<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>وجدي الكومي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/141rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/141rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Wed, 20 Aug 2025 10:15:56 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>وجدي الكومي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/141rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>صنع الله إبراهيم يصعد مرة أخرى إلى الطابق السابع</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36156</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 14 Aug 2025 22:08:39 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36156</guid>

					<description><![CDATA[<p>في العام ٢٠٠٧ بحثت عن رقم تليفون صنع الله إبراهيم بطريقة شديدة الإضحاك والعبثية، فالرجل لم يمتلك أبدا هاتفا محمولا آنذاك، وحينما سألت عنه بعض أصدقائي في الجماعة الثقافية المصرية كيف أصل إليه لأمنحه مخطوط رواية انتهيت من كتابتها، قال لي أحدهم: ابحث عنه في دليل التليفون. دليل التليفون ذاك هو عبارة عن كتاب ضخم [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36156">صنع الله إبراهيم يصعد مرة أخرى إلى الطابق السابع</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في العام ٢٠٠٧ بحثت عن رقم تليفون صنع الله إبراهيم بطريقة شديدة الإضحاك والعبثية، فالرجل لم يمتلك أبدا هاتفا محمولا آنذاك، وحينما سألت عنه بعض أصدقائي في الجماعة الثقافية المصرية كيف أصل إليه لأمنحه مخطوط رواية انتهيت من كتابتها، قال لي أحدهم: ابحث عنه في دليل التليفون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دليل التليفون ذاك هو عبارة عن كتاب ضخم الصفحات، أشبه بكتب إعلانات الشركات التي كانت تنشرها بمسمى "yello pages" -أجد نفسي بالطبع مضطرا لشرحه لأنه لم يعد موجودا واندثر- وكان يحوي كل أرقام تليفونات المصريين المنزلية، كان موجودا في كل بيت تقريبا مثل هذا الدليل الضخم، لكنه بدأ يختفي تدريجيا بعدما ظهرت التليفونات المحمولة وبدأنا نستخدمها منذ العام ٢٠٠٠ بكثرة، حينما قال لي أحدهم ابحث عنه في دليل التليفون، قلت: هل من المعقول أن أجد رقم هاتفه مدونا في الدليل المطبوع؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اشتهر صنع الله إبراهيم فجأة بواقعة سياسية ثقافية في العام ٢٠٠٣، أضافت طبقة جديدة على شهرته ومكانته الأدبية الراسخة منذ سنوات الستينيات، بالتأكيد صنع الله إبراهيم هو القامة الأدبية المصرية الأشهر قبل سنين من واقعة رفض جائزة ملتقى الرواية العربية ، أيضا ختم تنكيل جمال عبد الناصر به شهرته بخاتم الشاب الذي دخل سجون عبد الناصر، وخرج منه أديبا عملاقا، بعمل ترك علامة في أدب السجون، وهو "يوميات الواحات" الذي نشره بعد عقود من الخروج من السجن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن في عهد مبارك كان ثمة خفوت عجيب ومحبوك بخبث حول صنع الله إبراهيم، كان خارج أي احتفاء أو تقدير، كان بالطبع معروفا عنه بجانب أنه كاتب، رفضه عموما لنظامي السادات ومبارك، وكذلك كان عضوا في حركة كفاية "الحركة المصرية من أجل التغيير" التي تأسست عام ٢٠٠٤، لرفض التمديد لحسني مبارك لولاية رئاسية خامسة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جاءت محاولتي للاتصال به بعد سنوات أيضا من رفضه المدوي والأشهر لجائزة ملتقى الرواية العربية، كان ملء السمع والبصر بأنه صفع الدولة المصرية على وجهها علنا ورفض جائزتها في محفل ثقافي كبير، صار صنع الله إبراهيم منذ العام ٢٠٠٣ بطلنا بلا منازع، وصرنا أتباعه وتلاميذ مدرسته في الأدب والمعارضة السياسية ورؤية الأمور بشكل مغاير منذ لحظة رفضه تلك للجائزة، للمرة الأولى تشكل وعيي ووعي آخرين على معنى "رفض جائزة تمنحها الدولة المصرية" وقوة كلمة الـ "لا" في وجه الانصياع والخنوع لسياسات نظام يطارد المثقفين ويهمشهم أو يقصيهم، لكنه يستدعيهم ليمنحهم فتاتا من أجل اكتساب شرعية مزيفة بتقدير الثقافة والأدب والحركة الثقافية.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-36157 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/في-يدي-مخطوطة-رواية-صنع-الله-إبراهيم-الجليد-سنة-٢٠١٠.jpeg" alt="" width="720" height="540" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/في-يدي-مخطوطة-رواية-صنع-الله-إبراهيم-الجليد-سنة-٢٠١٠.jpeg 720w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/في-يدي-مخطوطة-رواية-صنع-الله-إبراهيم-الجليد-سنة-٢٠١٠-300x225.jpeg 300w" sizes="(max-width: 720px) 100vw, 720px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد تظاهر نظام مبارك بتقدير الثقافة، بعقد لقاءات مع المثقفين في افتتاح كل معرض كتاب، إلى أن توقف فجأة عن لقائهم، بعدما ضجر منهم، وأهان واحدا منهم، وكنت أنا صاحب هذه السطور من كتب مقالا في العام ٢٠١٠ عن انقطاع مبارك عن لقاء المثقفين، ثم لقائه المباغت بهم فجأة قبل شهور قليلة من ثورة يناير، وكانت سوزان مبارك قرينته، تنطبع صورتها في ظهر كل كتاب من كتب مشروع "مكتبة الأسرة" كما لو كانت عائلة مبارك تذلنا بأدائها دور أي نظام منوط به حكم الدولة، بإتاحة الكتب والثقافة بشكل عادل وأسعار عادلة لكل مواطني الدولة، حُذفت صورة سوزان مبارك من أغلفة الكتب بعد ثورة يناير ٢٠١١، ورفض صنع الله إبراهيم الجائزة بشكل مدوي عام ٢٠٠٣، وجئت أنا العام ٢٠٠٧ لأتصل به كي أطلب منه قراءة مخطوط روايتي الأولى، ففوجئت أن وجدت اسمه ورقم هاتفه المنزلي مدونا في دفتر دليل التليفونات، لم تحذف وزارة الاتصالات آنذاك رقم هاتفه آنذاك من سجلاتها المطبوعة، وجاء صوت أستاذ صنع الله مخاطبا أذني بصوت هادئ عبر الأسلاك، فقلت مترددا: </span></p>
<p><img decoding="async" class="alignleft wp-image-36158" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/532929753_10164335835919073_615848649545203032_n.jpg" alt="" width="372" height="568" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/532929753_10164335835919073_615848649545203032_n.jpg 1254w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/532929753_10164335835919073_615848649545203032_n-196x300.jpg 196w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/532929753_10164335835919073_615848649545203032_n-671x1024.jpg 671w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/532929753_10164335835919073_615848649545203032_n-768x1173.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/08/532929753_10164335835919073_615848649545203032_n-1006x1536.jpg 1006w" sizes="(max-width: 372px) 100vw, 372px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أستاذ صنع الله ..صنع الله إبراهيم؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فأجاب بحيادية: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أيوا..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقلت متلجلجا وقلبي يختلج:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أستاذ صنع ..اللجنة وذات..ووردة..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقال بهدوء ولكن بنبرة متعجلة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أيوا يا حبيبي..أنا هو..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قلت بعد فرحة مباغتة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أستاذ صنع الله أنا مش مصدق إني بسمع صوتك..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال لي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شكرا يا حبيبي..تؤمر بإيه..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قلت بعد برهة كما لو كنت نسيت سبب اتصالي به:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنا يا أستاذنا كتبت رواية..مخطوطة لم تزل..لا أعرف هل هي جيدة أم لا..هل لديك وقت لقراءتها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال لي فجأة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طبعا..معاك ورقة وقلم.. أرسلها لي بالريد.. وأملاني رقما بريديا، وشفع جملته بكلمة : مكتب بريد هليوبوليس. مصر الجديدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأرسلت له المخطوط، وكنت لم أزل أعمل في مجال السياحة، فسافرت إلى البحر الأحمر، مقر عملي، وغبت في عملي شهر، ونسيت أنني أرسلت له الرواية، وكنت لم أبن توقعات عظيمة، لم أتخيل مثلا أنه سيقرأها، أو أن الرواية ستعجبه، أو أي شيء من هذا القبيل، ولكنني بعد هذا الشهر، عدت إلى القاهرة، وكنت لم أزل خجلا أن أهاتفه لأعرف رأيه، لكنني استجمعت نفسي وهاتفته، فجاء صوته مرحبا قائلا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنت فين يا أستاذ..أنت كاتب رواية جميلة قوي..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم أصدق سمعي، وقلت وقلبي يخفق:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حقا يا أستاذ صنع الله..حقا..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال بحماس:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طبعا..ويجب أن أراك..أريد أن أعرفك..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعليه دعاني إلى منزله، وذهبت بخطى محتارة، شديد الحماس لرؤيته بصرف النظر عن كوني أبدأ طريق الكتابة، واستقبلني في بيته بمصر الجديدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> كانت البناية الشاهقة التي سكنها آنذاك ـفيما بعد هجرها وسكن في حي المقطم، وشقته في الطابق السادس منها، أول ملحوظة طرقت عقلي وأنا أصعد السلالم، كيف يعيش الكاتب الكبير المسن في بناية شاهقة دون مصعد، وكم مرة يصعد هذا الدرج بعد رحلة ابتياعه احتياجاته، وكيف يحملها صعودا إذا لم يجد من يساعده في حملها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما أن وصلت شقته، وقبل أن أطرق الباب، تأملت برهبة بوستر صغيرا أصفر اللون لحركة كفاية، ارتجفت قليلا، وأنا أعرف أن صنع الله معارض من معارضي نظام مبارك، لم يكتف برفض الجائزة، بل هو أحد المثقفين الأساسيين في الحركة الوطنية من أجل التغيير (كفاية) المشهورة بكونها تعارض تمديد حسني مبارك سلطته وفترة حكمه لفترة رئاسية خامسة، كنا على مبعدة أربع سنوات من اندلاع ثورة يناير، ولكن هذا لا يعني أننا على مبعدة من البطش.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سألت نفسي: هل ثمة من يراقب زوار صنع الله إبراهيم..؟ هل أدخل شقته وأخرج لأجد من يحقق معي عن لقائي به؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحقيقة إن مقارنة بسيطة بين مشاعرنا وخوفنا من السلطة أيام مبارك، وهذه الأيام التي يعيشها المصريون في رعب حقيقي من أي إيماءة أو كلمة على مواقع التواصل الاجتماعي، تجعل الكفة تطب فورا لصالح مبارك، وصارت عبارة: "ولا يوم من أيام بطش مبارك بالمصريين" تتردد كثيرا هذه الأيام.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ اللحظة التي ولجت فيها منزله، استقبلني وزوجته بترحاب، وأشار لي لأجلس حيثما أرتاح، لم أكن أصدق نفسي أنني هنا، في شقته، وبهوها الذي نصب فيه خيمة، وعلق فيها أوراقا ووثائق عديدة، ليكتب روايته "وردة" عن ثورة ظفار في سلطنة عُمان، صور الخيمة التي نصبها صنع الله في هذه الصالة حيث جلست آنذاك كانت منشورة في أخبار الأدب، وصورته داخل الخيمة التي نصبها داخل صالة منزله، أدهشتني، وأصابتني بالذهول، وجعلتني أقول لنفسي: أهكذا تكون كتابة الرواية..؟ يا الله..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن وقتها صرت أقول لنفسي: هناك ألف طريقة لكتابة الرواية ..لكن أهمها طريقة صنع الله إبراهيم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تسارعت كلمات الاحتفاء به وبمقابلته شخصيا على لساني، وزاحمت كلمات سعادتي بدعوته شخصيا للقاء، وظل هو يستمع لي بود وابتسام، ثم قال: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنت كاتب رواية جميلة..هتنشرها فين..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولم أدر كيف لم تخطر على بالي فكرة نشر الرواية بينما أرسلها له بالبريد، بل لم تخطر على بالي أبدا، كنت أرسلها له فقط لأعرف رأيه في كتابتي، لكنني لم أكن أفكر أبعد من التقدم بها لجائزة، وإذا فازت تتولى مؤسسة من مؤسسات النشر الحكومية مهمة النشر، قال لي مرة أخرى دون انتظار إجابتي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه الرواية يجب أن تُنشر..وبسرعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مرة أخرى عاد قلبي للاختلاج، وقلت له:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> سمعت أن هناك ناشرة تسمى فاطمة البودي، تنشر للكُتاب الشبان أمثالي، وتعطيهم ألف جنيه..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقال لي بسرعة: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حقا..الدكتورة فاطمة تفعل ذلك..هيا نكلمها..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبالفعل، رفع سماعة هاتفه المنزلي ..ذاك المدون رقمه في دفتر الدليل الحكومي، حانت مني نظرة لجهاز تليفونه "العدة" كما نقول في مصر لوصف أجهزة التليفون المنزلية، وفي نفس اليوم كنت أجلس أمام ناشرتي الحالية الدكتورة فاطمة البودي مؤسسة دار العين للنشر، موقعا معها عقد روايتي الأولى، "شديد البرودة ليلا".</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">صنع الله إبراهيم وكتابة الوثيقة: متحف من إعلانات الصحف وأخبارها داخل رواية "ذات"</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان صنع الله إبراهيم منذ البداية مغرما بتزويد كتبه بالوثائق، الأقاصيص الصحافية التي تعكس حالة المجتمع، أنباء صحفية قصيرة اكتظت بها رواية "ذات" مثلا التي عكست انحطاط المجتمع المصري خلال السبعينيات وبداية الثمانينيات، صدرت ذات عام ١٩٩٢، وتتناول حياة مواطنين ينتميان إلى الطبقة الوسطى، عبد المجيد وزوجته ذات، وتظهر في الصفحات بين السرد مقاطع من الأخبار، سواء تلك الأخبار المنشورة في الصحافة الورقية، أو تلك التي تُبث في الراديو، من قبيل: "جريدة الأخبار القاهرية: إنقاذ مصر من أزمتها الاقتصادية يتحقق عند صحوة الضمير"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أو من قبيل أخبار لشيوخ إسلاميين ظهروا في المشهد الاجتماعي المصري منذ السبعينيات كهذا الخبر: الشيخ الشعراوي: "إذا رأينا مثًلا عمارة تُِدر دخلا كبيرا، فعلينا ألا نحسد صاحبها بل ندعو له بالبركة في الحلال من المال، لأنه لم يستغل أحدا، لأنه أنفق ثمنها كغذاء في بطون أفقر العاملين، وكساء على جسد أفقر العاملين".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أو نرى مثلا تعليقات منه متخللة بين السرد عن عمليات الاتجار بالدين التي تمثلت في مثلا " الشيخ الشعراوي يحذر المساهمين في بنك فيصل الإسلامي من أعداء الإسلام الذين يحاولون هدم البنك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أو يعكس مقتطفات مما كانت تنشره الصحف آنذاك عن وقائع تعذيب المصريين بواسطة الأمن، كهذا المقتطف: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"في ١٢/١١/٨٤ قبض على ابني وصدر الأمر بحبسه لأنه لا يحمل بطاقة هوية، ومع استمرار حبسه ٧ أيام استمر الضابط الذي اعتقله في تعذيبه بكل صنوف التعذيب من ضرب بالكراسي على أم رأسه، إلى إطفاء السجائر في جسده النحيل حتى لقي حتفه بنزيف داخلي صباح ١٩/١١/٨٤، وفي اليوم التالي أخفوا جثته، ولا أعرف مكانها حتى الآن، وحسبي الله ونعم الوكيل. مصطفى بلتاجي." </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لهذا كان حجم الرواية ضخما، وأحيانا ما كنت أسترسل كقارئ في قراءة هذه المقتطفات والأخبار، كأني في جولة متحفية في متحف الثمانينيات والتسعينات، مغادرا نص الرواية ذاتها.