<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>نكتب لفلسطين - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D9%86%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/نكتب-لفلسطين</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 03 Oct 2026 14:36:55 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>نكتب لفلسطين - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/نكتب-لفلسطين</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38673</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 29 Jun 2026 08:24:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38673</guid>

					<description><![CDATA[<p>سألني أحدهم: لماذا نكتب لغزة؟ لم أجد جوابًا مباشرًا، لكنني قلت: لأن الصمت نوعٌ من الغياب، ولأن الكلمة، مهما بدت هشّة، هي آخر ما يقاوم العدم حين يتكاثر الخراب، وهي طريقتنا الوحيدة لنُبقيها حيّة فينا، حين يُراد لها أن تُمحى من العالم. في زمنٍ يتهاوى فيه الحجر ويُمحى الأثر، تظل الكتابة فعلًا يقاوم الفناء. نكتب [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38673">الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">سألني أحدهم: لماذا نكتب لغزة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم أجد جوابًا مباشرًا، لكنني قلت: لأن الصمت نوعٌ من الغياب، ولأن الكلمة، مهما بدت هشّة، هي آخر ما يقاوم العدم حين يتكاثر الخراب، وهي طريقتنا الوحيدة لنُبقيها حيّة فينا، حين يُراد لها أن تُمحى من العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في زمنٍ يتهاوى فيه الحجر ويُمحى الأثر، تظل الكتابة فعلًا يقاوم الفناء. نكتب لأن المكان لا يُعاد بناؤه بالحجارة وحدها، بل بالذاكرة، وباللغة، وبالخيال الذي يرمم ما لا تقدر المعدات الهندسية على ترميمه. نكتب لأن غزة لا تُختزل في صور الدمار، ولا تُلخّص في أرقام الضحايا، بل تُستعاد حين نكتبها كفعل حياة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يُقال "إعمار"، يتبادر إلى الذهن فورًا مشهد البناء والإسمنت والمخططات. لكن الإعمار الحقيقي، في جوهره، ليس عملية مادية فقط؛ هو أيضًا إعادة بناء للمعنى، إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بالمكان وبذاته. وإذا كانت الحرب تدمّر المدينة، فإنها في الوقت نفسه تدمّر اللغة التي نصف بها تلك المدينة. لذلك تصبح الكتابة "بعد الكارثة" مشروع إعمار آخر، إعمار معرفي، يعيد للمدينة حضورها الرمزي في الوعي الجمعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كل كتابة في زمن الكارثة هي كتابة عن النجاة؛ ليست نجاة الجسد وحده، بل نجاة الذاكرة من المحو. منذ الأشهر الأولى للحرب الأخيرة على غزة، بدا واضحًا أن الدمار المادي ليس سوى واجهة لعملية أعمق: محاولة طمس المعنى، ومحو التاريخ، وتحويل المكان إلى فراغ. أمام هذا المشروع، تصبح الكلمة آخر ما يتبقى من المدينة. إنها الركام الذي يمكننا حمله دون جرافة، والبيت الذي نبنيه على الورق حين تُهدم البيوت في الواقع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في لحظة انقطاع الكهرباء والاتصال، كتب الغزيون على دفاترهم، وعلى جدران الملاجئ، وعلى شاشات الهواتف التي تكاد تنطفئ. لم تكن تلك الكتابات ترفًا، بل حاجة وجودية؛ طريقة ليقولوا "نحن هنا". في تلك اللحظة، تحولت الكتابة إلى فعل بقاء، إلى لغة ضد العدم. ومن هنا، تتجاوز الكتابة وظيفتها الجمالية لتغدو شهادة وجود. لكن هذه الشهادة ليست محايدة؛ إنها مقاومة، فكل نص يُكتب في وجه المحو، هو حجر آخر في جدار الذاكرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأدبيات السياسية والاقتصادية، يُختزل "إعمار غزة" في مشاريع البنية التحتية، في أرقام التمويل، في مناقصات ومؤتمرات. لكن ماذا عن إعمار الوعي؟ من سيعيد بناء العلاقة بين الناس ومكانهم بعد كل هذا الانقطاع؟ من سيعيد للمدينة صورتها كحيّز للانتماء لا كمخيم مؤقت؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الكتابة هنا ليست وصفًا للمأساة، بل استعادة للمعنى المنهار. فحين تهدم الحرب مدرسة، تهدم معها ذاكرة المكان، وتجعل من الطفولة حدثًا هشًا. وحين نكتب عن تلك المدرسة، فإننا لا نوثّقها فقط، بل نعيدها إلى الحياة في الوعي الجمعي، نحولها من ركام إلى قصة. الإعمار المعرفي، إذًا، هو إعمار الذاكرة: إعادة بناء العلاقة الرمزية بين الإنسان والمكان عبر اللغة، وعبر الحكاية، وعبر النص الذي يقاوم الاختزال الإنساني والسياسي والإعلامي لغزة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا يكمن البعد السياسي للكتابة: إنها لا تكتفي بتوصيف الخراب، بل تكشف المنظومات التي أنتجته — منظومات الاستعمار والهيمنة والمعرفة الاستشراقية. حين نكتب عن غزة بلغتنا، من داخل تجربتنا، فإننا نحررها من الخطاب الإنساني الذي يُجمّل المأساة ليخفي الجريمة، ونعيدها إلى موقعها الطبيعي: مدينة تقاوم، لا ضحية تُرثى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الإعمار المادي يبني الحجر، أما الإعمار المعرفي فيبني الوعي الذي يجعل الحجر بيتًا من جديد. فالمبنى لا يعود مدينة إلا حين يُروى، حين يُسكن بالمعنى. وغزة ليست مجرد مكان؛ بل هي معرفة مضادة، تنتج من الهامش ما يعجز المركز عن إنتاجه. وهي درس في كيف يُعاد تعريف الإنسان والمكان والسياسة بعد الكارثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ سنوات، يحاول الخطاب الغربي أن يقدّم غزة بوصفها استثناءً: مساحة للفقر والحصار والمعاناة. لكنّ ما تُنتجه غزة من سرديات، من كتابة، من ذاكرة، هو ما يقلب هذا المنظور رأسًا على عقب. فالمدينة التي تُقصف كل يوم، تواصل كتابة ذاتها، لتقول للعالم: لستم أنتم من يروينا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إننا نكتب لغزة، لا عنها. نكتب معها، لا فوقها. هذا التحوّل في موقع الخطاب هو جوهر الإعمار المعرفي: أن ننتزع حق الكلام من أولئك الذين حوّلونا إلى موضوعٍ للملاحظة أو الشفقة. أن نعيد بناء علاقتنا بلغتنا، وبتاريخنا، وبجغرافيتنا الرمزية. في هذا السياق، تتحول غزة إلى مختبر معرفي، إلى مفهوم فلسفي بقدر ما هي مكان مادي. فكل كتابة حولها هي كتابة عن العالم، وعن العلاقة بين القوة والهشاشة، بين الحداثة والخراب، بين التقدّم والتجريد الإنساني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، ترتبط الكتابة بالخيال بوصفه قوة سياسية. فكل تخيّل للمستقبل في سياق الحصار هو تمرّد على منطق الاستحالة. أن نحلم في زمن الدمار، هو أن نمارس أعمق أشكال المقاومة. إننا نكتب إذن، لا لنُسجّل الماضي، بل لنصنع أفقًا جديدًا. فالإعمار المعرفي لا يعني العودة إلى ما كان، بل تخيّل ما يمكن أن يكون. ونحن حين نكتب لغزة، لا نعيد فقط سرد ما حدث، بل نحاول تخيّل ما لم يحدث بعد. بذلك تصبح الكتابة أداة لتشكيل مستقبلٍ مغاير، ولتخطيط مدينةٍ أخرى، لا في الخرائط الهندسية، بل في خرائط الوعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يفقد الإنسان بيته، تصبح اللغة بيتَه المؤقت. فيها يتكئ، ومن خلالها يعيد ترتيب عالمه المهدّم. في كلمات محمود درويش، تصبح القصيدة وطنًا حين يضيع الوطن. وفي تجربة الغزيّين اليوم، تتحول الكتابة اليومية، المنشور القصير، الملاحظة العابرة، والشهادة الصوتية، إلى أرشيفٍ جماعي. لكن هذا البيت اللغوي لا يجب أن يُختزل في العزاء. إنه بيتٌ مفتوح للمستقبل، بيتٌ يرفض الانغلاق في الحداد. لذلك فإن الإعمار المعرفي لا يسعى إلى إنتاج خطاب الضحية، بل إلى إنتاج خطاب الفاعل. إننا لا نكتب لنُرثي أنفسنا، بل لنؤكد أننا ما زلنا هنا، نصوغ لغتنا، ونشارك العالم معرفة تنبثق من الرماد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يميز غزة اليوم هو أن المعرفة لم تعد حكرًا على الأكاديميا. الكتّاب، الفنانون، الصحافيون، النساء في الملاجئ، الشباب على الأنقاض — كلهم ينتجون معرفة. هذه المعرفة اليومية، المتجسدة في التجربة، هي أساس الإعمار المعرفي. وعلى النقيض من الخطابات التنموية والإنسانية التي تفصل بين "الخبير" و"الناجي"، تنشأ هنا معرفة جديدة: معرفة من الداخل، تُنتجها التجربة لا المؤسّسة.هذه المعرفة لا تسعى إلى الحياد، بل إلى الشهادة والاحتفاء بالهشاشة كقيمة إنسانية. في هذا السياق، تصبح الكتابة مساحة لتقاطع الذاتي بالجماعي، والشخصي بالسياسي، لتنتج ما يمكن تسميته بـ"الأنثروبولوجيا الحيّة"، حيث النص ليس وصفًا للحياة، بل امتدادٌ لها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذا ما كان الإعمار المعرفي غير قابل للانفصال عن العدالة، فإعادة بناء المعنى هي شرط لإعادة بناء العالم، ولا يمكننا ترميم البيوت ما لم نواجه الخطابات التي شرّعت تدميرها. لذلك، فإن الكتابة ليست فقط محاولة لإعادة التوازن، بل دعوة إلى مساءلة العالم. من هنا، يغدو الكاتب شاهدًا ومهندسًا في آنٍ معًا: شاهدًا على الجرح، ومهندسًا للذاكرة. وإذا كان الإعمار المادي يحتاج إلى خرائط ومهندسين، فإن الإعمار المعرفي يحتاج إلى لغة جديدة، إلى خيالٍ لا يخاف من القول. الكتابة، بهذا المعنى، هي العدالة التي تسبق العدالة القانونية، لأنها تعيد للضحايا أسماءهم، وللمكان صوته، وللزمان استمراريته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعل أخطر ما تواجهه غزة اليوم هو محاولات اختزالها وتأطيرها ضمن سرديات إنسانية عابرة، تُفرغها من سياقها السياسي والتاريخي. وبذلك فإن الإعمار المعرفي، في جوهره، هو مقاومة لهذا الاختزال. إنه مشروع لإنتاج سردية فلسطينية جديدة، لا تتجاهل الألم لكنها لا تُختزل فيه، وتربط بين التجربة اليومية والنظام الكولونيالي العالمي، بين الدمار المحلي والهيمنة المعرفية. في هذه السردية، تصبح الكتابة أداة نقدية، تقاوم الخطاب الذي يصوّر غزة ككارثة إنسانية، لتعيدها إلى موقعها الحقيقي: كارثة استعمارية مستمرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما تبدو الكتابة هشّة أمام هذا الكمّ من الدمار، لكنها وحدها ما يبقى. فحين ينهار كل شيء، تظل اللغة آخر ما يمكن ترميمه. في كل كلمة تُكتب، لبنة جديدة تُضاف إلى بيتٍ رمزيّ نعيد بناءه معًا. هذا هو الإعمار المعرفي: أن نحمل اللغة كأداة نقش وبناء، نحفر بها المعنى من جديد، نعيد ترتيب الركام لا لنُخفيه، بل لنُقيم عليه بيتًا من الذاكرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غزة ليست مدينة مهدّمة؛ إنها مدينة تُعاد كتابتها كل يوم. في كل شهادة، في كل نص، في كل سطر يخرج من بين الأنقاض، تبني غزة نفسها من جديد. ليس بالحجارة، بل بالمعرفة التي تولد من الرماد. وأن نكتب لغزة هو أن نمارس الإعمار بأدوات أخرى: أن نبني ذاكرة ضد النسيان، ومعرفة ضد الجهل، وخيالًا ضد الخراب. أن نعيد للمكان صوته، وللناس وجوههم وكرامتهم. الكتابة ليست ترفًا في زمن الكارثة؛ إنها ضرورة أخلاقية ومعمارية في آنٍ واحد. فكما تُبنى المدن بالأيدي، تُبنى الأمم بالمعنى. وغزة، التي تهدم كل يوم، تبني نفسها كل يوم أيضًا — بالحبر، وبالكلمة، وبالكتابة التي لا تموت.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38673">الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الانضغاط السجني وسياسات القرب القسري: قراءة معمارية في أدب السجون</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38473</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حنان الأحمد]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 01 Jun 2026 09:26:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38473</guid>

					<description><![CDATA[<p>"هل تتخيّل قطعة أرضٍ صغيرة مزروعة برؤوسٍ بشريّة حيّة؟ رؤوس، ولا شيء إلا الرؤوس، رؤوس مصفوفة متلاصقة، بعيونٍ مفتوحة متفحّصة تنظر إليك." هكذا يصف بسام يوسف أوّل مشهد رآه عند باب الزنزانة في كتابه "حجر الذاكرة"، وهو وصف يستحق التوقف عنده لأننا عادة، وفي الاستخدام اليومي للغة، نصف الغرفة المكتظة بأنها "ممتلئة"، أو "مزدحمة". أي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38473">الانضغاط السجني وسياسات القرب القسري: قراءة معمارية في أدب السجون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;">"هل تتخيّل قطعة أرضٍ صغيرة مزروعة برؤوسٍ بشريّة حيّة؟</span></p>
<p><span style="color: #808080;">رؤوس، ولا شيء إلا الرؤوس، رؤوس مصفوفة متلاصقة،</span></p>
