى نهايات القرن التاسع عشر؟ كافافي نفسه، مع فخره بالإسكندرية، وانتمائه غير المنازع فيه إليها، وإليها وحدها، لم يتقن العربية، لغة الأكثرية. كافكا كتب بالألمانية، ولكنه تكلم التشيكية وكتبها أيضاً. أشعر بشيء من التيه، وأنا لا اتقن الألمانية، التي أعيش بين سكانها، ولا السويدية، التي أحمل جواز سفرها. ربما، كل اللغات لا تعني الكثير. ففي الموضع الذي كان يقف فيه كافافي، ترك بقعة حمراء، مرسومة بروعة فاتنة، "ككرة أرضية مصغرة للعالم... بحدود مطموسة تقريباً بالألوان." يستعيد كافافي سوريا أخرى. سوريا لا تثير أحداً، ولا حتى ريتسوس. أية سوريا؟ تلك التي كانت عاصمتها أنطاكية، ثالث أكبر مدينة في العصر الذهبي لبيزنطة؟ تلك التي نشرت المسيحية وتبنتها؟ تلك التي لم يختلط سكانها، لا مع الفاتحين اليونان، ولا مع الفرس، إلا بأقل القليل؟ أية سوريا؟ سوريا "المدن المنسية"، المنتشرة في أرياف حلب وإدلب؟ مئات القرى والبلدات، المهجورة، المتروكة لمصيرها، خلّفها الناس قبيل الفتح العربي بقليل؛ منسية منتشية نصف-مخروبة كتاريخنا المرتبك، المخلوط ككوكتيل فواكه صيفية. مثلّجات على كل زاوية. ولكنه، عندما يتكلم عن المدينة التي، إن خربتها، خربت كل المدن، أو عن البرابرة المنتَظرين، يبدو أكبر من الإغريق، ومن الهلنستية، ومن بيزنطة؟ أوسع، أعمق، أكثر حزناً منهم جميعاً... الحر يبخّر الفوارق. برلين باريس لندن، أنطاكية الإسكندرية القسطنطينية. والكسل. عاش ريتسوس شاعراً، ولكن شيوعياً. ليس على حساب الشعر. عاش كافافي شاعراً. شاعراً فقط. لم يفكر بالسؤال. حر خانق، ولا مخرج. أتسلّى بالشعر. لا نظريات كبرى، اليوم. لا "سرديات"، لو استخدمنا اللفظ الدارج، السمج. مع أنني، مثل ريتسوس، وعلى العكس من كافافي، ملتزم كلياً، بالسرديات، باليسار وبالعقلانية وبالتنوير، وبحدودهم البشرية التي لا يمكن تجاوزها. ومثل الاثنين، لا أحب الشعر خاضعاً للأفكار. أقرأ الشعر، وأكاد أجزم أنه لا ينقذ أحداً. أكاد. سأخرج لشراء مثلجات إيطالية. كرة فانيلا. واحدة تكفي. الحمية. أتحرك بنشاط. كل التاريخ يتضعضع على أبواب حصارات عتيقة، كأنه لم يكن، في قصائدهما الشجية. لا بأس. أقرأ الشعر. على الرغم من الحرب. لا شيء آخر، يعضد القلوب المرهقة. وفي عالم لم يزل غارقاً في وحوشه، وفي احتباسه، في عبثه، من أين ستأتي الرحمة؟ يقترح ريتسوس، أنها تأتي من المكان الوحيد الذي لم نلوّثه، المكان الذي لم يتخلّ عنا... يهمس، (بريبة؟) على لسان أستاذه الإسكندراني:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"إن لم يغفر الشعر لنا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فلا تنتظر الرحمة من أي مكان." </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;">"اثنتا عشرة قصيدة إلى كافافيس" في كتاب "سوناتا ضوء القمر"، مختارات شعرية شاملة. ترجمة رفعت سلام. خطوط وظلال 2021. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/39163">مثلجات وثنية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>شذرات سطحية أخرى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38435</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 28 May 2026 08:56:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38435</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38435">شذرات سطحية أخرى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">شذرات تتطاير مع أمثالها من "</span></span><a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5039" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">شذرات سطحية جداً</span></a><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">" و"</span></span><a href="https://rommanmag.com/archives/20662" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">شذرات سطحية جديدة</span></a><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">".</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">(1)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كتب يانيس ريتسوس العديد من القصائد الشذرية، خصوصاً في شيخوخته. ويفكر المرء أيضاً في أحلام محفوظ، وفي حواراته الحكيمة مع الشيخ عبد ربه التائه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كلا الحالتين، لا ينبع النجاح المذهل من أسلوب الشذرة، بل من خلل البناء الهائل الذي استند إليه الشيخان، وأتت الشذرات، في آخر العمر، لتنشر عبقه: كعطر الزهر، بعد النضج. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشذرة، بذاتها ولذاتها، عاجزةٌ عن البناء، وعن القول. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">(2)</span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">بعد انقشاع الضباب-</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">الجبال </span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">على بعد عشر خطوات</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشاعر الياباني شيكي. هايكو</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مات شيكي في سن الخامسة والثلاثين، بعد أن أعاد تعريف الشعر الياباني التقليدي بشقيه، الهايكو والتانكا، محاولاً أن يحافظ بشكل متزمت على الشكل، ولكن بتثوير المواضيع التي جعلها تتشعب وتتجذر. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في بعض قصائده، ينجح في عملية الاختزال التي اشتُهر بها اليابانيون، وكان الهايكو ممثلها الأبرز: القبض على المعنى في أكثر الأشكال حسيةً، وبشكل بسيط للغاية، ومباشر، وواقعي. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الرغم من كل تلك البساطة، فتح الاختزال باباً للتأويل: ما الذي تقوله القصيدة؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرفض شيكي ذلك: القصيدة هي الواقع مباشرةً، كان يتجول، وانقشع الضباب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا أصدّق شيكي. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة، على الأغلب، تحكي عن الوهم، أو الذعر، أو الأمل!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المشهد الأخير من فيلم "خرج ولم يعد"، يتجوّل البطل والبطلة، بهدوء، في الريف، على وقع أصوات خوار وزقزقة. ثم يمسك البطل بالحبل الذي يجر البقرة، وليس بيد الفتاة البريئة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الفيلم دعوة جادة إلى التراخي، وهي دعوة فلسفية أصيلة، نشرها برتراند راسل بحكمة، في مقاله الشهير "في مدح الكسل". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اقتُبس الفيلم عن رواية إنجليزية، ونجح خان (الباكستاني الأصل) في جعلها محلية تماماً؛ كأن الهموم نفسها، في كل مكان: همومٌ لا بد منها، ولا يد لنا فيها، ولا مخرج منها، إلا بالتكاسل والتسكين والشراهة!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ألبوم "إسلام بلوز"، نجد توزيعاً مذهلاً لقصيدة "بانت سعاد"، في محاولة صادقة لمزج الشرق مع الغرب، واستعادة القصيدة التي تحوّلت إلى أسطورة عند العرب، واستثنى طه حسين أقطابها من شكه، تقريباً: زهير بن أبي سلمى، وتلامذته، الذين كتبوا شعراً بقي قريباً من العقل والقلب؛ ومعلقة زهير قد تكون الوحيدة التي تستحق شهرة المعلقات الخيالية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كتب الخطاطون العثمانيون القصيدة مراراً، وتداولوها في مرقعاتهم، وعلقوها في بيوتهم، وترنم بها مطربوهم. ومحاولة الصوفي التركي قدسي إرجونير، في ألبومه هذا، مثيرةٌ جداً، في تصوير كعب يلاحق سعاد: الرتم السريع في النهاية، بعد المقدمة الطللية الهادئة، ينجح في تقديم روح القصيدة، وروح العمود العربي بأكمله. أما الصلة بين الاثنين، بين التشبيب بسعاد، ومدح الرسول، فهو أمرٌ لم أفهمه يوماً. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في القصيدة شيءٌ خالد، لا يتضح تماماً فيها، ولا بما تبعها: عفو الرسول عن الشاعر الذي أساء إليه. ربما، الخلود والعفو، كلاهما، يفيضان من الوقوف على الأطلال، بما هو شعور إنساني عام، ينعي الماضي: من الرسول محمد إلى البلوز الأمريكي. أميل إلى هذا، إلى أن الحزن الذي ينضح من الأطلال، يُكمل الكون والوجود؛ يسمح للشاعر بالتعبير عن أسف دفين، غير أصيل في معظم الأحيان-أقصد أنه لا يوجد ظعائن، بل مجرد حجة كي يحكي حزنه... ولكن، أليس الأدب، كله، حجة كي نحكي أنفسنا؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليلة إعلان رفع العقوبات، كنتُ اتمشى في "باب شرقي". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فرح الناس، الهيستيري، لم يظهر تماماً في هذا الشارع العجيب، أقدم شارع في سوريا: الشارع المستقيم الذي أعاد بناءه الرومان، موازياً لشارع الحميدية، وبقي الشارعان قائمان، كأنهما يشهدان على البلد التي لا تستطيع التخلص من الماضي، ولا تريد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وصلتْ سعادتي إلى مستويات قياسية، كأنني لا أصدّق، أن ذلك الرجل الذي لا نثق به، سيغير تاريخ البلد- نحو الأفضل. حاولتُ ضبط مشاعري. كيف؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دخلتُ أقرب بار، وشربتُ بيرة محلية، لا نعلم إن كان الإسلاميون، حكام سوريا الجدد، سيتركون مصنعها قائماً داخل البلد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدردش مع صاحب البار، وأصدقائه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتذمرون من تكرار الأخطاء، من تجاوزات، وجرائم، مما يحصل مع أهلهم وأصدقائهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدخن سيجارة، وقد أقلعت عنها منذ عشر سنين. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحدق إلى المسجد على الزاوية: جامع العريشة، أقدم من كل الكنائس: أي أن كل الكنائس اندثرت، وأعيد بناؤها، فغدا هذا المسجد، في قلب الحي المسيحي التاريخي، أقدم منها كلها! يتناوب الأبيض والأسود فيه، بطريقة كاملة، ساحرة، هندسية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الست تتذمر، بدلال، وأسى:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"واسأل عنك، والقلب كان غضبان منك</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">واحمل همّك وانا اللي طول بعدي ما همّك".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعرض علي بيرة ثانية. أعتذر، وأغادر، بعد أن أدفع نفس المبلغ الذي أدفعه في برلين: دمشق غالية جداً، وتترنح بسبب العقوبات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نسيم الشارع يوقظني، والفرحة، بعد ساعتين، ستملأ ساحات البلد بأبرياء عانوا من حصار خانقٍ، محتفلين بنصرٍ حققوه دون ...