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الأب في حياة صنع الله إبراهيم</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يصف صنع الله أباه بقوله: كان حكَّاءً عظيمًا، يُتقِن سبك حكاياته ونوادره المختلفة، النابعة من تجاربه أو قراءاته، بحيث يستولي على مستمعيه. وكدتُ أُصبِح المستمع الوحيد في السنوات الأخيرة من عمره؛ فقد كان على مشارف الستين عندما أنجبَني من زوجةٍ ثانية. وخلَق بيننا تقدُّمه في السن -واختفاء أمي المبكِّر- العلاقة الحميمة التي تنشأ عادةً بين الجد والحفيد. كنا نلعب معًا النرد والورق، وأُشارِكه مزَّة البيرة التي يُحبُّها ويشربها مرةً في الشهر، ثم كان هو الذي شجَّعني على القراءة. وما زلتُ أذكُر الليلة التي عاد فيها إلى المنزل حاملًا ربطةً كبيرة من «روايات الجيب» المستعمَلَة المتنوِّعة. وعندما دخلتُ طَور المراهقة كان هو الوحيد الذي لجأتُ إليه فجمعتُ مجموعةً من الكتابات عن الممارسات الطبيعية لتلك المرحلة، قدَّمتُها إليه ليقرأها ويُسديني النصيحة. وكانت هذه الكتابات تُحيط هذه الممارسات بإطارٍ من الترويع والجهل، فيما عدا مقالًا في مجلةٍ جديدةٍ اسمها «الطب النفسي» أصدرها ممارس للتنويم المغناطيسي يُدعى الدكتور محب، حقَّق شهرةً كبيرة في تلك الفترة، ونسَب لنفسه نجاحاتٍ عديدة، أهمها استعادة ساعة مصطفى أمين الضائعة. تعرَّض المقال للأوهام المنتشرة بشأن «العادة السرية»، ونفى أية أضرارٍ لها، وهاجم دعاة العفَّة المطلقة قائلًا: إن الكف عن استعمال أية عضلة في الجسم يؤدِّي إلى ضمورها! قرأ أبي هذا المقال باهتمامٍ لكنه ظل حائرًا، وحاول أن يدفعَني إلى الصلاة، ثم أخذني إلى صيدليٍّ صديق له شاركَه الحَيرة ونصح بإعطائي بعض الفيتامينات.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">موقف صنع الله إبراهيم تجاه القضية الفلسطينية</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويمكن لمن يرغب أن يقرأ ما كتبه صنع الله نفسه عن أبيه، وكذلك عن سنوات ممارسة السياسة، حتى دخوله السجن، وخروجه منه، أن يعود لموقع كتبه المنشورة بشكل مجاني في مؤسسة هنداوي، لقد كان صنع الله إبراهيم شيوعيا، وكاتبا متقشفا، رفض جائزة، وصفها بأنها "يمنحها نظام يقمع شعبه، ويسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر بينما تجتاح القوات الإسرائيلية، ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتنفذ بدقة منهجية واضحة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد جاءت لحظة موت صنع الله إبراهيم في مناسبة تتكرر فيها إبادة فلسطيني قطاع غزة بنفس الكيفية التي حكى بها صنع الله آنذاك، لحظة رفضه الجائزة، أي منذ خمسة وعشرون عاما، حافظ صنع الله على نفسه منزها من أموال سلطة لا ترى في المثقفين سوى ورود تضعهم فوق جاكت القاعد على مقعد الحكم، كي تزين نفسها وممارساتها المنحطة في التصالح والمهادنة مع الكيان المحتل بدعوى الحفاظ على السلام الدافئ.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>فوز صنع الله بجائزة ابن رشد </strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نال صنع الله إبراهيم في العام ٢٠٠٤ جائزة مؤسسة ابن رشد الألمانية للفكر الحر، التي جاءت تقديرا منها لصلابته وانتصاره للحرية وقيمها في مصر والوطن العربي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال صنع الله في كلمته خلال حفل الجائزة هذه الكلمة: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"تعوزني الكلمات التي أعبر بها عن سعادتي بهذا التكريم الذي يستمد قيمته من استقلال هيئتكم عن المؤسسات الرسمية  ومن الاسم الذي تحمله. فليس ابن رشد عقلا فذا وحسب ولكنه من أوائل من جعلوا قيمة لحرية الفكر ولالتزام المثقف. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكنت عندما بلغني النبأ في المرحلة الأخيرة من العمل على كتاب يتضمن شيئا من السيرة الذاتية عماده هو ما كتبته في السجن، منذ أكثر من أربعين عاما، عندما  قررت أن أكون كاتبا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقد سجلت على ورق السجائر الخفيف، ابتداء من أبريل 1962 و حتى أبريل 1964، الأسئلة التي اعترضتني حينئذ ، وهي التي تعرض للكاتب عادة في بداية عمله وتستمر معه -في الواقع- طيلة العمر. دونت خواطري ومشروعات القصص التي أنوي كتابتها ومقتطفات من قراءات مختلفة، وتعليقات على بعضها. واحتلت الكتابة ومشاكلها ودور الكاتب والمدارس الفنية  والأقوال المتضاربة بشأن كل ذلك  جانبا هاما من هذه المدونات (...) </span><span style="font-weight: 400;">كان المناخ الذي نشأنا فيه أنا ومجايلي  يغلي بحمي التمرد على الوجود الاستعماري  والأوضاع والأفكار البالية. وغمرنا المد الاشتراكي بالثقة في إمكانية التحقيق الفوري لآمال الإنسانية في الحرية والمساواة  والسعادة. كنا نقرأ لجوركي وتشيخوف وشتاينبك وكالدويل وأمادو وبريخت وايلوار وسارتر ومالرو وكامو وتوماس مان.  ونردد تنظيرات الإنجليزي كريستوفر كودويل  حول وظيفة الأدب في خدمة حرية الإنسان والمجتمع  ونعتبره نموذجا يحتذى لأنه وحد بين القول والفعل ففقد حياته في الحرب الأهلية الأسبانية وهو لم يتعد الثلاثين من عمره."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">برحيل صنع الله إبراهيم لا شك أن الأدب المصري والعربي يفقدان أحد أهم مبدعيه، وواحدا ممن كرسوا أنفسهم ليس فقط لكتابة أدبية واقعية شديدة الصرامة والاختزال لأية جماليات قد تُلون الواقع القاسي الذي تتناوله، لكن المشهد الثقافي العربي والمصري على الأخص فقد واحدا من حراس الحرية والديموقراطية وشرف الكلمة، فلم يكن صنع الله إبراهيم أبدا ليتردد أن يذهب لندوة محييا ومشجعا أديبا صغيرا مثلي في بداياته، كما لم يكن أبدا ليمتنع عن قول كلمة دعم ومساندة ودفاع عن حق أديب في أن يكتب ألفاظا مكشوفة في روايته، كالروائي أحمد ناجي الذي ظهر صنع الله إبراهيم كشاهد من شهود الكتابة الأدبية مدافعا عن حق ناجي في أن يبدع </span><span style="font-weight: 400;">ويستخدم من اللغة العربية ما شاء من كلمات وقت محاكمة ناجي بخدش الحياء العام، كما نزل صنع الله إبراهيم من الطابق السادس ببنايته ليشارك ويعتصم في وزارة الثقافة رفضا لممارسات وزير ثقافة محسوب على تيار أصولي رجعي، كاد أن يختطف الثقافة المصرية إلى مجرى بعيد عنها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحية إلى صنع الله إبراهيم، حبيبنا الذي صعد مرة أخرى إلى الطابق السابع.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;"><strong>للاطلاع:</strong></span></p>
<p><a href="https://ibn-rushd.org/wp/ar/2004/11/26/speech-sonalla-ibrahim-2004-ar/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">كلمة صنع الله إبراهيم في احتفالية ابن رشد وقت فوزه بالجائزة</span></a></p>
<p><a href="https://www.hindawi.org/books/94207318/1/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">صنع الله إبراهيم عن يوميات الواحات: السجن هو جامعتي</span></a></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36156">صنع الله إبراهيم يصعد مرة أخرى إلى الطابق السابع</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تتمة حكاية &quot;الأمير الصغير&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35025</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 12 Mar 2025 22:29:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[قصة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35025</guid>

					<description><![CDATA[<p>بعدما عاد إلى كويكبه، مُخلفا الأرض وصاحبه الطيار الفرنسي الذي اضطر لإنهاء حكاية حكايته بتذييل مقتضب أشار فيه إلى اختفائه، لاحظ الأمير الصغير أن نموا يعتري أعضاء جسده، فانتقل إلى كويكب أرحب، يتسع لتمدد بدنه، واستطالة قامته، فوصل إلى أرض البراكين، التي بها وردة واحدة، ونهر وبحر وبحيرة، وثلاثة براكين، لكنه وجد أيضا بها شعبا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35025">تتمة حكاية &quot;الأمير الصغير&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">بعدما عاد إلى كويكبه، مُخلفا الأرض وصاحبه الطيار الفرنسي الذي اضطر لإنهاء حكاية حكايته بتذييل مقتضب أشار فيه إلى اختفائه، لاحظ الأمير الصغير أن نموا يعتري أعضاء جسده، فانتقل إلى كويكب أرحب، يتسع لتمدد بدنه، واستطالة قامته، فوصل إلى أرض البراكين، التي بها وردة واحدة، ونهر وبحر وبحيرة، وثلاثة براكين، لكنه وجد أيضا بها شعبا مسالما ينتظر من ينظم أموره، ويحكمه، ولم يُحلم الأمير الصغير أبدا أن يصبح ملكا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن جرى تتويجه بسرعة، وصار الأمير الصغير، ملكا في عالم الكبار، وإذا به يصادف معضلة بعد أيام من تتويجه، ومن هنا تبدأ أحداث هذا الفصل المحذوف من قصة الأمير الصغير ذو المصير غير المعروف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعدما جلس على عرشه، جاء إلى بهو قصره رجل عادي يحلم أن يصبح قائدا لفرقة مرتزقة تحمي أرض البراكين، وكان سؤال الملك المُتوج للتو، له: ألدى أرض البراكين أعداء؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> وكانت من أحلام الرجل العادي أن يخضع أرض البراكين.. أن يكسرها.. أن تكون له وحده.. أن يمشي عاريا في شوارعها.. أن ينكح نساءها، وأن يجعل مبانيها على شكل قباب، وتحت كل قبة منها يضع صورة له، وأن يكون رجل أرض البراكين الوحيد.. والباقي خصيان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن لم يكن بذهن الرجل العادي فرضية واحدة لتحقيق أحلامه.. لم يمتلك سوى طموحه.. وجنونه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">2</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما تحول الأمير الصغير إلى ملك في هذا الفصل المحذوف من قصته..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ظهر رجل عادي لم نقرأ عنه من قبل في الحكاية، وتحول إلى قائد مرتزقة..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حار الملك في المسألة، إذ لم يكن سوى أميرا صغيرا ذات يوم كل همه أن يرسم له أحدهم  حملا ليأكل شجيرات كبيرة الحجم غليظة الجذوع تسمى "الباوباب" ولم نجد لها تسمية تقابلها في دارجة "أرض البراكين"، وإذ بهمومه تتعاظم، ويجد نفسه ملكا لأرض، يرغب أحدهم أن يجب لها مرتزقة ويصبح قائدا لها، ونام من شدة إرهاقه من التفكير، فإذا به في المنام يرى نفسه يُحّضر سحرا يخفى به من الوجود أرض البراكين، ويحبسها وأهلها في محارة، ويحولهم تدريجيا إلى لؤلؤة، يحملها في قلبه أينما ذهب، ووقتما أراد، يعيدهم سيرتهم الأولى، ويتحرر سكانها من الأسر من قلب المحارة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رآهم الملك داخل المحارة يمارسون حياتهم كما كانوا يمارسونها قبل السحر، فيرتدون ملابس بالغة الصغر، ويلتفون حول مآدب متواضعة الحجم.. ويروون حكايات محدودة قصيرة ويغنون أغنيات مقتضبة من بيت أو بيتين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولأنه كان أميرا صغيرا، استيقظ مستاءً بما رآه في منامه، وبفعله في  سُكان أرض البراكين، وظل يراقب حياتهم الجديدة، ولا تبرحه عذابات الضمير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">3</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا يجب أن نحكي قليلا عن "أرض البراكين"..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فهذه الأرض ولدت مدينة، عكس الرجل العادي، والأمير الصغير، ووُلدت قصورها، وحدائقها، وبحرها، وبحيرتها، ونهرها، وكانت كلها تنتمي إليها ..فكان بحر أرض البراكين يعرف ببحرها، وكذلك نهرها، وحديقتها، وبحيرتها، ومع المدينة وُلد أناسٌ.. عُرفوا جميعا بأنهم أهلها، الذين عمروها، واختاروها موضعا محببا للسكنى، عشقوا شوارعها، فيها أنجبوا أبنائهم، وربوهم، وفيها سهروا ليال يغنون ويحتفلون بأعيادها، حتى أعياد أرض البراكين، فكانت تخصها، ولم تكن تخص أي شخص آخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لهذا حينما جاء الرجلان.. الرجل العادي والملك– الأمير الصغير- واقترح الأول على الثاني اقتراحه، لم يأخذ أحد رأي أهل أرض البراكين، ولم تعرض عليهم المسألة، ولم يسمعوا الرجل العادي بينما يُضمن في اقتراحه أيضا بناء قلاع، وإحاطة البراكين بأسوار وحظر السكان من التنزه حولها، أو استخدامها في تسخين الطعام كما هو معهود عنها، بل اقترح أيضا ابتناء سجنا، وغير ذلك من مستلزمات الحرب، وتعيين أمراء للسلاح، وشراء مرتزقة من المدن المجاورة لأرض البراكين، وتنظيمهم في فرق كي يكونوا مخلصين طالما تلقوا أجورهم، ومنع تجنيد أهل أرض البراكين في هذه الفرق، كي لا يعصون الأوامر حينما لا تعجبهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولما كان الملك قد زار أرض البراكين حينما كان أميرا صغيرا، ويعي أنها ليست بحاجة لكل هذه الاستحكامات الدفاعية، بل كان فيها زهرة صغيرة شملها بحبه وسقاها من دموعه، سأله سؤالا بريئا على الرغم من أنه كبر وصار ملكا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- ومن ينظم ذلك كله ويديره؟ ومن أين نمول الإنفاق على فرق المرتزقة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال الرجل العادي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- أنا.. أنا يا مولاي الملك أنظم ذلك كله وأديره..أما النفقات فيدفعها أهل أرض البراكين صاغرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فرمقه الملك مليا وهو يتخوف من القادم، ثم قال:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- وماذا أجعلك كي تنظم ذلك كله وتديره...؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فانتفخت أوداج الرجل العادي وقال:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- اجعلني قائدا لفرق المرتزقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">4</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استمع الملك للرجل العادي، وهو يرى المستقبل وما سيحدث فيه، قرأ كل ما ستشهده أرض البراكين من تقلبات في أعين الرجل الطامح لأن يكون قائدا ما لرجال يحملون السلاح، ولم يملك غير الانصياع لمقترحه، عملا بنصيحة سمعها حينما زار كوكب الأرض: اجعل أعداءك في دائرتك وصوب عينيك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن يملك أي حيلة لقهره أو لإثنائه عن مقترحه، لا ننسى أنه كان متوجا على التو، ولم يمتلك خبرة في حكم أو في تقرير مصير، لم يكن شريرا، ولم يمتلك سجنا يحبس فيه أعداء أرض البراكين، ولم يستخدم وزيرا للداخلية يأمره بالقبض عليه وشنقه. كان يعلم ببساطة أن الرجل العادي سيفسد في المدينة ويسفك الدماء، وعدم أية وسيلة لإيقافه، فقرر أن يسايره، ويبتدع حلا لإنقاذ أهل أرضه. وهكذا يظن كل الملوك أن بوسعهم صون الدماء وتجنب سفكها، ولا يعترفون أبدا بخطأ السماح للرجل العادي بتحقيق حلمه. منح الملك للرجل صحراء مماثلة لتلك التي سقط فيها من نجمه، ليلهو فيها كما يحلم، وليصنع فيها ما يشاء من ألعاب، ليجرب فيها المطارق والمشانق والمجانيق، وليجهز العدة والعتاد، كان يرغب في أن يخرجه مؤقتا من أرض البراكين، ليكسب وقتا، وينفقه على تدبر الحيل لإنقاذ أهل أرضه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ذهب الرجل العادي إلى الصحراء..وهكذا صار مخترعا لمصطلحات"مرتزقة المدينة..وأعداء المدينة.. صار قائدا لأناس جاءوا يقترفون المذابح بأجر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الملك، فأمر حكماء قصره بإعداد ترياق من العنبر والزئبق، والياسمين والزنابق، أمر بجلب قطع من جبل الجليد الوحيد شمال أرض البراكين، على مبعدة من البركان الثالث الخامد، وقطرات من ندى الصباح، ثم أمر بأن يخلطوه بيود البحر، وطحالبه الحية، وأخيرا يطحنوا بعضا من نحلات الجبال، ويفصلوا أجنحتها المهروسة عن باقي أشلاء أجسادها، ثم يضيفون فتات الأجنحة إلى الخليط.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بنى الملك آمالا على المزيج.. وظن أنه سيكون بوسعه تقزيم أهل المدينة بسهولة ووضعهم في محارة، بمجرد سكب الخليط في نهرها ..كما رأى في منامه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">5</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دون حرب أو معركة علّق الرجل العادي على صدره الأنواط والنياشين وارتدى حرملة من الأرجوان، على بذلة مموهة بلون الصحراء وحياتها وعظاءاتها، وعلى رأسه وضع طاقية من الخيزران "عيدان القصب الرفيعة"،</span> <span style="font-weight: 400;"> بات يستيقظ صباحا وينتظر الشمس أن تؤدي له التحية الرسمية، وحينما يخطو يحاذر أن يدهس ظله، وحينما يجلس يرقب بعمق اتجاه الهواء، وحركة الريح، ونعيب الغربان، وهديل الحمام، وزقزقة العصافير، ويرى، إن كان كل ما سبق سيترنم في جوقة ونظام.. أم لا..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هذه تمارينه المفضلة، إخضاع الكائنات، كان يختبر نفسه على إسكات الأصوات المخالفة، وهكذا، حينما سأله أحد الرجال الذين جلبهم معه إلى الصحراء من أرض البراكين، في أي المواضع ينبغي أن نزرع الأشجار..؟ أجابه القائد:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">-  لن نعود إلى هذه المهنة.. سنتركها لأهل أرض البراكين العاديين. أما نحن، فسنزرع القلاع.. المتاريس.. الحواجز.. المصدات.. والبيارق التحذيرية.. ورايات الرعب. هذا ما سنزرعه.. وسنترك الغرس والحصد والبذر وغيرها للعاديين.. سنرتاح بينما هم يتكفلون بزرع وحصد الأكل.. ونحن ..سنلتهمه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في أرض البراكين، كان حكماء الملك يضربون أخماسا في أسداس. صنعوا المزيج كما أُمروا، بكل الأوصاف، وسكبوه في النهر كما طُلب منهم، وكأنهم سكبوا شيئا لوث النهر، وإن لم يأت بفعاليته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على ضفاف النهر شيد أهل أرض البراكين الكازينوهات والمقاهي، وغرسوا الأشجار العملاقة لينشروا الظل فوق البر، ومنه مدوا ترعا لسقاية أراضيهم وغيطانها ومنه أيضا مدوا مجارٍ إلى كل البيوت التي كانت تطل شرفاتها على نهره، وصفحة مياهه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شرب الناس من النهر، الكل شرب، البشر، والحيوانات، تلقى الملك تقارير من عيونه بأن الخليط سرى في كل أنحاء النهر، وجرى في تفرعاته، وتدفق مع الماء في البيوت، الفتيان في لهوهم على الجداول شربوا، والفتيات ملأن قواريرهن، والأطفال لهوا في الترع وشربوا، من لم يشرب ..؟ من..؟ الكل شرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلا أن شيئا لم يحدث ..لم يعتر أهل أرض البراكين أي تغير يذكر، بقيت المدينة على حالها ولم تختف. راقب الملك وحكماؤه الناس وهم يذهبون ويجيئون، يقيمون الأفراح والليالي الملاح، يعقدون الصفقات ويكدّون من أجل مستقبل أطفالهم، يسافرون ويمرحون، يزرعون ويحصدون، أطوالهم ظلت كما هي، لم يطالها النقص، بل ظلت قاماتهم ممدودة أبيّة، وسرى الخبر في قصر الملك، أن ثمة خطأ في الوصفة. وتبادل الحكماء الاتهامات، وراجعوا سويا المقادير، والخلطات، والصفات، وتداولوا الحلول، كانوا يسيرون على شعرة، أيصنعون ترياقا أم سُما، وبعدما ترامى إليهم غضب الملك، وثورته في جناحه، وتورم وجهه من الأحمرار، وهو العرض الذي يصيبه كلما غضب، والذي أرهص دائما إلى مقدمة البطش، تخبطوا وأشفقوا على أنفسهم، وأخذوا يبحثون عن رجل قصير القامة يخففون به غضب الملك وانفعاله، حتى يهتدون إلى حل، ينجيهم من الخلطة الفاسدة التي خلطوها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">6</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الصحراء انتابت قائد المرتزقة أحلام العتو والتوسع والسيطرة.. وفي يقظته رسم سيناريوهات تحقيقها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">انتهى من بناء أول قبة عملاقة سوداء اللون كالليل الحالك، وجعل منها مركزا لقيادته، وتحت القبة وضع صورة مرسومة له  وحده دون صورة الملك، وجعل فيها مبنى صغير محاط بأربعة أسوار فيه منامه ومهجعه، ومبنى ثالث ملأه بالماء وجعله موضع استجمامه وملهاه في تلك الصحراء القائظة، ومبنى رابع يشرف منه على خطط رجاله وتمريناتهم وتدريباتهم وعتادهم وعدتهم، وهكذا تحققت أولى حلقات حلم القائد أن يبني القباب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحولت الصحراء المترامية الشاسعة المحيطة بأرض البراكين، إلى منطقة مرعبة، تخشاها الشمس، فامتنعت عن الاقتراب منها، أو فرد آشعتها عليها، باتت منطقة مظلمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">زار الملك الصحراء التي صارت مدججة بالقلاع والحصون، ومرّ بين الحواجز والمتاريس، وتظاهر بالابتهاج بينما تؤدي فرقة من فرق الرجال مسرحية قتالية استعرضوا فيها قدراتهم على قهر عدو ما وقمعه، ونظموا أمامه طابورا يشهق أفراده ويزفرون بالصيحات المخيفة المزلزلة كما قالوا له للعدو، فالتفت الملك إلى قائد المرتزقة واستفسر منه قائلا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- العدو..؟ ألدينا واحدُ...؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فارتبك قائد المرتزقة، هذا هو الشيء الذي لم يفكر فيه، إلا أنه سرعان ما لملم نفسه وسارع بالقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- سنوجد واحدا يا مولاي..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">7</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دخل الرجل القصير على الملك، فراقبه الأخير بانبهار، وسأله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- هل وُلدت هكذا يا ابن أرض البراكين..؟ أم أنك كنت طويلا وشربت من النهر فجرى لك ما جرى؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فتعجب الرجل الذي لم يتوقع استجوابا، وقال:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- بل أنجبتني أمي وألقت بي إلى الطريق، ثم بعد حين، شربت من النهر كما شرب باقي الخلق، فجرى ما جرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فعاد الملك ليسأله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- هل تستيقظ كل يوم فتجد الأشياء قد ازدادت علوا وبعدا عن متناول يديك؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فأجاب الرجل محتارا وهو لا يدري كيف ينمق إجابته:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> - لم تعد هناك أشياء في متناول اليد يا مولاي، منذ أن جئت إلى السلطة وقائد مرتزقتك يستنزف خيرات أرض البراكين، وإن مددت يدي لألتقطها وأذهب بها إلى البيت لقطعت يداي، فلا أمدها كي لا ألقى هذا المصير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فازدادت حيرة الملك، وسأله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- وساقيك..؟ هل لا يزالا كما هما أم يقتربان بك كل يوم من الأرض؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- ساقاي يا مولاي الملك هم هبة اللـه لي..إذ لم يعد لي سواهما يحملنني بعدما سحب قائد فرقة المرتزقة من المدينة كل العجلات التي يمكن لشعبك أن يمتطيها..بل وسحب كل الخيول التي تجرها..والبعير والحمير..صار الوقت أطول..وصرنا نستغرق في المشي أعمارنا حتى نصل إلى غرب أرضنا إذا جئنا من شرقها، والعكس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- لكنك لم تشعر أبدا أن الدنيا من حولك تزداد كبرا وتتعملق بينما أنت تزداد صغرا وتتقزم؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- لم يحدث هذا أبدا يا مولاي..إلا حينما مر من حيّنا ذات مرة قائد فرقة المرتزقة..إذ أمر بهدم عدة منازل من ضمنها منزلي لتمهيد طريق يأخذه إلى بيته، وقتها شعرت أن أرضنا لم تعد تلك المدينة التي شببنا فيها وعشنا بها أحلى سنوات عمرنا، الظلم عملاق يا مولاي..والعدل بات قزما.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">8</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">انتابت الملك مشاعر الحسرة، وقلة الحيلة وقاطع حكماء قصره بعدما اكتشف خديعتهم وكذبة رجلهم القصير. حاول الحكماء من جهتهم إنقاذ أنفسهم بإيجاد التبريرات للملك والبحث عن حلول للترياق الفاشل، إلى أن طرق باب القصر وليُّ من الأولياء، المشهورين بالزهد والسفر في الصحراء، ولبس الخيش والصوف الخشن فقط كرداء، وكان بيده عصا صنعها من جذع شجرة، وشعره الأسود يتدلى على كتفيه منسابا كذيل مهرة، فتح الخدم للولي، فطلب لقاء الحكماء، ولم يطلب لقاء الملك، وقال للخدم:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- إن الملوك إذا طلبوا لقائي أذهب ومعي الدواء، إنما أطلب لقاء الحكماء، فبيننا لغة مفهومة، وحكمة معلومة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والتف الحكماء حول الولي، فقال لهم:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- مطلبكم عسير، وسبيلكم في تحقيقه يسير، انصحوا ملككم بالخروج في رحلة، يتعلم فيها الحيل والدهاء، وهكذا يستطيع إنقاذ براكينكم وأرضها من المرتزقة والدهماء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وغادر الولي بعد قولته، فذهب الحكماء إلى بلاط الملك، واقترحوا عليه القيام برحلة، كما اقترح الولي، ودعوه أن يصبر على ما سيراه في هذه الرحلة من عجائب كي يتعلم الحيل، ويتزود بالعبر التي تمكنه من الزود عن مدينته ضد أطماع قائد المرتزقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ظن الملك أنها دعوة من الحكماء للتنحي عن الحكم، فرحب بها، وقرر الخلاص من هموم السلطة، وركب السفينة، وأخذ يتذكر رحلته السابقة بين الكويكبات، وظن أنه سيعود مرة أخرى للسفر في الفضاء، بين الأجرام، لكنه ألتقى الولي، ومنحه كتابا مليء بالتمائم والحروف الغريبة، حاول الملك أن يقرأ أول صفحة فعجز، فقلبها، وفي الصفحة الثانية أصابه ما أصابه مع سابقتها، فقلبها، وكذلك قلب الذي يليها، حتى إذا وصل إلى آخر صفحة في الكتاب، وجد عبارة تقول كلماتها:</span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">سر ببطء..فإن الدنيا تظلم في ميعاد وتضئ في ميعاد..</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">ولن تخلف الدنيا مواقيتها من أجل تعجلك..</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;"> وعاود قراءة الصفحات التي أعجزتك..</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;"> ربما تتفتح لك طلاسمها وتقتنص من معانيها ما فوته.</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فحانت من الملك نظرة إلى الولي مستفهما، متسائلا عن سر العبارة المبهمة، فإذا بالولي وقد انقلب أميرا صغيرا يماثله حينما كان في قصة الطيار الفرنسي، وسيم الملامح، ناضر الوجه، عكس حالته التي كان فيها أسود الشعر، ممتليء بالغضون والتجاعيد، قال الأمير لملك أرض البراكين:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- كلما أسرعت متعجلا العثور على حل لمعضلتك، كلما حرثت البحر بأصابعك، فالحل سيأتي وقتما تستسلم وتصبر وتنتظر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ثم أشار له على الأرض التي رست عليها السفينة، فتبعه، حتى إذا جاءا إلى حفرة مليئة عن آخرها بالذهب واللألئ والمجوهرات، فوجد الأمير الصغير يردم على الحفرة، فسأله الملك متعجبا:</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">لماذا لا نكبش منها ونملأ جيوبنا لعلنا نحتاج منها ما ندفعه لشراء طعامنا أو لابتياع غطاء يسترنا من البرد والمطر؟</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400;">فصمت الأمير ورماه بنظرة لائمة، ثم أشار إلى صفحة الكتاب، ففتحه، فوجد صفحة أخرى تحوي عبارة لم يستطع قرائتها من قبل لأنها كانت مطلسمة في شكل رموز عجيبة، تقول كلماتها:</span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">ثق أنك كلما بذلت همتك في البحث عما يقيم أودك..</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;"> وضعت عنقك في فكي ما يستعبدك ويجلد ظهرك..</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شعر الملك بالضجر من حِكم الكتاب، ورفع رأسه إلى الأمير مستنكرا العبارة وقد فهمها هذه المرة، وفهم مرماها، ودعوتها الصريحة إلى التواكل، لكنه لم يجد الأمير، إنما وجد بدلا منه جارية أخاذة وجميلة، وتحمل ملامحها وبدنها سمات الفتنة والسحر، عيناها مكحولتان ونظراتها تشعان بريقا ينضوي في ثناياه على الدعوة والترحيب، ممشوقة البدن، ناهدة الثديين، وقبل كل ذلك كانت عارية حرة كأنها خرجت توا من ثنايا صفحات ألف ليلة وليلة، وليست قصة الطيار، لا يستر لحمها أي قطعة من نسيج، وبدت محاسنها شاهقة بازغة، فتلألأت حلمتا نهديها البنيتين، وامتلأ لحم عنقها البض واستدارت رقبتها، وتبدى كتفاها شاهقين قويين، واكتنز لحم فخذيها، واستدار خصرها، وضمرت بطنها وتزينت نقطة صرتها بمنابت خفيفة لزغب الشعر فوق موضع التقاء لحم فخذيها، كانت مثالية، وظهر شق مهبلها طويلا كأنه قد اتسع ليقذف أمة البشر، عقدت الحسناء ساعديها وافتر ثغرها عن بسمة مغرية واسعة، وقالت:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- أنا أحسن من الحفرة يا مولاي ملك أرض البراكين..فاملأني بكنوزك لعلني أكون خير تعويض لك..كما تقول صفحة الكتاب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نسى الملك لماذا أتى وأسباب رحلته، وسقطت من ذاكرته توا حفرة الكنز، وانمحت في لحظة أرض البراكين من أمام عينيه، وارتمى في أحضان الحسناء العارية، وفي الصباح ضاجعها مرة أخرى، وفي الظهيرة، وعند انحدار الشمس تجاه المغيب، وفي الليل، وقبل أن يخلدا للنوم وقد هدهما التعب، والجوع .</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي الصباح الثالث، الذي هلّ وقد انقضت ليلتان ويوم على معاشرته للفتاة، وجدها وقد تكورت بطنها وعلت كقبة، وتعجب الملك، أهي امرأة أخرى غير تلك الحسناء ضامرة البطن التي ضاجعها في الليلتين الفائتتين، وظل يحملق في بطنها المنتفخة كورم، بينما الفتاة غارقة في النوم، وصدرها يعلو ويهبط من أثر دقات قلبها الهادئة، فعاد الملك إلى صفحات الكتاب غامض الرموز، وقلب صفحة غير الصفحتين التي قرأ فيهما الحكمتين السابقتين، فوجد صفحة ثالثة وقد فُكت شفرة رموزها، فتخلت عن بياضها، ونبت فيها سطر، واستطاع أن يقرأ فيه كلمات تقول:</span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">لعلك بينما تبحث عن السعادة تفر منها وقد خلفتها وراءك</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">ولعل الحزن ينتظرك في الموضع الذي تظنه خلا منه</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فأغلق الكتاب، ووجد المرأة وقد أنجبت طفلا بجوارها، ولفته بقماط صنعته على عجل من الخيش والصوف القاس، وأشارت إليه، فقال وهو يقترب حذر:</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">هو ليس طفلي..لم أقض معك سوي ليلتين..هو قطعا ليس طفلي..</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400;">فنظرت إليه نظرة لائمة، قبل أن تشهق، وتمسك بطنها في سرعة، ثم أطلقت صرخة لم تطلقها وهي تنجب الطفل الأول، فهب الملك لمساعدتها، كانت بطنها تنتفخ، وتتورم، وكانت ثمة تموجات وتجاعيد تنبض وتختفي، كأن ثعبان يتحرك داخل بطنها، وفجأة قذفت من مهبلها ماء، وأطلقت صرخة أخرى بينما تظهر قدما طفل تستميتان للخروج.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تراجع الملك إلى الوراء خطوة ذعرا وهو لا يدر كيف يساعد المرأة، بينما هي تدفع الطفل من أحشائها بقوة وعزم مطلقة صرخات متتالية، كأنها توشك على الانفجار، إلى أن غادر الطفل جسدها في هيئة قطعة من اللحم مصبوغة بالدم، وهو يتلوى، ويطلق حشرجات كسلحفاة وليدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الصباح التالي كان هناك طفلان آخران أنجبتهما المرأة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي الصباح الذي يليه كان هناك طفلان آخران..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي الصباح الذي يليه أنجبت المرأة طفلين آخرين..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">واستمرت كل صباح تقذف الأطفال من بطنها، إلى أن وجد الملك نفسه محاطا بعشيرة صغيرة من الأطفال، بعضهم كان قد كبر خلال عمليات ولادة المرأة، التي لم يظهر عليها الجوع، أو التعب، لم يبد أنها تعيسة، أو سعيدة، لم يبد عليها الرغبة في الانتحار، أو الشوق لاحتضان عيالها، فقط ظلت راقدة على ظهرها منذ الأزل، تنجب، وتطرح عيالها جنبها، لتنجب عيالا آخرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استسلم الملك لخاطرة أن هؤلاء الأطفال هم أبناؤه جميعا، أخذ يراقب المرأة ليال طويلة بينما تلد، معملا المنطق في الحكاية، وتوصل إلى أنهم منقطعون عن البشر، فإلى من سواه يُنسب الأطفال؟ أنهم أولاده فعلا، كانا قد كفا عن المضاجعة منذ زمن، منذ أن بدأت في عملية الإنجاب اللانهائية، كأنها تسابق الزمن لملء الأرض بعيالها، بينما الملك محتارا، لا يدر ماذا يفعل بكل هؤلاء العيال، كان يصطحبهم في رحلة يعلمهم فيها الصيد، وكانوا يقطفون ثمار الأشجار ليأكلوا ويشبعوا، كان بعضهم يبهره بمهارات مطاردة الغزلان، أو العوم والغطس خلف الأسماك، وبعضهم الآخر كان يبهره بالقدرة على تسلق الجبال ومهاجمة أعشاش النسور والصقور وجلب بيضها والإفلات من مطاردتها، وبعضهم الثالث كان قد تعلم تسلق الأشجار، والكمون بهدوء انتظارا للقردة والطيور، ومهاجمتها والإتيان بها مكبلة لتصبح وليمة على النار في أمسيات الليل الطويلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وذات ليلة قرر الملك أن يترك قبيلة الأطفال التي أنجبتها المرأة والعودة إلى أرض البراكين، سار موغلا في الصحراء، متخليا عن أطفاله وأبنائه شاعرا بالأسى لهم، إلا أنه تعثر في مشيه، وحينما نهض، وجد الولي في مواجهته وقد تغضن وجهه بغضون الغضب، ظل يحملق فيه، إلى أن قال الملك:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- الآن..