<p><span style="color: #808080;">بعيونٍ مفتوحة متفحّصة تنظر إليك."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا يصف بسام يوسف أوّل مشهد رآه عند باب الزنزانة في كتابه "حجر الذاكرة"، وهو وصف يستحق التوقف عنده لأننا عادة، وفي الاستخدام اليومي للغة، نصف الغرفة المكتظة بأنها "ممتلئة"، أو "مزدحمة". أي أنّنا حتى في أقصى حالات الاكتظاظ، نستمر في التفكير بالمكان بوصفه يحتوي أفراداً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما في أدب السجون، وفي هذا المشهد المتكرر من الازدحام على اختلاف السجن والسجين والفترة الزمنية والسياق، نقرأ منطقاً لغوياً مختلفاً لوصف الاكتظاظ البشري داخل الزنازين. وهو ما يدفعنا للتعامل مع أدب السجون بما يتجاوز كونه مجرّد سرديّات عن المعاناة أو الظلم، من خلال قراءة غير أدبية لهذا الأدب، بوصفه توثيقاً مهماً لخبرات وتجارب ذاتية استثنائية، وبوصفه مختبراً للعلاقات بين الأفراد والفضاء المحيط والبيئة المبنية، ليكون نقطة انطلاق لتحليل أوسع يحمل في داخله انخراطاً إنسانياً كثيفاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ففي الفضاء السجني، الذي هو "فضاءً اجتماعياً بامتياز يقوم على تكنولوجيا الاحتجاز"، تصبح الممارسات المكانية الموزّعة عبر النسيج الحضري: مثل المراقبة، والكثافة، والتنظيم البيروقراطي للأجساد، أكثر وضوحاً وحدّة. فيغدو بذلك موقعاً لتحليل سياسات الانتماء والاغتراب في الفضاء والمكان، وكذلك نموذجاً دالاً للمدينة المعاصرة. و يضعنا أمام تساؤل عما يحدث للانتماء والاغتراب المكانيَّين عندما يتحوّل القرب من الآخرين إلى علاقة مفروضة؟ عندما يصبح شرطاً يُفرض على الجسد ويُنقش في الفضاء ذاته؟ وكيف يعيد ذلك تشكيل العلاقة بين الذات، والآخرين، والبيئة المبنية؟</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>على مستوى الجسد واللغة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">العالم الذي نتحرّك فيه مُصمَّم وفق مقاييس معيارية مختلفة. أحد أبسط هذه المقاييس هو ما يُعرف بالمقياس الإنساني، حيث يُعتبر عرض 60 سم الحد الأدنى اللازم لحركة شخص واحد، وعلى هذا الأساس تُصمَّم الممرات والأبواب والنوافذ والمفروشات. وتمتد هذه المقاييس لتشمل المسافات الاجتماعية، فقد عرّف إدوارد هول المسافة الحميمية بأنها لا تتجاوز 15 سم، بينما وسّعها آخرون، مثل روبرت سومر، لتصل إلى نحو 46 سم، مع اعتبار أن المسافة الشخصية قد تمتد حتى 120 سم أو أكثر.</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-38481 alignleft" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/06/كتاب-حجر-الذاكرة-غلاف-أمامي-2.jpg" alt="" width="350" height="525" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/06/كتاب-حجر-الذاكرة-غلاف-أمامي-2.jpg 350w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/06/كتاب-حجر-الذاكرة-غلاف-أمامي-2-200x300.jpg 200w" sizes="(max-width: 350px) 100vw, 350px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانب ذلك، توجد وحدات قياس أكثر تجريداً، ترتبط بأنظمة التنظيم والإدارة: مثل عدد الأسرّة في المستشفى، أو عدد الخيام في المخيمات، أو ما يُعرف في دراسات السجون بمساحة السرير "bedspace". تُشكّل هذه الوحدات نوعاً من التجريد المكاني الناتج عن البيروقراطية والتسليع، حيث يُختزل فيها الجسد إلى وحدة قابلة للعدّ والإحصاء. و قد يصل الى حده الأقصى من الوجود المجرد، كما يصفه فيكتور فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى: "في الحقيقة ليس لدينا الآن شيء عدا أجسامنا العاريّة _ وهي أجساد مجرّدة حتى من شعرها _ فكلّ ما نملكه على وجه التحديد هو وجودنا العاري أو المجرّد." لكن في ظروف الاكتظاظ المفروض قسراً، نرى أنه كلما ازداد تجريد الفضاء واختُزل إلى وحدات كمية، ازداد امتلاؤه الفيزيائي والحسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويمكن تتبّع آثار هذا الانضغاط في اللغة نفسها والأدب: في كتاب "حجر الذاكرة"، وعندما يحاول بسام يوسف عدّ الأشخاص، يقول: "ثلاثة وخمسون رأساً مصطفّة، ومئة وست عيون تحدّق بك" وفي القوقعة لمصطفى خليفة، تظهر الحالة نفسها بصورة أخرى: "حولي غابة من الأقدام والأرجل" بينما يصفهم في موضع آخر: "كما لو كانوا مجموعة من لفائف التبغ قد اصطفّت في علبة."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذه الحالة المكانية متعددة الطبقات، حيث يصبح الحيّز المحيط بالجسد مكوّناً بالكامل تقريباً من أجساد أخرى، ولا يعود الآخر خارج الذات، بل يصبح جزءاً من مجالها المباشر، يتحوّل الاكتظاظ البشري من حالة كمية إلى تجربة حسية ووجودية كثيفة، وينتقل الإدراك من الجسد بوصفه كياناً مستقلاً إلى كتل وأجزاء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لتشكّل هذه الصور معاً تكويناً بصرياً أوسع: "رؤوس"، "أقدام"، أو حتى "كتلة من اللحم"، كما في سؤال فيكتور فرانكل: "ما أنا إذاً؟ ألستُ سوى جزء صغير من كتلة هائلة من اللحم البشري..."</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>على مستوى الذاكرة والتنافر</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان هذا القرب الجسدي يعيد تشكيل حدود الفضاء، فإنّه يمتد إلى مستوى أكثر حميمية هو الذاكرة. فالذاكرة تستعير وتُستعار، تختلط وتمتزج، تتجزأ وتتسع، فلا يعود الفرد مالكاً لحدوده النفسية أو السردية. يصف ياسين الحاج صالح ذلك في بالخلاص يا شباب: "إن الخصوصية البرانيّة، إن جاز التعبير، تتلاشى بسرعة، فنحن نصبح شيئاً مكشوفاً أمام الآخرين..."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويصف بسام يوسف هذا التحول كعمليّة تدريجية، تبدأ بدوائر ضيقة من الثقة، ثم تتوسع لتشمل الجميع، إلى أن تصل إلى لحظة اندماج كامل للذاكرة، حيث يقول: "سنكتشف -حين لا يعود للاكتشاف معنى- أننا لم نعد أصحاب ذكريات خاصة، وأن الذاكرة التي كانت فرديّة أصبحت مشاعاً، وأننا امتلكنا ذكريات الآخرين". وهكذا تصبح الذاكرة بنية علائقية مشتركة، إلى حد يصعب معه التمييز بين ما هو خاص وما هو مستعار. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فلو نظرنا هنا إلى المنطق المعتاد الذي نفهم من خلاله الانتماء، بوصفه تشكّلاً منسوجاً من التناغُمات العاطفية، والارتباطات الوجدانية، والمشاعر المتجسدة وبكونه حالة تهتز بكثافات عاطفية. وغيابه الذي يُعبَّر عنه عادة من خلال مفاهيم مثل: الوحدة، والعزلة، والاغتراب، والاقتلاع. سنجد أن الفضاءات السجنية قد تجاوزت هذا المنطق تماماً فقد كشفت هذه التجارب أن في أقصى حالات القرب والكثافة المفروضة، لم يتولد الانتماء، الذي يُبنى نظرياً على القرب والتشارك وإمكانية التفاعل مع الآخرين، وعلى خلق نوع من الألفة الناتجة عن التبادل المستمر، بل ظهر نقيضه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ذلك أن الحياة الجماعية القسرية، حيث يُراقَب الفرد باستمرار، تُنتج رغبة ملحّة في الانسحاب، فينشأ دافع قوي لأن يكون الفرد وحيدًا مع أفكاره. يصف ماهر إسبر كيف قد يفتعل بعض السجناء مشكلات للحصول على فترة من العزلة الحقيقية في الزنزانة الانفرادية، رغم صعوبتها وعذابها. وفي شهادة أخرى يقول سامر: "كنت أحياناً أتنازل عن فرصة الخروج لشرب الماء فقط لأستلقي وحدي لبضع دقائق." كما يصف فرانكل أهميّة لحظات نادرة من العزلة، حصل عليها في ركن قريب من سياج الأسلاك الشائكة المكهربة المحيطة بالمعسكر، بجانب نصف دزينة من أجساد الموتى!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فضمن هذا الإطار، لا يعود الانتماء أو الاغتراب حالتين ثابتتين، بل مفاوضات متغيرة تتشكل من خلال شروط الفضاء ذاته، وهو ما يمكن قراءته بوصفه حالة من (اللا)انتماء المكاني. إذ لا ينتج القرب بالضرورة انتماء، ولا ينتج البعد اغتراباً، بل يمكن أن يتولّد كلاهما من الشروط المكانية نفسها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>على مستوى المدينة كامتداد</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكشف هذه الشهادات أيضاً أن تجربة السجن لا تنتهي عند حدوده، بل تمتد إلى ما بعده وبشكل معكوس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد السجن، ينقلب الاغتراب إلى شكلٍ آخر: اغترابٍ عن هذا العالم. ففي بالخلاص يا شباب، يصف ياسين الحاج صالح حالة الفرد بعد الخروج: "إنه الآن (خارج المكان)، على قول إدوارد سعيد، غريب، منعدم الوزن، لا يستطيع تعريف نفسه ووضعه، وتحديد موقعه واتجاهه." وتبلغ هذه الحالة حدّها الأقصى في القوقعة، حيث تتحول تحوّل قوقعته النفسية إلى قطيعة حادة مع نسميه "العالم الحر". يكتب مصطفى خليفة: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"تزداد سماكة وقساوة قوقعتي الثانية التي أجلس فيها... الآن... لا يمتلكني أي فضول للتلصص على أي كان!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحاول أن أغلق أصغر ثقب فيها، لا أريد أن أنظر إلى الخارج، أغلق ثقوبها لأحوّل نظري بالكامل إلى الداخل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إليّ أنا... إلى ذاتي... وأتلصص"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تقدّم هذه التجارب نموذجاً مكثّفاً لما يمكن أن يحدث في المدينة، وكذلك في الفضاءات العامة والرقمية، عندما تتحول حالات الانضغاط، والمشاركة، والمرئية، والانكشاف إلى منطق شامل. عندها قد تُنتج المدنية تقاربات قسرية مشابهة لما يحدث في الفضاءات السجنية: في وسائل النقل، في الأحياء المكتظة، في المساحات العامة، وحتى في الفضاءات الرقمية التي توازيها. حيث تتكثف الأجساد، وتتقاطع الحيوات، وتُختزل المسافات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مولّدة إحساساً متزايداً بالانكشاف، ورغبة في الانسحاب، وتفككاً تدريجياً في الحدود بين الذوات. فكما في الفضاء السجني، حيث يتحول الآخر إلى جزء من المجال المباشر للجسد، يمكن للمدينة أن تدفع نحو أشكال من التداخل المفرط، حيث لا تعود المسافة كافية لإنتاج الذات، بل يصبح القرب نفسه عاملاً في تآكلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويمتد هذا المنطق أيضاً إلى الفضاءات الرقمية التي باتت تشكّل امتداداً يومياً للمدينة، حيث تتوسع النزعة نحو تقليص المسافات، وزيادة الكثافة، وتعظيم المشاركة، حتى الحد الذي أصبحت فيه هذه الشروط نفسها مولداً لنزعات معاكسة في الدعوات إلى الفردانية، والبحث عن العزلة، والحنين إلى الطبيعة والريف، والعمل عن بُعد، والعيش في مساحات أقل كثافة، بل وحتى في الرغبة بالانفصال المؤقت عن الفضاءات الرقمية، وكأنها محاولات لاستعادة حد أدنى من المسافة داخل عالم يتجه باستمرار نحو إلغائها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذاً، تدعونا هذه التجارب السجنية إلى إعادة قراءة نظرياتنا التخطيطية ومنطقنا التحليلي في فهم الفضاءات الحضرية، حتى لا نكتشف يوماً -حين لا يعود للاكتشاف معنى- أن جهودنا نحو الترابط الاجتماعي، وتنظيم فضاءاتنا التي تدفع الحشود إلى التجمّع والتزامن والحركة معاً، قد ولّدت في داخلنا اغتراباً أكثر مما ولّدت انتماءً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأننا، في سعينا نحو القرب والمرئية والتبادل، قد حصرنا أنفسنا ضمن أشكال من التشارك تمحو الإحساس بالذات الذي كان يُفترض أن تحافظ عليه.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>المراجع:</strong></p>