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"ميدان المستشفى بالعباسية شاهد أول لقاء لي مع الآنسة «ر». واشتعل الحوار بين الحب واليأس حتى حسمتُه بقولي: الحب وحده لا يكفي. وكان اللقاء الثاني في جزيرة الشاي، ولكنه كان مع الأرملة «ر» التي قصدتني لخدمة تتعلَّق بوظيفتها. وأيقظ اللقاء العواطف الكامنة، فتطرَّق الكلام إلى حوار بين الحب من ناحيتي واليأس من ناحيتها، حيث كانت ترعى أربعة أبناء، وحسمَت الحوار بقولها: إن الحب وحده لا يكفي!"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نجيب محفوظ. أحلام فترة النقاهة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الفلسفة الهندوسية تؤمن بالعود الأبدي: فكرة أن الزمن يتكون من دورات متكررة، لا-نهائية. هذه الفكرة تتناقض مع الأديان الابراهيمية، التي تؤمن بخط زمني بسيط: بداية خلق فيها الله الكون، ونهاية صاخبة يهدم فيها الصانع ذلك البناء كله. مع الثورة العلمية، سيتحطم الكون الذي آمن به أتباع الديانات السماوية: بدلاً من كون صغير محدود الحجم تماماً، وخلف كرة النجوم الثابتة يعيش الله وملائكته، وزمنه مخطط بتأن ووضوح من طرفي البداية والنهاية، سيصبح الكون لا-نهائياً: في الزمان والمكان. بل إن إمانويل كنط سيثبت بشكل قاطع أنه لا يمكن أن نعرف هل للكون بداية أم لا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان الهنود، إذن، أكثر حكمة عندما جعلوا الزمن والمكان لا-نهائيين: لا يوجد نهاية للعالم. يوجد نهايات، كلها صاخبة جداً، تندلع مع ظهور أحد الآلهة، فيشنو على الأغلب، في واحدة من تجسداته الكثيرة، ليموت مع الكون، ثم يُخلق معه مرة ثانية، ونحن جميعاً، الحيوانات والإنسان والنباتات، نعود إلى حياة جديدة، وهكذا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فجأة، في القرن العشرين، وبطريقة مثيرة جداً، قرر العلماء أن للكون بداية: الانفجار العظيم- حتى كنط (تصوّر يا رعالك الله) أخطأ في رفضه لفكرة البداية؛ وحكمة الهنود، بدورها، تبدو مستبعدة تماماً. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">النهاية التي تقترب اليوم، نهايةٌ بالتغير المناخي، لا تشبه الخاتمة التي بشرت بها الأديان: سواء الابراهيمية أو الهندوسية. النهاية هذه تبدو بليدة، مملة، بطيئة، وغير جديرة بكل ذلك العمل الطويل لملايين السنين. النهايات السوداوية الصاخبة، التي تمتلئ بها الأديان، الإبراهيمية والهندوسية على حد سواء، أجمل وأرقى وأسمى، لكونٍ لم يتخلّ عنه آلهته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><b>البحر والإنسان</b></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">"</span><i><span style="font-weight: 400;">لن تروّض هذا البحر</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">لا بالاتضاع ولا بالنشوة</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">ولكن يمكنك الضحك</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">في وجهه.</span></i></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">الضحك</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">اختُرع عبر من</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">عاشوا حياة مختصرة</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">كانبجاس الضحك.</span></i></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">البحر الأزلي</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">لن يتعلم أبداً الضحك."</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">آنا سوير. شاعرة بولندية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جوناثان كبلر، الفلكي الثوري الفقير، الذي عاش حياته في صراعات طائفية بين البروتستانت والكاثوليك، الذي تجاهله غاليليو بنذالة، الذي أمضى سنوات عصيبة في خاتمة حياته مدافعاً عن أمه نصف المجنونة أمام محاكم اتهمتها بالشعوذة كي ينقذها من الحرق؛ كبلر هذا، كان يؤمن حرفياً بضجيج الأكوان: موسيقا خالدة تصدر عن حركات الكواكب، وكان يتوق لفهمها وشرحها وسماعها؛ موسيقا الأكوان، التي تصدر عن المهندس الأعظم، الله جل جلاله، الموسيقي المهندس السمح المتعالي. الفكرة نفسها فيثاغورية، استخدمها كبلر، بعد ان عمل على تنصير فيثاغورث، من جهة، وعلى عقلنة المسيحية، من جهة أخرى، ليخرج بفكر مشتت عميق قروسطي، سيحمل بذور الثورة العلمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد تكون موسيقا الأكوان أقرب إلى الأرض مما اعتقد كبلر؛ قد تكفي سوناتا الكمان الأولى لباخ كي نسمع الله يحدّثنا بكل اللغات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مرةً كل أسبوعين، أتصفح جميع إيميلات "الجانك"، قارئاً إياها واحداً واحداً، بدقة وتأنّ، علّني أجد فيها أية رسالة حقيقية تخرجني من مآزقي وإحباطي ووحدتي: </span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">السيدة عائشة القذافي، أعانها الله، أرسلت لي عشرات الإيميلات كي أساعدها في تحصيل مبلغ 2 مليون دولار أمريكي فقط لا غير من سويسرا؛ مهندسون وأطباء ورجال أعمال آسيويون وأفارقة يكتبون لي باستمرار، طالبين مساعدة صغيرة: أن أعطيهم كامل معلوماتي البنكية مع كلمات السر وأرقام الحسابات، لنحصل على مبلغ عالق في أمريكا، يتراوح بين مئات الآلاف إلى عدة ملايين من الدولارات، مناصفة؛ فتيات من روسيا يبحثن عن حب حقيقي مع رجل ناضج خبير (متى أصبحت ناضجاً؟ وكيف عرفن بأنني، مذعوراً محبطاً، أتوغل في الأربعينيات، بدون فهم للعمر الذي مضى؟)؛ عروض لمقويات جنسية، وعشرات الطرود شديدة الأهمية، التي تنتظرني كي أستلمها، في مدن مختلفة تركتها منذ سنين؛ حكومات أمريكا وفرنسا وبريطانيا يريدون أن يعطوني ما أستحقه من عائدات الضرائب: مئات آلاف اليوروهات؛ رسالة أو اثنتان من معجبين ومعجبات: بعد كلام عجيب عن عظمتي وقدراتي الخارقة في الكتابة، التي، بالمناسبة، لم يكتشفها أي ناقد بعد، يرسلون أعمالا وقصصاً وأشعاراً، لا أقرؤها؛ عشرات العروض من أكبر محلات الالبسة: مانجو وإتش أند أم، ومن بائع زهور إيراني، ومحل مجوهرات نمساوي.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">الإيميلات الحقيقية، للأسف الشديد، لا تحوي إلا عملاً مملاً ونفاقاً اجتماعياً ضرورياً وابتسامات غير صادقة و"عزيزي / عزيزتي" و"تحياتي الحارة" و"أطيب التمنيات"، و"أتمنى أن يعثر عليك/ن/م  هذا الإيميل بصحة جيدة"، وغيرها من تعابير مكررة لا تعني شيئاً. </span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">حياتنا تجري بين الحقيقي والوهمي: الأول ممل ممض شديد الوطأة غث كئيب؛ والثاني عجيب غريب مثير، غير أخلاقي، كاذب ذكوري عنصري يميني.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">وعلى العكس من معظم أدب وفلسفة القرن العشرين، وقرننا الحادي والعشرين الحار الصفيق، أعتقد أن التمييز بين الحقيقي والوهمي واضح بسيط مباشر، وأنه لا يلتبس الأمر أبداً بينهما: الخلط بين إيميل السيدة القذافي وإيميل حكومة السويد التي تطالب بمبلغ 20 دولار مستحيل تماماً. </span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">ولكنني، مرةً كل أسبوعين، أتصفح جميع إيميلات "الجانك"، قارئاً إياها واحداً واحداً، بدقة وتأن، لأغوص في الأوهام، كالسندباد البحري، حالماً بالعثور على إرم ذات العماد!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">"لقد نما جناحاه كثيراً.</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">ينبغي أن يقصهما</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">في ذلك الدكان الصغير</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">لحلاق المحلة </span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">متجنّباً النظر</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">في المرآة."</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يانيس ريتسوس. 82 ثانية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان الرواقيون يفضلون إلهاً يشبه إله المتصوفة: موجود في كل مكان ويتدخل في حياة الناس ويرسل لهم رسائل وإشارات، في كل زاوية وزقاق وعطفة وطيران عصفور، ما فتح الباب واسعاً لكل أنواع الخرافات والنذور وقراءات الطالع. نيوتن -أيضاً- كان يفضّل هذا النوع من الآلهة. وبالطبع، أولئك الذين -على عكس نيوتن- لم يرتاحوا في العالم الحديث وعلومه، من الرومانسيين كويليام بليك، إلى دوستويفسكي، وكيركيجارد، وكل المتدينين المتشددين، وأقرانهم من أصحاب الطب البديل وخرافاته العجيبة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على النقيض من هؤلاء، لايبنتز وديكارت كانا أقرب إلى الحنابلة وشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه القضية، وكذلك آرسطو، وأبيقور، وكونفوشيوس: أي تداخل مع الله في العالم المخلوق كان مرفوضاً عندهم تماماً، وبالتالي، كل انواع المقامات والأولياء والقديسين لا معنى لها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا أعلم أي نوع يمكن للمرء أن يتعلّق به، بجدية يستحقها تعبُ العالم وأساه الذي لا ينتهي: الإله المنطقي، بتقشفه في التواصل؛ أم الإله الشعبي، ببذخه في الرسائل؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"صدر البنية نعش </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والنعش حاملني</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يا حاملين النعش </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إمشو شوية شوية"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من إغواءات صباح فخري، ممثلاً لإيروتيكية مهذبة، شاعرية، متشائمة جداً- يضيفها إلى واحدة من أشهر الأغاني الشعبية الشامية، وألطفها، وأدقها حكمةً: "ميلي ما مال الهوى".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذه الحفلة الاستثنائية، التي تطول أكثر من 4 ساعات (موجودة على اليوتيوب)، يغني الرجل بعضاً من الروائع التي يخفيها عن جمهوره عادةً- ربما، لأنه كان مرتاحاً مع ابن مدينته وصديقه القديم الحلبي، المخرج مصطفى العقاد، الذي دعاه إلى الولايات المتحدة ليغني له في ذكرى زواجه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يختتم صباح فخري الحفلة بما يشبه المارش العسكري، على لحن "طلع البدر علينا"، في تحية آسرة للعقاد، الذي أخرج "الرسالة"، الفيلم العربي الوحيد الذي يعرض سيرة الرسول. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن الفيلم لم يشفع للحلبي/الأمريكي، الذي سيختم حياته قتيلاً، بالصدفة، في تفجير إرهابي في عمّان، مع ابنته المدللة: تفجير لم يكن يستهدفه بالأصل، ليكون موته مجانياً وعبثياً، أكثر حتى من عبثية الموت العادي. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع وفاة صباح فخري، فقد السوريون أيقونة أخرى تجمعهم، وبقي التشاؤم وحده قائماً، في عالم مليء بتفجيرات مجانية ونعوش في كل مكان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن، يبقى لشاعرية الكلمات، وجدّيتها الإيروتيكية المدهشة، وأصوات صباح فخري، معنى قد يحيا خلف كل ما يجري. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعتقد الكثير من الغربيين بأن الكلمنيتنا/اليوسف أفندي مرتبطة بالشتاءات الطويلة، والثلوج، وموسم عيد الميلاد. أخبرتني صبية مقربة، بأن رائحته تنعنش روحها، تجعلها تشرئب إلى المستقبل، وفي نفس الوقت، تجرّ كل ذكريات عيد الميلاد من طفولتها، مع أبيها الدمث، الحنون، المكتئب. منذ طلاقه عن أمها، زادت دماثته، ورقته، واكتئابه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أقشّر واحدة، وأراقب الشرايين البيضاء، تخيط قشرة الكون إلى قلب الله، ثم تتمزق، وتتلاشى، وتتشتت: قدرها المكتوب في اللوح المحفوظ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحمضيات تنمو في سواحل الأبيض المتوسط، بكثرة ووفرة، ولا تعنيها مشاعر الأوروبيين وأحزانهم وأشجانهم. تنمو هنا، وتزين المدن والأرياف، بلونها البرتقالي أو الأصفر أو تدرجاتهما الكثيرة، كقبلة صباحية شهوانية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أقشّر واحدة أخرى، وأنا جالسٌ في حديقة الجاحظ، في دمشق المنهكة، في مساء شتوي دافئ، في سفح قاسيون الإلهي- مقر الأنبياء والأولياء، في ذاكرتي المترددة بين الماضي البعيد السوري والماضي القريب الأوروبي، في قشرة الأمل، في ابتسامة أمي غير المصدّقة بعد لعودتي من الشمال البارد، في تعب الريفيين القادمين إلى العاصمة، في قلب الله، في برتقالة الشمس تغيب في أفقٍ لا يتعب من التهامها يومياً بمرح!</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38435">شذرات سطحية أخرى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>رومانسية خائبة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37154</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 28 Dec 2025 17:47:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37154</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37154">رومانسية خائبة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يقول أوكتافيو باث إن الرومانسية الإسبانية ليست أصيلة، لأن التنوير لم يصل إسبانيا بالأصل. والحركة الرومانسية جاءت رداً على العقلانية، وعودة إلى ينابيع العاطفة، والدين، والتراث. لا يمكن أن يكون هناك ردة، وعودة، واسترجاع، بدون تغيير في المشهد. المشهد الإسباني كان غارقاً بالأصل في الكاثوليكية، والسحر، والتقاليد، ولا يمكن للرومانسية أن تنمو بوصفها ردة وتمرد على العقل، في هذه الظروف الإيبيرية الجامدة.</p>
<p dir="rtl">أستمع إلى الست، مقلّباً أقوال الشاعر المكسيكي في رأسي، بشجنٍ عجيب:</p>
<p dir="rtl">"ذِكرَياتٌ عَبَرَتْ أُفقَ خيالي              بارِقًا يلمَعُ في جُنحِ اللَّيالي</p>
<p dir="rtl">نبَّهَتْ قلبِيَ مِن غَفْوَتِهِ                     وجَلَتْ لي سِتْرَ أيَّامي الخَوالي".</p>
<p dir="rtl">ثم أفكر في رومانسيتنا العربية، المتأخرة جداً، بين مصر ولبنان. بالطبع، لم تكن انقلاباً على التنوير وعقلانيته، وعلى الجمود الكلاسيكي. لم تنقلب حتى على تراثنا، الذي أعدنا اكتشافنا في القرن التاسع عشر. تبدو رومانسيتنا تائهة، في ظرف تاريخي لا يستدعي أية عواطف، أو هروب من العقل. سايرت النهضة، التي اعتمدت العقل، كما عايشت صعود الثورات القومية، قبل أن تُجهز عليها هذه الثورات.</p>
<p dir="rtl"> ولكن، هل تلتفت الست إلى باث؟ على ما يبدو، لا يعنيها كثيراً:</p>
<p dir="rtl">"ذِكرياتٌ داعَبَتْ فِكري وظَنِّي              لستُ أدرِي أيُّها أقرَبُ مِنِّي".</p>
<p dir="rtl">وماذا عن أحمد رامي؟ قبل سنتين، كتبتُ <a href="https://aljumhuriya.net/ar/2023/09/22/%D9%87%D9%88%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%AA%D8%B1-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82%D9%8A%D8%A9/" target="_blank" rel="noopener">مقالاً طويلاً</a> عن نزار قباني، أحاول فيه تخليصه من أسطورة الحداثة. وكان رأيي أن نزار، لا اللاحقين عليه، أكثرهم إخلاصاً. نزار، أيضاً، وريث تلك الرومانسية العربية المتأخرة، بل أصبح ممثلها الرئيس. ورامي، أيضاً؟ أين مكانه؟ كيف نصنّفه؟ ماذا نفعل بقصائده، الفصيحة والعامية؟ رامي يسائل الوابور، مع عبد الوهاب. استعدته في كتابي عن أسامة بن منقذ. (هل كانت تلك رحلة رومانسية؟ أنا وأميرٌ فارس في ربوع الجزيرة؟) رامي وجيله كله، بين رومانسية بليغة، مبالغ بها، وبين واقعٍ غائمٍ.</p>
<p dir="rtl">والست تندب:</p>
<p dir="rtl">"ثم عاشت فى ظنوني              وهي وهم وخيال".</p>
<p dir="rtl">لأكثر من عقد، كنت أستعيد دمشق يومياً: الذكريات كلها. فجأة، انشرخ كل ما أتذكره. عدتُ إليها، ولم أجدها. هل كان وهماً، ذلك العقد وذكرياته، الذي انتهى بغدر؟</p>
<p dir="rtl">أربكني باث. أربكني جداً. دائماً كنتُ أقدّر ربط الأعمال الأدبية بسياقها التاريخي والاجتماعي. مع ذلك، يبدو لي أن تحليلنا المشترك عن تكاذب وزيف واصطناع الرومانسية الإسبانية والعربية، مضلل. أليست استجابة الناس للعمل الفني، أيضاً، دليلاً ناصعاً على أصالته؟ وها أنا أغرق مع الست، في الذكريات... أليس هذا وحده كافياً، لبيان عمق الرومانسية؟</p>
<p dir="rtl">ذكرياتٌ، عندما قبضتُ عليها أخيراً، وعانقتُها ولهاً، تبخّرتْ هي وتجمّدتُ أنا.</p>
<p dir="rtl">والست، بقسوة قلبها، تتندّر بما يصيبني:</p>
<p dir="rtl">"ثُمَّ تَبقَى لي على مَرِّ السِّنينْ           وهيَ لِي ماضٍ منَ العُمرِ وآتِ"</p>
<p dir="rtl">لأول مرة انتبه إلى خاتمة البيت: ماضٍ وآت؟ هل كان رامي يعلم جيداً أن الآتي أقسى من الماضي؟ أنه محكومٌ به؟ أن الذكريات تلك، هي العمر القادم؟</p>
<p dir="rtl">ماذا يعني كل ذلك؟</p>
<p dir="rtl">دمشق التي لم أجدها؟ الخاتمة المأساوية لعقد الأمل؟ الخيارات بين آتٍ أقسى وماضٍ قاسٍ؟ بين القبول بالمقتلة الجديدة، كي نحافظ على الذكريات والأحلام؛ وبين رفض المقتلة، والسخرية من الماضي والأحلام؟</p>
<p dir="rtl">ماذا يعني كل ذلك؟</p>
<p dir="rtl">والست، تعيد وتكرر، بلا ملل، كأنها ترسٌ في آلة تعذيب من العصور الوسطى:</p>
<p dir="rtl">" هِيَ في سَمْعِي على طُولِ المَدى         نَغَمٌ يَنسابُ في لَحنٍ أغَنِّ</p>
<p dir="rtl">كيفَ أنساها وقلبِي                          لَمْ يَزَلْ يسكُنُ جَنْبِي"</p>
<p dir="rtl">ثم أخرج من تلك الذكريات، عائداً إلى عقلنة المشاعر والعواطف. ليس تعلّقي بالست مجازاً، ولا يعنيها، ولا يعنيني، أن الرومانسية العربية فشلت في فهم نفسها، أو مجتمعها، أو سوابقها ومبادئها الأوروبية، أو معنى حركتها الأدبية. ولكنه نجحت، من جهة أخرى، في ابتكار نفسها، وفي تثبيت واقعها، وفي الوصول إلى الناس، من نزار إلى رامي، وبينهما إشراقات من الشابي والأخطل الصغير.</p>
<p dir="rtl">تدور الأسطوانة، وتعود المقدمة السحرية لرياض السنباطي: ذكريات عن مدينة لم أنجح في التواصل معها: شعرتُ فيها بحيرةٍ، ووحدة، بل، حتى حنينٍ: حنينٍ إليها. وما أن عقدتُ العزم على إعادة فهمها، حتى تجوّلت المقتلة في البلد. وأنا أراقب، مع كل أبناء جيلي المساكين، مذهولاً، تحول الأحلام إلى كابوس، وتفتت الذكريات، كرغيف خبزٍ عفنٍ منسيّ.</p>
<p dir="rtl"> والست تصرّ، كبابٍ مكسورٍٍ آخر الليل:</p>
<p dir="rtl">"كيف أنساها وقلبي             لم يزل يسكن جنبي"</p>
<p dir="rtl">تصمت الست، في النهاية.</p>
<p dir="rtl">وأنا في الظلمة أتأمل.</p>
<p dir="rtl">هل الرومانسية ردّة؟ أم حصنٌ في مواجهة العالم؟ ألم أكن دوماً أقرب إلى واقعية مطعّمة بالمشاعر والرموز، كما في أعمال ديغا، وموباسان، وإدوارد هوبر، وكاواباتا؟ قريباً من عقلانية الكلاسيكيين، مطمئناً مع عواطف الرومانسيين، مذهولاً من رقة تلميحات الحداثيين؟ ثم، أليس العقل عبد للعواطف، على ما قال قطب التنوير الأوحد، ديفيد هيوم؟ أليس الهجوم على التنوير، في الأصل، قائم على سوء فهم التنوير، وهيوم، وكنط؟</p>
<p dir="rtl">ولكن، هل إجابات هذه الأسئلة ستعضدني في معركتي مع نفسي؟ مع ذكرياتي؟ مع دمشق؟ مع المقتلة؟</p>
<p dir="rtl">هل أخطأ باث؟</p>
<p dir="rtl">أم أنني أنا من يعقّد قراءاته، ومشاعره، وهزائمه؟</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37154">رومانسية خائبة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>صنع الله في دمشق</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36173</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 15 Aug 2025 20:05:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36173</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36173">صنع الله في دمشق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">التقيتُ صنع الله إبراهيم مرةً واحدة، في دمشق. للدقة، لم نلتق. سلّمت عليه، وتلعثمتُ وأنا أصف مشاعري المتدفقة، وألوّح بيديّ تعبيراً عما لا يمكن قوله، مردداً كلاماً مفككاً عن عظمته. لم يرتبك. نظر إلي بملل شديد. كنا مجموعة من الشبان، في بداية العشرينيات، نبحث عن أي شيء نتمسك به. وصنع الله قدّم لنا الكثير: القدرة على الرؤية، والكتابة، والصدق، في عالم ينهار حولنا.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم نلتق، إذن. بل تقاطعت دروبنا لدقائق قصيرة، على صعيد شخصي؛ ولعقود طويلة، على الصعيد الأدبي. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اعتذر بصدق، عندما دعوناه لكأس شاي في أحد مقاهي دمشق. لم يكذب، لم يخترع قصة ليهرب منا. ببساطة، قال إنه يريد أن يرى دمشق، أن يتعرّف عليها، إذ لم يزرها من قبل. والطريقة الوحيدة ليفعل ذلك، هي أن يمشي في شوارعها، وحيداً، أن يضيع فيها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">انسحب سريعاً. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">راقبتُه، وهو يختفي في الزحام: قصيراً، نحيلاً، تتقاذفه أكتاف الشباب، ولكنه يمشي بينهم بثقة لا تناسب حجمه الضئيل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان صنع الله مدرسة نفسه. متفرّد تماماً. في الكتابة، ابتعد عن خزعبلات التلاعب اللغوي، ومال إلى تقريرية مباشرة، تسجيل اللحظة، توثيقها، بلغة الجرائد اليومية: التوثيق الأدبي للواقع. وأضاف إليها، ما تقوله الجرائد والمجلات: التوثيق بمعناه الحرفي. تلك اللعبة البسيطة، أن يمزج الوثائق بالرواية، اقتضت مجهوداً هائلاً، في جمع آلاف الجرائد والمجلات، ومتابعتها: جعل منها ملحه اليومي، وعمود الروايات. فجأة، حقق صنع الله ما عجز عنه الآخرون: الدخول إلى صميم الواقع، من خلال تلك اللعبة. وتقتضي اللعبة الكثير من الحنكة، والخبث. كررها مرات، ونجح في معظم محاولاته. أصبح العالم يتفتّح بين يديه بسهولة مثيرة: بين ما تقوله الصحف، وما تعيشه الشخصيات؛ بين العام والخاص؛ بين السياسيات العامة والرسوم الاقتصادية البيانية والخطط الكبرى، والمشاكل اليومية والمنغصات والهزائم الصغرى. نجح صنع الله في اختراق الواقع، وكان نجاحه مبهراً، إلى درجة أنه لم يكن له تلاميذ يجرؤون على مقاربة أنموذجه الجاهز!