هل اكتفيت من إنجاب الأطفال..؟ وجئت خلفي لتعاتبني على قلة صبري وضعف حيلتي..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فهتف الولي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- منحتك وسيلة النجاة، فترميها وتمضي هكذا غير مبال!!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فسكت الملك، وظهرت على وجهه أمارات الغباء والاستياء، ثم قال:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- أي نجاة في قبيلة الأطفال تلك التي أنجبتهم...؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فصاح الولي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- النجاة أن تنفض من رأسك أفكار السحرة واللؤلؤ والمحار..لا عجب أن رجل عادي جاءك وبسهولة صار بوسعه اغتصاب ملكك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">9</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عاد الملك ومعه أبناؤه، وقد كبر منهم الآن المئات، وصاروا فرسانا وأمراء، ينافسون أبيهم في الوسامة، وتمتليء عيونهم بنظرات الحكمة  الطموح والعزم والقوة، وتظهر من قسمات ملامحهم البأس والجلد والحكمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دخل الملك باب أرض البراكين، تسبقه صهوات جياد أبنائه الفرسان، امتد موكبه كيلومترين، وظل أهل المدينة يحملقون مدهوشين في الفرسان والأمراء العديدين الذين أحاطوا بالملك، وقف الأخير في ساحة واقعة بين بركانين، مستعرضا أبناءه حوله، وأمامه، مباهيا بهم شعبه، وحكماء قصره، هؤلاء كانوا أكثر أهل المدينة فضولا في معرفة أسرار رحلته. كان أبناء الملك قد توزعوا حول أسوار المدينة، مضى بعضهم إلى قصره ليؤمّنوه وفتحوا حجراته حجرة حجرة ليتأكدوا من خلوها من الأعداء، أو المتربصين، بينما أحاط عدد آخر من الأبناء بأبيهم وهو واقف وسط ساحة المدينة خاطبا في الناس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">10</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ترامت الأنباء إلى المرتزقة وقائدهم في صحرائه..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أطلق زفرات حانقة وحانت منه صيحة غضب تجاه الشمس..كأنه يرغب في إخضاعها لنوبات جنونه وحنقه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ثم التفت إلى مساعديه وصاح:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- فلنشرع في بناء نسخا من كل مباني أرض البراكين..فلنبن قصرا يماثل قصر الملك..ودور عبادة أكبر من تلك الموجودة في المدينة..ومعابد أثرية تحاكي تلك الموجودة فيها..وجنان ورياض..وكورنيش وبيوت..وميادين ونوافير..فلنستنسخ كل مباني المدينة..حتى إذا حانت اللحظة الموعودة..قطعنا ماء النهر عن المدينة القديمة..وحولنا مجراه..وليعش الملك وأولاده فيها عطشى..مع شعبه الذي هتف له.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شعر الملك بالعجز، يخشى على أبنائه إن هو بدأ الحرب، ويخشى على ملكه إن انتظر الحرب تأتي إليه، ويخشى من ردة فعل أهل المدينة إن ظل عاجزا بين الخيارين. ولم يجد بدا من الاستعانة مرة أخرى بحكماء قصره، الذين كانوا قد ظنوا أنفسهم قد ارتاحوا من مسألة المزيج، بمجرد عودة مليكهم في عزوة من الأبناء، فوجئ الحكماء ذلك الفجر، وقبل أن تشرق الشمس، بمليكهم يستدعيهم لبهو المُلك، وحينما تراصوا أمامه، خاشعي الأبصار، ترهقهم آثار النوم ومقاومة النعاس، صاح فيهم الملك ببرود وحزن:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- علمتم بما يجري في الصحراء..؟ أوصلتكم الأنباء..؟ أم أنكم مجرد تيوس تأكلون وتشربون وتلبسون أفخر الثياب وتتباهون بين القوم بمكانتكم ومواكبكم وتعودون تنامون كالحملان؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يجرؤ أحدهم على الرد، إلا أن كبيرهم تكلم أخيرا قائلا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- انتقل من بناء المتاريس والقلاع والحواجز، إلى بناء مدينة أخرى، تنافس مدينتنا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- أهذا كل ما وصلكم..؟ ألم يصلكم نبأ الماء..؟ ونيته تحويل مجرى النهر..؟ وتجويعنا وقتلنا بالعطش..؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صمتوا جميعا، ثم تكلم كبيرهم مرة أخرى:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">- ليس لدينا في هذه الحالة سوى مواصلة العمل على منامك القديم يا مولاي..إخفاء المدينة وأهلها وحفظها في محارة، ولكننا لن نخفي أنفسنا هذه المرة..بل سنصغر مدينة القائد..وسنصغره هو أيضا حتى يستحيل نملة، وقتها سيمكنك دهسه بقدميك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن بينما هم مجتمعين، فُتح باب بلاطه، ووقف رجل أسود الشعر، تتدلى جدائله على كتفيه وظهره، ظل الملك يرمقه بنظرات واجمة، وهو يسأل نفسه..أي صورة سيتحول إليها..؟ وأي هيئة سيتخذ؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تطل حيرة الملك، إذ تقدم الولي وهو يدق أرض بلاط القصر، تقدم من عرشه، وصاح فيه:</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">لم تزل غرا أحمقا تنتظر حيل الحكماء وألاعيب السحر..وهم يتآمرون عليك لصالح قائد المرتزقة..هذه هي المرة الأخيرة التي أتدخل فيها لأنقذك من مغبة أفعالك..منحتك الذرية..ومنحتك كتاب الحكمة..وألقيت كل ذلك وراء ظهرك..ولم تزل تعتمد على مجموعة من المخابيل والمهرجين..يأكلون على مائدتك..وينوون دس السم في صحائفك..أفق أيها الملك التعيس غير مأمور، فقد طلع النهار وأوشكت شمس حكمك أن تزول.</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400;">وغادر الولي..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">11</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بدأ هذا حينما حلُم رجل عادي أن يصبح قائدا لفرقة من المرتزقة ليستعبد مدينة وأهلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وجاء يوم تحقيق القائد لحلمه..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يوم تحويل مجرى النهر إلى المدينة التي بناها في الصحراء..اليوم الذي سُيعّطش أهل أرض البراكين ويجوّعهم، سيموت الزرع، ستموت الحيوانات، ثم سيموت ناسها، وربما يهاجرون إلى مدينته، وقتها سيستعبد الرجال، ويُسخر الشباب لبناء المتبقي من عمائره وآثاره، ويُدخل جميع النساء في مخادعه، ويسير عاريا في الشوارع، ولا يجرؤ أحد على نعته بالجنون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تقدم المُرتزق الأكبر وسط رجاله وحراسه إلى النهر، وبدأوا جميعا في إهالة أكوام التراب عند عنقه الموصل إلى أرض البراكين، حتى إذا اصطدم النهر بالأكوام، ارتدت إلى الفرع الثاني الذي استغرقوا عشرة أعوام في حفره، إلا أن قوة هائلة من الأمراء والفرسان أبناء الملك بروزا لهم فجأة، وأحاطوا المرتزقة وقائدهم. بدأت المقتلة، واشتدت، واكتشف القائد الذي كان رجلا عاديا، أمرا مروعا، فوجيء بأن أبناء الملك من الأمراء والفرسان، لا يُقتلون، ولا يُصابون، وأنهم كما لو كانوا فرسانا من نور، يضربون فيقتلون، ويُضربون فلا يُضارون، يرمون سهامهم ورماحهم، فيصيبون أهدافهم بدقة وقوة، وتُرمى عليهم السهام والرماح من المرتزقة، فتخترقهم وتعبرهم كأنهم كائنات شفافة، تُمرر الأشياء ولا تفلتها. وهكذا عثر الملك على لقية، حينما أجرى اختبارا لأبنائه على فنون الرمي والضرب والقتال، بُهت حينما اكتشف أن أولاده اللذين أنجبهم في رحلة عجيبة ليست لهم دماء لتسفك..وليست لهم جلود لتخدش..ومعجزتهم مستمرة..فهم قادرون على حسم أعتى الصراعات، وخوض أصعب المعارك..والنجاة دائما..وهكذا اتخذ قرار الحرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">12</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">انتصر الملك الذي كان يوما ما أميرا صغيرا في قصة طيار فرنسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكما بدأ قائد المرتزقة في هذه الحكاية رجلا عاديا..عاد سيرته الأولى كرجل عادي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سار ممزق الملابس إلى الصحراء..إلى قلاعه التي تلهو فيها الأشباح..</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سار وفي يده سيف خشبي.. مبارزا الريح والغبار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الملك.. فبات ينتظر أن يأتيه مرة أخرى رجل عادي..وقد حلُم بأن يخضع مدينة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;">القصة من الكتاب الصادر حديثاً لوجدي الكومي عن دار العين للنشر في القاهرة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img decoding="async" class="size-full wp-image-35026 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/غلاف-مليون-كلمة-طافية-معبرا-لقوم-نوح.jpeg" alt="" width="854" height="1280" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/غلاف-مليون-كلمة-طافية-معبرا-لقوم-نوح.jpeg 854w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/غلاف-مليون-كلمة-طافية-معبرا-لقوم-نوح-200x300.jpeg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/غلاف-مليون-كلمة-طافية-معبرا-لقوم-نوح-683x1024.jpeg 683w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/غلاف-مليون-كلمة-طافية-معبرا-لقوم-نوح-768x1151.jpeg 768w" sizes="(max-width: 854px) 100vw, 854px" /></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35025">تتمة حكاية &quot;الأمير الصغير&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«دم نازح في الممر»: كيف يكتب الفلسطيني يوميات الإبادة؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34463</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 19 Dec 2024 22:35:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34463</guid>

					<description><![CDATA[<p>مصادفة قرأت كتاب فاتنة الغرة الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا، الذي سيصدر قريبا بعنوان "دم نازح في الممر" الذي تسرد فيه يومياتها عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها -وما زال- قطاع غزة حتى الآن، مع كتابة هذه السطور، منذ أكثر من عام، إذ كنت ممن اختارتهم فاتنة ليقرأوا المسوّدة، لإبداء ملحوظات في مرحلة المراجعة، وهي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34463">«دم نازح في الممر»: كيف يكتب الفلسطيني يوميات الإبادة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">مصادفة قرأت كتاب فاتنة الغرة الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا، الذي سيصدر قريبا بعنوان "دم نازح في الممر" الذي تسرد فيه يومياتها عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها -وما زال- قطاع غزة حتى الآن، مع كتابة هذه السطور، منذ أكثر من عام، إذ كنت ممن اختارتهم فاتنة ليقرأوا المسوّدة، لإبداء ملحوظات في مرحلة المراجعة، وهي الورشة الكتابية الضيقة التي نعقدها ككُتاب مع أصدقائنا المقربين قبل إرسال مسوّدات كُتبنا إلى الناشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> وكان طلب فاتنة مفاجأة سعيدة ومبهجة لي، وجدت نفسي أتعامل معها بفضول، ورغبة قوية في الاطّلاع على نص مكتوب يتعامل مع الإبادة. ووجدت في داخلي فضول كبير ككاتب: كيف يمكن لشاعر أو كاتب فلسطيني أن يروي هذه المأساة المعاصرة؟ وكان البعض منا قد اعتاد التعامل مع المأساة الفلسطينية باعتبارها حدثًا خلف ظهره مرّت عليه عقود، وتخلّده الروايات والقصائد. وكنا أيضًا قد اعتدنا على التعامل مع النكبة الفلسطينية بأنها حبيسة الدواوين والأدب الفلسطيني، كأن النكبة الفلسطينية ليست حقيقية على الأرض، أو تجري في مجرة أخرى، وكأن الاحتلال الإسرائيلي ليس أسوأ احتلال معاصر نعيشه منذ كنا صغارًا، حتى صرنا كهولًا، وبتنا نتقدم نحو سن الشيخوخة وهذا الاحتلال المعاصر القميء لا ينتهي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذن، ففاتنة هي ابنة هذه المأساة. تحمل الجنسية البلجيكية بحكم الإقامة في قارة أوروبا، تتردد باستمرار على وطنها وعلى قطاع غزة بحكم انتمائها الأسري والقدري إلى القطاع، ويسوقها القدر أن تقرر زيارة أسرتها قبل الحرب بأربعة أيام، وتجد نفسها محاصرة في مستشفى القدس هي وأسرتها، نازحة من جديد مع عائلتها، معها كتاب ليوسا، وجهاز اللابتوب، فتبدأ تحكي وتكتب وتدوّن رسائل إلى ابنة شقيقها "لمار"، فتكون ثمرة هذه الرسائل كتابًا يصل عدد رسائله إلى ٢٤ رسالة، ونكون نحن المحظوظين بكتاب فاتنة، إذ إن من رأى غير من سمع، ونحن جميعًا جلوس أمام شاشات الأخبار نسمع منذ عام وأكثر عن تزايد أعداد الضحايا في جريمة الإبادة، يومًا بعد يوم نتابع وتخفق قلوبنا وتتعطل حياتنا ونحن نتمنى أن تتوقف الإبادة، لكنها لا تتوقف، وتمضي آلة القتل الجنونية في طريقها، يسمح العالم باستمرارها، فتكتب فاتنة من قلب الإبادة شهادتها، وتمنحنا لأول مرة نصًا يوثق هذه الجرائم. لهذا أقول إننا محظوظون بهذا الكتاب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبدأ الكتاب برسالة تقصّ فيها "فاتنة" على ابنة شقيقها وقائع سفرها أولًا إلى مصر، لكي تعبُر إلى قطاع غزة، وبيروقراطية السلطة في مصر معها حينما طالبتها فجأة أن تحصل على فيزا للولوج إلى القاهرة، خلال سفرها بالباص من دهب في جنوب سيناء، حيث استوقفها كمين شرطة، وطالبها ضابط مصري بأن تعود أدراجها إلى دهب للحصول على الفيزا المطلوبة. سبع ساعات عليها أن تعودها الفلسطينية على الرغم من جواز سفرها البلجيكي! أغضبني هذا الجزء من الكتاب، لأنه كشف عن تعسّف السلطة المصرية مع الفلسطينيين. نحن نتحدث هنا عن النظام المصري الحاكم الآن، واللافت أن غضبي من البيروقراطية المصرية كان أعلى من غضب فاتنة نفسها، إذ استقبلت طلب ضابط الشرطة بمقاومة بسيطة، وأذعنت لطلبه، وعادت أدراجها إلى دهب، مؤجلة ذهابها إلى القاهرة، ليحدث معها مصادفة سعيدة، إذ يمنحها شخص ما فجأة فيزا كان قد ابتاعها بمبلغ ٢٥ دولار، ويمضي دون أن يطالبها بدفع ثمنها. هذه المصادفات القدرية تجعل فاتنة تستبشر خيرًا بالمضيّ قدمًا في رحلتها إلى القاهرة، كي تعود منها إلى قطاع غزة عبر معبر رفح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">معلومات مهمة أيضًا تقدمها فاتنة لقارئ كتابها في هذه الرسالة، بسرد رشيق لا يتوخى تقديم المعلومات، وإن كان القارئ يستطيع ببساطة تلقّيها، منها أن الفلسطيني محكوم عليه إذا كان في مدينة من مدن شبه جزيرة سيناء أن يغادرها إلى القاهرة، إذا رغب في أن يذهب إلى قطاع غزة عبر معبر رفح! أمر عجيب استوقفني أنا أيضًا، وإنْ تعلمت منه الكثير من الأشياء التي أجهلها عن بلدي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكتب فاتنة يوميات الإبادة عبر سلسلة من المواقف تسرد فيها موضعها هي وعائلتها، ونزوحهم من بيتهم العامر إلى مكان اعتبره الفلسطينيون آمنًا في القطاع. وكان المكان الذي وقع عليه اختيار فاتنة وأسرتها هو مستشفى القدس في حي تل الهوا. وفي المستشفى ستقضي فاتنة ٢٣ يومًا نائمة في ممر يقع بين غرف المرضى، وفي هذا الممر ستشهد مآسي كثيرة، على رأسها بالطبع الدماء التي نزفتها أبدان المصابين والشهداء، ضحايا القصف. ولأن "فاتنة" تخاطب ابنة شقيقها الصغيرة، فهي لا تكتب أبدًا بأسلوب يجعلها تجزع، أو تصاب بالصدمة، بل تبسّط المشاهد الدموية، وتجعلها مستساغة بعض الشيء على الحكي، من ذلك ما تقوله في الرسائل الأولى:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>تخيلي أنني حينما بدأت الحرب كنت اسأل أبناء عمومتك عن أصوات القذائف لأطمئن، ما نوع هذا الصاروخ أو هذه القذيفة؟ فكان الأطفال يردون عليّ بابتسامة ظاهرها الطمأنينة وباطنها سخرية من عمتهم البلجيكية التي لا تجيد التمييز بين أصوات القذائف المدفعية التي تطلقها الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية، والفارق بين كل صاروخ يسقط منهم. الصاروخ الأمريكي له صوت سقوط ألواح زينكو من الطابق العاشر مختلطًا بصوت فحيح يوقف شعر الجسم على أقدامه، في حين أن الصاروخ الإسرائيلي ينزل ضربة واحدة "بوووووووم" خبطة واحدة، ولا تقلقي إن متنا فلن نسمع للصاروخ صوتًا.