<h6 style="text-align: left;"><span style="font-weight: 400; color: #808080;">-Khalifa, M. (2008) Al-Qawqa‘a: Yawmiyyat Mutalassis [The Shell: Memoirs of a Hidden Observer]. Beirut: Dar al-Adab.</span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="font-weight: 400; color: #808080;">-Saleh, Y. al-Haj (2013) Bil-Khalas Ya Shabab: 16 ‘Aman fi al-Sujun al-Suriyya [The Impossible Revolution / 16 Years in Syrian Prisons]. Beirut: Dar al-Saqi.</span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="font-weight: 400; color: #808080;">-Yussef, B. (2020) Hajar al-Dhakira: Ba‘d min Jahim al-Sujun al-Suriyya [The Memory Stone: Some from the Syrian Prisons Inferno]. Istanbul: Mayaslon for Culture, Translation and Publishing.</span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="font-weight: 400; color: #808080;">-Frankl, V. E. (1974) Man’s Search for Meaning: An Introduction to Logotherapy. Allahabad: Better Yourself Books.</span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Babacan, H. (2006) ‘Locating identity: sense of space, place and belonging’, International Journal of Diversity in Organisations, Communities and Nations, 5(5), pp. 113–124.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Butler, C. (2012) Henri Lefebvre: Spatial Politics, Everyday Life, and the Right to the City. New York and London: Routledge.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Dahiya, S., Simpson, P.L. and Butler, T. (2022) ‘Rethinking standards on prison cell size in a (post)pandemic world: a scoping review’, International Journal of Prisoner Health.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Emery, J. (2021) ‘After Coal: Affective-Temporal Processes of Belonging and Alienation in the Deindustrializing Nottinghamshire Coalfield, UK’, Frontiers in Psychology.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Lefebvre, H. (1991) The Production of Space. Translated by D. Nicholson-Smith. Oxford: Blackwell.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Mitchelson, M.L. (2014) ‘The production of bedspace: prison privatization and abstract space’, Geographica Helvetica, 69, pp. 325–333. https://doi.org/10.5194/gh-69-325-2014</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Sahan, A.H. ‘Alienation in the urban structure and its impact on the individual and society’, University of Baghdad.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Simpson, P.L., Simpson, M., Adily, A., Grant, L. and Butler, T. (2020) ‘Prison cell spatial density and infectious and communicable diseases: a systematic review’, BMJ Open.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Sqour, S.M.S. ‘Attaining Human Aspects to Avoid Alienation in Architecture’, Architecture Research Journal.</span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Haraway, Donna. “Situated Knowledges: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective.” Feminist Studies, vol. 14, no. 3, Autumn 1988, pp. 575–99. </span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Lefebvre, Henri. The Production of Space. Translated by Donald Nicholson-Smith, Blackwell, 1991. </span></span></h6>
<h6 style="text-align: left;"><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">-</span> <span style="font-weight: 400;">Soja, Edward W. Thirdspace: Journeys to Los Angeles and Other Real-and-Imagined Places. Blackwell, 1996.</span></span></h6>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38473">الانضغاط السجني وسياسات القرب القسري: قراءة معمارية في أدب السجون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>كان السينمائي: الكلام السياسي هو حصرا كلام فلسطيني</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38317</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 14 May 2026 10:44:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[كان السينمائي ٢٠٢٦]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38317</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38317">كان السينمائي: الكلام السياسي هو حصرا كلام فلسطيني</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">لم يكن افتتاح مهرجان برلين السينمائي (وختامه) في شباط الماضي سياسياً سوى لأن الكلام تناول، بل انحصر في، فلسطين. وتفوُّه رئيس لجنة التحكيم آنذاك، فيم فيندرز، في الفصل ما بين الفن والسياسية، كان مقصوداً به عزل الفن عن غزة. قال ذلك في سؤال عن إدانة إسرائيل، وما كان ليقوله لو سُئل عن روسيا أو الصين أو حتى إيران.</p>
<p dir="rtl">هذا ما تخطته الأيام الأولى من مهرجان كانْ السينمائي. وكانت لجنة التحكيم هنا أكثر صراحة في بعض المحكّمين وأكثر حذراً في بعضهم الآخر. العالم كله بات يشعر، وبعضه يعي، بأن المسألة السياسية في المهرجانات الغربية، سينمائية وغيرها، هي مسألة فلسطينية. السياسة في الغرب اليوم هي فلسطين، قيل ذلك صراحة أم تلميحاً.</p>
<p dir="rtl">بخلاف المخرج الألماني، كان لرئيس لجنة التحكيم في مهرجان كانْ كلام آخر، غير ملوّث بالتاريخ والحاضر القاتمين لألمانيا. المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك صرّح في المؤتمر الصحافي للجنة، بأنه من الغريب القول إن الفن والسياسة في حالة نزاع، والعمل الفني إن كان بمقولة سياسية فإن ذلك لا يعني أنه عدو للفن، وإن بدأنا بفرض الرقابة فإننا نقتل الروح الإبداعية.</p>
<p dir="rtl">هذا القول يحجّم الموقف الذي اتخذه فيندرز في البرليناله، وكان، سؤالاً وإجابة، لضرورة السياق، بموضوع فلسطيني. فالكلام العام عن السياسية هنا يمنح ممراً للكلام الفلسطيني. إذ تبقى المسألة الفلسطينية، دون غيرها، المسألة السياسية في المهرجانات الغربية. هي حالة استعمار شديدة السطوع في بيئة منحازة تاريخياً للمستعمِر.</p>
<p dir="rtl">المعيار في الكلام السياسي أوروبياً هو حصراً موضوع فلسطيني. ففي برلين وكانْ وفينيسيا، شهدنا في الأعوام الأخيرة حضوراً لشؤون سياسية أخرى مُتّفَق عليها عموماً من قبل المنظمين والضيوف، شؤون لا خلاف عليها أوروبياً، الموقف من إيران وروسيا والصين مثلاً. هنا لا يُعَد الكلام سياسياً بمعنى العلاقة ما بين الفن والسياسة. الكلام فيها يصب في انسجام عام في أوروبا، مقبول، بل محبّذ، هو سلسلة من المجاملات في حالة إجماع ريائية.</p>
<p dir="rtl">الكلام لا يكون سياسياً سوى بتعكيره للرأي العام المسيطر، سوى بالمساءلة حيال الموقف من المظلوم حين يكون التيار السائد داعماً للظالم. الكلام يكون سياسياً حين يزعج السائلُ المسؤول بسؤاله، وذلك يكون في أوروبا عن فلسطين، وحسب. السؤال في أوروبا عن عدوان روسي على أوكرانيا ليس كلاماً سياسياً، هو أقرب إلى علاقات عامة، وتبادل التحيات. كذلك الكلام عن تايوان في جو عام أوروبي معاد لكل ما هو في غير مصالحه، معاد له أو على الأقل متشكّك منه.</p>
<p dir="rtl">كاتب السيناريو الإيرلندي/الاسكتلندي بول لافرتي، عضو لجنة التحكيم، والشريك الدائم للسينمائي الإنكليزي كين لوتش في أفلامه، رفع السقف في تصريحاته السياسية إلى مستوى يصعب تَخيّل وصوله لغير الإيرلنديين، مستحضراً غزة مرتين، كأنه مصرّ على ذكرها متى استطاع الكلام، في تحدٍ لكل تعتيم مهرجاناتي لهذه القضية، مشيراً إلى عالم يشهد إبادة في غزة، يقود المجانينُ فيه العميان، مقتبساً من شيكسبير. وفي نهاية المؤتمر أكّد أن العار لهوليوود بوضعها ممثلين في "قائمة سوداء"، لمجرد كلامهم التضامني مع شعب غزة، مسمياً كلاً من سوزان سارندون التي تتصدّر ملصقَ هذه الدورة من المهرجان، وخافيير بارديم المؤدي لبطولة في فيلم بالمسابقة الرسمية، مؤكداً: إنهم أحسن ما فينا.</p>
<p dir="rtl">آخرين في اللجنة أضافوا في ضرورة الكلام السياسي سينمائياً، ليكون هذا المؤتمر النقيض لذلك الذي عقد في البرليناله، مصوباً مساراً حاول فيندرز حرفه عن الطبيعة السياسية الضرورية لأي عمل فني، من دون أن يكون بالضرورة، العمل، في موضوع سياسي، ومن دون أن يكون بالضرورة مرفقاً بمواقف سياسية لصاحبه. الفن سياسي بطبيعته، ورفضُ ذلك ليس سوى موقف سياسي، وهذا الموقف سيكون محصوراً بالموضوع المعني، وهو في البرليناله، وفي غيره أوروبياً، فلسطين.</p>
<p dir="rtl">تفادي الكلام السياسي ومحاولة تبرير ذلك لا يعني في المهرجانات سوى تفادياً للكلام عن فلسطين. القول في أوروبا إن الفن سياسي، يعني حصراً موضوعاً فلسطينياً. هنا فقط يكون الكلام سياسياً، هنا فقط، في أوروبا، يكون الفن متعلقاً، فعلاً، بالسياسة، متى أشار إلى فلسطين.</p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="opk4GALCrp"><p><a href="https://rommanmag.com/archives/37555">عن الفن للفن وفيم فيندرز الذي في جينز سيدني سويني</a></p></blockquote>
<p><iframe class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="“عن الفن للفن وفيم فيندرز الذي في جينز سيدني سويني” — مجلة رمان الثقافية" src="https://rommanmag.com/archives/37555/embed#?secret=C8JwbMjkxj#?secret=opk4GALCrp" data-secret="opk4GALCrp" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38317">كان السينمائي: الكلام السياسي هو حصرا كلام فلسطيني</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38253</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 09 May 2026 08:36:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38253</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38253">مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><strong>مدخل أول:</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في العام 1790 بلغ عدد سكان لندن قرابة 740 ألفًا، بينما كان عدد سكان مدينة نيويورك في العام 1830 قرابة  197 ألفًا أو أقل قليلًا، بينما في القرن نفسه كان عدد سكان مدينة إسطنبول ما يزيد عن 600 ألف، وقبل ذلك بنحو 2500 عام، كان عدد سكان نينوى 120 ألفًا، وبابل 100 ألف. يقول أندريه جوندر فرانك في كتابه "الشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي"، أن إسطنبول كانت المدينة الأولى في أوروبا وغرب آسيا والعالم في القرن السادس عشر بعدد سكان فاق 700 ألف نسمة، في حين كانت العاصمة الصينية بكين ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العالم في ذلك الوقت، بينما كانت القاهرة في المرتبة الثالثة بعدد سكان بلغ 450 ألف نسمة. بوصفٍ أكثر وضوحًا: من بين أكبر ثلاث مدن في العالم، كانت اثنتان من هذا الجزء من العالم والثالثة صينية، بينما باريس لم تتجاوز 125 ألف نسمة في ذلك الوقت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">السؤال: لماذا احتلت مدن نيويورك ولندن وباريس مراكزها في الدراسات الحضرية وطغت على غيرها، ولم تزل كذلك حتى هذه اللحظة؟ ولماذا يصر بعض منظرو التخطيط الحضري على استدعاء تلك المدن باعتبارها نماذج مرغوبة بل وضرورية فيهم تطور المدينة، من الناحية التاريخية وليس الحضرية فقط، ويتعامون -بجهل زنجي المنزل- عن تاريخ حضري كثيف في هذه المنطقة من العالم؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لنا هنا أن نستدعي تقسيم هيغل -الذي تفوح منه العنصرية- لتدفق مجرى التاريخ الإنساني، بالإشارة إلى تحرير العقل والذاتية والفلسفة التقدمية، قائلًا أن التاريخ الإنسانية مر بمرحلة الطفولة في الشرق ثم الشباب المبكر في آسيا الوسطى، والشباب اللاحق في اليونان، والرجولة في روما، ثم نضج في أوروبا، بفضل الأجناس الجرمانية (هيغل 1999). وبالرغم من خفة وتهافت هذا القول، نجد له تناصًا في نظرة ماكس فيبر إلى "المدينة"، إذ يقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"إن المجتمع الحضري، بالمعنى الكامل للكلمة لا يظهر بوصفه ظاهرة عامة إلا في الغرب. وقد نجد استثناءاتٍ من حين إلى آخر في الشرق الأدنى (في سوريا وفينيقيا وبلاد الرافدين) ولكن في حالات نادرة وبدائية فقط" (فيبر 1958)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل تستوي هذه المقاربة في غايتها لطرح إطار تاريخي لمسألة المدينة، دون أن تلق بالًا لتاريخ الصين الحضري التي تستضيف ربع البشرية، أو الحضارة الإسلامية العربية التي حكمت العالم لأكثر من 1200 عام (نصيب الإمبراطورية العثمانية منها فاق ال600 عام وحدها)، وما المخاطرة في الاستناد حصرًا على مقولة أن التاريخ يبدأ وينتهي في الغرب؟!