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بقي يسارياً عنيداً. ربما، كانت حياته شاهداً نادراً على ما يمكن لليسار أن يحققه. أقصد المثقف اليساري. هل فكرتَ في أن تلك التجربة المذهلة في التوثيق الروائي، مترابطة بإحكام، مع قناعاته اليسارية؟ أجل، تماماً. الشكل يتبع الإيديولوجيا. وهذه المرة، لا يعني ذلك تشويهاً أو قسراً للشكل. على العكس تماماً: إخلاص صنع الله لقيمه اليسارية سهّل له تحويل الإيديولوجيا إلى نبع يستقي منه أشكاله الأدبية. وهذا، برأيي، قد يكون الدرس الأهم لحياة الراهب اليساري الطويلة. الإخلاص اليساري ينعكس على الشكل الأدبي ذاته. والموهبة، بالطبع. والعمل المستمر الطويل، بصمت. العمل كأنه عامل، لا متبطل مثقف برجوازي. العمل كراهب. بعيداً عن الأضواء، ببطء، بهدوء، بعزلة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت تجربته الروائية محاولة حداثية، لفهم الكتابة، وفهم البلد. تابع تجربته الصحفية/الروائية/التوثيقية خارج مصر، في لبنان وعُمان. منطلقاً من يساريته أولاً، ومن حروب الآخرين التي لا تنتهي. ربط الحداثة الأدبية بالتجربة الشخصية، بالنضال الوطني. لم تكن الكتابة بالنسبة له بروباغندا مملة، أو دعوة مجردة إلى فلسفته؛ كما لم تكن مجرد تجريب أدبي فارغ. قرر أن يمزج التجربتين، النضال والكتابة: وبقيت لنا من محاولاته روائع واثقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل أن يهرب منا، أمسكتْ به مجموعة من الكتاب السوريين والمصريين واللبنانيين والعراقيين. كانت زيارته تلبية لدعوة من مؤسسة المدى للثقافة، في مهرجان صاخب، استضافت فيه نحبة من المثقفين. وقف صنع الله بينهم، غاضباً، نكداً، كمراهق ملول، ولكن بتهذيب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانوا يحلفون عليه أن يرافقهم إلى العشاء، وكان ملزماً به، لأنه قبل الدعوة إلى المهرجان. لا أذكر ما قاله في الندوة الأدبية، ولا أتذكر حتى موضوعها. ولكنني أتذكر جيداً إصراره على الهرب. المجموعة تضم وزراء، ومدراء، وكتّاب السلطة، ومعارضين لا يختلفون بشيء عن فقهاء السلطة، وضابط مخابرات، بالإضافة إلى كتاب حقيقيين موهوبين خلوقين. وصنع الله مذعورٌ بينهم. يكاد يختفي في الأرض، وهم يتنازعونه، ضاحكين، كشياطين حول بوذا. احتمى بنا، متذرعاً بأنه وعدنا بسهرة ثقافية؛ وسحبناه من بين أفواههم، قبل أن يغدر بنا، وينطلق وحيداً. كانت نهاية التسعينيات او بداية الألفية الجديدة. وعثرنا علينا لاحقاً، يمشي بعيون مفتوحة تبتلع المرئي والمخفي، كأنه شبح في خريف أصفر؛ ونحن نلعب الورق في مقهى شعبي في شارع 29 أيار. سلّم علينا بحرارة، وألقى نكتة عن العشاء الذي فاته، واختفى مجدداً. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحياناً، أستذكره وأنا أكتب. تحديداً، عندما أكتب قصصاً أو نصوصاً، ويختفي فيها صوتي، لأترك المكان والشخصيات تعيش وحدها، كأنني كاميرا دون مصوّر خلفها، دون شخصية، دون أفكار. لم أستخدم التوثيق الصحفي، أو غير الصحفي، في كتاباتي. ولكن الحيلة الثانية، حيلة عين الكاميرا المتحركة- حيلة استخدمها صنع الله كثيراً- جذبتني، دون أن أفكر في أصلها. أحد الأصدقاء أشار إليها، سائلاً عن قصتي، "ليل ميسون". وفجأة، لمع في ذاكرتي صنع الله. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدين له بأكثر مما كنتُ أتوقع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليس فقط الكاميرا. ولكن، أيضاً، شجاعة التجريب المستمر، والعناد غير المنطقي في التشبث بالأحلام اليسارية، ومحاولة أن أكتب أدباً ليس دعائياً، ولكنه ملتزم. وأخيراً، التحفظ اتجاه (أو احتقار؟) السلطات بكل أشكالها، والتهرب من الشخصيات الكبيرة، والاجتماعات، والعلاقات العامة: رهبنة شيوعية بسيطة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي النهاية، بعد نجيب محفوظ، قلة من الكتّاب حققوا اكتفاءً يجاور عظمة محفوظ. فردانية موهوبة، تفرد ظلالها الرحيمة علينا، في سعير أوطان لا تني تلتهب تحت أقدامنا. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36173">صنع الله في دمشق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>سيوف مثلومة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36019</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 08 Aug 2025 04:56:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36019</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36019">سيوف مثلومة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ                في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في             مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">البيت الشهير، الذي يقتبسه البعض في سياق المعارك، للرفع من السيف والعنف على حساب التأمل والتروّي، والتأكيد على أسبقية الفعل على الفكر، وعلى إعلاء القلم على الرمح، لا صلة له، لا من قريب ولا من بعيد، بمثل هذا الفخر الفروسي الأجوف! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">البيت يسخر من شيء آخر تماماً: التنبؤ، والمتنبئين، وأصحاب الخرافات. وفي الزمن الذي اختلط فيه الإيمان بالأبراج بعلم الفلك، تغدو صرخة أبي تمام علمية وعقلانية وتقدمية، وليست هوجاء مدفوعة لحروب لا تنتهي. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتابع أبو تمام قصيدته:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما                   صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تَخَرُّصاً وَأَحاديثاً مُلَفَّقَةً                              لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عَجائِباً زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً                        عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وَخَوَّفوا الناسَ مِن دَهياءَ مُظلِمَةٍ                            إِذا بَدا الكَوكَبُ الغَربِيُّ ذو الذَنَبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً                             ما كانَ مُنقَلِباً أَو غَيرَ مُنقَلِبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يَقضونَ بِالأَمرِ عَنها وَهيَ غافِلَةٌ                         ما دارَ في فُلُكٍ مِنها وَفي قُطُبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لَو بَيَّنَت قَطُّ أَمراً قَبلَ مَوقِعِهِ                             لَم تُخفِ ما حَلَّ بِالأَوثانِ وَالصُلُبِ</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قرأ الحوراني المبدع قصيدته على الخليفة، بعد أن ثبّط منجمو القصر الجيش، ونصحوه بالنكوص، لأن حسابات النجوم أكدت أن الخسارة ماحقة قادمة. لم يستمع الخليفة إلى المنجمين، ومضى في معركته ضد البيزنطيين، التي أحرز فيها نصراً حاسماً، مفقوداً منذ زمن، ولم يُبن عليه الكثير بعد ذلك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع صعود القومية العربية، أصبح البيت الشهير يتردد باستمرار، لتجييش الناس في معاركهم وخلافاتهم. ولكن اختيار المعتصم، تحديداً، ليجسّد روح القوميين المجيدة، يبدو مخالفاً كلياً للتاريخ. في الحقيقة، كان الخليفة ألعوبةً بيد عسكره الأتراك، وهؤلاء من قادوا الحروب، مع تراجع الدور العربي والفارسي في الجيوش، الدور الذي لن يستعيدوه بعد ذلك. (جيوش الحمدانيين والفاطميين كانت تعتمد على الغلمان الأتراك وغيرهم من المرتزقة، في حين كانت جيوش السلاجقة والأيوبيين تعتمد على مقاتلين أحرار، من القبائل الكردية والتركية، مثلما كانت جيوش العرب في الفتوحات الأولى). سيبقى نظام المعتصم قائماً في الدفشرمة العثماني، آخر ممثل لهذا النظام، النظام القائم على خطف أطفال من أهاليهم، ليتحولوا إلى عماد الجيوش المحاربة. أكثر من ذلك، كان المعتصم سكيراً أهوج، تابع حماقات المأمون في اضطهاد أهل السنة من أجل فرض مذهب المعتزلة، ولم يكن مثقفاً كالمأمون ولا متديناً مثله. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ارتبط اسم أبي تمام بالمعتصم، بسبب القصيدة العصماء هذه تحديداً. أيضاً، هذا الربط مخل بالحقائق، فقد كانت علاقة الرجلين قصيرة، سريعة، مخلخلة. لا الخلافة كانت قادرةً على الاحتفاظ بالشاعر الرحّالة، ولا الشاعر شعر بالراحة في دارها. فقد كانت بغداد (وسامراء) محطة مؤقتة، تابع بعدها شاعرنا سفره الدائم، القلق، في عالم لم يعرف كيف يجد فيه نفسه، وهو يغيّر صور الشعر العربي ومعانيه وألفاظه، بتصميم وتخطيط لا سابق لهما:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما اليَومُ أَوَّلُ تَوديعٍ وَلا الثاني               البَينُ أَكثَرُ مِن شَوقي وَأَحزاني</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دَعِ الفِراقَ فَإِنَّ الدَهرَ ساعَدَهُ                  فَصارَ أَملَكَ مِن روحي بِجُثماني</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خَليفَةُ الخِضرِ مَن يَربَع عَلى وَطَنٍ                 في بَلدَةٍ فَظُهورُ العيسِ أَوطاني</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وشاعرنا الحزين لم يبحث في خلافات الشيعة والسنة والمعتزلة، على العكس من أبي نواس، والمعري، والشاعر السني علي بن الجهم والشيعي دعبل الخزاعي. يبدو الحوراني هذا بعيداً عن السياسية، وعن الدين. أحياناً، يتبدّى لي قريباً من مذهب الفن للفن، المذهب الذي قد يكون أقرب إلى احتجاج على تحويل الأدب إلى بروباغندا اجتماعية أو سياسية منه إلى مذهب متكامل. وهذا المذهب اقترب منه النقاد العرب القدامى، كالجاحظ؛ فقد قالوا "أصدق الشعر أكذبه": ليتحوّل الشعر إلى تسلية للحكام والولاة والنقاد. على أن أبا تمام، الثائر في الأدب، جعل الصور البديعة لوحة ساحرة زاخرة بالتجارب للمعنى، ليغير حتى معنى مذهب الفن للفن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لمع نجم أبي تمام من قرية مسيحية سورية، ونجهل تماماً بداياته. ولكن، لا بأس من تكرار ما قيل. كانت المنطقة ما تزال موزعة بين المسيحيين والمسلمين، وبين لغات السريانية والعربية واليونانية. ربما، أتقن أبو تمام أكثر من لغة. فهو في موطن الغساسنة، في قلب التداخل العربي/البيزنطي. عروبة قبيلته الشهيرة لا تتناقض مع هذا التداخل العجيب، في هذه المنطقة. واحتمال كونه غير عربي، بالأصل، قائم، بالطبع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على أن التشديد على مسيحيته، ويونانيته، واطلاعه على الشعر المختلف عن العربي السائد، لا تبدو لي كفرضيات مقنعةٍ. لا يوجد في الشعر البيزنطي ما يوحي بتعقد الصور، ولا تحمل البديع الساحر الذي نوّر به أبو تمام حياتنا. بل يبدو الافتراض مناقضاً للواقع: على العكس، عبقرية أبي تمام تنبع من داخله، من الشعر العربي، ممن سبقه من شعراء العربية، ومن القرآن الكريم. وسيقوم هو نفسه