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقرة كهذه يتبين القارئ منها الخطة التي اختطّتها صاحبة "ثقوب واسعة" لنفسها في الكتابة، فالكتاب لا يكتبه مراسل حربي يهتم بإحصاء عدد الرصاصات وأعداد الضحايا ومواقع الضربات. والكتابة التي تتبعها فاتنة لا تهتم بحكي ما يجري ساعة بساعة، فلدينا نشرات الأخبار، ولدينا مقاطع الفيديو للمراسلين من شتى القنوات الإخبارية في القطاع، ولدينا أيضًا صحافة المواطن التي بدأها مواطنون فلسطينيون وثّقوا فيها الدمار وجرائم الإبادة المختلفة، لكن خطة "فاتنة الغرة" كانت غير هذه الأساليب؛ كانت تسعى إلى أن يكون هذا الكتاب معايشة لعائلة فلسطينية، تصوّر بدقة كيف تحيا أسفل الصواريخ المنهمرة حياة كاملة، حياة يختلط فيها الخوف بالسخرية من أحد أفراد الأسرة المغترب، الذي عاد فجأة ليتورط في الحصار مع أسرته، ويعايش عن قرب نكبة جديدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من موقعي كمتابع للحرب، كنت أثناء القراءة أُدهش لهذه الجوانب التي لم نطّلع عليها خلال مشاهداتنا الأخبار والتقارير الصحافية التي توثق للإبادة. ومن موقعي ككاتب، كنت أُدهش لقدرة فاتنة الغرة على وصف ولعها بكوب الماء البارد، الذي بات عزيز المنال في القطاع المنكوب، بينما الحرب من حولها تمضي في طريقها حاصدة الأرواح ومدمرة الممتلكات، وهي تصف سعادتها بكوب الماء. هذه هي الكتابة التي ترصد لنا بدقة المشاعر الإنسانية المتناقضة؛ الخوف من الموت مع تجدد كل قصف، والحاجة المستميتة لشرب كوب ماء، أو استعادة الخصوصية المفقودة، أو التوق إلى لحظة سكون وسط ضجيج الجمع. وهكذا، ترصد فاتنة في كتابها هذه الحاجات الضائعة، ورغبتها في استعادتها. هنا مثلًا في هذا الموضع من رسالتها الثالثة تتحدث عن اللهجات الفلسطينية التي تسمعها من النازحين والنازحات من حولها في مستشفى القدس، أو تصف روائح الخبز في مطلع رسالتها الرابع فتقول: </span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>رائحة الخبز الطازج يا لمار تفرك أنفي كلما هبّت نسمة هواء أوصلتها إلي، يمكنني المسير وراءها وتتبعها حتى أصل إحدى غرف الطابق</b><span style="font-weight: 400;">.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رائحة الخبز الفلسطيني الذي يخبزه النازحون في قطاع غزة تحت وطأة القصف والإبادة، أفضل عند فاتنة من المخبوزات الفرنسية كافة. وبينما تعقد الكاتبة هذه المقارنة، لا تنسى أبدًا أن تكتب لنا مأساة قصف المخابز، وهو الحدث الذي سمعناه مرارًا من الأخبار، ولكن تقدمه لنا هنا في هذا الكتاب مضفورًا بصور من قلب الواقع الرهيب. فرائحة الخبز هي ريح قوية تسري في طرقات المستشفى التي يحتمي بها النازحون، هي ريح قوية تمر فوق الرؤوس الجائعة، والأبدان الفارغة. تصور لنا فاتنة طوابير البشر التي يقف ويصطف فيها الجائعون، شاهرو الأيدي من أجل تناول الأرغفة المخصصة لهم، أو لمصارعة من يتعدى على دور غيره.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأصوات التي تخترق سمعها، وتخترق روحها، بقدر ما يزعجها بعضها، بقدر ما يجعلها تطمئن للحظات أن بقاء هذه الأصوات حية هو ما يجعل المقاومة مستمرة. تكتب فاتنة عن انزعاجها من أصوات الأطفال الكثيفة من حولها، وأمنيتها أن تصمت هذه الأصوات لبضعة دقائق من اختلاط أصوات القصف بأصوات لهو الأطفال في هذا المقطع من الرسالة السابعة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span><span style="font-weight: 400;">"أصوات الأطفال في المبنى تثير داخلي يا لمار مشاعر متعددة، أحياًنا أجد نفسي قد امتلأت حتى النخاع وقدرة التحمل عندي باتت في السالب، فينطلق صوتي عاليًا بالصراخ على أهلهم، كنت أصرخ فجأة فينقطع حبل الصوت في الطابق، الكل ينظر إليّ، ولم يجرؤ أحد يومًا على مجادلتي أو الصراخ عليّ، كأن هناك اتفاق جمعي بين سكّان الطابق على الصمت حينما يعلو صوتي. لم تكن حنجرتي التي تصرخ وقتها، بل شبكة الأعصاب في جسدي كله من كانت تصرخ. أصرخ فيتوقف الزمن للحظات ينظر فيها الأطفال إليّ بعيون مفتوحة كأننا في لعب "حركة صنم" ثم يعاودون نفخ البلالين وفرقعتها في شبكة أعصابي الداخلية، مرة كاد أن يصيبني الجنون من طفل بعينه".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نحن نفهم من هذا المقطع ما لن تنقله لنا أبدا نشرات الأخبار: أن تعيش وسط الجمع، أن تخترق روحك كل الأصوات، أن تتعرى شبكة أعصابك بينما أنت تنام وتصحو وتقضي يومك وسط الآخرين، غير محمي من الضوضاء. وربما يسأل قارئ لكتاب فاتنة نفسه: أحقًا تبحثين عن الهدوء والسكينة؟ بالطبع، كل إنسان يهفو إلى لحظة سكينة، وأن يطمئن وسط الحصار والدمار إلى أن صوت انفجار بالونة بجواره، ليس قذيفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقارئ الكتاب تفاجئه الكاتبة أيضًا بقدرتها على تقديم الذوات الإنسانية في أشد لحظات حصارها من الموت، وهي تبحث عن لذة أخيرة، ومتعة كانت قد تتمتع بها في وقت السلام وابتعاد الخطر. لقد ابتسمت أكثر من مرة وأنا أقرأ سطور "فاتنة" في رسالتها الثامنة عشرة التي عنونتها "سيجارة بين موتين" التي تقرأ فيها هذه الكلمات:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>الحمام أيضًا يمكن أن يكون فسحة لتدخين سيجارة يتعذر تدخينها في ظرف يبدو التدخين فيه، خاصة للمرأة، أمر مستهجن في وسط مجتمع محافظ وحرب تستعر في الخارج.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذان السطران يأتيان ضمن فصل/ رسالة طويلة إلى لمار، تشرح فيها الكاتبة رغبة النسوة في الاختلاء بأنفسهن للتمتع بهذه المتع اللاتي كُن يتمتعن بها في الأوقات العادية، وصارت الآن صعبة المنال والظفر، بحكم أن الكل أصبح بمواجهة الكل، كل الشعب على اختلاف أطيافه صار بمواجهة بعضه بعضًا. وهكذا، بعد فقرة أو فقرتين، نقرأ أيضًا كيف ظهرت الأصوات المتشددة التي تستنكر تدخين النساء، وكأن كل ما تتحمله النساء من مشقّة النزوح والثكل غير كافٍ، فيمارس عليها الرجال أيضًا استبدادهم وتسلطهم. تقول فاتنة في موضع آخر من الرسالة نفسها:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>مرة كاد الأمر يصبح جرسة في الطابق، حيث علا صوت رجل يبدو من لباسه ولحيته أنه من المتعصبين يقول إن هناك رائحة دخان تخرج من الحمامات وإننا في حرب، وهذا سلوك مرفوض. وبدأ بإلقاء خطبة عصماء وأنا أتجاهل أن أنظر باتجاه، حتى جاء صوت طفل صغير يرد على الشيخ بأن حمام الرجال مليء بأعقاب السجائر، فسكت الشيخ كأنه بُهت حيث أُسقط في يده القيام بدور الرقيب الديني علينا.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فعلى الرغم من الإبادة الجارية، لا يتورّع بعض الرجال بممارسة التشدد والتطرف على النساء اللواتي يعانين بالفعل من كل شيء. وهذا أيضًا ملمح يميز هذا الكتاب، فهو توثيق دقيق لهذا المجتمع في تعرّضه لهذه المحنة والانتهاك والسلب الذي تعاني منه نساؤه في هذه الظروف الحالكة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وثمة قضية أخرى تناقشها المؤلفة بجسارة، وهي قضية كونها الأوروبية حاملة إحدى جنسيات دولها، التي تُترك لها تذكرة عبور ونجاة لها وحدها دون عائلتها على معبر رفح، لتخرج من المحرقة والإبادة، تاركة عائلتها خلفها. تكتب ابنة عائلة الغرة عن هذه المسألة الأخلاقية في موضعين من الكتاب، الرسالة التاسعة عشرة والعشرون، فتقول:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>الحكومة البلجيكية كانت قد وضعت اسمي على المعبر منذ بداية الحرب كي يتم إجلائي أسوة بالرعايا البلجيك الآخرين، وكنت أعرف أن هذا ليس الخيار الذي أريد اتخاذه الآن، وبالقطع ليس وحدي، لذلك كان ردي بأنني لن أخرج إلا رفقة جدك وجدتك. كيف أتركهما وهما في هذا العمر في قلب المحرقة؟ كيف أقول لهما وداعًا ولا أنظر خلفي بعدها؟ هذا خيار يحتاج قلباً ميتاً للقيام به، أو ربما قوة جبارة ولم أعتقد أني أمتلك أيهما.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذه هي لبّ القضية التي ميزت بين فلسطيني وآخر، الفلسطيني يحمل جوازًا يخصّ دول القارة التي تدعم بعض دولها الإبادة، فيشتري جوازه تذكرة النجاة من الجحيم، لكن عائلته لا تتمتع بهذه المزية، فكيف يتركهم وينجو بنفسه؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لهذا نراها تعود وتكتب في الرسالة العشرين:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>كل قرار اتخذته كان بدافع من الخوف. عندما كان يلح عليّ الجميع إن كنت سأبقى أم سأرحل، اخترت البقاء لأني كنت أخاف، أخاف من قذيفة تستهدفني وأنا في الطريق إلى المعبر، مثلما حدث مع أشخاص آخرين. أخاف من إصابة أكثر من الموت، من فقدان ذراع أو ساق أو عين، من حريق يلتهم وجهي. أخاف من رائحة البارود وصوت القذيفة وصوتها يحاذي أذني، ومن الخوف أخاف أن أدير ظهري وألتفت إلى البيت ورائي فأراه حطامًا. هذا خوف، أن أترك خلفي حكايات أمي وضحكها الذي يهتز لها جسدها كله. هذا هو الخوف كله. والخوف هو ما كان يدفعني للبقاء يا لمار.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يدفع الخوف البشر إلى الفرار، بينما خوف فاتنة الغرة أجبرها على البقاء. ومن هنا ينبع سحر هذه السطور، وطريقة الكاتبة في الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها، فهذه الإجابات غير متوقعة، ولكل من اكتسب جوازًا أوروبيًا أو أمريكيًا منحه بساطًا سحرية للنجاة من بلاده المنكوبة بالديكتاتورية والحروب الأهلية والإبادة الجماعية، تُحول فاتنة الغرة بوصلة بساطها السحري/ جواز سفرها وجنسيتها البلجيكية، لتعود إلى وطنها، قطاع غزة، ولتكتب لنا هذا الكتاب.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34464" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية.jpeg" alt="" width="1018" height="755" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية.jpeg 1018w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية-300x222.jpeg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية-768x570.jpeg 768w" sizes="(max-width: 1018px) 100vw, 1018px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #999999;"><span style="font-weight: 400;">سيصدر الكتاب باللغة العربية عن إحدى دور النشر قريبًا، بينما يصدر بعد أيام عن دار نشر في بلجيكا وهولندا.</span></span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34463">«دم نازح في الممر»: كيف يكتب الفلسطيني يوميات الإبادة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أن تكون صحافيا ثقافيا في زمن التارجت</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/33467</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 04 Nov 2024 07:22:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[رمان]]></category>
		<category><![CDATA[صحافة]]></category>
		<category><![CDATA[صحافة ثقافية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=33467</guid>

					<description><![CDATA[<p>في بعض الأوقات، تمنيت أن أكون صحافيًا في زمن الصحافي المصري الكبير عبد الفتاح الجمل، صاحب ومؤسس أشهر صحافة ثقافية مصرية، أفرزت صفحتها في جريدة "المساء المصرية" العديد من الأدباء الذين نشروا إبداعاتهم، وفي أوقات أخرى لعنتُ الظروف التي جعلتني أعمل صحافيًا في زمن المواقع الإلكترونية، حيث أصبح مصطلحا "التارجت" و "المُبيّت" الغالبين على نظام [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33467">أن تكون صحافيا ثقافيا في زمن التارجت</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في بعض الأوقات، تمنيت أن أكون صحافيًا في زمن الصحافي المصري الكبير عبد الفتاح الجمل، </span><span style="font-weight: 400;">صاحب ومؤسس أشهر صحافة ثقافية مصرية</span><span style="font-weight: 400;">، أفرزت صفحتها في جريدة "المساء المصرية" العديد من الأدباء الذين نشروا إبداعاتهم، وفي أوقات أخرى لعنتُ الظروف التي جعلتني أعمل صحافيًا في زمن المواقع الإلكترونية، حيث أصبح مصطلحا "التارجت" و "المُبيّت" الغالبين على نظام العمل، والمهيمنين على كل شيء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حينما التحقتُ بصحيفة اليوم السابع المصرية في عام ٢٠٠٨، لم تُتح لي فرصة لأن أتعلم الصحافة الورقية التقليدية المعتادة على أصولها، كما توارثتها أجيال وأجيال مرموقة الأسماء. صحيح أنه كان يعمل في المؤسسة القديران أكرم القصاص وسعيد الشحات، لكنني لم أتتلمذ مباشرة </span><span style="font-weight: 400;">على أيديهما</span><span style="font-weight: 400;">، بل كان مطلوبًا مني أن أصبح تِرسًا في إدارة آلة جهنمية عملاقة هي الموقع الإلكتروني للجريدة التي كانت حينها تصدر أسبوعيًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأسميها آلة جهنمية لأن نظام العمل في موقع اليوم السابع كان يقتضي بأن يتلقى على مدار الساعة مواد تجعله باستمرار مُحدّثًا ومتابعًا ساعة بساعة، لأي موضوع، ولأي حدث، ولأي حادث، ولمجرياته، ومواكبًا ساعة بساعة التطورات، كل التطورات، سواء ما يجري من حدث يمت للسياسة، أو حتى في الأقسام الأخرى، مثل أخبار المنوّعات والمجتمع وأقسام الحوادث والفن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نظرًا إلى هذا الإيقاع اللاهث من النشر الخبري المستمر، تصدّر الموقع الإلكتروني لليوم السابع قائمة المواقع الإلكترونية الأكثر متابعة في مصر، وجاء ترتيبه سادسًا بعد فيسبوك وتويتر </span><span style="font-weight: 400;">و</span><span style="font-weight: 400;">مواقع أخرى لا تمت لصناعة الصحافة بصِلة، وكان هذا يجعل رئيس التحرير الأسبق لليوم السابع فخورًا، يمشي في الأرض مرِحًا مختالًا بنفسه وبما يحققه من صناعة خبرية جديدة في مصر.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>الصحافة الإلكترونية وأثرها في الصحافة الثقافية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان هذا مطلع عام ٢٠٠٨، أو حتى منتصف، حينما انطلقت بدايات موقع اليوم السابع المصري -أكرر كلمة المصري كي لا يخلط أحد بينه وبين مجلة اليوم السابع الباريسية التي كانت تصدرها منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الفرنسية منذ عام ١٩٨٤- ولم تكن مصر وقتها تشهد تجارب صحافة إلكترونية كبيرة، أو مرموقة الشأن، بل كانت الصحف آنذاك تشهد نموًا دراميًا غير مشهود ولا مثيل له في وقتنا الحالي، وقت كتابة هذه السطور، إذ حرّر نظام مبارك -قبل اندلاع الثورة عليه بعقد- المجال للصحافة الخاصة بأن تحصل على تراخيص الصدور والطباعة، فظهرت تجارب متوثبة، أول ما فعلته أن انتقدت الحكومة بقسوة، وطال نقدها النظام نفسه، واستطاعت أن تلفت أنظار الناس إلى صناعة صحافية احتكرتها لعقود الصحف الحكومية التقليدية المؤممة منذ الستينيات، ودشّنت كذلك صحافتها الثقافية غير المعتادة، فنشر بعض شعراء جيل التسعينيات قصائدهم النثرية، ونشر قاصّو جيل التسعينيات قصصهم القصيرة غير التقليدية، التي جاءت لتدشّن عهدًا جديدًا في فن القصة القصيرة؛ قصة قصيرة حداثية لها طابعها، هذا وقتما كان نجيب محفوظ ينشر "أحلام فترة النقاهة" في مجلة "نصف الدنيا" الورقية التي تصدرها مؤسسة الأهرام المصرية العريقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه التجربة الأونلاين اللاهثة التي كانت تحاول أن تنافس منصات التواصل الاجتماعي التي تحوّل جزء منها ليكون مصدرًا للأخبار، كانت ترتكب على مدار الساعة الكثير من الأخطاء، منها بقاؤها في متاهة الخلو من النظرات التحليلية العميقة، التي اقتصرت فقط على أقسام وحيدة ونادرة، أما المعالجات للتقارير التي كانت تُنشر في العدد الأسبوعي فكان يكتبها بالطبع نفس الصحافيين المشغولين بضخ الأخبار في الآلة الجهنمية المسماة الموقع الإلكترونى لليوم السابع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صار اللهاث هو نمط العمل، وكثرت الأخطاء، وكانت أحيانا مضحكة، من قبيل أن يبث محررو قسم المراجعة الذين ينشرون الأخبار في الموقع صوراً لا علاقة بها بمتون الأخبار، وأصبح الكل عبيداً بمعنى الكلمة الحرفي من أجل هدف سامي وحيد هو ضخ الأخبار، ثم ضخ الأخبار، ثم ضخ الأخبار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذه الأجواء انضممت لصحيفة اليوم السابع لأعمل محرراً في قسم الثقافة، وبدأت أتعرف عن قرب عن تاريخ الصحافة الثقافية، وأقبلت بنهم على متابعة الملاحق الثقافية التي كانت موجودة، باعتبارها منافس طبيعي لنا، أو تلك التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بسبب مشكلات التمويل للصدور الورقي، وبدأت أكتشف مزية أن تكون صحافياً يغطي الأخبار في قسم الثقافة ولا تنتظر جريدة لتنشر ما تكتبه أو تحوذ عليه من سبق صحافي، فما ستنشره "أخبار الأدب" بعد أسبوع، يمكنك الآن أن تنشره على الموقع الإلكتروني، ثم تنشر معالجات له، وردود أفعال، ولا تنتظر أبداً أن ترى مادتك منشورة في العدد الأسبوعي من الصحيفة، لأن الخبر سيكون قد مات، وما يجعله حياً هو المتابعات المستمرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تدريجيا بدأت استمتع بالعمل في القسم الثقافي، لأنني أدركت أن حدودي ليست مجرد كتابة خبر صدور كتاب جديد، أو مراجعة كتاب يتحدث عنه الناس، بدأت استمتع بكوني صحافيا حينما تعلمت معنى صنع خبر، ومن ذلك حينما حصلت ذات مرة على قوائم الكتب الممنوعة أو المستبعدة من المشاركة في معرض الكويت للكتاب، فإدارة المعرض تمارس عملا تقليديا هو "الفسح" أي إتاحة الكتب للعرض أو منعها، وهو إجراء رقابي تمارسه بعض معارض الكتب العربية، تمنح نفسها الحق في استبعاد الكتب التي تنتقد مثلا أنظمة عربية، لكن بعض إجراءات الفسح تشمل استبعاد روايات بأكملها، وكتب أدبية لأسماء مرموقة، وكان من المفارقات التي حققها هذا التحقيق الصحافي الذي نشرته، أن بعض الكتاب المصريين كانوا مدعوين بأجسادهم للمشاركة في ندوات بالمعرض، لكن كتبهم "مفسوحة" أي ممنوعة من أن تُباع.