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعليه؛ إذا كان تاريخ المدينة في هذا الجزء من العالم قد أُقصي من السرديات الحضرية المهيمنة، فإن هذا الإقصاء لا يمكن اعتباره مجرد انحراف معرفي أو نقص في التمثيل، بل ينبغي فهمه بوصفه جزءًا من بنية أوسع تُنتج ما يمكن تسميته بشرطِية المحو (conditions of erasure)، فحين تُعاد صياغة التاريخ الحضري العالمي بحيث تتموضع مدن مثل لندن وباريس ونيويورك في مركزه، بينما تُدفع مدن مثل القاهرة، إسطنبول، وبغداد إلى الهامش أو تُختزل في استثناءات ناقصة أو طرفية، فإن ما يُمحى ليس الماضي فحسب، بل الشرعية المعرفية لوجود هذه المدن بوصفها مراكز إنتاج حضري ومعرفي آني ومستقبلي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا النمط من المحو الإبستيمي لا يعمل في الفراغ، بل يتقاطع مع ممارسات مادية وتاريخية تعيد إنتاجه على الأرض، وتضمن له مشروعية واستدامة (ما)، تنطلق من الخطاب إلى السياسات التخطيطية والحضرية. فكما أُقصيت هذه المدن من مفهوم تاريخ المدينة، وأطره، بوصفها مفهومًا نظريًا، تُعاد اليوم صياغتها ضمن أنظمة تخطيط، سيطرة، وحرب، تفترض ضمنيًا أنها فضاءات قابلة لإعادة التشكيل، بالمحو؛ أي بالإبادة العمرانية. هنا، لا يعود العنف مجرد أداة خارجية تُمارَس على المدينة، بل يصبح امتدادًا مباشرًا لبنية معرفية سبقتْه، وحددت ما الذي يُعتبر مدينة، وما الذي يمكن التضحية به. وإذا كان هذا الإطار يبدو تجريديًا، فإن حضوره يمكن تلمّسه حتى في أكثر الأدبيات الحضرية تأثيرًا. فمثلاً، وعلى الرغم من الأهمية النظرية لأعمال ريتشارد سينيت في فهم الفضاء العام والتجربة الحضرية، إلا أن المدينة العربية تكاد تغيب بالكامل عن تحليلاته، كما هو الحال في كثير من أعمال علم الاجتماع الحضري الكلاسيكي والمعاصر. هذا الغياب ليس تفصيلاً عرضيًا، بل مؤشر على حدود الحقل نفسه، حيث تُبنى النظرية انطلاقًا من تجارب حضرية محددة، ثم تُعمَّم بوصفها نموذجًا كونيًا، في حين تُترك مدن أخرى خارج أفق التفكير، وبالتالي لا يتغير مفهوم الإبادة العمرانية حتى لو أبيدت تلك المدن، بل أن مفهوم الإبادة المعرفية يجب أن يمتد إلى  ما محي وطمس من المعارف المرتبطة بتلك المدن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم من تدمير، محو، وإعادة تشكيل عنيفة للمدن العربية—من غزة إلى بيروت—لا ينفصل عن هذا التاريخ من المحو المعرفي، بل يستند إليه. فقبل أن تُمحى المدينة ماديًا، كانت قد مُحيت من الخيال النظري، وقبل أن تُستهدف بنيتها التحتية، كانت قد فُقدت مكانتها بوصفها مرجعًا حضريًا قائمًا بذاته. بهذا المعنى، فإن الإبادة العمرانية لا تبدأ بالقصف أو الهدم، بل تبدأ في اللحظة التي تصبح فيها مدينة ما غير مرئية معرفيًا، أو قابلة للاستبدال ضمن سردية حضرية لا تعترف بها، ويُجند لهذا الخطاب الكثيرين ممن أسماهم حميد دباشي المخبرين المحليين.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>مدخل ثان:</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في اللحظة الراهنة من الحرب على المدينة العربية، لم تعد لدينا رفاهية التفكير في المدينة العربية بوصفها فضاءً عمرانيًا يخضع لضغوط التحضر المتسارع، أو بما هي انعكاس لأزمة تخطيطية يمكن معالجتها عبر أدوات الاستدامة أو الحوكمة والشفافية، والتخطيط المجتمعي، أو مشروعات استوديوهات التخطيط الحضري، ومقاربات نزع الكولونيالية العمرانية والتخطيطية. فهذا الخطاب، الذي تبلور خلال العقد الأخير بنفس نيوليبرالي، وبخاصة بعد عام 2013 مع انكسار الحراك الثوري العربي الذي انطلق من الفضاءات الحضرية نفسها، يبدو اليوم عاجزًا عن استيعاب التحول الأعمق الذي طرأ على المدينة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن ما يتكشف بشكلٍ فاضح هو أن المدينة نفسها أصبحت موقعًا لإعادة إنتاج العنف السلطوي وإدامته، ليس بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل باعتباره المنطق الناظم للحياة الحضرية العربية بعد 2013. إن حالة "الحرب المؤجلة" في الخطاب الرسمي العربي—التي تُستدعى وعظيًا على هيئة "انظروا إلى العراق وسوريا"—ليست إلغاءً للحرب، بل إعادة تموضع لها، بوصفها أفقًا مؤجلًا وضروريًا لإعادة تشكيل المدينة والمواطن على السواء. وفي ظل هذا الأفق، تمرّ سياسات التخطيط الحضري العنيف بوصفها امتدادًا غير معلن للحرب، بحيث لم تعد هذه الأخيرة تُخاض على حدود المدن، بل داخلها، في شوارعها، وفي بنيتها التحتية، حيث تتحول البيوت، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء إلى أهداف مباشرة، وتُعاد صياغة الحياة اليومية تحت شروط أمنية وعسكرية متواصلة  (غراهام 2004)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضمن هذا الإطار، يبرز مفهوم "الإبادة المدينية/العمرانية (urbicide) " لا باعتباره توصيفًا اصطلاحيًا لحالة قصوى، بل أداة تحليلية مركزية لفهم منطق العمل للعنف الحضري. فهو لا يشير فقط إلى تدمير المباني أو البنية التحتية، بل إلى استهداف المدينة بوصفها شكلًا من أشكال الوجود الاجتماعي والسياسي؛ أو العمران بالمعنى الخلدوني، بوصفه شرطًا لإمكان الاجتماع والإنتاج المعرفي. فالإبادة المدينية هي قتل ونفي الحالة المدينية، من شروطها المادية إلى بنياتها الرمزية، عبر تفكيك الروابط التي تجعل الحياة الحضرية ممكنة، من التعددية الاجتماعية إلى الفضاءات المشتركة. بهذا المعنى، لا يعود تدمير المدينة نتيجة عرضية للحرب، بل أحد أهدافها الأساسية، حيث تُستهدف المساحات التي تحتضن الحياة الجماعية بوصفها تهديدًا يجب القضاء عليه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقاطع هذا الفهم مع ما يطرحه أشيل مبيبي في تحليله لأنماط السلطة المعاصرة، حيث لا يُمارس العنف فقط عبر القتل المباشر، بل عبر إعادة توزيع شروط الحياة والموت (مبيبي 2003)، وإذا كانت سياسات الإماتة، Necropolitic تشير إلى أنماط حكم تُحدد من يحق له أن يعيش ومن يُترك للموت، فإن الإبادة العمرانية تمثل امتدادها المكاني، حيث لا يُستهدف الجسد الفردي فقط، بل المجال الذي يجعل وجوده ممكنًا. فالموت هنا لا يُنتج فقط عبر السلاح، بل عبر تفكيك البنية التي تُمكّن من الاستمرار في الحياة. وفي السياق ذاته، يوضح آيال وايزمان وغيره كيف أصبحت البيئة المبنية نفسها وسيطًا للحرب، تُقرأ وتُعاد هندستها بوصفها فضاءً عملياتيًا يمكن تفكيكه وإعادة توظيفه ضمن استراتيجيات السيطرة (وايزمان 2007) غير أن ما يتجاوز هذا التحليل في الحالة العربية هو أن الاستهداف لا يقتصر على استخدام المدينة، بل يمتد إلى تفكيكها كليًا، بوصفها بنية يجب إزالتها أو إعادة تشكيلها وفق منطق السيطرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في السياق الفلسطيني، يكتسب هذا المنطق كثافة إضافية، حيث يقترح ساري حنفي مفهوم "الإبادة المكانية" (spatiocide)  لوصف نمط من العنف الاستعماري لا يستهدف السكان بشكل مباشر، بل يستهدف الفضاء الذي يجعل وجودهم ممكنًا (حنفي 2013). هنا، لا تكون الغاية إبادة السكان بيولوجيًا، بل دفعهم إلى الاختفاء عبر تفكيك المجال المكاني الذي يحتضنهم. غير أن هذا الشكل من العنف لا يقتصر على لحظة الحرب، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بالعنف التخطيطي، حيث تصبح مشاريع التطوير، وإعادة الإعمار، وحتى السياسات الحضرية اليومية، امتدادًا لنفس المنطق الذي يقود إلى تفكيك المدينة. بهذا المعنى، لا تعود الإبادة العمرانية حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من برامج سياسية تُمارس باسم الحداثة والتخطيط، حيث يتداخل تدمير العمران مع تدمير الإنسان ضمن عملية واحدة (بياري 2024) وهنا، تتلاشى الحدود بين الحرب والسلم، بين التدمير والبناء، إذ يمكن لمشاريع التطوير أن تعيد إنتاج أشكال مختلفة من الإقصاء والتفكيك الحضري. وبالتالي، فإن ما بدأ باعتباره طمسًا إبستيميًا للمدينة العربية ضمن السرديات الحضرية العالمية، يتطور اليوم إلى تفكيك مادي للحالة المدينية ذاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن هذا المسار لا يقتصر على العنف العسكري أو السياسات المحلية، بل يتغذى أيضًا من بنية أوسع لإنتاج المعرفة الحضرية. ففي ظاهرها، تُقدَّم عمليات "نقل المعرفة التخطيطية" بوصفها تبادلًا تقنيًا محايدًا، تنتقل عبره "أفضل الممارسات" من مدن مثل تورونتو وفانكوفر إلى مدن مثل عمّان وأبوظبي. غير أن هذا التصوير يخفي بنية أكثر تعقيدًا، حيث لا تتحرك المعرفة بوصفها معرفة فحسب، بل بوصفها سلطة. فهذه العمليات تتم عبر ما يُعرف بـ "وكلاء النقل"، وهم خبراء دوليون يُمنحون، في آنٍ واحد، سلطة معرفية وسلطة مؤسسية داخل المدن المستقبِلة  (خريفان وجعفر 2012). ضمن هذا الإطار، لا تدخل هذه الخبرات بوصفها خيارًا بين بدائل، بل بوصفها معيارًا يُعاد من خلاله تعريف ما يُعد معرفة تخطيطية مشروعة ومرغوبة. وحتى حين يُوصف هذا النقل بأنه "تبادل" أو "هجين"، فإن عدم تكافؤ الشروط التي يتم فيها يجعله أقرب إلى إعادة إنتاج هرمية عالمية للمعرفة، حيث تبقى المدينة العربية في موقع المتلقي، بينما يحتفظ النموذج الغربي بموقع المرجع والمقياس. بهذا المعنى، لا تُقاس المدينة العربية بذاتها، بل بمدى اقترابها أو ابتعادها عن نموذج خارجي تُفترض كونيته. وهنا، يتقاطع هذا المسار مع المحو الإبستيمي الذي سبقت الإشارة إليه، إذ لا يُقصى التاريخ الحضري العربي فحسب، بل يُستبدل أيضًا بإطار معياري يُعاد فرضه بوصفه الشكل الوحيد الممكن للمدينة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعليه، فإن راهنية سؤال المدينة العربية لا تشير فقط إلى تحديات النمو السكاني أو التغير المناخي أو ضعف البنية التحتية، بل إلى شرط أعمق يتمثل في كون المدينة نفسها تُعاد صياغتها باستمرار عبر أنماط متعددة من العنف—العسكري، والاستعماري، والمعرفي، والتخطيطي. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد: كيف نُخطط المدينة بشكل أفضل؟ بل: كيف يمكن للمدينة العربية أن تستمر كفضاء للحياة، في ظل شروط تُعيد إنتاجها كفضاء للسيطرة والتدمير في آنٍ واحد؟</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">التخطيط بما هو عنف: المدينة العربية في زمن السلم</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كانت الإبادة العمرانية تمثل أقصى تجليات العنف على المدينة، فإن أحد أخطر تحولات اللحظة الراهنة يكمن في انتقال هذا العنف إلى حقل يبدو، في ظاهره، نقيضًا له: التخطيط. هنا، لا يعود التخطيط أداة لتنظيم الحياة الحضرية، بل يصبح امتدادًا دقيقًا وسائلًا للعنف، يعمل ببطء، وبشرعية، وباسم التنمية، وبقبول مجتمعي اعتباطي في أغلبه. فالفارق بين الحرب والتخطيط، في هذا السياق، ليس فارقًا في المنطق، بل في الوسيلة. إن ما يميز هذا التحول هو أن العنف لم يعد بحاجة إلى لحظة تدمير صريحة، بل أصبح يُمارس عبر إعادة تشكيل الفضاء نفسه، بحيث يُعاد تعريف من يحق له أن يسكن، ومن يُدفع إلى الهامش، ومن يُمحى دون إعلان. وهنا، لا تُفهم سياسات مثل إعادة التطوير، أو التحديث، أو حتى "تحسين البنية التحتية" بوصفها تدخلات تقنية، بل بوصفها آليات لإعادة توزيع الحياة داخل المدينة، وفق منطق إقصائي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الإطار، يمكن قراءة ما يسميه عبد المالك سيمون بالعيش بين الناس (people as infrastructure) بوصفه نقيضًا لما ينتجه التخطيط المعاصر في المدن العربية. فإذا كانت المدينة، عند سيمون تقوم على شبكات غير رسمية من التفاعل والتكافل تُبقي الحياة ممكنة رغم هشاشة البنى الرسمية (سيمون 2004)، فإن التخطيط النيوليبرالي يعمل على تفكيك هذه الشبكات، واستبدالها بأنظمة مغلقة، مُنظَّمة، وقابلة للضبط. وهكذا، لا يُعاد تنظيم المدينة فحسب، بل يُعاد تشكيل الاجتماعي نفسه، بحيث يُفقد قدرته على الاستمرار خارج الأطر الرسمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مدن الخليج، يتجلى هذا المنطق بأقصى وضوح. إذ لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج مدينة حديثة، بل بإنتاج نموذج حضري مُفرغ من شروطه الاجتماعية. كما يشير ياسر الشيشتاوي، فإن هذه المدن تُبنى وفق منطق "المدينة المُعولمة"، حيث تُستورد النماذج المعمارية والتخطيطية بوصفها علامات على الحداثة، بينما يُعاد تنظيم السكان ضمن هرمية صارمة من الانتماء والإقصاء (شيشتاوي 2008). في هذا السياق، لا يكون الإقصاء عرضًا جانبيًا، بل شرطًا لإنتاج المدينة ذاتها: مدينة بلا تاريخ، بلا ذاكرة، وبلا إمكانية حقيقية للاجتماع خارج منطق السوق. (تحضرني هنا بعض النماذج لخطاب استشراقي بغيض، يطل علينا من نوافذ في مدن أمريكية وأوروبية ينادي بنسخ أفكار تلك المدن لغايات الرقي بمدننا العربية باعتبار تلك الطرائق وكأنها مفهومة طمنًا، ويجري استدعاء حتى أدوات الخطاب بشكل اعتباطي يخلو من الحد الأدنى من الوعي بالموقعية ومحاولة النقد).