بالتدليل على ذلك في مختاراته الخالدة من الأشعار العربية القديمة: "الحماسة"، بصورها الباهرة. وسيلتقط تلك الفكرة، بشكل أوضح، ابن المعتز، الخليفة الشاعر الذي حكم ليوم واحد، قبل أن يُسحل وتفقأ عيناه: البديع، أي استخدام التشابيه والصور العجيبة، تقليدٌ عربي قديم موجودٌ منذ البدايات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شكّل أبو تمام طليعة المذهب الشامي، الذي رفض التبسيط والسهولة والخلاعة القادمة من العراق. ويبدو الانقسام بين الشوام والعراقيين معقداً، ولا يمكن تبسيطه. عرقياً، وبشكل مفهوم، يشكل الفرس وزناً في المذهب العراقي، والعرب في المذهب الشامي. ولكن لا يبدو أن هذا الأمر لعب دوراً محورياً، بل الحياة السهلة البغدادية، والتقشف الشامي، لعبا دوراً أوضح. مذهبياً، اختلط السنة والشيعة بين الفريقين: أبو تمام تجاهل الأمر برمته، ووقف مع السلطة، أية سلطة، في كل مكان وزمان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أشار ابن المعتز إلى وجود البديع قبل أبي تمام. ولكن يبقى أن ما قدمه أبو تمام فريدٌ تماماً في تاريخ الشعر العربي، وجديداً. عاد إلى بينة القصيدة التقليدية، بعد أن كسّرها العراقيون، ولكنه جدّد في المعاني بطريقة لا مثيل لها قبله أو بعده. يبدو الرجل مأخوذاً بالمعنى، على حساب الشكل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اشتُهرت المدرسة بأربعة أسماء: مسلم بن الوليد، وأبو تمام، والبحتري، والمتنبي. وربما، المعري. الأول عراقي المنشأ، والأربعة الآخرون شوام. وحده أبو تمام جعل المعنى شغله الشاغل، وتفوّق على كل أقطاب المدرسة في بديعه. يبدو المتنبي تلميذاً مملاً أمامه، والبحتري خان المدرسة بسهولته المحكمة، والمعري حوّر معناه إلى مبناه: كأنه فهم أنه سيتوّج الشعر العربي بخاتمة تليق به: رفض المذهب الشامي التقليدي في بنية القصيدة، واستعار منه العنفوان والتأمل والمعاني العميقة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سيجعل بدر شاكر السياب وأدونيس من أبي تمام بطلهما. وكلاهما محق. في واحدة من مقابلاته، يقارن أدونيس، بذكاء، بين أبي تمام وبودلير، ويحكامهما: الكثير مما قدماه لم ينجح، ولكن القليل يكفي ليجعلهما يشعان في سرمدية الكون. كما أنهما فتحا أبواباً على معنى الشعر، لن تُغلق بعد الآن. وخصص له طه حسين مكانةً مميزة، وفضّله على المتنبي. في حين وضعه الناقد العراقي فوزي كريم في زمرة المتنبي: شعر متعجرف معقد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">توفي أبو تمام قبل أن يبلغ الأربعين. لم يعش الحياة، أو يفهمها، أو يحبها، إلا من خلال ثورته الشعرية: لم يعشق، ولم يتفلسف، ولم يدخل السياسة، ولم يهتم بالماورائيات، ولا ببدايات الصوفية، ولا بالأوطان. لاحق الشعر وحده فقط. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبمصادفة تعسة، بقي بيته الأشهر ملتصقاً به: خلّده وخلّد الخليفة. لا مضمون البيت يطابق شهرة الحوراني المبنية على البديع، ولا معناه يقترب من حياة الخليفة الأهوج اللاهية في سامراء، عاصمته الجديدة التي بناها ليسكن فيها جنوده الأتراك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استل أبو تمام حياته من الشعر- لا من الحياة. وغادر دنيانا مبكراً جداً، تاركاً الدهشة وراءه، ومجموعة معقدة من أبيات الشعر التي لا تلامس القلب إلا قليلا، أو تكسره بصورها المريعة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مالي أَرى الحُجرَةَ الفَيحاءَ مُقفَلَةً               عَنّي، وَقَد طالَما اِستَفتَحتُ مُقفَلَها</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كَأَنَّها جَنَّةُ الفِردَوسِ مُعرِضَةً                   وَلَيسَ لي عَمَلٌ زاكٍ، فَأَدخُلَها</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36019">سيوف مثلومة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مغامرة محسوبة (مراجعة قلوب مكبولة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35922</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 25 Jul 2025 21:23:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35922</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35922">مغامرة محسوبة (مراجعة قلوب مكبولة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">فيما يلي رسالة أرسلها لي أحد الأصدقاء، وتتضمن ملاحظاته عن كتابي "قلوب مكبولة". صديقي روائي، رفض ذكر اسمه، لأسباب شخصية، وسأدعوه البهلول (البهلول في اللغة: السيد الجامع لصفات الخير)، وقد اقترحتُ عليه أن ننشر رسالته كمراجعة، بسبب قلة المراجعات (أو انعدامها)، فوافق بعد لأي، كما وافق على اسمه المستعار البريء، بل وفرح به جداً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حذفتُ من الرسالة (بموافقته)، المقارنات بيني وبين كتّاب آخرين، وانتقاداته الهادئة لبعض الأصدقاء وكتبهم، كما أسقطتُ بعض الملاحظات الشخصية عني وعنه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">العزيز عدي،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قرأتُ مجموعتك القصصية الأخيرة، قلوب مكبولة، قبل أيام. بصراحة، تردّدتُ قبل أن أكتب إليك. عندي بعض الملاحظات القاسية، ولكن أعجبني الطرح والموضوع والطريقة. على أية حال، أتمنى أن تقبل هذه الملاحظات بقلب مفتوح، وأن تقرأها بجدية. أعرف جيداً كم تخشى النقد، وكم يهزّك التشكيك بما تكتب. ربما، حان الوقت كي تنصت. لذلك، كتبتُ لك هذه الرسالة، بهدوء وروية، بدلاً من الكلام. حاولتُ فيها جاهداً أن أركز على النقاط الرئيسة والعامة، مع القليل من التفاصيل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أولاً، الكتاب ككل. أقصد الموضوع، وطريقة تناوله. يعالج الكتاب الشعر العربي، منذ بداياته، إلى قمته (أو ما تعتبره أنت البداية: كعب؛ والقمة: أبو العلاء)، من خلال 12 قصة قصيرة، تتناول كل منها شاعراً، بطرق متعددة. يبدو لي الاختيار مناسبٌ تماماً للحاضر، ولما نعيشه. الماضي حاضرٌ، والحاضر ماضينا. هذا، بالطبع، ينطبق على كل الأمم، والشعوب. لا نستطيع فهم أنفسنا إلا بفهم ما مضى. وفي هذا الاختيار تمرد على ما هو سائد في الأدب المعاصر، السوري تحديداً، من التركيز على الحاضر وسياساته. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويبدو لي أنك قررت ألا تكرر ما يفعله أدباء هذه الأيام، من محاولة تغيير رؤيتنا إلى الماضي، من خلال انتشال أشخاص أقل شهرة، للكلام عنهم كأنهم الأكثر أهمية؛ ومن خلال هذه العملية، الادعاء بأنهم يقومون بعمل مميز ومتمرد، وبأن كامل الثقافة العربية كانت مخطئة في تناولها وتقديسها لأشخاص معينين مكرّسين، وأن ما حركها دوماً إيديولوجيا محددة، والكاتب الثوري سيقوم بتغيير ذلك. (حذف عُدي الأمثلة، عندما قرر نشر رسالتي). </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دعني أؤكد، إذن، على هذه الملاحظة الثانية، وهي أنك ابتعدت عن هذه الطريقة في التعاطي، طريقة "تمرد الغائبين". على العكس تماماً، كل أبطال المجموعة مكرسون تماماً. لا يوجد أية شخصية هامشية، أو غائبة، أو مغيّبة. كأنك تريد القول إن تكريسهم لم يكن خاطئاً، بل محقاً. كأنك تريد القول إن الإضاءة على شخصيات هامشية ليس تثويراً، وأن ما هو مكرّس يستحق الدراسة، أكثر، لأنه يكشف أكثر. تابعتُ بعض مقالاتك عن الموضوع، كما في "عسكر الحب" عن أبي نواس، و"هوامش على دفاتر دمشقية" عن نزار قباني. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأنا شخصياً متردد في هذا الأمر. أعتقد أن قراءة، وإعادة قراءة، المكرسين، مفتاح لفهم الثقافة. ولكنني لا أرفض فكرة "تمرد الغائبين"، كما يبدو لي أنك ترفضها. كتابك، في اختياراته للشعراء، محافظٌ تماماً. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الملاحظة الثالثة العامة، قبل الدخول في التفاصيل، عن شكل القصص. القصة قصيرة، لا تتجاوز الألف والثلاثمائة كلمة. كأنك حصرتَ نفسك في هذا السجن، في لزوم لا يلزم. وبهذا، يكون الكتاب مغامرة شكلية، مسلية جداً، ولكنها محفوفة بالمخاطر؛ إذ تتحوّل القصة إلى تدريب، وتجريب، وتكثيف. وكل كلمة يجب أن تكون محسوبة، ومناسبة. هذه مغامرة لطيفة، لم تنجح فيها دوماً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذن، لألخّص الملاحظات العامة الثلاث: الموضوع جديد (الشعراء العرب القدامى)؛ الاختيار محافظ (شعراء مكرسون، ذكور، مشاهير)؛ الأسلوب تجريبي جداً، حداثي بشكل مبالغ به (حجم القصة محسوب كأنك في درس رياضيات).</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img decoding="async" class="size-full wp-image-35923 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/497876867_23994480796812173_4133011943110827534_n.jpg" alt="" width="1280" height="856" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/497876867_23994480796812173_4133011943110827534_n.jpg 1280w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/497876867_23994480796812173_4133011943110827534_n-300x201.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/497876867_23994480796812173_4133011943110827534_n-1024x685.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/07/497876867_23994480796812173_4133011943110827534_n-768x514.jpg 768w" sizes="(max-width: 1280px) 100vw, 1280px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">ننتقل الآن إلى التفاصيل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل نجحت القصص، المضبوطة في حجمها، في إعادة قراءة الشعر العربي القديم، أو في تقديمه بشكل مختلف؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنا شخصياً أعجبتُ بثلاث قصص: أبو تمام، والفرزدق، وديك الجن. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المغامرة الشكلية تتجلى هنا بنجاح، وتحقق الاختراق الذي تدّعيه. العلاقة بين الشعر والشاعر، تتبدّى من خلال الثلج- في الأولى، والذئب- في الثانية، والجني- في الثالثة. القبض على الشكل، بإحكام، ممتع ومهذب وصارم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على العكس، تكاد تغيب العلاقة المباشرة مع الشعر، في قصتي المتنبي والعري. وهذا مما يؤسف له. بل تخلو القصتان كلياً من أي بيت شعري، لأشهر شاعرين! اعذرني: هذا غريب، وغير مقنع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غريب، حين يفكر المرء في القصيدة الطويلة جداً التي دبّجتها، كاملة تقريباً، في قصة أبي العتاهية. وهذا يجعل القارئ يحس بالارتباك، وبعدم الاتزان. يبدو لي أنك لم تستخدم الشعر بشكل متوازن، وتركت القصص تقودك. على أن المغامرات الشكلية، كهذه بالتحديد، يجب أن تخضع للمزيد من القيود، طالما أنها بالأصل مغامرة شكلية، وليس للانفلات الأمني. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا يقودنا إلى استخدام القرآن. تفتتح الكتاب بآية قرآنية مؤثرة، وتقرأ في قصة أبي العتاهية عدة آيات. وتظهر التأويلات الدينية في قصص بشار وأبي نواس. ولكنك تتهرّب منه في أحيان أخرى، حيث أجده مناسباً (في قصة كعب بن زهير، على سبيل المثال). مرة أخرى، يبدو لي أنك لم تلتزم بالانضباط الشكلي، في مجموعة قائمة على مفهوم الانضباط. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بقي عندي تعليقان. الأول عن استخدام التاريخ، والثاني عن البطولة والأنسنة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى درجة كبيرة، تلتزم بالدقة التاريخية. هكذا، تصبح القصص منضبطة بما كانه هؤلاء الشعراء، وليس بما تتخيله عنهم. وهذه نقطة مفزعة، أقصد أن تكبح الخيال لمصلحة الحقيقة. ولقد فكرت مراراً بالسبب الذي يجعلك خاضعاً لثقل التاريخ، بدلاً من تحريره، خصوصاً أنها الفرصة المثالية للانطلاق، لإعادة الكتابة، للخلق. من الغرابة بمكان أن تلتزم بما لستَ مضطراً للالتزام به. أم أنك لا تكترث بالإبداع، بالتحرر من الماضي، بتسطير بدايات أخرى؟ هل تريد للتاريخ أن يُفهم، كما هو، وليس كما يمكن له أن يكون؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأمر الأخير، يتعلق بالشخصيات التاريخية العادية. يتبدّى معظم الشعراء كبشر مثلنا، بدون مبالغات رومانسية (أي الحركة الرومانسية التي جعلت الفنان ناطقاً باسم الحق والعدالة والقوى الماورائية، وحده، كأنه نبي)، أو بطولية. يرتبط هذا الأمر بالدقة التاريخية. لاحظ معي، أنه حتى في كتب التراث (راجع الأغاني)، للشعراء شخصية مميزة، خاصة، خلّاقة. نزوعك لأن تنزع عنهم كل هذا، لتجعلهم بشراً، عاديين، مثير للتفكير وللنقاش، ولكن غير مقنع تماماً. وأنا أتردد في هذه النقطة: هل انحيازاتك الإيديولوجية، ضد الرومانسية والبطولة، دفعتك إلى إحباط الشخصيات؛ أم أن الشخصيات، تاريخياً، كانت محبطة، ومتوترة، وقلقة-على عكس ما يدّعي أبو الفرج الأصبهاني وأمثاله؟ أم الأمران معاً؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في النهاية، استمتعتُ بقراءة المجموعة، ودفعتني إلى التفكير في مواضيع كثيرة، ثقافية وأدبية وتاريخية. وربما، لم أجد فيها ما كنتُ أتوقعه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد يكون هذا جيداً، في الحقيقة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">محبتي وصداقتي</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">البهلول</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35922">مغامرة محسوبة (مراجعة قلوب مكبولة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عينان ساجيتان</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35724</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 23 Jun 2025 21:43:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35724</guid>

					<description><![CDATA[<p>ضجيج العالم لا يتوقف.  في سوريا، يستخدمون كلمة العالم لتدل على البشر. على سبيل المثال، يقولون: "ما في عالم هون"، أو "كل العالم بتعرف". كأن العالم لا يوجد إلا بوجود البشر، كأنه لا يكون إلا بهم. والعالم يعني حركة مستمرة، دائمة، لا تهدأ. لا يكاد المرء يرتاح منه، كي يتأمل نفسه، ويتأمل العالم.  ومع حمى [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35724">عينان ساجيتان</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">ضجيج العالم لا يتوقف. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سوريا، يستخدمون كلمة العالم لتدل على البشر. على سبيل المثال، يقولون: "ما في عالم هون"، أو "كل العالم بتعرف". كأن العالم لا يوجد إلا بوجود البشر، كأنه لا يكون إلا بهم. والعالم يعني حركة مستمرة، دائمة، لا تهدأ. لا يكاد المرء يرتاح منه، كي يتأمل نفسه، ويتأمل العالم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع حمى المشاعر الملتهبة والمتناقضة، والتغير الهائل الثوري، وهروب أبله يليه فتح مفاجئ، وانقلاب الآية بين ليلة وضحاها، تعلو الضجة بشكل غير مسبوق. سيولة أفكارٍ، ومشاعر، وذكريات، ومخاوف. لا شيء على حاله. لا شيء يبقى حتى الصباح. يعيش الناس على إيقاع الخوف، والانتقام، والتشفي، والغضب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">باستثناء الشيوخ، الكل يشك بالكل، والأحداث لا تمهل كي يفكر المرء بمصيره، وبخطواته القادمة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضجيجٌ يضج بنزق، كصوت الكهرباء: أزيزٌ يتواتر بشكل مفجع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يستطيع المرء أن يفكر، وهو يصرخ: يصرخ على الآخرين، وعلى نفسه- في نفسه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحين يعم الصراخُ العالم، لا يبقى للمرء إلا أن ينسحب قليلاً، أو كثيراً لو أراد، إلى الداخل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما فعل سيد هارتا، المعروف ببوذا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد صوّر البوذيون سد هارتا بأشكال متعددة. ومهما اختلفت هذه الأشكال، يتجلى بوذا فيها كلها مطمئناً، وقوراً، قابضاً على زمام نفسه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يوجد تماثيل أخرى تصوّر القدرة البشرية المكتملة كتماثيله - لا الهندوسية، ولا المسيحية، ولا الغرب الحديث- القدرة البشرية في أن يتنفس الإنسان بصبر، والعالم يشتعل حوله. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يستطيع المرء أن يفكر، وهو نفسه يصرخ؛ ولكنه يستطيع أن يفكر، والعالم يشتعل حوله. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أشهر تصوير لبوذا، عندما يجلس في وضعية التأمل (تسمى اللوتس)، رجلاه تحته، وباطن القدمين إلى أعلى. كما اهتموا بحركة اليدين؛ إذ تقول اليدان ما لا يقوله اللسان. لكل حركة معنى، أطلقوا عليها اسماً خاصاً، مستمداً من السنسكريتية القديمة: "مُدرا". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحياناً، في "مدرا" التأمل والتفكير، الكفان منبسطان نحو الأعلى. على الأغلب، هذا بالضبط ما أحتاجه اليوم. القليل من التأمل. وهناك أيضاً، الكف المرفوعة إلى أعلى، واعتقد أنها تناسب تمثاله واقفاً. فيها يدعونا بوذا إلى الكف عن الخوف، وهذه "مُدرا" الأمان. وأحياناً، وهذا ما يجعله يشبه الأنبياء، يضع يده اليمنى، أو بالأحرى، أطرف أصابعها، على الأرض، وهو جالس بوقار في وضعية اللوتس؛ وهذه "مُدرا" شهادة الأرض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تشهد الأرض أنه استنار: أي أنه قادرٌ على التخلص من الضجيج، ضجيج العالم، وضجيج نفسه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يتوقف ضجيج العالم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">للأسف الشديد، لم تصل البوذية إلى بلاد الرافدين أو بلاد الشام. ربما، كانت لتساعد في ضبط الضجة.  توقف انتشارها غرباً، فيما أصبح يُعرف اليوم بأفغانستان. ولكن، القليل من أفكارها ربما تسرّب إلى المشرق، وقد ذكرها الكتّاب العرب القدامى. التناسخ، والامتناع عن أكل اللحوم، أشهر ما عُرف به المشرق عندنا. أصبح التناسخ مقبولاً عند طوائف إسلامية شامية منشقة، كالعلويين والدروز. أما الامتناع عن أكل اللحوم، فلم يلتزم به إلا المعري، الذي سخر دوماً من التناسخ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في البداية، انتشرت البوذية بشكل أوسع من الهندوسية في شبه القارة الهندية، ثم انقلبت الأمور، وتراجع حضورها في الهند والسند. الضربة القاتلة الأخيرة كانت مع وصول طلائع الفاتحين المسلمين، الذين اتسمت بداية فتوحاتهم بعنف قاس (تراجع عنه الفاتحون اللاحقون)، ومنها نهب آخر مدارس البوذية، وصوامعها، في المنطقة. أصبح تماس الإسلام مع الهندوسية، ولم يمتزج بالبوذية. على الأغلب، كان البرامكة بوذيين في الأصل، وقد قدموا خدمات جليلة للثقافة الإسلامية، انتهت بنكبتهم الشهيرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">البوذية نفسها تاريخها متعدد، ومتنوّع جداً. ويجمع كل فروعها السعي نحو نيرفانا ببوذا، ونحو رغبته في المساواة، في الإيمان بأن كل فرد بشري يحمل داخله نوراً صغيراً خفياً (خصوصاً في مدرسة المركبة الكبرى، التي انتشرت في الصين ثم كوريا واليابان)، بدفاعه عن مقدرة الإنسان على السيطرة على نفسه. مهما كان الضجيج عالياً، والرؤية ضبابية، والمستقبل غائماً، والمشاعر جياشة: مشاعر الانتقام، أو الخوف. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يمكن للإنسان أن يتأمل، وهو يبكي، أو يرتجف. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صوّر النحاتون بوذا مستلقياً، في لحظاته الأخيرة، قبل مغادرته عالمنا الأرضي، إلى الأبد. سينجو من دورة التناسخ، وتتحرر روحه. وفي هذه اللحظات، ينتظر، بكامل وقاره، رزيناً، شبه-مبتسم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعض تماثيل بوذا المستلقي هائلة الحجم، وفيها يصورون أصابع الرجلين متساوية الطول. في بطن القدم، يظهر دولاب الحياة: علامةً على الطريق، على الدارما. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يمكن للإنسان أن يفكر، وهو يبكي، أو وهو خائف، أو هائج. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يستلقي بوذا، على أبواب العدم، وتتسرب منه السكينة، كي نأمن من الضجة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">...</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">العالم ضجيجه لا يتوقف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم أدرس البوذية بجدية، ولم أقرأ من نصوصها الأصلية إلا أقل القليل. ولكنني أتبع بعض آثار إنجازاتها الهائلة، في الشعر الصيني والياباني، في روح ياسوناري كاواباتا، في خطا شوبنهاور وأخطائه، في مفهوم الحديقة الحجرية، في تماثيل بوذا المذهلة النقية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي تلك التماثيل، أكثر من النصوص، أستطيع الوصول إلى بوذا. قد يكون ذلك محرجاً قليلاً، لكاتبٍ يدّعي انه يعيش في الكلمة، أن مهنته الكلمة. ولكن، أليس هذا ما نجحت فيه البوذية: أن يكون تمثال بوذا تجسيداً للمسيرة، للجوهر، للرسالة، للكلمة (أو، للدقة، أن تتجاوز الكلمة - إلى القلب مباشرةً)، لما فعله، ولما أراد منا أن نفهمه؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويبدو لي، أن جوهر رسالته يكمن في السيطرة على ضجيج العالم. العالم مكانٌ بائس جداً، فيه المرض، والجوع، والموت. فيه القلق، والشهوة، والذعر. ولكن، يستطيع الإنسان أن يخرج من كل ذلك، لو أراد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يستطيع المرء أن يفكر، والقلق يتناهبه: قلق الماضي، وقلق المستقبل، وقلق الذات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يغرق المرء في قذارة العالم: الأنانية، وحب الشهرة، والكراهية. وغالباً، يتحوّل هو نفسه إلى شتّام، ومدّع، ومتشدّق؛ كلما حاول أن يوقف مدّ الكراهية، تراه يغرق فيها: يجدّف كثيراً، ثم يسبح، ثم يختفي في أمواجها المتلاطمة. وفي زمن الأنانية (الليبرالية الجديدة أنانية مطلقة: بحسبها، كل فرد يسعى إلى مصلحته الخاصة، أولاً وأخيراً، بالضرورة)، وفي زمن الانقلابات العظمى (كاختفاء عائلة حاكمة وظهور بديلٍ غامضٍ غير شفيف) لا يستطيع المرء التمييز بين من يجاهد ليكبح الحقد، وبين من يحقد لأنه يجاهد الحقد. تختلط الصور، وتتشابه الأساليب، والعبارات، والشتائم البليغة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يستطيع المرء أن يفكر، والقلق يتناهبه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كل تماثيل بوذا، تبدو عيناه نصف مغلقتين: كأنه يراني، ولا تشغله رؤيتي عما يراه هناك، في العالم الآخر. العيون نوافذ: نوافذ إلى العالم، إلى الناس: نافذة المرء إلى الخارج، ونافذة الآخرين -أيضاً- إلى داخل المرء. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي سوريا، يستخدمون كلمة العالم لتدل على البشر. على سبيل المثال، "ما في عالم هون". والعالم يعني حركة مستمرة. كأن العالم لا يوجد إلا بوجود البشر. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن، عينا بوذا نصف مفتوحتين: ضجيج العالم لا يصله كاملاً. عينان ساجيتان، تعلّمان أن المرء يفكر، وهو يرى العالم- على أنه، دوماً، يتنصل من ضجيجه، كي يقدر على التفكير، على تأمل العالم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عينان ساجيتان، والعالم ضجيجه لا يعنينا، أمامهما!</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35724">عينان ساجيتان</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مراجعة المراجعات</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35578</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 26 May 2025 09:03:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35578</guid>

					<description><![CDATA[<p>قبل أشهر، هاتفني صديقي الناقد ح، ليخبرني عن مقال كتبه وتردّد في نشره. المقال يهجو المراجعات الجديدة الدارجة، التي نصادفها في اليوتيوب والبودكاست والغودريدز وبرامج العشر دقائق الكوميدية ووسائل التواصل الاجتماعي... إلخ. أنا، أيضاً، احترتُ في نشر المقال. ولكنني، على العكس من صديقي، لا أعتقد أن هذه المراجعات فارغةٌ تماماً ومسيئة كلياً. على أية حال، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35578">مراجعة المراجعات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">قبل أشهر، هاتفني صديقي الناقد ح، ليخبرني عن مقال كتبه وتردّد في نشره. المقال يهجو المراجعات الجديدة الدارجة، التي نصادفها في اليوتيوب والبودكاست والغودريدز وبرامج العشر دقائق الكوميدية ووسائل التواصل الاجتماعي... إلخ. أنا، أيضاً، احترتُ في نشر المقال. ولكنني، على العكس من صديقي، لا أعتقد أن هذه المراجعات فارغةٌ تماماً ومسيئة كلياً. على أية حال، اتفقنا أن أرسل المقال للنشر، ونترك اسمه كاتبه مغفلاً. ربما، سيتفق البعض مع صديقي الناقد؛ وربما، سيخالفه الرأي العاملون في مجال الإعلام والمنفتحون على التطورات المتسارعة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا المقال كاملاً، لم أعدّل فيه شيئاً ولم أخفف من لهجته. فقط أضفتُ العنوان أعلاه، وصحّحت رسم كلمتين. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أتمنى لكم/نّ قراءة مفيدة وممتعة، إن شاء الله. </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">أولئك الذين يراجعون الكتب، على الأغلب، لا يقرؤون الكتب التي يراجعونها، بل يكتفون بترديد الكليشيهات الجاهزة: إن كانت الرواية سياسية، فالكاتب يفضح/ يعرّي/ يكشف بنية النظام الفاسد؛ وإن كانت الكاتبة شابة، فهي تتمتع بلغة خاصة، وعبير مختلف، ودفقة شاعرية عطِرة؛ وإن كان الكاتب مكرّساً، فهو يبني على منجزه الضخم، ولكنه، في نفس الوقت، يفاجئنا؛ أما إن كان شاباً، فهو يصدمنا، وينسج من تجربته الخاصة الغضة خيوطاً غير مرئية... </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يستطيع المرء أن يضيف مجموعة كليشيهات لطيفة أخرى يمكن استخدامها في أية مراجعة، مهما كان نوع الكتاب الأدبي: يكشف الكاتب المستور، يوثق الكاتب نضال الناس، يشرّح الكاتب بمبضعه أوجاع المظلومين؛ أو: تجعلنا الكاتبة نعيش أجواء غرائبية تدفع بنا إلى تخوم الأسئلة الغامضة؛ أو: يتلاعب الكاتب باللغة بدقة ومهارة، ليفتح عالماً جديداً للكلمات، ويسائل التاريخ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه الجمل المبتذلة في المراجعات، تدفع القارئ الحصيف إلى تجنب قراءة الكتاب الكاشف الموثّق الفاضح المُعرّي الغرائبي المتلاعب باللغة. وعلى العموم، كل هذه الصفات سلبية، على العكس مما يظن المراجع الشطّور. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُضاف إلى أصحاب الكليشيهات المختصون بالتلخيص: يلخصون الكتاب، وصلى الله وبارك. ولا كلمة نقدية، لا سياق، لا مزحة، لا تعليق على اللغة أو المضمون أو النقص أو الإضافة أو أي شيء يثير المرء؛ كأننا أمام وظيفة مدرسية كسولة، تنجح دوماً في تخطي الامتحان ببلادتها!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهناك الذين لا يتطرقون إلى الكتاب الذي يراجعونه، بل يقصون علينا نمائم عن الكاتب أو الكاتبة. هذا الصنف، بلا مبالغة، الأسوأ على الإطلاق: الأسوأ أخلاقياً، لأنه يجرد الكتابة من كل قيمة معنوية لها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد ذلك، تجد المراجعات الأشهر، وهي مراجعات شخصية مكتوبة من أجل العلاقات العامة، أي من أجل أن يحسّن المراجع صلته بالمؤلف، أو من أجل أن يحطّم سمعة المؤلف لأنه ينتمي إلى شلة معادية أو يطرح أفكاراً يختلف معها المراجع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">على العموم، عدد الذين يحطّمون الكتاب بحقد أقل من عدد المدّاحين، ولكنهم موجودون وفاعلون، ويكيلون للكتاب الذي يراجعونه كل صفات الكتابة السيئة، بدون ذرة رحمة، كأنهم يرجمون الشيطان بعد رحلة حج في صيف حارق، مما يجعلك تشكّ بأن الأمر بأكمله قائمٌ على أحقاد شخصية، أو تعويض عن فشل شخصي.  لماذا، يا أخي، تكتب كل هذه البذاءات، طالما الكتاب لا أهمية له إطلاقاً برأيك؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">أما أكثر المراجعات فتنتمي إلى صنف الذين يكيلون المدائح، كأنهم يعيشون في العصور الوسطى مع جرير والفرزدق: كل كتاب يراجعونه، بلا استثناء، استثنائي، وفتْح في عالم الكتابة، ويؤسس لمرحلة جديدة، وما بعده ليس كما قبله: هؤلاء يسترزقون على باب الله، وأنا أحبهم أكثر من كل الأصناف الأخرى: كائنات بسيطة حبّوبة لطيفة، لا تعنيها الثقافة في شيء، وتسعى لحصد ثمار المدائح كي تعيش، وكي تلتقي بالمشاهير. ولو كان المراجع نفسه مؤلفاً روائياً أو شاعراً، لتحولت المراجعات على يده إلى الوسيلة المثلى في باب العلاقات العامة، ليبني شبكة علاقات ممتازة، تساعده لاحقاً في حصد الجوائز وحضور المؤتمرات والورشات واللقاءات التي لا تعدّ ولا تُحصى ولا تُفيد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومؤخراً، ظهرت مراجعات موقع "غود ريدز Goodreads"، وهي مراجعات شخصية انطباعية، بدون أبعاد نقدية، ولكنها مفيدة جداً لقياس الحالة النفسية للمراجع، وفهم أسباب نجاح الكتب الأكثر مبيعاً. تساعد هذه المراجعات على فهم أبعاد دمقرطة الثقافة في هذا العالم غير الديمقراطي. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهناك هذه الأيام أشخاص يخرجون علينا في بودكاست أو يوتيوب أو تويتر، ليراجعوا كتاباً في دقيقتين، أو ثلاثة على الأكثر؛ والله العظيم لا أبالغ يا إخوتي الكرام، حماكم الله من هذه الشرور والتجارب. يتكلمون بسرعة شديدة، كأن المخابرات السورية تلاحقهم، أو القط توم يريد القبض على الفأر جيري في معركة لا تنتهي. تترافق سرعة الكلام المَرَضيّة مع مزحات عجيبة كأنك في سهرة في غُرْزة، وابتسامات عريضة جداً جداً، كأنك في سيرك للمبتدئين. هكذا، تصبح مراجعة الكتب جزءاً من "عصر السرعة"، جزءاً من المزحة السمجة التي تقولب كل شيء كي يناسب خفّة العصر التي لا تُحتمل. وقبل أيام قليلة، أخبرني ناشرٌ أحترم عمله، بأنه يفضّل "تويتة" لمؤثّر يتبعه آلاف مؤلفة من الفتية، على خمس عشرة مراجعة قيّمة لن يقرأها أكثر من عشرة أشخاص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذه الأمور ليست متساوية في قيمتها: التلخيص السريع أعمق من انطباعات "الغودريدز"، وهذه الأخيرة أعمق وأنضج من المراجعة النقدية الشتّامة أو المدّاحة. أما مراجعات وسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست واليوتيوب والتويتر، بالطبع، فتقع خارج أي تقييم عقلاني، لأنها تقتصر على الرغبة بالربح السريع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الصحافة الثقافية بحاجة ماسّة إلى مراجعات من نوع مختلف. وتغيب هذه المراجعات المنتظمة الثقيلة التقليدية قديمة الطراز عن معظم -أو كل- المواقع والصحف الثقافية العربية، كأنها غير معنية بالثقافة التي تتعيّش منها وتعيش لها. وأكثر من مرة، قيل لي إن الأمر متعب، ومربك، و"موضة قديمة". ولكن، في الحقيقة، المراجعات عصب الثقافة، وبدونها، تتشابه كل الكتب، كأنها كومة مشروبات غازية في مطعم وجبات سريعة، غير صحية وسيئة المذاق، أعدتها آلات ميكانيكية على عجل، في مطابخ عصرية متطابقة!</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35578">مراجعة المراجعات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>طه حسين مع أبي نواس</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35234</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 08 Apr 2025 08:25:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35234</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35234">طه حسين مع أبي نواس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>تحتلُّ كتابات طه حسين عن الشعر العربيِّ الموقع الأكبر في اهتماماته، بل تكاد تكون محور تفكيره الذي من خلاله يُقدِّم أطروحاته الفلسفيَّة والفكريَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة. اشتُهِر طه حسين بأعماله النقديَّة التالية: "حديث الأربعاء" (ثلاثة أجزاء)، "في الشعر الجاهليّ"، "تجديد ذكرى أبي العلاء"، "مع المتنبِّي"، "مع أبي العلاء في سجنه"؛ بالإضافة إلى عشرات المقالات التي تبحث في ذلك الشعر.</p>
<p>طيلة حياته الطويلة، حافظ طه حسين على رؤيةٍ واضحةٍ بسيطة: ثورةٌ في التراث تقلب المفاهيم. الصورة التقليديَّة التي يتداولها الشعراء والنقَّاد تبدأ بالشعر الجاهليّ الذي يتربَّع على عرشه امرؤ القيس، وتنتهي بقمَّة الشعر العربيِّ ومعبود النقَّاد والشعراء والأدباء أبي الطيِّب المتنبِّي. بينهما، نجد مكانةً كبيرةً للشعراء العرب الفطاحل: النابغة وزهير بن أبي سلمى وجرير والفرزدق وبشَّار بن برد وأبي نواس وأبي تمَّام والمعرِّي. ولكنَّ المكانة الأسمى لمعنى الشعر وبُنيته وتركيبه وتصاويره تعود دوماً إلى امرؤ القيس والجاهليِّين، وتُقدِّس أعمال أبي الطيِّب.</p>