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>صحافيو الثقافة واهتمامات الناس والنخبة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تقارير كهذه لم تملك مؤسستي أن تستبعدها من النشر ورقيا لصالح تقارير أخرى قادمة من وزارة الكهرباء، أو غيرها، لكنني مع الوقت تبين لي أيضا أن المؤسسات الصحافية الخاصة مثل "اليوم السابع"، وغيرها، كانت تضيق ذرعا كذلك بوجود صحفيي قسم الثقافة، وأننا كنا في نظر بعض الزملاء في الأقسام الأخرى صحفيي نخبة، ينشرون أخبارا ليست مهمة، كمراجعات لكتب، وحوارات مع مؤلفيها، كنا نجهز مثلا مواد وتقارير بعناوين جذابة، ونجتهد قدر الإمكان لتكون مثيرة وخلابة، ومحفزة للقارئ، ثم في ليلة رسم الجريدة تنفيذ الصفحات وتصميمها، نفاجأ أن رئيس التحرير قد قرر ببساطة الإطاحة بهذه التقارير ليستثمر مساحاتها في نشر تقارير يراها أهم من وزارة الكهرباء، أو الحكومة، أو الرئاسة، أو غيرها من الملفات المحلية، وحينما كنا نقارن تقاريرنا بتقارير الزملاء التي نُشرت في الصحيفة الورقية، كان ينتابنا اليأس والإحباط أن نرى تقاريرنا قد انتزعت وطُرحت أرضا لصالح توفير مساحات تُحشر فيها تقارير يتحدث فيها مصادر مجهولة عن ترقب لزيادة تعريفة الوقود مع العام المالي الجديد، أو غيرها من التقارير التي كان يحاججنا رئيس التحرير أو مديره بأنها تصب في اهتمامات الناس، أما تقاريرنا التي نتناول فيها شأنا ثقافيا فهي تصب في اهتمامات النخبة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>صفحة الثقافة الحائرة بين تمويل الصحف الخاصة والصحف الحكومية السيارة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ هذه اللحظة أدركت مدى ترف الصحافة الثقافية في نظر رؤساء التحرير والعاملين في المهنة، ومع ذلك لا يستطيعون أن يشيحوا بأنظارهم بعيدا عنا، مواد الثقافة مطلوبة كحطب لتشغيل الموقع الإلكتروني في قسم ضمن الأقسام الأخرى، لكن حينما نتحدث عن المساحة في الصحيفة الورقية، فإن صفحة الثقافة هي أولى الصفحات التي يُطاح بها من الجريدة الورقية إذا وقع أمر بالغ الخطورة تستوجب تغطيته مساحات أخرى في الجريدة الورقية، وإذا كانت الصحيفة محرومة من التمويل الحكومي، كأغلب الصحف الخاصة في مصر الآن، بل تسيطر عليها شركات هي واجهة لأجهزة الأمن والمخابرات، فلا يمكن لصفحة الثقافة أن تتعزز بثباتها وتحقق رسوخها، وتظل دائما تقاريرها موزعة بين الصفحة الأخيرة، أو أن تُدس داخل صفحات التقارير غير المهمة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>التارجت والمُبيَّت كنظام حاكم للصحافي في المواقع الإلكترونية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مصطلحا "التارجت" و "المبيت" اللذين استهللت بهما مقالي هذا، يحكمان عمل الصحافي في بعض المواقع الإلكترونية، كاليوم السابع والدستور والوطن، والمصري اليوم، إذ يُكلف الصحافيين بكتابة عدد تقارير لا يقل عن ٢٥ تقريرا خلال فترة دوامه التي تمتد لثمان ساعات، ويقدم مع هذه الحزمة من الأخبار التي تظل "تارجت" يجب عليه تحقيقه في فترة الدوام، حزمة أخبار أخرى تُعرف بـ"المُبيّت" أي الأخبار التي سينشرها مدير تحرير فترة الدوام الليلي، وهي أيضا يجب أن تكون حوالي سبعة أخبار يجهزها كل قسم، لتنشر على رأس كل ساعة خلال الليل، حتى بدء دوام الصباحي في الثامنة صباحا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحدها الصحف الحكومية التي أممها نظام عبد الناصر ـبمعزل عن فكرة التأميم وأثرها على كفاءة وحرية العمل الصحافي، وهذا ليس موضوع المقال- استطاعت هذه الصحف أن تُرسخ الثقافة كوجبة صحافية من حق قراء الصحيفة التهامها جنبا إلى جانب ما يطبخه صحافيو الأقسام السياسية والمجتمع والحوادث والفن، لذلك كانت تجربة الصحافي المصري الشهير عبد الفتاح الجمل الذي استهللت به مقالي هذا، تجربة فريدة لا تنسى ولا ينمحي أثرها، وإليها تنتمي كافة تجارب الصحافة الثقافية، وكذلك استمرت الملاحق الثقافية الصادرة عن المؤسسات الصحافية الحكومية في مصر كالأهرام وأخبار الأدب المصرية، وفي لبنان كالسفير والنهار -أسس قسم الصحافة الثقافية فيها الشاعر شوقي أبو شقرا الذي رحل عن عالمنا خلال كتابتي هذا المقال- وعربية أيضا الملحق الثقافي لجريدة الحياة اللندنية التي توقفت عن الصدور.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>الصحافة الثقافية كوجبة مضمونة في الصحافة الممولة حكوميا</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذا قصرت حديثي في هذه السطور عن الصحافة الثقافية الحكومية في مصر نظرا لمعرفتي الجيدة بشئونها، فإنها نجحت في الاستمرار طالما وجدت لها تمويلا حكوميا لا يحاسبها على جدوى نشر مقالات أو عروض كتاب أو حوارات مع كُتاب نشروا كتابا أو كتابين، ولا يضغط عليهم لتحقيق شرط نفاد الإصدار الورقي أو البحث عن أفكار أخرى لزيادة التوزيع، وبالتأكيد هناك معايير أخرى يُحاسب عليها صحافيو الأقسام الثقافية وأخبار الأدب ويفرض عليهم أن يتبعوها، كتقديم عدد محسوب من المواد كل أسبوع قبل موعد الإصدار، وفي حالة الملحق الثقافي لصحيفة الأهرام، فهناك دائما قصة قصيرة كبيرة الحجم تتصدر رأس الصفحة حتى منتصفها، وقصة أخرى أصغر منها في ذيل الصفحة، ومقال أو قصيدة ينشر معهما في الجانب الأيسر من الصفحة، وفي الصفحات التالية للملحق هناك تغطيات ومتابعات وحوارات قصيرة مع كُتاب.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>المواقع الإلكترونية العربية وتحديات التمويل والأجور</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بجانب ذلك هناك المواقع الإلكترونية العربية التي دشنت أيضا مساحات للصحافة الثقافية، أو كرست جل الموقع لأن يكون منصة ثقافية، كرمان الثقافية، الذي نقرأ فيه هذه السطور، أو كمواقع أخرى تمنح لمطالعيها وجبة ثقافية في شكل المقالات التحليلية، وتتفادى نشر أخبار الفعاليات، كالتنويه عن الندوات، والأمسيات مثلا، وأدى ظهور "رمان" وغيره من المواقع التي بها قسم للصحافة الثقافية إلى انتعاش الصحافة الثقافية الإلكترونية، فنشط العديد من الصحافيون العاملون في حقل الصحافة الثقافية لمراسلة هذه المواقع الإلكترونية، خاصة مع ما حققه بعضها من توفير أجور جيدة مقابل المقال، وبالعملة التي  جُبلنا على وصفها بـ " الصعبة" وصارت شديدة الصعوبة والندرة في مصر الآن، وكما كانت أجيال من الصحافيين والكُتاب المصريين يراسلون مجلات وملاحق ثقافية عربية ويكتبون فيها، تحولت الأجيال الجديدة لمراسلة المواقع الإلكترونية العربية، لأن مصر خلت من مشروع صحافي إلكتروني يستطيع أن يدفع أجورا جيدة للصحافيين.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>الأكثر قراءة والأعلى مشاهدة كتحدي خطير أمام منصات الصحافة الثقافية الإلكترونية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبسبب مشكلات التمويل التي تعاني منها أغلب المشروعات الصحافية الإلكترونية الطموح، أو تذبذب هذا التمويل، بسبب عدم إيمان الممولين بضرورة تمويل مشروع صحافي إلكتروني ينشر فقط مقالات ثقافية، ولا ينشر أخبارا عن مؤسسات المُمول الصناعية- إذا كان رجل صناعة ولا يستطيع فصل التحرير عن الدعاية-أو شركات النشر التي تدير موقعا إلكترونيا، وتوجه الأولوية لتخصيص مكافآت النشر للصحافيين الكبار المشهورين، أو الكُتاب المرموقين، أو الصحافيين العاملين في أقسام السياسة والمجتمع والحوادث وتحظى تقاريرهم بمقروئية ملحوظة ويمكن التيقن منها عن طريق احتساب مرات التصفح من خلال خاصية Google Analysis وعليه صارت بعض المواقع تستكتب كاتبا وتستبعد آخر وفقا لما يحققه أسم الأول من مقروئية وتغطس مقالات الثاني في ثقب أسود تختفي فيه فرص رؤية المقال، ومطالعته وقراءته، ويتناسى أصحاب ومديرو الشركات التي تدير مواقعا صحافية، أن خوارزمية الانترنت تظل صعبة الفهم، ومحيرة، بل أن بعض المهن التي ظهرت وواكبت الصحافة الإلكترونية مثل مهنة " السي إيه أو " –كما لو كنا نقصد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية- هذه المهنة يمتهنها أشخاص يتلخص دورهم في إرشاد محرري الموقع الإلكتروني إلى كلمات مفتاحية تساعد على زيادة مشاهدة المقال، وتربطه بخوارزمية جوجل، وصار هذا الشخص مهيمنا بشكل أو بآخر على التحرير الصحافي في صالات تحرير المنصات الإلكترونية، حتى أنني اختبرت مرة حينما كنت أعمل مديرا للتحرير في موقع إلكتروني في مصر، كيف أن اشتراطات المدير بوسعها أن تضلل القارئ وتعطل القراءة، نتيجة إضافة العديد من الروابط في النص، بل كتابة عبارات ركيكة أحيانا في متن الموضوع، ليصيب خوارزمية جوجل ويظهر المقال في البحث بما يحقق ترتيبه في الأكثر قراءة ومشاهدة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>الصحافة الثقافية كوجبة منزلية مغذية في عالم يفضل التيك آواي</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تخطو الصحافة الثقافية الإلكترونية في عالم يسخو بالتحديات ويضن بالحلول أو التقدير لاعتبارات غير آنية، ويعمل صحافيو المنصات الثقافية بين أجراس يحاذرون أن تقرع، أبرزها ضعف التمويل والأجور، وهيمنة المساحات الإعلانية على المساحات الإخبارية، وعدم النظر إلى الصحافة الثقافية باعتبارها وجبة منزلية يجب أن تُطهى على مهل لتشتمل على كافة العناصر المغذية، ولا يُجبها أو يلغي وجودها برامج "البوك تيوبر" أو صفحات أندية الكتب على السوشيال ميديا، أو مراجعات "جود ريدز"، فكل هذه هي وجبات سريعة التحضير لا تلغي وجود الصحافة الثقافية، ولا يكتفي منها الباحث عن مراجعة نقدية مكتوبة بصبر وأناة في موقع صحافي يطبق معايير الصحافة ويلتزم بالدقة في النشر وتصويب المعلومات، ويختبر المادة بتحريرها قبل نشرها، كما تواجه الصحافة الثقافية بجانب هذه المنافسات من منصات "البوك تيوبرز" و "أندية الكتب" و "جودريدز" أيضا مخاطر حجب المنصة الثقافية ككل في بلد من البلدان بسبب مقال ينتقد النظام الحاكم، إذا كان يتناول كتابا ما يستعرض سيرته، أو إذا كانت هذه المنصات تنشر موادا إخبارية وسياسية بجانب المواد الثقافية، وتعرضت للحجب بسببها، أمثلة على ذلك حجب موقعي "المنصة" و "مدى مصر" المصريين لمحتواهما السياسي، وحجب موقعي "المدن" اللبناني و "العربي الجديد" في مصر أيضا بسبب بعض ما ينشر فيهما وينتقد النظام المصري، وهذا يضعف المُضي في تنفيذ ملفات صحافية ثقافية، أو التحمس لأقسام الثقافة في هذه المواقع نظرا لضعف مشاهداتها للعوامل السابق ذكرها.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33467">أن تكون صحافيا ثقافيا في زمن التارجت</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حلمي التوني… اللوحة وطناً للمقهورات والفلسطينيين</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21651</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 18 Sep 2024 07:22:39 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d9%84%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%88%d8%ad%d8%a9-%d9%88%d8%b7%d9%86%d8%a7%d9%8b-%d9%84%d9%84%d9%85%d9%82%d9%87%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عايش اجتياح بيروت ورسم في ليالي الحصار والجوع</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21651">حلمي التوني… اللوحة وطناً للمقهورات والفلسطينيين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">لأكتب هذا المقال عن حلمي التوني، الذي غادر عالمنا يوم السبت السابع من أيلول، وجدت نفسي في قلب رحلة جميلة بين لوحات رسمها الراحل الكبير ابن مدينة بني سويف المصرية على مدار عقود، بدأت من سنوات عمله نهاية الخمسينيات في دار الهلال، وامتدت بالستينيات الثرية التي أشرف فيها التوني على قسم الإخراج الفني بالمؤسسة التي أسسها جرجي زيدان في قلب القاهرة، وتولى خلال عمله مع أحمد بهاء الدين رئيس المؤسسة آنذاك مهمة تصميم ورسم لوحات المجلة وأغلفة كتبها، لتنطبع في ذاكرة كل مصري لوحات أغلفة كتب دار الهلال التي نشرت إبداعات الروائيين المصريين الكبار ممهورة بتوقيع "التوني".</p>
<p dir="rtl">حرت كما حار الكثيرون مما يودون أن يضعوا مقالاً عن التوني عقب رحيله، واستغرقتني أعماله والقراءة في مشاهد حياته، والاستماع إلى صوته متحدثاً عن أعماله، أو مُعطياً دروساً في فن التصميم، وتوقفت كثيراً عند فترة التغريبة التي عاشها لاجئاً سياسياً في بيروت، ناجياً من نظام السادات الذي رفته من عمله مديراً فنياً للتصميم وأغلفة الكتب بدار الهلال العام ١٩٧٣، فيلجأ إلى بيروت ويتخذها ملاذاً، وهناك يعايش الحرب الأهلية، وسنوات الحصار الإسرائيلي لها مكافحاً ومنخرطاً حتى رأسه في نصرة القضية الفلسطينية، يرسم لوحاته وأغلفة الكتب ببطن خاوية.</p>
<p dir="rtl"> وصف حلمي التوني نفسه بـ"اللاجيء السياسي" لأن نظام السادات أقصاه عن عمله، وغلّق أبواب الغاليريهات والمجلات بالقاهرة في وجهه، ويوسف السباعي يتهكم عليه قائلا: الشيوعيون ضحكوا عليكم" فيجمع "حلمي التوني" باليتة ألوانه ويشد الرحال إلى بيروت، وبعدها بسنوات تندلع الحرب الأهلية، ثم يأتي العدو الإسرائيلي، فلا يتوقف اللاجيء السياسي عن الرسم والإبداع في ليالي الحصار والتجويع، ولا يكف عن المقاومة بريشته ولوحاته.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Collage٢٩اد٩٥لدر٩د-3.jpg" width="800"></div>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">التوني وتاريخ الفن المملوكي والإسلامي العربي</span></strong></p>
<p dir="rtl">يقول حلمي التوني في مقال له بمجلة العربي الكويتية نشره في العدد ٢٨٤ بتاريخ الأول من يولية "تموز" عام ١٩٨٢:</p>
<p dir="rtl">"إن الحكم على التقنيات الفنية العربية التي نتجت بناءً على تأثير الحضارة العربية الإسلامية في فني التصوير والنحت، ربما يكون متسرعا، إذا أنكر صاحب الحكم أي أثر للحضارة العربية الإسلامية في هذه الفنون، وإذا كان قد انطلق من إنكاره هذا من تجاهل المخطوطات الإسلامية وتصاويرها الفائقة ذات الشخصية الفريدة والأسلوب المتميز".</p>
<p dir="rtl">وجدت نفسي أيضا أقرأ مقالات كتبها الراحل في دار الهلال أبان عمله فيها، ولحسن الحظ احتفظت أرشيفات الانترنت المختلفة بهذه المقالات، ومنها هذه السطور التي أنقلها هنا من مقال للتوني كتبه ردا على فنان لبناني يدعى فريد منصور، قال إن الفنانين العرب مارسوا فن النحت والنحت بعد احتكاكهما بالفن التشكيلي الغربي لأن الحضارة الإسلامية خلت مما يمكن تقديمه لفن النحت والرسم والتصوير على حد قوله.</p>
<p dir="rtl">في الحجج التي يوردها في معرض رده على منصور، نكتشف أي فنان تشكيلي ومصمم أغلفة كانه حلمي التوني، وبدلا من أن استفيض في شرح معارفه، سأضيف سطرا آخر من رده، إذ كتب يقول:</p>
<p dir="rtl">"أخلت حقا الحضارة الإسلامية مما يمكن تقديمه لفن النحت والرسم والتصوير، وماذا عن روائع المدرسة البغدادية الموصلية الواسطية العباسية، والمدرسة المملوكية المصرية، التي استلمت الريادة بعد انتقال مركز الحضارة الفنية الإسلامية العربية إلى القاهرة عقب تدمير بغداد عام ١٢٥٨، هل كُتب علينا تقليد الغرب في فنونه؟ وإذا نجونا من ذلك وقعنا، ولم نستطع أن ننجو من استعارة مقاييسه وتصنيفاته في الحكم على فنوننا وحضارتنا؟" </p>
<p dir="rtl">ويشير التوني إلى ما يسميه الغرب بفن "الآرابيك" وهو فن عربي خالص، يؤلفون عنه الكتب لتحليله وإدراك قيم ومواطن الجمال والسمو فيه، ولا يتوقف عن النظر إلى كنوز الحضارة الإسلامية العربية القريبة مستهجنا النظرة السهلة إلى آلاف السنين حيث الحضارة المصرية القديمة التي يسهل نقاد الفن نسبة تأثر كل الفنون المعاصرة.</p>