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما في عمّان، فإن العنف يأخذ شكلًا مختلفًا، أقل استعراضًا، لكنه لا يقل عمقًا وأثرًا. ما يبدو وكأنه عملية "إعادة تنظيم حضري" أو "تحديث" هو، في جوهره، إعادة هيكلة طبقية للمدينة، تُعاد فيها صياغة الفضاء بما يخدم فئات محددة، بينما تُدفع فئات أخرى إلى أطراف غير مرئية. وهنا، يمكن قراءة هذه العمليات ليس فقط بوصفها إحلالًا طبقيًا  gentrification بالمعنى الكلاسيكي، بل كعملية تفكيك تدريجي للمدينة بوصفها فضاءً مشتركًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا ما تلتقطه هبة بو عكر في تحليلها لبيروت، وإدامة الحرب بما هي دينامية عملية التخطيط ككل، حيث تُظهر كيف أن التخطيط لا يعمل فقط كأداة تنظيم، بل كأداة لإدارة الصراع وإعادة توزيعه مكانيًا (بوعكر، 2018). فالتقسيم، وإعادة التطوير، وإنتاج المناطق "المستقرة" أو "غير المستقرة"، ليست مجرد نتائج جانبية، بل جزء من منطق تخطيطي يُعيد إنتاج الانقسام الطائفي والحربي بدل تجاوزه. وإذا كان هذا التحليل ينطلق من بيروت، فإنه يكشف بنية أوسع يمكن تتبعها في مدن عربية أخرى، حيث يُستخدم التخطيط لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي وفق خطوط سياسية، طائفية، أو اقتصادية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في القاهرة، يتخذ هذا المنطق شكلًا أكثر عنفًا، حيث تُمارس الدولة دورًا مباشرًا في تفكيك النسيج العمراني، تحت غطاء "التطوير" و"إزالة العشوائيات". هنا، لا يكون الهدم استثناءً، بل أداة تخطيطية مركزية، يُعاد من خلالها إنتاج المدينة بوصفها فضاءً قابلًا للضبط والسيطرة. وما يُمحى في هذه العملية ليس فقط المباني، بل أنماط حياة كاملة، وعلاقات اجتماعية، وذاكرة حضرية متراكمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لا يمكن فصل هذه الحالات عن بعضها، رغم اختلاف سياقاتها. فما يجمع دبي، وعمّان، وبيروت، والقاهرة، ليس تشابهها، بل اشتراكها في خضوعها لمنطق واحد: إعادة تعريف المدينة بوصفها فضاءً قابلًا للإدارة، لا للعيش. وفي هذا المنطق، لا يكون التخطيط أداة لتحسين الحياة، بل وسيلة لإعادة توزيعها، بحيث تصبح بعض أشكال الوجود ممكنة، بينما تُقصى أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يعمل دون أن يُعلن نفسه كعنف. فهو يتخفى في لغة التقنية، والتنمية، والاستدامة، وحتى "الحق في المدينة". لكنه، في جوهره، يعيد إنتاج نفس البنية التي تقوم عليها الإبادة العمرانية، وإن بوسائل مختلفة. فإذا كانت الحرب تُدمّر المدينة بشكل مباشر، فإن التخطيط يعيد تشكيلها بحيث تصبح غير قابلة للسكن لبعض سكانها، أو غير قابلة للحياة المشتركة أصلًا. وعليه، فإن الفصل بين الحرب والتخطيط يصبح غير ممكن. فكلاهما يعمل ضمن منطق واحد، يعيد تعريف من يحق له أن يكون داخل المدينة، ومن يجب أن يُدفع خارجها. وهنا، لا تعود المدينة مجرد ضحية للعنف، بل تصبح أداة لإنتاجه، وإعادة توزيعه، وتثبيته في شكلها العمراني ذاته.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>غزة سرة العالم ومفتاحه</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليست غزة، في اللحظة الراهنة، ذروة مسار العنف على المدينة العربية فحسب، بل تمثل لحظة كاشفة تُعيد ترتيب أسئلتنا ذاتها. فهي لا تُظهر فقط ما يمكن أن تؤول إليه الإبادة العمرانية في أقصى تجلياتها، بل تتيح أيضًا إعادة فهم العلاقة بين المعرفة، والمدينة، والاستعمار، والرأسمالية خارج الأطر التي طالما حاصرت التفكير في المدينة العربية، كل مقاربة مفصولة بحقلها المعرفي، دون التفكير ولو للحظة بتداخل الحقول المعرفية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في غزة، لا تُدمَّر المدينة بوصفها بنية مادية فقط، بل بوصفها تاريخًا من العلاقات الحضرية التي ربطت هذا الجزء من العالم ببعضه البعض. فالإبادة الجارية لا تستهدف مكانًا معزولًا، بل تبني على ميراث من القطع الحضري في منطقتنا، ونفي امتدادات حضرية كانت، ولا تزال، تشكل نسيجًا إقليميًا متداخلًا: بين غزة والقاهرة، بين حيفا وبيروت، بين نابلس ودمشق. هذه العلاقات—التي كانت تُنتج المدينة العربية بوصفها فضاءً مفتوحًا، عابرًا للحدود—لم تُفكك في لحظة واحدة، بل عبر مسار طويل من التدخلات الاستعمارية التي أعادت رسم الجغرافيا، وحددت الحركة، وأعادت تنظيم الفضاء بما يخدم منطق السيطرة، وباتت الآن بيد الخطاب الاستهلاكي والريعي، ليعيد بنائها خدمة لدولة الاحتلال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لا يمكن فهم ما يحدث في غزة بوصفه انقطاعًا، بل بوصفه امتدادًا. فالإبادة العمرانية الراهنة تتقاطع مع تاريخ أطول من السياسات الاستعمارية التي عملت على تفكيك العلاقات الحضرية في المنطقة، سواء عبر الاستعمار الأوروبي المباشر، أو عبر المشاريع الاستيطانية التي أعادت تشكيل المجال المكاني على نحوٍ يُقصي إمكان الاتصال والاستمرار. وما فعلته السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في فلسطين—من فصل المدن عن بعضها، وتفكيك شبكاتها، وتحويلها إلى جزر معزولة، من قرى وبلدات لا ترقى لأن تكون مدينة حديثة—لا يختلف في منطقه عن ما مارسته قوى استعمارية أخرى، كما في الحالة الفرنسية في الجزائر، حيث أُعيد تنظيم المدينة بما يفصل، ويُصنف، ويُخضع، وما يفعله الآن رأس المال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن ما يجعل غزة لحظة فارقة ليس فقط كثافة العنف، بل وضوحه وبنيته والقدرة الغزية على مواجهته. ففيها، تتقاطع كل المستويات التي اشتغل عليها هذا النص: المحو الإبستيمي، الإبادة العمرانية، العنف التخطيطي، ونقل النماذج الحضرية (مشاريع الاعمار أو الخطط الترامبية). إذ تُظهر غزة، بشكل لا لبس فيه، أن المدينة العربية لم تكن فقط مهمشة في النظرية، بل مستهدفة في الواقع، وأن ما قُدِّم بوصفه "تحديثًا" أو "تخطيطًا" أو "تنمية"، لا يمكن فصله عن بنية أوسع أعادت تعريف من وما يحق له أن يكون داخل المدينة، ومن يجب أن يُدفع خارجها. وعليه، فإن غزة لا تفرض علينا إعادة التفكير في الحرب فقط، بل في المدينة ذاتها: في كيف تشكلت، وكيف فُهمت، وكيف أُعيد إنتاجها ضمن علاقة غير متكافئة بين الشرق والغرب. فهي تكشف أن السؤال لم يكن يومًا تقنيًا—كيف نُخطط المدينة؟—بل كان، وما زال، سؤالًا سياسيًا ومعرفيًا: من يعرّف المدينة؟ ومن يملك حق إنتاجها؟ ومن يُقصى منها، أو يُمحى معها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، لا يمكن أن يكون الاشتباك مع راهنية سؤال المدينة العربية مجرد استجابة لأزمة آنية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع لإعادة النظر في موقعنا تاريخيًا من المدينة ذاتها: ليس بوصفها موضوعًا للتخطيط، بل بوصفها شرطًا للوجود. أي أن السؤال لم يعد كيف نُحسّن مدننا، بل كيف نستعيد الحق فيها—في عمرانها، وفي ذاكرتها، وفي إمكانها، وبمنطق متحرر من المركزيات المفروضة علينا باسم الحداثة وأثمانها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فاستعادة المدينة العربية، في هذا السياق، لا تعني إعادة بناء ما دُمّر فقط، بل إعادة بناء القدرة على تخيلها خارج النماذج التي فُرضت عليها، وخارج الشروط التي جعلت تدميرها ممكنًا أصلًا. وفي هذا، ربما تكمن المفارقة الأشد: أن المدينة التي تُمحى أمام أعيننا، هي ذاتها التي تفتح أفقًا جديدًا للتفكير—ليس في نهايتها، بل في إمكانها الذي لم يُغلق بعد.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38253">مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;رمان&quot; في التاسعة: لأن لا مقاومة ثقافية من دون صحافة ثقافية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36286</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2025 10:53:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[رمان]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[غسان كنفاني]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36286</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36286">&quot;رمان&quot; في التاسعة: لأن لا مقاومة ثقافية من دون صحافة ثقافية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">في السنوات الأخيرة، كنّا نحضّر لانطلاقة ثانية، أعلناها العام الماضي، لا في ذكرى تأسيس المجلة، ٢٤ آب/أغسطس، بل في الذكرى الأولى لشن الحرب الإبادية على شعبنا، في محاولة للتأكيد على المساهمة في إثبات المشهد الثقافي الفلسطيني وتثبيته، في إبقائه حياً قدر الإمكان، وقد طال هذا المشهد، كغيره من الاجتماعي والصحي والاقتصادي مما انسحب على الكارثة الإنسانية، طاله بفعل الحرب محاولات محو نجحت في تقليص الشغل والإنتاج الثقافيين. لذلك، وللتأكيد على ضرورة التشبّث بالثقافة، بحيويتها، أجّلنا الإطلاق الثاني للمجلة، العام الماضي، شهوراً قليلة.</p>
<p dir="rtl">كانت انطلاقة ثانية ولم تكن مجرد ذكرى ختام ثمانية أعوام والدخول في التاسع، ذلك لأن هوية بصرية جديدة وجذرية حملتها المجلة، ثم ممارسة لهذه الهوية كانت ثمارها واضحة خلال العام الأخير. شعار بصري جديد، شعار نصّي جديد، موقع الكتروني جديد وما يرافقه من تقنيات تفاعلية حديثة، توغل في أساليب التواصل مع القراء، النشرات البريدية ومجموعة واتساب وتفعيل الانستغرام والفيسبوك، مع تصاميم خاصة لكل مادة، بجماليات لونية بدأت تميز المجلة منذ سنوات وصارت أكثر سطوعاً خلال العام، إضافة إلى استفادة من الذكاء الاصطناعي، وغيرها من المساحات التي لم تكن المجلة، على طول ٨ سنوات، قد دخلتها.</p>
<p dir="rtl">الأثر في الانتشار كان جلياً خلال العام، وذلك من دون أن نخفف من التزامنا بالجدية والجرأة في مواد المجلة، فلم نساوم على ما يرضي الألغوريتمات ولم ننجرّ إلى عناوين ومواضيع تسطيحية واستهلاكية معادَة التدوير وسريعة الدوران في وسائل التواصل. أي أننا قرّبنا من هذه الوسائل إلى طبيعة عمل المجلة، شكلاً ومضموناً، ولم نتقرّب، نحن، إليها.</p>
<p dir="rtl">أمس، دخلت المجلة عامها العاشر، أنهت التاسع، مع إدراك منّا بأن الخطوة التي أنجزناها قبل عشرة أشهر كانت صائبة، الانطلاقة الثانية، كانت مجدية، فلا يحكم على ذلك، وحسب، عدد الزيارات والتفاعلات، في صفحتنا على فيسبوك تحديداً، بل، أولاً، تحسُّن النشر كماً، لورود الكثير من المواد لكتّاب وكاتبات جدد، وهو ما يجرّ معه تحسّناً نوعياً، إضافة إلى مواصلة المجلة نشر مقالات لأقرب كتّابها على قلبها، وأخلصهم للمشوار المشترَك.</p>
<p dir="rtl">مع دخولنا عامنا العاشر، أضفنا قيمة جديدة للمجلة، بصرية ورمزية لكنها شديدة الالتحام مع هوية المجلة وثبات مضمونها، ومع دورها في المشهد الثقافي الفلسطيني والمشرقي والعربي، وهو شعار بصري مواز لشعارها الأصلي الذي أطلقناه العام الماضي، هو شكل فني بالنظر إليه يدرك أحدنا موقع المجلة وموقفها، ثقافياً وسياسياً وفكرياً. الشعار هو رسمة لوجه غسان كنفاني، عرضتها مجلة "الهدف" التي أسسها وحررها كنفاني، على غلاف العدد التالي للحظة اغتياله في بيروت عام ١٩٧٢. وجهُ كنفاني، بعينيه الثاقبتين، صار، من اليوم، شعاراً جديداً وموازياً للمجلة، صار هوية جديدة لنا، أو صار تمثيلاً جديداً لهويتنا ذاتها، الملتحمة مع ما يمثله في الوعي الجمعي وفي الإرث الثقافي للفلسطينيين.</p>
<p dir="rtl">العام المقبل سنكون قد أكملنا عقداً من عمر صحافة ثقافية فلسطينية مستقلة ومتخصصة، ستكون مناسبة للمراجعة، للتأمل، وللتأكّد أكثر من ضرورة الصمود والمقاومة، بل التطوّر والتقدّم، لأن لا مقاومة ثقافية من دون صحافة ثقافية. هنا، تحديداً، تجد "رمان" نفسها. لذلك، تحديداً، نحن هنا، لذلك نصرّ على التقدّم.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36286">&quot;رمان&quot; في التاسعة: لأن لا مقاومة ثقافية من دون صحافة ثقافية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>على خطى كنفاني: &quot;رمان&quot; تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36254</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 24 Aug 2025 09:24:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[رمان]]></category>
		<category><![CDATA[غسان كنفاني]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36254</guid>