<p>رفض طه حسين هذه الصورة المتوارثة كلِّيَّاً. شكَّ في معظم الشعر الجاهليِّ واعتبره منحولاً؛ والأهمُّ أنَّه قلَّل من قيمة هذا الشعر على المستوى الأدبيّ. كذلك مع المتنبِّي، الذي يَضعُه في مصافِّ شعراء الدرجة الثانية، مقارنةً بأبي تمَّام والمعرِّي وأبي نواس. جعل طه حسين حكيمَ المعرَّة يتربَّع على قمَّة الشعر العربيّ، وحده بلا مُنازع، باعتباره المفكِّر والشاعر والناثر الأهمَّ في تاريخ اللغة العربيَّة.</p>
<p>شكَّلت دراسات طه حسين ثورةً في التراث، وفي داخل هذه الثورة، يتمتَّع أبو نواس بمكانةٍ خاصَّةٍ واستثنائيَّة. في العصر العبَّاسيِّ الأوَّل، تغيَّر لفظُ الشعر العربيِّ ومعناهُ تغيُّرًا عميقًا؛ وبحسب العميد، انقسم الشعراء المُجدِّدون ما بين مدرستين؛ ركَّزت واحدةٌ على اللفظ، والأخرى على المعنى:</p>
<p>"اختلافٌ في اللفظ نشأت عنه مدرسة مسلم بن الوليد التي أخرجت أبا تمَّام والمتنبِّي وأمثالهما من أصحاب البديع، واختلافٌ في المعنى نشأت عنه مدرسة أبي نواس التي أخرجت البحتريَّ وغيره من أولئك الشعراء الذين آثروا اللفظ القديم والمعنى الجديد، ولم يتكلَّفوا بديعًا ولا استعارةً ولا جناسًا."</p>
<p>وكان شاعرنا أبو نواس حامل لواء التغيير والثورة في المدرسة الثانية. لم يكن وحده، ولكنَّه كان الأصدق والأشجع والأعلى موهبة. هذا ما جعل طه حسين يعود إليه مراراً ويكتب عنه باستمرار.</p>
<p>نجمع في هذا الكتاب، لأوَّل مرَّة، أبحاث طه حسين عن أبي نواس في مُجلَّدٍ واحد. يتيح لنا ذلك، بطريقةٍ مباشرةٍ وسهلةٍ وواضحة، أن نفهم أبعاد عمل أبي نواس، وأبعاد رؤية العميد لموقع أبي نواس في الشعر العربيّ.</p>
<p>...</p>
<p>أكثرُ من ثلثي كتابنا نستقيه من "حديث الأربعاء-الجزء الثاني"؛ من الفصل الأوَّل إلى الفصل السابع عشر. خصَّص طه حسين بعض الفصول لأبي نواس، وبعضها للسياق العامِّ في العصر العبَّاسيّ. حذفت بعض الفصول التي لا تتعلَّق بموضوعنا، وبعض الفقرات التي تخصُّ شعراء آخرين. هكذا، أصبح لدينا بحثٌ يخصُّ أبا نواس وحده، ويشكِّل مشروعاً شبه مُكتمِلٍ لتناول شعره. يُشكِّل ذلك الفصل الأوَّل من كتابنا، <i>ثورة أبي نواس</i>.</p>
<p>ننتقلُ بعد ذلك إلى مقالاتٍ من خصام ونقد، كُتِبت بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من حديث الأربعاء، وضمَّتْ ثلاث مقالاتٍ عن أبي نواس. كما أخذنا مقتطفاتٍ من مقال "يونانيّ فلا يُقرأ" عن الشاعر. وهذا هو الفصل الثاني من كتابنا، <i>نقَّاد أبي نواس</i>.</p>
<p>وفي النهاية مقتطفاتٌ قصيرةٌ من كتب "حافظ وشوقي"، و"تقليد وتجديد"، و"مرآة الإسلام". وهنا الفصل الثالث في كتابنا، <i>دروس أبي نواس</i>.</p>
<p>الخاتمة مع نهاية الجزء الثالث من "الأيَّام"، التي يستشهد فيها طه حسين ببيت شعرٍ لأبي نواس.</p>
<p>حذف طه حسين الألفاظ التي يراها بذيئةً من أشعار أبي نواس، وأبقيتُ على الحذف كما أراده العميد.</p>
<p>أسماء فصول الكتاب الثلاثة: <i>ثورة أبي نواس</i>، و<i>نقَّاد أبي نواس</i>، و<i>دروس أبي نواس</i>، وضعتُها أنا لا طه حسين.</p>
<p>تواريخ نشر الكتب، (معظم المقالات التي يجمعها العميد في كتبه نُشِرت قبل الكتب بسنواتٍ قليلة):</p>
<p>"حديث الأربعاء- الجزء الثاني" 1926.</p>
<p>"خصامٌ ونقد" 1955.</p>
<p>"حافظ وشوقي" 1933.</p>
<p>"تقليدٌ وتجديد" 1978.</p>
<p>"مرآة الإسلام" 1959.</p>
<p>"الأيَّام- الجزء الثالث" 1967.</p>
<p>...</p>
<p>نبدأ مع الفصل الأوَّل، <i>ثورة أبي نواس</i>. في كتابنا هذا نتطرَّقُ إلى السياق العامِّ الذي نشأ فيه أبو نواس (الفصول الأولى من "حديث الأربعاء")، أي العصر العباسيُّ الذي ساد فيه الفجور والقصف. طبيعة الحياة في العراق، خصوصاً بغداد، وانتشار الثروة، والاختلاط مع الأمم، غيَّرت بعمقٍ من رؤية الشعراء للأدب. جعل أبو نواس من الخمر محور شعره، وهذا لا يتعلَّق فقط بمجونه وإدمانه الخمر، ولكنَّه ثورةٌ سياسيَّةٌ وفكريَّةٌ على القديم وعلى ما يُمثِّله القديم. يَخرج طه حسين في تفسيره لشعر أبي نواس من ضيق الأفق الذي يطبع بعض ما قيل عن الشاعر، ليحاول الوصول إلى روحه التي انعكست في شعره، وعكست طبيعة النظام الاجتماعيِّ والسياسيِّ التي تخلخلت في بغداد. في الغزل أيضاً يُمثِّل أبو نواس موقفاً جديداً، يعكس حياة المدينة مُباشرةً. هُنا نجد القصائد التي تُجسِّد الاختلاط والحبَّ على نحوٍ مغايرٍ تماماً لما عهدناه في الشعر الجاهليِّ والأمويِّ والعبَّاسيِّ المُبكِّر. ولكنَّ شعره في المدح والهجاء قليل القيمة، بحسب العميد.</p>
<p>يختم طه حسين تأمُّلاته في شعر أبي نواس بملاحظةٍ ثاقبةٍ عظيمةٍ عن التشابه بين أبي نواس وأبي العلاء:</p>
<p>"كلاهما كان يزدري الحياة، وكلاهما كان يمقتها مقتًا شديدًا، وكلُّ ما بينهما من الفرق أنَّ أبا نواس كان يكره الحياة فيزدريها، ويستعينُ عليها باللذَّة واللهو، وأنَّ أبا العلاء كان يكره الحياة، فيستعين عليها بالزهد والحرمان، وفي الحقِّ أنَّ المُتشائمين ينقسمون إلى هذين القسمين..."</p>
<p>ننتقل إلى الفصل الثاني، <i>نقَّادُ أبي نواس</i>. بعد ربع قرنٍ، يعود طه حسين إلى أبي نواس. أوَّلاً، يريد أن يردَّ على استخدام أساليب علم النفس الحديث والتحليل النفسيّ (محمد النويهي والعقَّاد وسلامة موسى) لفهم الشاعر. يَتشكَّكُ طه حسين في هذا المشروع، وينقده بحدَّة. كانت مثل هذه المشاريع رائجةً في عصر ثورة فرويد. اليوم، أثبتت رؤية طه حسين أنَّها أعمق، وأنَّ التسرُّع في تطبيق التحليل النفسيِّ على النقد الأدبيِّ ليس مُثمراً كثيراً. أكثر من ذلك، يعود طه حسين باستمرارٍ إلى السياق الاجتماعيِّ -السياسيِّ ليفهم أبا نواس، وبعد ذلك يتفكَّر في شخصيَّته الخلاَّقة، وليس العكس.</p>
<p>في هذه المقالات، أيضاً، ينقض طه حسين الصور المتداولة لأبي نواس: صورة النرجسيِّ التي قال بها النويهي والعقَّاد، وصورة المستهتر التي قال بها النقَّاد القدامى كأبي هفان ونراها في "ألف ليلةٍ وليلة".</p>
<p>ونختم مع الفصل الأخير، <i>دروس أبي نواس</i>. المقتطفات القصيرة الأخيرة توضِّح استخدام العميد لأبي نواس في معالجته لمواضيع أدبيَّةٍ وفلسفيَّةٍ وتاريخيَّةٍ مُعاصرة. أوَّلاً، يرى العميد أنَّ أبا نواس كان واسع الثقافة منخرطاً في هموم عصره ونقاشاته ومجادلاته الغنيَّة، ويُطالب الكتَّاب المعاصرين بالشيء نفسه؛ أي أنَّ الشعر الساحر المميَّز الذي أنتجه أبو نواس يقتضي الاطلاع على الثقافتين المحلِّيَّة والعالميَّة، بل ومعرفة تفاصيلها الكثيرة. يعتقد العميد أنَّ أحمد شوقي وحافظ إبراهيم لا يُضاهيان النؤاسيَّ في دقَّته الفلسفيَّة وانخراطه في عصره. ويرى أنَّ النهضة الأدبيَّة لا تقوم إلَّا بمثل هذا الاطِّلاع والهضم للثقافات المُتعدِّدة: هكذا يصبح أبو نواس نموذجًا فكريًّا وشعريًّا وحضاريًّا، نموذجًا لنا اليوم في محاولتنا للنهوض بأنفسنا.</p>
<p>كما يعود طه حسين إلى أبي نواس في نقطةٍ فلسفيَّةٍ خطيرة: الصراع ما بين المعتزلة والتيَّار السنِّيِّ العامّ. يعتقد المعتزلة أنَّ العقل باستطاعته الإجابة على كلِّ الأسئلة، بما فيها الأسئلة الماورائيَّة واللاهوتيَّة. أمَّا الفقه السنِّيُّ فيتشكَّكُ في قدرة العقل على الإجابة على كلِّ الأسئلة، بل يرفض الحنابلة حتَّى طرح الأسئلة عن الماورائيات، في حين يميل الأشاعرة إلى تقديم إجاباتٍ محدودةٍ ومُتشكِّكةٍ تعترف بقصورنا البشريّ. وهنا نجد العميد يميل إلى التيَّار السنِّيِّ العامّ، رافضًا ادِّعاء المعتزلة بمقدرة العقل الكلِّيَّة، ولكنَّه يستشهد بأبي نواس وليس بالأشاعرة أو الحنابلة! وليتذكَّر المرء أنَّ الأستاذ الإمام محمد عبده كان يميل إلى المعتزلة، وخالفه تلامذته الأكثر علمانيَّة: طه حسين وأحمد أمين. يطول الكلام عن هذه النقطة، ولمزيدٍ من البحث حول طه حسين وحدود العقل راجع مقالي "ميتافيزيقيا طه حسين" في كتاب "البحث عن طه حسين"، وعن أبي نواس عموماً في مقالي "عسكر الحبّ" في موقع الجمهوريَّة.</p>
<p>أختلفُ مع طه حسين- قليلاً- في بعض النقاط؛ في المثليَّة الجنسيَّة وطبيعة مدارس المُجدِّدين والسياق السياسيِّ والفلسفيّ؛ ولكنَّني أتَّفقُ معه في العرض الأوسع لمكانة أبي نواس وأهميَّته. تركتُ كتابات طه حسين بدون تعديل، ولم أُضِف أيَّة هوامش توضيحيَّةٍ أو نقديَّة. على العموم، كتاباته جَليَّةٌ واضحة، وجميلة، ومُسلِّية جدَّاً، لذا لا تحتاج إلى هوامش. وبما أنَّ هذا الكتاب هو كتاب طه حسين عن أبي نواس، لم أجد حاجةً إلى إضافة رأيي الشخصيِّ فيما يقوله العميد.</p>
<p>...</p>
<p>تنطلق دراسات طه حسين النقديَّة من رؤيةٍ معاصرةٍ إلى حياتنا اليوم. يفتتح نقاشه عن أبي نواس في "حديث الأربعاء" ببحثٍ حول القديم والجديد؛ بحثٍ يتعلَّق بسؤالنا اليوم حول التراث كما يتعلَّق بسؤال أبي نواس عن تراثه هو. ثمَّ يعود العميد إلى الشاعر في بحوثه عن طبيعة الشعر العربيِّ الحديث ومستقبل الأدب العربيّ، ليتعلَّم من أبي نواس: التعبيرَ بصدقٍ عن الزمن الذي نعيش فيه، والانخراط في النقاشات الفلسفيَّة والسياسيَّة، والاطِّلاع على مُنجزات الأسبقين ومنجزات الثقافات الأخرى. هكذا، يكون أبو نواس قدوةً ومنارةً، وفي الحقيقة، قدوةً اتَّبعَها بخطوطها العريضة طه حسين نفسه طيلة حياته الأدبيَّة.</p>
<p>يختم طه حسين "الأيَّام" مع أبي نواس، مُستشهداً بأنفةٍ وكبرياء الشاعر الذي لم يخضع يومًا إلَّا لروحه الخفَّاقة الوثَّابة، رافضاً الانصياع للناس وللسلطات الدينيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، في عالمٍ يتغيَّر باستمرارٍ ويتبدَّل بدون توقُّف. صارع القصر والوفد والأزهر، ثمَّ النظام الناصريَّ بطريقةٍ مختلفةٍ ومسالمة؛ ولم يتراجع يومًا، كما لم يتراجع أبو نواس، الذي هتف في وجه الإمبراطوريَّة مترامية الأطراف من الصين إلى الأندلس:</p>
<p>وما أنا بالمشغوفِ ضَربَةَ لازبٍ                     ولا كلُّ سلطانٍ عليَّ أمير!</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;">مقدمة الكتاب الصادر هذه الأيام:</span></p>
<p><img decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-35235" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai.jpg" alt="" width="922" height="1280" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai.jpg 922w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai-216x300.jpg 216w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai-738x1024.jpg 738w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai-768x1066.jpg 768w" sizes="(max-width: 922px) 100vw, 922px" /></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35234">طه حسين مع أبي نواس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-26 18:12:08 by W3 Total Cache
-->