<p dir="rtl">مما سبق نتبين ببساطة أي فنان تشكيلي كان حلمي التوني، لم يكن فنانا عاديا يتعامل مع ألوان الزيت" و"الكانفس"، ويُجرب مزج تلك الألوان وغيرها دون سابق دراسة وتدقيق ومعرفة بما يفعل، بل كان فنانا ثقيل المعرفة، كوّن شخصيته الفنية بتثقيف ذاته عبر سنوات ودراسة إرثه الفني المصري والعربي، والنهل بصبر وأناة من كل الفنون الإسلامية والشعبية المصرية التي جعلته يعرف تاريخه كفنان وكيف يستمد من إرثه الحضاري ما يعينه على إنتاج فنا معاصرا له هوية متصلا بمن سبقوه من المدارس الفنية المملوكية المصرية، وغيرها من المدارس العربية.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"السمكة" و"الهدهد" و"الشمعة"... رموز لعوالم أسطورية</span></strong></p>
<p dir="rtl">إذا أجلنا تتبع حياته المهنية إلى جزء لاحق من هذا المقال، وبدأنا بالتأمل في لوحة "التوني" التشكيلية، وتتبع سماتها، سنجد أن أبرز ما يميزها هو العيون الواسعة لوجوه النساء، واكتظاظ اللوحة بالرموز والأكواد التي تستمد غموضها من الأساطير والتراث الشعبي المصري الشفاهي والمنصوص، مثل أن تحمل امرأة سمكة فوق رأسها، وهو الرمز الذي تكرر أكثر من مرة، سواء مع طفلة تحمل سمكة فوق راسها وعلى كتفيها علم مصر، أو امرأتين تحمل إحداهما فوق رأسها طيرا وزميلتها تحمل سمكة، وليس هذا فقط، العديد من لوحاته ترتدي فيها النساء أقراطاً من الأسماك، وتحمل أسماكا أخرى، ولوحات أخرى بها أسماك متطايرة، حول وجوه، أو رؤوس النسوة، فالسمكة عند حلمي التوني رمز مسيحي قديم استعاره من الحضارة المصرية القبطية، وحينما سؤل حلمي التوني عن دلالة رمز السمكة في لوحات معرضه الذي حمل اسم "حبيبتي السمكة" وأقامه عام ٢٠٢١ في مدينة الإسكندرية شمال مصر في غاليري "شيلتر"، ثم أعاد تنظيمه مرة أخرى عام ٢٠٢٢ في القاهرة في غاليري "بيكاسو"، أجاب: </p>
<p dir="rtl">"ترمز الشمعة إلى النور والاستنارة، وإلى البحث عن الحقيقة وسط الظلام، كما أن السمكة هى رمز قديم جدا خاصة فى المسيحية، فتم استخدامها من قبل المسيحيين حيث يتعرفوا على بعضهم دون التعرض للمضايقات أيام الاضطهاد الروماني في مصر، فكانوا يرسمون سمكة على الأرض حتى يعرف الشخص أنه مسيحي مثله.</p>
<p dir="rtl">كتب أيضا حلمي التوني مقولة عُلقت في أحد جوانب معرضه "السمكة" بالإسكندرية: بالنسبة لنا أهل الداخل البعيدين عن البحر وعن عروس البحر الإسكندرية، الإسكندرية هي سمكة فضية، وأحيانا ذهبية، في رحلتي الفنية رافقني رمزان أساسيان، الهدهد والسمكة، الهدهد رمز البشارة والبشرى، والسمكة رمز الخير والخصوبة، أي رمز المرأة، هل يمكن أن نتصور السمكة ذكرا، أبدا، فالسمكة هي الأنثى بامتياز، وبالمناسبة، فإن كثيرا من أهل الريف يسمون بناتهم بـ"بُلطية".</p>
<p dir="rtl">ويتابع: ظهرت السمكة كرمز في الكثير من لوحاتي، وتجلت في أشكال عدة، فهي أحيانا تحتضنها امرأة، وأحيانا تحملها فوق راسها، وأحيانا سمكة ذهبية تزين عنق حسناء، السمكة كما المرأة تشغل بالي ولوحاتي، وفي هذا المعرض نشاهد السمكة مع المراة دائما، فهي شقيقة وحبيبة المرأة ، فكأن لابد أن اسمي معرضي السكندري هذا بـ" حبيبتي السمكة"<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٩٣هتدل٩دتل٩ت-3.jpg" width="800"></div>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">لوحاته نوافذ مفتوحة على الحكايات الشعبية وأساطير الصعيد المصري والتراث الديني</span></strong></p>
<p dir="rtl">حلمي التوني هو فنان الرموز، فلا يمكن حينما تطالع لوحة من لوحاته، ألا أن تتأمل أسباب اختياره هذه الرموز، وهو يؤول اختياراته بنفسه، ولا يتركك تحتار كثيرا، إذ يقول: لغة الفنون هي الرموز، فحينما يرسم الفنان زهرة، فهو لا يتعامل مع علوم النبات، وعندما يرسم القمر لا يقصد علم الفلك، وكذلك حينما يرسم شمعة، فهو لا يقصد الضوء، إنما البحث عن الحقيقة، والاستنارة والتبصير، وإذا تأملنا لوحات معرضه "الشمعة والسمكة" نلحظ شيئا مهما، أن المرأة بطلة لوحته الرئيسية وليس كائنا آخر، هي من تحمل دائما الشمعة، أو شمعتين، وتتطاير حولها الأسماك، أو ترتديها كما سبق وقلت، فالمرأة والشمعة والسمكة هم سويا ثالوث مقدس في أعمال التوني، أو تحديدا في لوحات هذا المعرض، وتستدعي أفكارك أمام لوحته "النداهة" التي كانت تجوب قرى مصر تدعو الرجال إلى مصيرهم المحتوم، أو منشد يحمل ربابة، يروي الحكايات، وينقل الإرث الشفاهي من موضع لآخر.</p>
<p dir="rtl">ألوان لوحات التوني مستمدة أغلبها إن لم يكن سائرها من البيئة المصرية الصعيدية، أو البيئة العربية، الأحمر الزاهي لون القلب والدم والورود وتفاحة آدم التي نجدها أيضا ممثلة في الكثير من المواضع في لوحاته، إما في كفوف النساء، أو فوق رؤوسهن.</p>
<p dir="rtl">يستخدم التوني اللون الأصفر وهو لون سنابل القمح والصحراء المحيطة بالنيل، ويستخدم أيضا بغزارة الأخضر الطازج المبهر لون الحقول والزرع وجلباب الفلاحات اللاتي يرتدين هذا اللون دائما في لوحاته.</p>
<p dir="rtl">هناك أيضا تمائم سرية في لوحات حلمي التوني، هي مفاتيح لأسرار جلبها من أعمق أعماق تصاوير قرية تونا الجبل الفرعونية، أو من الإرث الفرعوني المصري عموما، ومزجه بالإرث الصعيدي المصري، ستجد في لوحة من لوحاته امرأة مصرية تقف مُصورة من بروفايلها الجانبي، وعلى رأسها جرة ماء تصب نهرا يتدفق خارج اللوحة، وستجد لوحة أخرى لامرأة مصرية أخرى ترتدي ملاءة لف، هي بهية تماما، بهية الفلاحة المصرية، كما رسمها التوني معبرا فيها عن تصوره لأمه التي ترملت وهي في الأربعينيات من عمرها، فآثرت أن تكرس نفسها لتربيته وشقيقيه، وهذه المرأة التي ترتدي ملاءة لف تشبه إلى حد كبير سكندريات محمود سعيد اللاتي يرتدين ملاءات لف، بل رسم حلمي التوني لوحة بها ثلاث نسوة يرتدين الملاءات اللف ويقفن كنسوة محمود سعيد في لوحته الأشهر "بنات بحري" وهو في هذه اللوحة يمارس نموذج المعارضة الفنية، أي عمل فني يتحاور مع عمل فني سبقه، ونرى في لوحة أخرى امرأة ترتدي ملاءة لف أخرى وترفع كف يدها الأيمن، فنرى قلبا أحمر يستقر في راحتها، ممتزجة بعبارة "مصر يمه يا بهية" التي كان التوني يحرص أحينا على كتابتها في بعض اللوحات، كغيرها من العبارات التي كان يُزين بها لوحاته.</p>
<p dir="rtl">تشكل النساء نسبة ٩٩٪ من شخوص لوحاته، حلمي التوني يصف نفسه دائما بأنه نصير المرأة، ونصير كل الأقليات وكل المستضعفين، لهذا يُعتبر الفنان التشكيلي الوحيد الذي كان لفنه صوتا، إما مُجسدا في عبارات يكتبها في اللوحة، أو يقدم لقاءاته تفسيرات عن أسباب رسمه وما وراءه.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">محطة بيروت... اللجوء السياسي والعداوة مع السادات والرسم تحت الاجتياح الإسرائيلي وتجربة تأسيس "السفير"</span></strong></p>
<p dir="rtl">التغريبة البيروتية، هي أثرى جزء في حياة حلمي التوني، فهي التجربة التي أضاف بها حلمي التوني للآخرين، وجعل فنه عابرا لحدوده المصرية، مؤثرا في الفن التشكيلي العربي، واضعا بصمته وإبداعه في فن تصميم الأغلفة للكتب والمجلات العربية والبيروتية، وكل هذا بدأ مع اللحظة التي قرر فيها السادات معاداة الفنانين والمثقفين المصريين، ورفتهم، حينما وصل حلمي التوني مكتبه في دار الهلال ذلك الصباح من أيام عام ١٩٧٣، وجد في انتظاره وريقة من يوسف السباعي تمنعه من ممارسة عمله في الدار التي عمل فيها أكثر قرابة العقدين، بتهمة أنه شيوعي.</p>
<p dir="rtl"> تفتح بيروت أبوابها مُرحبة بالتوني، سيستقبله في مطارها عند وصوله الفنان كميل حوا، وإلياس سحاب من النادي الثقافي العربي، وسيدعوه "سهيل إدريس" للعيش في لبنان، سيعمل في المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مع عبد الوهاب الكيالي، وهناك سيؤسس تصاميم الموسوعة السياسية له وأغلفة كتب أخرى، وشعار معرض بيروت "النادي الثقافي العربي"، سيكون التوني هو من سيطور فن تصميم أغلفة الكتب البيروتية، ويسهم في تطوير فن البوسترات "الملصقات"، سيقيم التوني عقدا كاملا في لبنان، حتى خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وسيصمد خلال الحصار مستعينا بالرسم والإبداع، على مقاومة الجوع.</p>
<p dir="rtl">صحافيا سينضم إلى فريق جريدة السفير، ويصبح من مؤسسيها، ويبتكر شعارها الأشهر "الحمامة"، عن ذلك يقول طلال سلمان، مؤسس جريدة السفير في مقال له نشره العام ٢٠١٢: جاء حلمي التوني لينقذ السفير، وينعش فلسطين.</p>
<p dir="rtl">بينما أقرأ مقال طلال سلمان عن حلمي التوني، كنت أشعر بالفخر وبقلبي يخفق، لأن حلمي التوني مصري النشأة، صعيدي المولد، كان واحدا من مؤسسي صحيفة بيروتية عريقة كالسفير، يقول سلمان:</p>
<p dir="rtl">مع أول يوم من ربيع العام ١٩٧٤، وصلتنا النجدة التي أنقذتنا من حيرتنا وترددنا حول رمز "السفير"، دخل علينا في مكتب رئاسة التحرير حلمي التوني، أردنا الاحتفال به، فقال: لننجز أولا ثم نحتفل، أخرج من حقيبته الجلدية الرقيقة صفحات مطوية فعلقها على جدار المكتب، مقدما لنا تصوره لما يفترض أن تكون عليه الصفحة الأولى من السفير، ثم وبهدوء شديد، تقدم ليلصق الشعار الذي ابتدعه، قائلا: لم أجد أفضل من الحمامة رمزا يتناسب مع الاسم.</p>
<p dir="rtl">حسب طلال سلمان، حلمي التوني هو من وصفه نفسه اللاجيء السياسي، إذ قال في اجتماعهم هذا: يمكنكم اعتباري لاجئا سياسيا، فقلد باشر السادات اضطهاد الوطنيين بعد الضربة التي وجهها إلى الجيش عبر تجميده إثر انتصاره في العبور، مما مهد لثغرة الدفرسوار.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">التوني يرسم من أجل غزة وفلسطين يوميا خلال الحرب على القطاع ويتألم للشهداء</span></strong></p>
<p dir="rtl">حمل التوني القضية الفلسطينية في قلبه، ورسم لها الكثير من اللوحات، حينما اجتاح الصهاينة بيروت العام ١٩٨٢، حوصر في بيروت الغربية دون ماء، ودون طعام، وظل مدة الحصار يرسم لوحات بالقلم الجاف، وحتى بعد عودته مصر ستظل القضية في قلبه، وفي الخامس من يولية تموز ٢٠٢٣ وضع التوني على صفحته في الفيسبوك بوستر كان قد صممه عن فلسطين، لامرأة فلسطينية ترتدي مفتاح منزلها الذي هُجرت منه، وكتب:</p>
<p dir="rtl">في هذه الأيام نعود ونقول لضمير العالم والإنسانية: إن كنت ناسي أفكرك.</p>
<p dir="rtl">وفي أكتوبر منذ اندلاع الحرب على غزة، تابع التوني ما يجري من فظائع وأهوال ويرسم للفلسطينيين اسكتشات نشرها على صفحته، وكان يذيلها بتعليقات، مثل:</p>
<p dir="rtl">إسرائيل تسعى لتعطيش شعب فلسطين والشعب يتفرج.</p>
<p dir="rtl">سوف تعود حاملة الماء و تعود أزهار فلسطين لتتفتح.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21651">حلمي التوني… اللوحة وطناً للمقهورات والفلسطينيين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«وصفوا لي الصبر»: ورشة كتابة تلفزيونية مصرية… ووجبة ثقافية دسمة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19203</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Apr 2018 13:59:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%88%d8%b5%d9%81%d9%88%d8%a7-%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a8%d8%b1-%d9%88%d8%b1%d8%b4%d8%a9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d8%aa%d9%84%d9%81%d8%b2%d9%8a%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بينما تجتهد بعض البرامج التلفزيونية المصرية المسائية (التوك شو) في استضافة كاتب مثير للجدل، في محاولة منها لجذب مشاهد غير تقليدي إلى بثها، ومحاولة منها قد تكون غير ناجحة لتقديم وجبة دسمة غير وجبة السياسة التي لم يعد في الإمكان أن يقال فيها الكثير، بل صارت وجبة مسمّمة، سواء للمذيع إذا خرج عن النص، أو [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19203">«وصفوا لي الصبر»: ورشة كتابة تلفزيونية مصرية… ووجبة ثقافية دسمة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">بينما تجتهد بعض البرامج التلفزيونية المصرية المسائية (التوك شو) في استضافة كاتب مثير للجدل، في محاولة منها لجذب مشاهد غير تقليدي إلى بثها، ومحاولة منها قد تكون غير ناجحة لتقديم وجبة دسمة غير وجبة السياسة التي لم يعد في الإمكان أن يقال فيها الكثير، بل صارت وجبة مسمّمة، سواء للمذيع إذا خرج عن النص، أو للمشاهد إذا لم يكن واعياً بما قد يتناوله من كذب وتدليس، بينما تحاول هذه البرامج أن تجد في الثقافة منقذاً وملجئاً، نجح الكاتب عمر طاهر في أن يقدم برنامجاً ثقافياً من الألف إلى الياء، برنامجاً يخاطب العقول، والقلوب المعلقة بالكتابة والأدب.</p>
<p dir="rtl">يبدو الأمر مدهشاً، كيف يقبل منتج مصري على إنتاج حلقات برنامج يستضيف كتاباً ومثقفين، بعضهم غير مشهور، والبعض الآخر بالتأكيد معروف، ليطلوا على الناس مساء كل جمعة ليتحدثوا عن موضوع يخص الكتابة، المهنة ومشقتها، القراء وسطوتهم، الكتّاب في عالمهم الثالث مقارنة بأقرانهم في العالم الأول، مشكلات الكتابة والوحي، الاستمرارية، جودريدز، وغيرها من الموضوعات شديدة الخصوصية، التي تدور كلها حولها الكتابة والإبداع.</p>
<p dir="rtl">في الثاني من مارس آذار، بدأ الكاتب عمر طاهر بث أولى حلقاته «وصفوا لي الصبر» وفي عنوان فرعي للبرنامج هو «عن الكتابة وأهلها». عرّف عمر طاهر برنامجه في مقدمة الحلقة الأولى بقوله: الكتابة أمر لا يخلو من غدر، الواحد ما بيعرفش يكتشف صعوبتها غير وهو في نص الطريق، عاوز تعرف تعبها، شوف الشخص العادي بيتعب قد إيه وهو بيقول لواحدة  ”بحبك“… وكذلك الكتابة.</p>
<p dir="rtl">يستمد البرنامج بهائه من أن أفكاره كانت دوماً حبيسة في معاناة الكُتاب، ومشكلاتهم مع الكتابة، صارت تلك المشكلات واقعاً مرئياً في هذا البرنامج، ولا أبلغ من دقة اختيار عنوان البرنامج «وصفوا لي الصبر» أحد مقاطع أغنية أم كلثوم الشهيرة، ليدل على أن محتوى البرنامج، فكل ضيف من ضيوف الحلقات الأسبوعية، سوف يصف لعمر طاهر وصفة من وصفات الكتابة، أو يقدم له حلاً، أو درساً خصوصياً كما سماه في الحلقة الأولى التي استضاف فيها الروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم، أو يحدثه عن مشكلات الكتابة عامة، أو مشكلات الكُتاب في العالم العربي عامة ومصر خاصة.</p>
<p dir="rtl">ظهر الروائي صنع الله إبراهيم في أولى حلقات البرنامج، لينكر تماماً أي وجود لما يسمى الإلهام، أو الوحي، وقال أنها بدعة، ابتدعها الكُتاب أنفسهم، ليروجوا حول أنفسهم هالة، مؤكداً أن هناك حالة من العشق لموضوع معين، أو المهنة نفسها.</p>
<p dir="rtl">شبّه صنع الله إبراهيم الكاتب بالجزمجي، الذي يحب المهنة، ويتفنن في خياطة الجلد، فعشق المهنة، عند الجزمجي، يماثله عند الكاتب. يرى صنع الله إبراهيم أن كلاهما، الكاتب والجزمجي، ينضبطان في ممارسة مهنتهما طيلة النهار، وهكذا يلتقيان بشكل ما.</p>
<p dir="rtl">بينما يناقش عمر طاهر مع ضيوفه معضلات الحذف وإعادة الكتابة، يلقي بالمقولات والنصائح أيضاً سواء في الفواصل الموسيقية، أو تلك التي تمضي بين تعليق لضيفه، وتعليق لضيف آخر.</p>
<p dir="rtl">في الحلقة الثانية، فتح عمر طاهر ملف القراء، المتسلط منهم، صاحب اليد الثقيلة في التعليق على كتابة أحد الكتّاب، تناول في تلك الحلقة الشيقة مع الإعلامي إبراهيم عيسى أنواع القراء، وصف عمر طاهر القارئ بأنه غرام الكاتب وعذابه، وأنه جاسوس يقرأ خطابات غرام الآخرين، يؤمن عمر أن القارئ بالنسبة للكاتب، مثل الصفقة لرجل الأعمال، الصفقة التي يكسبها هي التي تجعله يستمر، يناقش ما إذا كانت العلاقة بين القارئ والكاتب قد تحولت، وإن كان الأول قد صار عنيفاً، والثاني بات منسحقاً أمامه، كان من المبرر أن يستضيف إبراهيم عيسى في هذه الحلقة، نظرا لخبرة الأخير بالقارئ في مختلف خبراته التي مارسها مع الكتابة، سواء الكتابة الصحفية، أو الأدبية، كانت هذه الحلقة مشوقة أيضاً نظراً لحساسية تلك العلاقة بين الكاتب وقارئه.</p>
<p dir="rtl">في الحلقة الثالثة نجح عمر طاهر في لمس نوستالجيا عند العديد من المصريين، باستضافة الشاعر مجدي نجيب، الذي كتب عدد من الأغنيات الشهيرة التي سمعتها أجيال عديدة، وسكنت في نفوسهم، ومنها أغنية "شبابيك" التي تغنى بها المطرب محمد منير و"شد القلوع يا مراكبي"، وأغنية "كامل الأوصاف" و"قولوا لعين الشمس“. كانت الحلقة كنزاً حقيقياً، كنزاً للمشاهدين، وتكريماً للضيف الفريد، وشهدت الحلقة أيضاً إثارة موضوعات مهمة، مثل حصول المغني على كل الضوء، بينما يخبو الشاعر، كذلك تناول عمر طاهر مع مجدي نجيب فكرة استمرار أغانيه في وجدان الناس، بالمقارنة مع العديد من الأغاني الجديدة التي تنطفئ، وتُنسى.</p>