					<description><![CDATA[<p>فضا</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36254">على خطى كنفاني: &quot;رمان&quot; تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في اللحظة التي تدخل فيها "رمان الثقافية" عامها العاشر، لا تبدو المسألة مجرد ذكرى سنوية أو احتفال شكلي يضيف رقماً إلى عمر مجلة. مرور تسع سنوات من الكتابة والجدل وتراكم التجارب يعني أن المجلة تقف اليوم أمام ذاتها أولاً، قبل أن تقف أمام قرائها. فهي ليست في مواجهة ماضٍ مضى، بقدر ما هي في مواجهة أسئلتها الأولى: لماذا بدأت؟ كيف استمرت؟ وإلى أين تريد أن تمضي؟ هذه الأسئلة لا تعكس فقط حصيلة عقد أوشك على الانتهاء، بل تكشف عن وعيٍ متجدد بمسؤولية الكتابة ودورها، وعن رغبة في إعادة طرح معنى أن تكون مجلة ثقافية عربية في زمن متداخل بالهزائم والأمل. في هذه المناسبة تختار "رمان" أن تضيف إلى هويتها البصرية شعاراً بصرياً موازياً، يستحضر ملامح غسان كنفاني من إحدى الرسومات المنشورة في مجلة "الهدف" عام 1972. للوهلة الأولى يبدو الأمر وكأنه مجرد تكريم لشخصية فلسطينية استثنائية، لكن سرعان ما يتضح أن الأمر يتجاوز الرمزية التذكارية إلى كونه فعلاً ثقافياً ومقاومة تحررية بامتياز. فالشعار لا يأتي ليحلّ محلّ هوية المجلة البصرية، بل ليعكس خياراتها الثقافية والنقدية والوجودية، وليقف بجوارها كتجسيد لفكرة تتجاوز الشكل نحو المعنى؛ نحو ذلك الخيط المتصل بين مشروع ثقافي نقدي وميراث أدبي وسياسي لا يزال يحفر أثره في الوعي العربي والفلسطيني. هو إعلانٌ بأن المجلة تنحاز إلى المعنى الذي جسّده كنفاني، وتجد فيه مرآة لهويتها وخياراتها الفكرية والجمالية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ تأسيسها، حملت "رمان" مشروعاً يتجاوز الصحافة الثقافية التقليدية، لتصبح مساحة للنقاش، للتفكيك والجدل، ولإعادة صياغة الأسئلة حول الأدب والفن والهوية والسياسة. ومع دخولها عامها العاشر، يبدو طبيعياً أن تبحث عن رمز مكثف يعبر عن مسيرتها، وعن إرثها النقدي والفكري. لم يكن هناك من هو أقدر من غسان كنفاني ليجسد هذه الروح؛ المثقف العضوي، الكاتب الذي وحّد بين النص والواقع، والذي قدّم نموذجاً فريداً للمثقف المنخرط في قضايا شعبه حتى آخر لحظة في حياته. فكنفاني ليس اسماً عابراً في الذاكرة الفلسطينية والعربية، بل هو علامة كبرى، ونصّ مفتوح على احتمالات المقاومة وتجديد المعنى، وشخصية تحوّلت إلى أيقونة حيّة لا تهدأ. في صورته كما في كلماته يتجسد سؤال الكرامة والحرية والعدالة، وفي وجهه ما يتجاوز الملامح الشخصية؛ ثمة قدرة عجيبة على أن يتحول الوجه ذاته إلى سؤال، وعبارته الشهيرة "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" لم تعد مجرد جملة داخل رواية، بل تحولت إلى سؤال وجودي وسياسي وثقافي يلاحق أجيالاً متعاقبة. ففي زمن الاستهلاك السريع للرموز، تظل إعادة توطينها في سياق نقدي وفكري جديد ضرورة ملحة. ويبدو أن اختيار صورة غسان كنفاني شعاراً موازياً لم يكن خياراً عابراً أو زخرفياً، بل إعلاناً واعياً بأن المجلة وهي تعبر عقدها الأول لا تبحث عن زينة، بل عن جذرٍ يُعمّق حضورها ويراكم أسئلتها. فثورة كنفاني ليست فقط في نصوصه الأدبية أو في نضاله السياسي، بل أيضاً في صورته وقدرتها على أن تصبح علامة تذكّر القارئ بأن الثقافة ليست ترفاً، وإنما موقف ورؤية وسؤال مفتوح على المستقبل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد نجحت "رمان" في أن ترسم لنفسها موقعًا خاصًا في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني؛ فهي لم تكن منبرًا للنشر فقط، بل مختبرًا للتجريب، ومساحة مفتوحة أمام أصوات جديدة وأساليب غير مألوفة. في نقد الأدب والفن، كما في مقاربة الأسئلة السياسية والاجتماعية، قدّمت المجلة نموذجًا للكتابة التي لا تتردد في اقتحام المساحات الشائكة، خارج أطر البلاغة الجاهزة والحياد المزيّف. تسع سنوات مضت شهد العالم خلالها تغيرات كبرى في مشاهده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمشهد الثقافي تبدّل على نحو دراماتيكي. وسط هذه التحولات، واصلت "رمان" بناء مكانتها كمنصّة للتفكير الجماعي، لا كأرشيف ساكن للنصوص، مثبتة أن هناك جمهورًا واسعًا يبحث عن نصوص متأنية، نقدية، تعيد مساءلة المسلّمات وتقف في وجه التفاهة المتسيدة. جمهور شاب في غالبه، هو الامتداد الطبيعي لقراء كنفاني قبل نصف قرن، إذ ما تزال الأسئلة نفسها مطروحة: الهوية، العودة، معنى النضال، وحدود الكتابة ذاتها. ولعل ما يميز تجربة "رمان" أيضًا هو قدرتها على الموازنة بين المحلي والعالمي، فهي تنطلق من السياق الفلسطيني والعربي، لكنها لا تنغلق فيه، بل تنفتح على النقاشات الفكرية الكونية. هكذا تقترب أكثر من روح كنفاني الذي ظل مشغولًا بالإنسانية كقيمة عليا وبالعدالة كمعيار لا يتجزأ، حتى وهو غارق في تفاصيل القضية الفلسطينية. واليوم، مع اقترابها من منعطف عقدها الثاني، تضع المجلة على عاتق كتّابها وقرّائها مسؤولية أوفى لذلك الدرس: أن الثقافة لا يمكن أن تكون محايدة، وأن المثقف إذا لم ينحز للحرية والعدالة ينقلب صوته إلى صدى بلا معنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا المسار هو الذي يجعل صلة المجلة بغسان كنفاني أكثر من مجرد استلهام رمزي، واختيار المجلة لهذا الوجه، وهي </span><span style="font-weight: 400;">على عتبة جديدة من مسيرتها</span><span style="font-weight: 400;">، هو بمثابة تجديد للعهد مع السؤال أكثر مما هو احتفاء برمز. وكأنها تقول: وظيفتنا ليست تزيين المشهد الثقافي العربي بمزيد من النصوص، بل أن نظل الصوت الذي يقلق السكون، ويعيد فتح الجروح التي يحاول الجميع تغطيتها. ذلك أن "رمان"، منذ عددها الأول، لم تبحث عن مكان آمن في سوق الثقافة أو في ظل المؤسسات المانحة، وكتبت من موقع الهشاشة، لا من موقع السلطة. فالنصوص التي نشرتها كانت أقرب إلى مساحات للتفكير بصوت عالٍ، بعيداً عن خطب الأيديولوجيا الجاهزة أو بريق الأكاديميا المغلقة. لم تلهث المجلة وراء معيار فكري أو ثقافي مغلق، بل جعلت من النص أداة لاقتراح معنى جديد، أكثر التصاقاً بالحياة اليومية وهمومها، وأقل خضوعاً للبلاغة الرسمية. بهذا المعنى، فإن دخول المجلة عامها العاشر لا يمكن أن يُقرأ كاستمرارية فحسب، بل كإعادة طرح للسؤال الأول: ما الذي يعنيه أن تكتب اليوم بالعربية؟ أن تكتب من فلسطين وحولها، وللعالم؟ وكيف يمكن أن تحافظ الكتابة على قدرتها في زمن الانهيارات الكبرى؟ ومثلما كان كنفاني يصرّ على أن الأدب لا ينفصل عن السياسة، وأن السياسة بدورها ليست سوى صراع على المعنى، اختارت رمان أن تحفر مكانها في هذا التماس بالذات؛ لم تعامل الأدب كزينة للسياسة، ولا السياسة كسلطة فوق النص، بل سعت إلى فتح مسارات متبادلة بينهما. من مراجعات الأدب والفن، إلى مقالات الفكر والسياسة، مروراً بالشهادات الشخصية والنقاشات الجمالية، بنت المجلة جداراً من النصوص المتنوعة، هشاً أحياناً لكنه صلب في جوهره، قادراً على الصمود في وجه التبسيط والتسطيح. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المحصلة، فإن اختيار صورة غسان كنفاني اليوم هو تذكير بأن الشهيد لا يُستدعى للتقديس فقط، بل للمساءلة أيضاً؛ إذ ماذا يعني أن نرفع صورة كنفاني بعد أكثر من خمسين عاماً على اغتياله؟ هنا يتجاوز الشعار وظيفته البصرية ليصبح إعلان موقف، ووعدًا بأن الثقافة لن تستكين. بهذا المعنى، يتجاوز الشعار حدود الشكل ليصبح موقفاً كاملاً؛ فاستحضار كنفاني لا يعيد إنتاج الماضي بقدر ما يفتح على المستقبل، رابطًا زمنين مختلفين بسؤال واحد</span><span style="font-weight: 400;"> ومنطق متسق </span><span style="font-weight: 400;">لم يفقد راهنيته: القدرة على طرق الجدران. ولعل ما يضاعف أهمية هذا الخيار هو استحضار إعلان المجلة أنها تحاول بدورها أن تدق جدران الخزان، أن تزعج الصمت، وأن تفتح فضاءً للنقاش النقدي الذي يواجه الاستكانة والقبول بالأمر الواقع، لا أن تكون مجرّد منصة للنشر العابر. وبالتالي، فإن دخول "رمان الثقافية" عامها العاشر، اليوم، بشعار غسان كنفاني ليس حدثًا شكليًا بل إعلانًا عن مرحلة جديدة: مرحلة وعي بالمسؤولية واستمرار في الانحياز إلى الثقافة النقدية، وإيمان بأن الكلمة لا تزال قادرة على أن تكون سلاحًا ضد التهميش والتزييف. واستعادة كنفاني هنا ليست مجرّد مظهر احتفالي، بل تجديدٌ لقناعة بأن الثقافة تظل ميدانًا للمقاومة، وأن الكلمة تملك القدرة على زحزحة ومشاكسة الواقع، حتى في أزمنة الإحباط والانكسار. بهذا المعنى، تطرح "رمان" نفسها امتدادًا لمشروع ثقافي مقاوم، ولكن بأدوات وأساليب معاصرة؛ فإذا كان سؤال كنفاني الأشهر "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" قد تحول إلى لازمة في وجدان أجيال كاملة، فإن "رمان" تريد أن تؤسس لنفسها هوية أكثر رسوخاً، هوية ترتبط بغسان كنفاني لا كماضٍ مغلق، بل كأفق مفتوح. وأن تجعل من هذه الصورة لازمتها الخاصة وصوتها الداخلي الذي يذكّرها دائماً بأن دورها لا ينتهي عند النشر، بل يبدأ منه.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36254">على خطى كنفاني: &quot;رمان&quot; تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«رمان»... كي لا تباد فنوننا وآدابنا</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34794</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 16 Mar 2025 22:01:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[رمان]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[صحافة ثقافية]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34794</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34794">«رمان»... كي لا تباد فنوننا وآدابنا</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">بالنظر سريعاً إلى مواقع إعلامية عامة حيث للثقافة صفحة كانت أصلاً مقلة في النشر مقابل صفحات اجتماعية وسياسية وحقوقية، بالنظر إليها خلال العام الأخير، حيث الحدث السياسي في كل من فلسطين ولبنان وسوريا، كان في أوجه، نلحظ زيادةً في قلة النشر الثقافي.</p>
<p dir="rtl">حديثي هذا، وأنا متابع يومي/صباحي لشريط من المواقع والصحف والمجلات، قد لا يشمل بالضرورة صحفاً أكثر احترافاً من المواقع المستقلة التي تصُفّ «رمّان» إلى جانبها. تنشر الصحيفة المبنية أساساً على أخبار وكالات ومراسلين، موادَ تضطر لملئ الصفحة المطبوعة أو تلك الإلكترونية بها، وبفريق واسع من الصحافيين وميزانية ضخمة ونشاط لا يهدأ على مواقع التواصل.</p>
<p dir="rtl">لنترك جانباً النشر الخدماتي إذن، المعتمد على الخبر والتقرير، فالصحافة المستقلة، الجديدة إذ بدأت تُلحَظ خلال السنوات العشر الأخيرة، تعتمد على المقال أكثر من الخبر، وهذا مسار اختارته «رمّان» منذ انطلاقتها عام ٢٠١٦. في هذه المواقع، المثيلة لمجلتنا، وبالنظر سريعاً إليها، نلحظ تراجعاً في المادة الثقافية بشتى أشكالها في الخمسة عشر شهراً الأخيرة، مقابل تقدم في المادة السياسية والاجتماعية وما حولهما. انعكس ذلك حتى على مجلتنا المتخصصة في الثقافة، إذ زاد بشكل خاص، منسوب السياسي على الثقافي.</p>
<p dir="rtl">مرّ على الحرب الإبادية وعام و٣ أشهر. خلال النصف الأول من هذه الفترة انحزنا في المجلة إلى المادة السياسية عن قطاع غزة ومنه، وركّزنا في النشر على الجانب الثقافي المتعلق بالحرب، تحديداً الثقافة كمجال معركة عالمية، امتلأ بمحاولات كتم الصوت الفني والأدبي والسينمائي وعموم الثقافي الفلسطيني والتضامني. لاحقاً وقد انتبهتُ إلى أن السياسة أكلت الثقافة في المجلة، بدأتُ بتخفيف المادة السياسية في صفحة "آراء" غير المتعلقة بموضوع ثقافي، وبتكثيف النشر في المواد الثقافية المتعلقة بموضوع سياسي، مع محاولة الإبقاء على مواضيع ثقافية فلسطينية لا تتناول بالضرورة الحرب على غزة. حتى اليوم، كان وبقي الجسم الأساسي للنشر مواد ثقافية لمواضيع فيها شأن سياسي، فلسطينياً وسورياً ولبنانياً.</p>
<p dir="rtl">في الأشهر الأخيرة بدأت المجلة تستعيد عافيتنا كصحافة متخصصة، وقد أدركتُ الانحسار المريع لما هو ثقافي، في عموم المواقع العربية المستقلة، وكذلك الصحف، فالبكاد نقرأ مادة ثقافية مقابل محدودية النشر في هذه المواقع، ومنح القسم الأكبر لهذا المحدود إلى السياسي والاجتماعي. حاولتُ تمرير المزيد من المواد الثقافية في الأشهر الأخيرة، من تلك غير المتعلقة بالضرورة بحدث راهن، من دون أن يخرج ذلك من إطار تشابك الثقافي بالسياسي في مجتمعاتنا العربية الراهنة، وهو فهمنا في المجلة لمعنى الثقافي. هل إعداد ملف باسم «الياس خوري» مثلاً، مسألة ثقافية وحسب؟ أم، وهو الأصح، فيه من السياسي ما فيه من الثقافي؟</p>
<p dir="rtl">كل هذا التقديم كان للقول إن لا انفضاض لتشابك الثقافي بالسياسي، في عالمنا العربي تحديداً، المشرقي منه بالأخص، وإن هذا الـ "لا انفضاض" وتحت وطأة الحدث السياسي، أخفى المقالة الصحافية الثقافية المتخصصة، الثقافية بكونها فعلاً ثقافية لا تلك الملتحقة بالسياسية والملتحفة بالأحداث.</p>
<p dir="rtl">في نوفمبر الماضي، وقد دخلنا السنة الثانية من الحرب الإبادية، وبعد اشتغال وانشغال لأشهر، أطلقنا نسخة جديدة من «رمّان»، مع تجديد شامل بدأناه من اللوغو وامتد على طول الهوية البصرية للمجلة، مع تطوير للخط التحريري. اخترتُ شعاراً للمجلة هو "نكتب لفلسطين"، وذلك ضمن توجّه بكون أكثر نحو الثقافي تحت هذا الشعار. فالحديث عن رواية وفيلم، أو معرض ومهرجان، فلسطيني، هو حديث ثقافي تماماً، مهما كان سياسياً. حاولنا الإصلاح في حالة الـ "لا انفضاض" ما بين الثقافي والسياسي، من دون خسارة هويتنا السياسية، ومجالنا الثقافي، وتكاملهما معاً. انطلاقاً من ذلك، ومن خلال إعادة تشكيل تدريجيّة لمضمون المجلة، عزّزنا المواضيع الثقافية على اختلاف مسافاتها من السياسي في بلادنا، مع إدراك بأن المجلة في ذلك تسير بعكس التيارات الإعلامية العربية، المنجرفة أكثر نحو السياسي والاجتماعي بدواعٍ تْرِندِيّة، والتي كشفت عن ضحية أولى لذلك هي المضمون الثقافي المختص، كما يلحظ أحدنا بالنظر سريعاً.</p>