<p dir="rtl">أما الحلقة الرابعة، فتناولت موضوعاً شيقاً آخر، آلا وهو مقارنة أحوال الكاتب في عالمنا العربي، بزميله في العالم الأول، المشكلات التي يواجهها كلاهما من حيث الرقابة مع المجتمع، صراع الأفكار، قدرة كل كاتب في العالم العربي على تمرير رسائله دون الاصطدام بالمجتمع، وهو ما تجلى في الفقرة الأولى من الحلقة التي استضاف فيها الروائي المصري حمدي أبو جليل، كما استضاف في الفقرة التالية الكاتبة المصرية شيرين سامي، التي تناولت في حديثها مشكلات الكاتبة وأحوالها وتربص عائلتها بما تكتب، وخوفها من الرقابة المجتمعية والتلصص الذي يمارسه القراء على حياتها، وكانت الفقرة الثالثة من نصيب كاتب هذه السطور، التي ركزت على أوضاع الكُتاب المادية في أوروبا، وقدرتهم على الحياة فقط من دخلهم الذي يأتي من القراءات الأدبية التي يتلقى الكاتب الأوروبي مقابلاً عنها.</p>
<p dir="rtl">خلال تسجيل الحلقة مع عمر طاهر، كنت أشعر أن الفكرة جريئة، ولم أعرف كيف سيُعرض هذا الحديث، في مساحة تلفزيونية تتوجه إلى جمهور ربما لا يكون مهتما بهذا الموضوع.</p>
<p dir="rtl">كان هذا الشعور مهيمن عليّ خلال التصوير، وحينما عُرضت الحلقة شعرت أننا لا يكون بوسعنا تنفيذ مثل هذه الأفكار الجريئة انطلاقا من وتخوّفنا من استقبال الجمهور لها، بعد بث الحلقة، بالسياق الذي ظهرت فيه، شعرت أن الكتابة والأدب بحاجة لنافذة جريئة مثل نافذة برنامج «وصفوا لي الصبر» ليعرف الناس أكثر عن الكُتاب وهمومهم، وهواجسهم، ربما يكون هذا جسر وبداية تصالح بين المجتمع ومثقفيه.</p>
<p><iframe title="وصفوا لي الصبر - عمر طاهر مع صنع الله إبراهيم - حلقة الجمعة 2 مارس 2018" width="800" height="450" src="https://www.youtube.com/embed/QWe-X9zetdE?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19203">«وصفوا لي الصبر»: ورشة كتابة تلفزيونية مصرية… ووجبة ثقافية دسمة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مطاردة داوود عبد السيد في &quot;أرض الخوف&quot;.. مصر &quot;البلاغات&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19127</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 21 Feb 2018 14:07:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b7%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d9%88%d9%88%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%88%d9%81-%d9%85%d8%b5/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لا يمكن أن نصف المشهد السياسي المصري الحالي إلا بأنه مشهد من الفيلم الألماني المعروف «حياة الآخرين» (the lives of others). في الفيلم الألماني، يقرر الوزير الفاشي، القابع على رأس السلطة الديكتاتورية في ألمانيا الشرقية، أن يتجسس على أحد الكتاب المسرحيين، ليس لغرض إلا ليتأكد من ولائه للدولة الديكتاتورية، والسلطة القامعة، فيتحرك مساعد الوزير في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19127">مطاردة داوود عبد السيد في &quot;أرض الخوف&quot;.. مصر &quot;البلاغات&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>لا يمكن أن نصف المشهد السياسي المصري الحالي إلا بأنه مشهد من الفيلم الألماني المعروف «حياة الآخرين» (the lives of others).</p>
<p>في الفيلم الألماني، يقرر الوزير الفاشي، القابع على رأس السلطة الديكتاتورية في ألمانيا الشرقية، أن يتجسس على أحد الكتاب المسرحيين، ليس لغرض إلا ليتأكد من ولائه للدولة الديكتاتورية، والسلطة القامعة، فيتحرك مساعد الوزير في البوليس السري "الاشتازي" مكلفاً أحد ضباطه بالتجسس على الكاتب المسرحي، بغرز أجهزة تنصت في كافة أرجاء منزل الكاتب، ليحصوا أنفاسه، وأنفاس حبيبته، وليتجسسوا على تحركات كل زملائه الكتّاب المناهضين للسلطة الغاشمة، القامعة، التي حولت ألمانيا الشرقية إلى سجن.</p>
<p>في مصر، شارك المخرج المصري المعروف، داوود عبد السيد، في مؤتمر صحفي عقدته قيادات الحركة الوطنية الديموقراطية نهاية الشهر الماضي كانون الثاني، دعا فيه إلى مقاطعة الانتخابات، مؤيداً دعوة المشاركين في مؤتمر الحركة الوطنية، وعلى رأسهم حمدين صباحي، القطب الناصري المصري، والمرشح الرئاسي السابق أمام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بانتخابات 2014، ولم تمر بضعة أيام على عقد المؤتمر، الذي أغضب رأس النظام، حتى انهالت البلاغات ضد المشاركين فيه، تطالب بمنعهم من السفر، أو التحقيق معهم والاتهامات جاهزة وممتدة: التحريض على قلب نظام الحكم، أو تهديد الدولة.</p>
<p>لم يكن هذا التطور الوحيد في المشهد السياسي المصري، إنما تزامن معه تطور آخر، على المشهد الإبداعي والفني جعلهما يرتبطان على نحو ما، إذ عقدت لجنة الدراما، المنبثقة من المجلس الأعلى للإعلام -هيئة مصرية يترأسها نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد- عقدت اجتماعها برئاسة المخرج محمد فاضل، وقررت فرض عدة موضوعات على كُتاب الدراما ليختاروا من بينها الأنسب لتقديمه للمشاهد المصري، وتطايرت تصريحات نقلها كتاب الدراما الغاضبين من فاضل، أنه ينوي أن يحدد لهم ما يكتبونه، وما لا يتطرقون إليه في أعمالهم المرتقبة، بما يشبه الوصاية على أعمالهم.</p>
<p>أضاف الأمران -البلاغ ضد داوود ووصاية لجنة الدراما- قتامة على المشهد الإبداعي المصري، والسياسي أيضاً، وجعلتاه مناسباً لفيلم "داوود" المعروف، بأن البلاد تحولت إلى "أرض الخوف"، فالرد على حق قامة إبداعية شاهقة مثل داوود في مقاطعة الانتخابات وهو فعل سياسي له كامل الحق فيه، بتوجيه اتهامات ضده بل وفتح التحقيق فيها، يشي بالتحول الخطير الذي تنتهجه السلطة في مصر، في مواجهة كل من يعلن أنه ليس في صفها، متناسية منجزه الفني الشاهق، وعلى الرغم أن البعض قد يظن أننا أصحاب الوصف بأن مصر تحولت أشبه بقطعة من فيلم «حياة الآخرين»، فأنه سيجد بقليل من البحث، أن جبهة الإبداع المصري، هي التي وصفت ممارسات النظام المصري ممثلا في "لجنة الدراما المنبثقة من المجلس الأعلى للإعلام" بأنها تشبه ممارسات وزير الدعاية النازي "جوبلز" إذ قالت جبهة الإبداع في بيان لها رداً على رغبة فاضل بتأميم الدراما: “لا نستطيع أن نجد مثالاً واحداً في التاريخ لقيام مؤسسة من مؤسسات الدولة بدور مماثل إلا في ألمانيا النازية في عهد هتلر ووزير دعايته جوبلز الشهير واستديوهات أوفا التي كانت تنتج المواضيع والرسائل التي يوافق عليها ويشجعها جوبلز .. هل تلك هي الصورة التي نرغب في أن يكون عليها المشهد الفني في مصر؟ فن تحت الوصاية؟ فن مدجن؟!.. أستاذنا الفاضل محمد فاضل.. فن تحت الوصاية لم يكن لينتج أعمالك الرائدة ولهذا فإن الواقفون على رصيف فيلا أبو الغار يدعونك للعودة لصفوفهم و الوقوف معهم.. حتى لا تضطر الدراما المصرية إلى رفع الراية البيضاء أمام الدراما العربية وحتى لا تصبح الريادة التي نتشدق بها هي وهم لا يصدقه غيرنا”.</p>
<p>وداوود عبد السيد بدأ حياته مساعداً للمخرج يوسف شاهين في فيلمه «الأرض»، و«الرجل الذي فقد ظله» لكمال الشيخ، قبل أن ينطلق ليصنع أفلاماً تسجيلية في شوارع القاهرة، أهمها «وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم» ثم اشتهر داوود عبد السيد بفيلمه «الكيت كات» المأخوذ عن رواية الروائي الكبير الراحل إبراهيم أصلان «مالك الحزين»، وفي عام 2000 كتب وأخرج فيلمه «أرض الخوف».</p>
<p>تحول فيلم <a href="https://www.youtube.com/watch?v=ItgyweumxGY" target="_blank" rel="noopener">«أرض الخوف»</a> إلى أيقونة وسط أعمال داوود عبد السيد، إذ تدور قصة الفيلم حول ضابط شرطة يدعى يحي منقباوي، يكلفه رؤساؤه بوزارة الداخلية بمهمة أبدية، وهي أن يكون عينهم وسط تجار المخدرات، وأن يتحول شيئاً فشيئاً إلى تاجر كبير، عدو للشرطة مثل التجار الخطيرين، ويتماهى معهم تماماً، على أن يحمي نفسه بنفسه، من ملاحقات الشرطة المتوقعة، يتحول ضابط شرطة إلى مجرم بقرار من رؤسائه، وهي كانت الفرضية الذكية التي بنى عليها داوود فيلمه، فيعيش بطله عذاب الازدواجية التي يحياها، ممزقا بين حياتين، حياة الفساد، وحياة الشرطي السري القابع داخله، يتحول يحيى إلى مجرم عتيد، ذي هيبة، خاصة حينما يقتل أحد عتاه تجار الصنف، وعلى الرغم أنه يستمر في إرسال التقارير إلى رؤسائه، الذين يحضر جنازة بعضهم، ،هم الشهود على مهمته السرية، فكأنهم يصطحبون سره معهم إلى قبورهم، يرقب يحيى حياته الحقيقية وهي تدفن، أسفل ركام شخصيته الوليدة، المجرم العتيد، وتكتمل عبثية الفيلم، بما يليق بعبثية ما يحدث في مصر، حينما يتكشّف للمجرم/الضابط سابقاً، أن تقاريره لم تكن تصل عبر عقود إلا إلى ساعي بريد.</p>
<p>إنها العبثية المصرية في أبهى صورها، تجسدها رغبة النظام اليوم في حصار مبدعيه، وفرض إملاءاته على إبداعهم، بل ومطاردتهم بالبلاغات، لكف ألسنتهم عن انتقاده، إنها أرض الخوف.<br />
 </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19127">مطاردة داوود عبد السيد في &quot;أرض الخوف&quot;.. مصر &quot;البلاغات&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>معرض القاهرة الدولي للكتاب.. الفخامة للأزهر والخيام للناشرين</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19101</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 06 Feb 2018 15:18:00 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[متابعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a-%d9%84%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%84%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>انطلقت فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم السبت الماضي 27 يناير كانون الثاني، وتستمر فعالياته حتى العاشر من فبراير الجاري، وسط زخم هائل من الأنشطة والفعاليات التي تنظمها هيئة الكتاب المصرية، تتنوع بين أمسيات شعرية، وندوات لمناقشة الكتب، وفعاليات موائد مستديرة لمناقشة موضوعات متعلقة بالنشر، وسوق الكتاب، والكتاب الإلكتروني، وكذلك أندية الكتب في القاهرة، ووسط [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19101">معرض القاهرة الدولي للكتاب.. الفخامة للأزهر والخيام للناشرين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>انطلقت فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم السبت الماضي 27 يناير  كانون الثاني، وتستمر فعالياته حتى العاشر من فبراير الجاري، وسط زخم هائل من الأنشطة والفعاليات التي تنظمها هيئة الكتاب المصرية، تتنوع بين أمسيات شعرية، وندوات لمناقشة الكتب، وفعاليات موائد مستديرة لمناقشة موضوعات متعلقة بالنشر، وسوق الكتاب، والكتاب الإلكتروني، وكذلك أندية الكتب في القاهرة، ووسط كل ذلك، تميز المعرض هذا العام بمشاركة قوية وغير مسبوقة لمشيخة الأزهر الشريف، التي أنشأت الدولة لها مبنى ضخماً، ليحتوي قاعاتها، وزُيّنت جدرانه من الخارج بالنقوش الإسلامية التي أخذت الأشكال الهندسية والزخرفية المعروفة، فيما لم يتغير حال الناشرين المصريين الذين خصصت لهم هيئة الكتاب وأرض المعارض ككل عام، خياماً رثة، وبائسة، لتحتوي أجنحتهم وكتبهم.</p>
<p>داخل جناح مشيخة الأزهر الشريف، قسّم مسؤولو الجناح المكان إلى قاعات مخصصة لمركز الأزهر للترجمة، وقطاع المعاهد الأزهرية، وقاعة ثالثة بعنوان "2018 عام القدس" وقاعة رابعة خصصوها لمكتبة الأزهر، حوت كتباً قديمة مخصصة للعرض فقط، تفوح منها روائح الطابع الأثري الذي يمثل المخطوطات المهمة، كما حوى الجناح قاعة للندوات، وقاعة لمنشورات المشيخة المخصصة للأطفال مثل مجلة نور، ومجلة الأزهر، والرابطة العالمية وخلافه.</p>
<p>ناشر بلا كتب، يُخصص له أفخم دور النشر، وناشرون بأعمال قيمة ومهمة، يغرقون في وحل الأمطار، داخل خيام رثة بالية، أو أكشاك صدئة حديدية، وربما ما يجسد معاناة الناشرين مع هذه الخيام الرثة والبالية، تعرضهم هذا العام، للواقعة التي يشهدها معرض الكتاب كل عام، وهي هطول الأمطار الغزيرة، وإغراقها لكتب الناشرين المكدسة في أجنحتهم، أسفل هذه الخيام، تكررت الواقعة هذا العام، وكأنها تحدث للمرة الأولى، واستقبل الناشرون الواقعة بنفس مشاعر الغضب التي يستقبلونها كل عام، العجيب هنا أن ردود الأفعال لا تخرج عما يبديه مسؤولو هيئة الكتاب، وأرض المعارض كل عام، المزيد من الوعود مثل كل عام بتعويض المتضررين. لماذا لا تُحل المشاكل من جذورها..؟ لماذا لا يُوضع الناشرون في أماكن آدمية تليق بصناعة النشر وبيع الكتب في مصر؟ لماذا يتم تخصيص الخيام الرثة البالية للناشرين، والقراء، وتخصيص الأجنحة المبنية بالأسمنت والحجارة والمزخرفة بالنقوش الإسلامية الهندسية والمطلية بأروع الألوان "السايبس" أو "اليوتن" لمشيخة الأزهر وحدها، ولأجنحة السعودية الهائلة، التي تزينها صورة الملك سلمان الضخمة..؟</p>
<p>وربما استرعى انتباه شعار المعرض "القوى الناعمة.. كيف..؟ وهو السؤال الذى بدا مقلوبا، حيث خصص منظمو المعرض محاور للغناء والفن تزامنت مع تولي أول سيدة منصب وزارة الثقافة في مصر، وندوات حضرها محمود الخطيب رئيس النادي الأهلي المصري، الذي قال أن الرياضة المصرية هي إحدى عناصر القوى الناعمة، بدا الشعار تائهاً، وسط مسيرات الإنشاد الديني التي نظمها طلاب المعاهد الأزهرية، وكذلك استضافة المنشدين الدينيين المشهورين، في محاولة لإضفاء طابع "المولد" على فعاليات ثقافية المفترض أنها مخصصة لدفع حركة النشر في القاهرة إلى الأمام، بعد ارتفاع مباغت لخامات الورق، ومواد الطباعة إثر تحرير سعر صرف الجنيه المصري نوفمبر 2016.</p>
<p>كل شيء في المعرض هذا العام ربما يكون مُعاداً، لكن مع بعض اللمسات التي أضفت تجديداً على طابع الأنشطة، ومن ذلك تخصيص مسرح مكشوف للأعمال الفنية، يستضيف فقرات غنائية لفرق كورال الأطفال يستعرضون فيها مواهبهم النامية الصغيرة، ذلك أحد الملامح المشجعة في دورة هذا العام، التاسعة والأربعين، ملمح آخر من الملامح المثيرة للأمل في تحديث المعرض وتخطيه عوائق البدائية والفوضى، أن هيئة الكتاب تطبع منشوراً يوميا بخارطة نشاطها الكبير، يتضمن كافة المعلومات مقسمة بالساعات، وهو ما يفوّت الفرص على أي تائه ويمنحه إرشادات مكتوبة ليجد بغيته بسهولة، وسط الكم الهائل من الزحام، والنشاط الكبير الذي تنظمه دور النشر الخاصة، لكُتابها.</p>
<p>على صعيد ضيف الشرف، استضافت اللجنة المنظمة لمعرض الكتاب في دورته الحالية، دولة الجزائر الشقيق، ليكون ضيف شرف المعرض، الاستضافة جاءت للوجوه الرسمية المعروفة في الجزائر، برز منها اسم الروائي الجزائري واسيني الأعرج، وغابت كالعادة الأسماء الجزائرية الشابة، وخصصت إحدى دور النشر المصرية الخاصة وتدعى "تشكيل" برنامجا لشعراء جزائريين شبان، تحدثت منهم الشاعرة حليمة قطاي لـ "رمّان" مشيرة إلى أنها جاءت على نفقة الناشر المصري سيد شعبان، مدير دار تشكيل، الذي تكفل بأمور سفرها، وإقامتها بالقاهرة، وكذلك هو صاحب برنامج أمسيتها في القاهرة، التي تضمنت مشاركة في معرض الكتاب، ومشاركة بأمسية أخرى في متحف أحمد شوقي "كرمة ابن هانئ“.</p>
<p>"رمان" تواصلت مع سيد شعبان، الذي تحدث عن جهوده المستقلة لاستقدام شعراء جزائريين شبان، على هامش معرض الكتاب، مؤكداً أنه يعزف منفرداً بعيداً عن وزارة الثقافة المصرية.</p>
<p>اللافت في البرنامج الثقافي لضيف الشرف، المخصص للجزائر، أن الندوات مخصصة لموضوعات من قبيل: الكتابة النسوية في الجزائر، إشكالية الرواية التاريخية، دور الجزائريين في حركات التحرر خلال القرنين 19 و20، وتبادل الخبرات مع الناشرين الجزائريين، بينما غاب عن فعالية ضيف الشرف أسباب احتفاء مصر بالجزائر غير المعلنة، فوسط ترجيحات أن الأسباب تتمثل في تدخل الجزائر لإنقاذ مصر من أزمة البترول التي سببها قطع أرامكو السعودية الشحنة المقررة عام 2016، فأرسلت الجزائر 30 ألف طن سولار بعد قطع البترول السعودي، وغضب المملكة على مصر بسبب موقفها من سوريا،  كما ساعدت الجزائر مصر عام 2014 بشحنات من الغاز المسال، كل هذه الأسباب ظلت خفية عن أسباب حلول الجزائر ضيف شرف المعرض، وتاهت بين ندوات عناوينها غامضة، تخلو من  أية إشارة للتقارب السياسي بين البلدين، باستثناء ندوة تحدد موعدها بالسابع من فبراير، حملت عنوان: مصر والجزائر وتاريخ غير كروي" أي أن الكلام سيكون بصيغة الماضي ، لكن هذا لا يمنع، أن القائمين على المعرض بينما يبنون أجنحة فاخرة للسعودية والأزهر في قلب المعرض، يديرون ظهورهم للحليف الأفريقي الذي يتدخل كل مرة لإنقاذ مصر من غدر الصحراء.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="312" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/27653309_10156213266093593_1623161507_o_Fotor-1.jpg" width="1000"></div>
<p> </p></div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19101">معرض القاهرة الدولي للكتاب.. الفخامة للأزهر والخيام للناشرين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-23 21:34:42 by W3 Total Cache
-->