<p dir="rtl">أعرف أن لا الداعمين والشركاء الحقيقيين أو المفترضين، ولا القراء والزوار الواقعيين أو الافتراضيين، يبحثون عن أو يميلون إلى المادة الثقافية مقابل مادة الشأن العام المعني بها الجميع وغير الاختصاصية. لكن لمَ قد نصرّ في «رمان»، رغم كل ذلك، على المادة المختصة، الثقافية بمنسوب أعلى يكون في الآداب والفنون على أنواعها؟</p>
<p dir="rtl">جانبان من خلالهما أفهم تآكل الثقافي مقابل السياسي، يتقابلان، وكلاهما ينطلق من مفردة "الاستهلاكية":</p>
<p dir="rtl">أول الجانبين هو الزائر للموقع بوصفه مستهلكاً للمادة، بوصفه أداة القياس للمواقع الإلكترونية. هنالك من يتفلسف: قُل لي عدد زائري موقعك، ومتابعيه في وسائل التواصل، أقُل لك من أنت أو مدى أهميتك وتأثيرك. ولا تكون إجابة بمستوى ذلك، سوى بالقول: أعطني مجلةً "تختص بالشأن العام" أعطيك جيشاً من المتابعين. ليس هذا منطق الموقع الثقافي على كل حال، لكنه كذلك للموقع العام الذي، لذلك، نحّى الثقافي جانباً، أو همّشه. فالمنطق الاستهلاكي منتشر في تقييم المواقع الإعلامية، وذلك لا يعلو إلا بالتخصص في الشأن العام، ولحاق التْريندات حيثما تعلو. النتيجة إذن: تنحية للثقافي الاختصاصي، واتهامه -الشعبويّ- بالنخبوية.</p>
<p dir="rtl">الجانب الآخر في الاستهلاكية هو الزائر ذاته، أي المستهلِك لا المادة المستهلَكة. هو نحن، قرّاء وكتّاب بوصفنا زائرين. أنا كالكثير غيري لحقت مواد سياسية أكثر من غيرها في العام الأخير، فالحرب الإبادية، وتوالي الخبر السياسي في المشرق العربي، أزاحنا، كقرّاء، عن الثقافي باتجاه السياسي، حتى في أكثر لحظاتنا خصوصية، فأنا، أظنني أتشارك مع الكثيرين بذلك، قرأت كتباً عن فلسطين -أو سياسية- في العام الأخير، بالمقارنة مع الفنون والآداب، أكثر مما فعلته في الأعوام السابقة. لا ينتبه أحدنا إلى نفسه، يقف أمام مكتبته لينتقي كتاباً، وتلقائياً ينتشل كتباً في السياسة والتاريخ والفكر والاجتماع مبتعداً عن غيرها، فلا مزاج للسينما والأدب والنقد مثلاً، وذلك ينسحب على المقالات والقراءات القصيرة. وجدنا أنفسنا، كقرّاء، مستهلِكين على حواف الخبر السياسي الراهن. ما جعل من الإنتاج الثقافي، والفعل كالكتابة مثلاً، خلال كل تلك الأشهر، متقلّصاً بدرجات قصوى.</p>
<p dir="rtl">في مواجهة ما أفهمه جانبين لحالة الاستهلاك التي كانت الثقافة ضحيتها الأولى، بدأنا في «رمّان»، مع الانطلاقة الجديدة قبل شهرين، بالاقتراب أكثر من فلسطين، بالكتابة لفلسطين، من فهمنا الخاص والتخصصي للمعنى الثقافي لذلك، أي الاقتراب من باب الآداب والفنون، فلا نعامل القرّاء بوصفهم مستهلِكين ولا نتعامل ككتّاب، بوصفنا مستهلِكين. نحاول التشبّث بهويتنا الثقافية، مدركين الحاجة لصحافة ثقافية متخصصة فلسطينية، وذلك برفض محاولة "إبادة" الفعل الثقافي كذلك، إنتاجاً وممارسة. فلا نفقد جانبنا الثقافي ولا نساهم في إفقاد قرائنا جانبهم الثقافي.</p>
<p dir="rtl">كل ذلك من منطلق أننا، أن شعبنا، إن كان في ساحة معقولٌ أن لا يُهزَم فيها، بل وممكن، فهي تلك الثقافية، هي رواياتنا وأفلامنا ولوحاتنا وأغانينا...</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #808080;">نشرت في موقع "</span><a href="https://faraamaai.org/articles/belkhat-alareed/rman-ky-la-tbad-fnonna-oadabna" target="_blank" rel="noopener">فارءه معاي</a><span style="color: #808080;">" ضمن ملف عن الإعلام والإبادة.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34794">«رمان»... كي لا تباد فنوننا وآدابنا</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري والحرب وغزة وجنرالات التا(ء)ريخ</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34860</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 09 Feb 2025 09:13:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34860</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34860">الياس خوري والحرب وغزة وجنرالات التا(ء)ريخ</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">خلال عملي المؤسسي في أرشفة التاريخ الفلسطيني (أو ما كان حينها يسمى مشروع أرشفة وتوثيق تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية)، اضطررت أن أدافع عن فكرة بسيطة: هل السرد الأدبي وثيقة تاريخية و/أو أرشيفية؟ وعلى بداهة السؤال، أتت فداحة الإجابة مغموسة بكثير من الأيديولوجيا الحداثية: لا!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أثير الأمر في معرض دراسة وثيقة لأحد الأسرى، يتناول فيها أدب الأسرى وما يقرؤه الأسرى في الأسر. اقترحت في حينه إضافة كلمات مفتاحية بأسماء الروايات والأعمال الأدبية، فكان الرد حينها: لا علاقة للأدب والسرد بـ"تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أتذكر حديثي عن تلك الحادثة -من العديد من الحوادث الفاضحة والمؤسفة!- مع حياة إلياس (في فلسطين نقول "حياة" قبل اسم المتوفى في شكل من أشكال مقاومة الموت!)، وأتذكر جيّدًا رده حينها:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"يا عبد الله.. بدنا نسأل هول العالم ليه بدهن يكتبوا تاريخ الحركة الوطنية!".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فتحت هذه الجملة من حياة إلياس (مرة أخرى!) أبوابًا كثيرة في عقلي، لم أكن أستطيع أن أغلقها حتى الآن، بشأن عالم الأرشفة ومشاريعه الفلسطينية، ومآسيه وجنرالاته ودجّاليه. بعدها سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأقدم ورقة بحثية في مؤتمر جامعة براون الأمريكية السنوي، عنوانها: "الرفض في الأرشفة: لماذا تبتعد فلسطين بكل مشروع أرشفة!" (بالإنجليزية). حاولت في هذا البحث، ولا زلت، الإجابة عن سؤال إعادة إنتاج فلسطين في الأرشفة والتاريخ والسرد، وكيف أن تلك الذكورية الطافحة (أو الفحولة، لنقل!) التي ترى في الأرشفة والتأريخ الفلسطينيين "عمل دولة"، في وقت تتكالب فيه كل دوّل العالم تقريبًا على فلسطين، حتى لو كان ذلك على حساب رأي مجتمعاتها ومواقفهم من دولهم!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأمر أشبه ما يكون بمحاولة لإنتاج فلسطين من خلال ذكورها الألفا فقط، لينتهي الأمر بمذكرات وأوراق عن قادة وسياسيين، وليس عن فلسطين التي تموضعت في الصف الثاني من المسرح. الأمر يشبه في جزء كبير منه، هكذا قلت لإلياس، محاصرة الذات الإلهية بـ99 صفة واسم مذكرين، فلا نعود نرى الإله بمعانيه المطلقة إلا من خلال لغة ذكورية فحولية تحاصره. الأمر ذاته مع "فلسطين": تحاصرها مجموعة من الذكور المرتبطة بأنواتها حصرًا، وتحاول "إعادة إحياء ذكورة سياسة ما عادت فاعلة"، حتى لو أرادوا لها ذلك على حساب المقاومة في غزة. تلك المقاومة التي تنبّه فيها إلياس إلى أن المقاومين فيها يكتبون التاريخ معطين العالم ظهورهم وهم يقبلون على الدبابات وآليات الجيش الإسرائيلي وجنوده، ما يضع فريق الذكور الألفا في أزمة هوية: كيف يكتب تاريخ فلسطين في هذه اللحظة الحاسمة من لا يمكننا حصر ألقابه ومناصبه ومواقعه ونياشينه؟!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول إلياس في كتابه "النكبة المستمرة": "في حكايات هذه النكبة، مثلما يرويها ضحاياها وبعض جلاديها، علينا أن نصدق ما لا يصدق، وأن نتأقلم مع فكرة أن الحدود بين الحقيقي والخيالي قد دُمرت!"(خوري، 2024، ص 21).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أثارت فكرة إلياس عن "النكبة المستمرة" الكثير من الضيق لجنرالات الأرشفة والتأريخ، لأنها توظف أدوات منهجية في دراسات نزع الكولونيالية التي واجهت سرديات التأريخ الكولونيالي، تلك التي موضعت "الدولة الحديثة" باعتبارها الاستعارة الوحيدة والأساسية لكل أشكال الوجود السياسي، معتمدة على منهجيات أرشيفية تؤلّه الفرد والحزب والقيادة والسلطة والبنى الهرمية، بداية من اللغة، وتفترض انفصالًا ما بين ما حدث وما يحدث، وتقدم لنا منهجيات أرشفة وتأريخ معقّمة بادّعاء الحياد، في حين أن أرباب هذه المقولة الفارغة يعلمون تمامًا أن الأرشيف لا يمكن أن يكون محايدًا؛ فالحياد هنا تماهٍ مع الاحتلال والمنهجيات الغربية التي تعاملت مع الذوات المستعمرة باعتبارها كيانات مادية، وليست حيوات مستمرة. يعود إلياس في كتابه المشار إليه للقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"هل نحن أمام ذاكرة ترفض النسيان، أم أمام حاضرٍ صارت ذاكرته جزءًا من تجربته وحياته اليومية؟" (خوري، 2024، ص 15).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في محاولة للإجابة عن سؤال السرد والتاريخ والتأريخ، يتنبه حياة إلياس خوري إلى ما لا ولن يراه جنرالات الأرشفة: "انبثق تعبير النكبة المستمرة من مرحلتين: المرحلة الأولى، خلال عملي الميداني والبحثي من أجل كتابة روايتَيّ: ’باب الشمس‘ و’أولاد الغيتو‘" (خوري، 2024، ص 16).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والروايتان لهما موقع بالغ الأهمية في النضال والتاريخ الفلسطينيين وعلائقه العربية والنضالية العالمية، والأهم في علاقتهما -وسائر إرث حياة إلياس خوري- بما يجب أن يكون عليه التأريخ الفلسطيني؛ فباب الشمس التي استخدمها، استعاريًا، مناضلون ضد الاستيطان في فلسطين، لإنشاء قرية تحمل الاسم نفسه في المنطقة E1 (وفق التصنيف الإسرائيلي)، والتي سطا عليها الاحتلال في الضفة الغربية لمصلحة مشروع استيطاني يفصل القدس تمامًا عن الضفة الغربية، ويقسم الضفة إلى جزأين، حيث من المقدر في حينه أن تبلغ مساحة الأراضي المصادرة لصالح مشروع E1 قرابة 13 كيلومترًا مربعًا، حيث يقيم عدد كبير من التجمعات البدوية، مثل عرب السواحرة وعرب الجهالين وغيرهم، وتتبع أجزاء أخرى من هذه الأراضي لبلدات مقدسية مثل العيساوية والعيزرية والطور وعناتا وأبو ديس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما "أولاد الغيتو"، فهي مشروع إلياس الذي يعرّي استعمارية اللغة والمخيال والتاريخ ويفكّكها. حيث تكشف هذه الرواية عن خطّ تاريخيّ تمرّ عبره ثلاثة تقاطعات/مرايا نقدية، في مركزها النكبة الفلسطينيّة، ثم الهولوكوست، وأخيرًا مسألة اليهود العرب ممّن هاجروا إلى ’أرض الميعاد‘. فنجد آدم دنّون‘ - الشخصيّة المركزيّة في الرواية - الفلسطينيّ المولود في غيتو اللدّ في عام النكبة، هاربًا من ’التراوما‘ (الصدمة)، وهي أحد مزاعم الحداثة الدولانية فيما يتعلق بالأرشفة بأنها تروّض الصدمة، بكونها عملية عقيمة، أو بلغة جنرالات الأرشفة "محايدة". يزور آدم وارسو متواريًا؛ ليجد نفسه في كلّ مرّة أمام الذاكرة، أو المرآة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحوّل الحقيقة آدم دنّون شاهدًا، والأرشفة يفترض بها فعل الشهادة، ولأن الموقعية الفلسطينية المفترضة لأي أرشفة يجب أن تجعلها عملية أرشفة تحررية وليست محايد/ة، فإننا نرى آدم وحياة إلياس، يرويان ويوثقان النكبة وحكاياتها من اللدّ إلى حيفا، وإلى يافا، ثم إلى منفى آدم، الفلسطيني الأخير في نيويورك. أدت هذه الصدمة إلى الدفع بآدم للنضوج فلسطينيًا في مواجهة تاريخه الشخصي والجمعي. فنجده يكتب كميكانزيم دفاعيّ مضادّ لثلاثة أشكال من عجز اللغة: الغضب، والنسيان، والصمت؛ لتواجه الرواية سؤالين عميقين يتعلّقان بدور الكتابة أمام الحقّ والحقيقة: سؤال التاريخ وسؤال الأدب. لتكن هذه هي إجابة إلياس المتنورة بشأن ما إذا كان السرد الأدبي وثيقة تاريخية وأرشيفية. حيث اعتمد خوري في مبناه السردي على الشهادات الحقيقيّة التي سمعها وقرأها وشاهدها، في محاولة لأرضنة ظروف جماليّة ونقدية نازعة للكولونيالية تخترق النوع الأدبي الروائي؛ فتصبح هذه الرواية "محاولة اعتراضيّة على الأدب أكثر ممّا هي عمل أدبي"، في العلاقة مع التاريخ والتأريخ، للقضايا العادلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت الذي يصاب فيه هذا العالم بالعقم في مواجهة الموت الولّاد في غزة، يصرّ كثيرون على حزن لا يليق إلا بالنهايات، وإعادة إحياء موتٍ لا مناص منه لكيانات اهترأت، باسم حياة ومقاومة جديدة تبزغ من غزة، وتفرض رؤاها وضياءها علينا. لعلنا الآن أحوج ما نكون إلى رؤى حياة إلياس التي زرعها في أرض خصبة، لولا غزة ولحظتها، لما أزليت غماماتها عن بعض العقول.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34860">الياس خوري والحرب وغزة وجنرالات التا(ء)ريخ</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34660</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 21 Jan 2025 08:33:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34660</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة:</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34660">الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">ينتقد إلياس خوري، أو يسخر من، عمل المؤرّخين في أكثر من صفحة على طول روايته «أولاد الغيتو»، بكتبها الثلاثة. فالمؤرخ، بخلاف الأديب، لا يصدّق القصص ما لم تكن بوثائق ملموسة تكون رسمية، في حين تشدّ الروائيَّ قصصٌ متناقلة شفاهةً لكارثة لم تترك مجالاً للمنكوبين لـ «ترسيمها».</p>
<p dir="rtl">يمتد هذا الانحياز الحكائي لدى خوري إلى ما قبل الرواية الثلاثية، إلى روايته «باب الشمس» (١٩٩٨) التي بُنيت على مقابلات طويلة أجراها الروائي اللبناني في المخيمات الفلسطينية، شاتيلا تحديداً. بنى حكايته على ما حكاه شهود تهجّروا من الجليل الفلسطيني إلى لبنان عام النكبة، وأسّس روايةً شخصية على أساسها، فروايته هذه قصّة حب كما عرّفَها دائماً.</p>
<p dir="rtl">القصة هي أساس الأدب، أما التأريخ فيجد ضالته في المعلومة. لكن، من قال إن كتب التاريخ أشدّ مصداقية من كتب الأدب!</p>
<p dir="rtl">التاريخ لدى خوري -كما أفهمه على الأقل- هو تراكم قصص شخصية، تتشابه القصص لتشابُه الظرف، فيودي التراكم إلى ظاهرة، أو كارثة، كانت النكبةَ في فلسطين عام ٤٨. ألّف خوري في «باب الشمس» واحدة من أعمق التمثيلات و"أجملها" لهذه الكارثة، لم يتجاوزها من بعدها سواه، في الأعوام الأخيرة قبل رحيله، في روايته «أولاد الغيتو»، العمل الروائي الشاسع، للكارثة الفلسطينية.</p>
<p dir="rtl">لم تنَل الرواية بكتبها الثلاثة، بعد، نقدياً على الأقل، ما يفيها حقّها. باستثناء كتابها الأول «اسمي آدم» (٢٠١٦). أما «نجمة البحر» (٢٠١٩) و«رجل يشبهني» (٢٠٢٣)، فلم تنالا، إلى اليوم، مساحاتهما النقدية المستحَقّة، خاصة الختامية منهما، لجدّتها. ولعلّي كنت بين كثيرين ممن نظّموا المسألة: قرأتُ الكتاب الأول عام صدوره. صدر الثاني فاقتنيته وانتظرت، فالأول يوحي بتتابع لصيقٍ ضمن أجزاء الرواية الثلاثية. صدر الكتاب الثالث واقتنيته بقرارٍ مسبق في إعادة قراءة الأول، ٨ أعوام بعد القراءة الأولى، مستتبعاً إياه بالكتابين التاليين، وهو واحد من أفضل القرارات القرائية التي يمكن أن أقول إني اتخذتها.</p>
<p dir="rtl">أعوام قليلة قد نحتاجها لندرك أن «أولاد الغيتو» تتخطى «باب الشمس» في مكانتها الأدبية والتأريخية، لتكون العملَ الأدبي الفلسطيني الأشمل. لكن خوري الروائي بقي مخلصاً إلى الأدب رغم تلك الشمولية. بخلاف أعمال أدبية عربية سعت إلى الشمولية في ثلاثيات ورباعيات وغيرها، لنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وآخرين، فزاحت الشموليةُ الروايةَ من الفرد إلى المجتمع، لتكون أقرب إلى دفتر العائلة منها إلى دفتر اليوميات.</p>
<p dir="rtl">بخلاف ذلك، وازنَ خوري بين العنصرين، منحازاً إلى دفتر اليوميات، بحساسية الأديب تجاه الأفراد، وانتباهه تجاه المجتمع. نحن هنا أمام رواية عمّرت سرديةً فلسطينية، تامة في اجتماعيتها وتاريخيتها، من خلال فرد، وشخصيات قليلة تحيط به. لسنا أمام رواية دوستويفكسيّة أو ماركيزيّة أو بروستيّة تتشعب فيها الشخصيات مشكّلةً شبكة، وتالياً، عيّنةً اجتماعية، وتالياً وبالتراكم، شهادةً لشعب في سياق مُحدّد.</p>
<p dir="rtl">وصل خوري إلى الغاية ذاتها إنّما من خلال فرد لم يطمح، لا هو ولا مؤلّفُه ربما، لأن يكون عيّنة، بل كان، من خلال استثنائيته الحكائية، الفردية، واحداً من أصحاب القصص الفلسطينية المتشابكة فلا تنفصل واحدتها عن الأخرى. خوري في ذلك، مثل باموق، أقرب إلى الرواية الحديثة الغربية، إلى كونراد وسارتر وأوستر. وكان خوري ينقلنا في أعماله الطويلة، برشاقة الروايات القصيرة، من قصة، أو فصل حكائي من حياة آدم، ختمها بعبارة «فتلك حكاية تستحق أن تروى»، ينقلنا إلى أخرى، كأننا لا أمام رواية بنحو ١٤٠٠ صفحة، بل أمام -لنقُل- عشر روايات يحملنا خوري من واحدتها إلى الأخرى. وفيها، عشرتها، جاذبية «ألف ليلة وليلة» وسحر «كتاب الإمتاع والمؤانسة»، حيث ليالي الكلام تتواصل موصلةً القصةَ بالتالية.</p>
<p dir="rtl">غاص خوري بصفحاته الـ ١٤٠٠ في تاريخٍ فلسطيني جمعيّ، بالإخلاص إلى فردانية شخصيته الرئيسية، وخصوصياتها، وقلقها، منذ وُجد آدم مرمياً على صدر أمه الميتة، على قارعة طريق الخارجين يوم النكبة، إلى غيتو اللد، مروراً بحيفا ووصولاً إلى مطعم الفلافل في نيويورك. شخصية واحدة، ملحميّة، رسم من خلالها خوري الشخصية الجمعية للفلسطينيين، المودية أخيراً إلى منفى أوصل الموت بالولادة، الموت احتراقاً في الشقة النيويوركية بالولادة في بلاد تحترق منتكبة.</p>
<p dir="rtl">الرواية التي جعلت من القصة الفردية سرديةً جمعية، ما كان لها أن تفعل، ولا لنا أن ننجذب وننسحر، ما لم تكن تتنقّل بنا في بساط سندباديّ، من حكاية تستحق أن تُروى، إلى أخرى تستحق كذلك، أن تُروى، إلى سرديةٍ لشعب تحقّقت بهذه الملحمة الأدبيّة.</p>
<figure id="attachment_34661" aria-describedby="caption-attachment-34661" style="width: 1024px" class="wp-caption alignleft"><img decoding="async" class="size-full wp-image-34661" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54.jpg" alt="" width="1024" height="768" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54-300x225.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54-768x576.jpg 768w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /><figcaption id="caption-attachment-34661" class="wp-caption-text">إلى جانب الياس خوري في مؤتمر في فيينا، ٢٠٢٣.</figcaption></figure>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34660">الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الحق في بلاد الشام واحد، وكذلك الباطل</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34250</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 09 Dec 2024 11:56:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[الأسد]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[لبنان]]></category>
		<category><![CDATA[مقاومة]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34250</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34250">الحق في بلاد الشام واحد، وكذلك الباطل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">اعتقدتُ، من بين كثيرين، أنّ استعصاءً أصاب التاريخَ في بقاء الأسد، فعلاً، إلى الأبد. من بعد اعتقادات بأن إسرائيل كذلك باقية، في فلسطين وكل بلاد الشام، إلى الأبد. أمس تبيَّن أن لا أبد جاثماً على بلادنا، وأن أسبوعاً يكفي ليقلب شعبٌ التاريخ، ليجلّسه على قدميه، كما فعل طيّبُ الذكر ماركس بهيغل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحركةُ سبقت الإدراك في سوريا، سرعةُ الدراجات النارية للمقاتلين المغبرّين والملتحين سبقت سرعة البديهة للمتلقّين، نحن المشاهدين. لسنا هنا أمام مَشاهد من فيلم Mad Max، هذا واقع، ولا يزال في طور التصديق. هذا حلم، ولا يزال في طور التحقيق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شامنا يتغيّر، ولا أبدَ يا حافظَ الخرا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">واقعنا هذا حقيقي، فرحتنا هذه حقيقية وتستحق صراخها ودموعها التي ستطول، بعد أكثر من خمسة عقود من حكم طاغية الشام، طاغية سوريا ولبنان وفلسطين. من بعد ذلك، وقد انقلب التاريخ على أبده، بقرار من الشعب، لنعُد إلى بديهيّات مشرقيّة شديدة التركيب والتعقيد. تخطّاها، لبؤسنا، أهالٍ من هذه البلاد استراحةً واستكانةً لثنائياتٍ لا تُوجع الرأس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سآخذ المسألة في كونها مركَّبة وليست معقَّدة. هي محلولة لكنها مركَّبة بشكل يحتاج القليل من الثوابت والكثير من التأنّي، القليل من السياسة والكثير من الأخلاقيات. فلننطلق، لذلك، من حق الشعوب الثلاثة، في فلسطين وسوريا ولبنان، بحياة لا تعوزها الحرية والكرامة، وأنّ لا تناقض بينها بل تكامل، مهما لوّثت هذا الحق تحالفاتٌ جرّت مجازرَ وراءها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">للسوريين الحق التام في مقاومة الطاغية الأسد وفي إسقاطه، وإن كان ذلك بقوى إسلامية ذات تاريخ قريب إجرامي. وللبنانيين الحق التام في مقاومة الاحتلال الصهيوني ودحره، وإن كان ذلك بقوى إسلامية ذات تاريخ قريب إجرامي. تحاربت هذه القوى مع تلك وكانت الضحية سوريين، ضحية التحارب، وضحية إجرام كل من هذه القوى على حدة. الأولى قاتلت ضد الأسد والأخيرة قاتلت معه. اكتملت الثنائيات هنا، فصار سوريون يشمتون بمجازر إسرائيل في لبنانيين، وبدأ لبنانيون يتحضّرون للشماتة في ما يرونه استيلاء جهاديين على دمشق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما حال الفلسطينيين هنا؟ إن كان الحديث أعلاه عن كل من «هيئة تحرير الشام» وكافة فصائل المعارضَة المسلّحة، و«حزب الله»، فأين «حركة حماس» بينهما؟ للتنظيم الفلسطيني مواقع ومواقف متغيّرة. هي أولاً إسلامية سنّية كالتنظيم السوري، وهي ثانياً مقاوِمة لإسرائيل كالتنظيم اللبناني. التنظيمان السوري واللبناني متحاربان. قاتلت «حماس» مع السوريين نظامَ الأسد قبل أن تستعيد تحالفَها معه ومع «حزب الله»، وهذا الأخير آثر الدخول في حرب إسناد للفلسطينيين في قطاع غزة، «حماس» تحديداً، منذ أكثر من عام، بدأها بمُشاغلة الاحتلال وانتهت بتضحيات عظيمة، قيادات وأهالي. «الحزب» عدو «للهيئة» وحليف «للحركة». «الهيئة» عدوة «للحزب» وربما «للحركة». «الحركة» عدوة للاحتلال، يجمعها الفكر مع «الهيئة» والممارسة مع «الحزب».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رغم كل هذا التركيب، يبقى الحق في بلادنا الثلاثة بيِّن وواحد، وكذلك الباطل. لأن الحقّ مجرَّد ولا يتبع تحالفات فيها من الملوِّثات الطائفية والبراغماتية ما يكفي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تبعَ أحدنا التنظيمَ تاه معه. للتنظيم السياسي اصطفافات وتقاطعات ليست الأخلاق مكوّناً أساسياً لها، مهما اتَّخذ من مبادئ. اضطرَّ لهذه التحالفات أم حدَّدتها مصالحُه، لا يهم. فقد يكون مجرماً هناك محرِّراً هنا، حال «الحزب» و«الهيئة». أو قامعاً في حالة السلم مقاوماً في حالة الحرب، حال «الحركة». فلتكن للسياسة أولوية على الأخلاق لدى تابعي هذا التنظيم أو ذاك، لدى محازبيه ومناصريه، لا يهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن، ليكن للموقف المبدئي الأخلاقي مسارَه الخاص، فلا يتبع أحدنا تنظيماً بل يفرح لفعلٍ محدَّد لها التنظيم أو ذاك، ويغضب أو يحزن لفعلٍ آخر، بما تقتضيه أخلاق كلٍّ منّا. الأفعال هي التي تستأهل اتّخاذ المواقف حيالها لا «التنظيم مهما فعل». لا شيء يبرر «للحزب» جرائمه في سوريا رغم عظمة مقاومته في بلده، ولا شيء يبرر «للهيئة» جرائمها كذلك في سوريا رغم عظمة تحريرها بلدها. ولا شيء يبرر «للحركة» انتهازيتها في وقتٍ أمكن لها اتخاذ مواقف مبدئية أخلاقية في حق كل من اللبنانيين والسوريين في الحرية والتحرير، بالتوافق مع مبدئيّتها في حق الفلسطينيين في الحرية والتحرير كذلك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحرَّرت سوريا أخيراً من نظام طبعَ المشرق العربي لأكثر من نصف قرن، بتوحّشٍ فاحش أطلقه كالكلاب المسعورة، على سوريين أولاً، وفلسطينيين ولبنانيين ثانياً. خلّصتنا «الهيئة» والتنظيماتُ المقاتلة منه ومن تاريخ اعتقدنا أنّ استعصاءً أبدياً أصابه. «الهيئة» إسلامية، ومتطرّفة، لكنها ومن معها المخلّص من استعصاء الأسد. ولا أحد غيرهم، المسبِّب لفرحةٍ تاريخية قد لا تتكرّر لشعوب الشام. فرحة منقوصة، لي مثلاً، في أنها لم تكن «الهيئة التروتسكيّة لتحرير الشام».</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المسألة بسيطة. «الهيئة» و«الحزب» و«الحركة» تنظيمات سياسية في النهاية، وفي ذلك تقاطعٌ لمصالح لا تطابق لمبادئ. أما وقد سقط الخرا، فليكن الحق والباطل من اليوم بيّناً كما لم يكن في تاريخ بلاد الشام. وليكن واحداً، في فلسطين وسوريا ولبنان.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34250">الحق في بلاد الشام واحد، وكذلك الباطل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-27 13:15:06 by W3 Total Cache
-->