صنع الله إبراهيم يصعد مرة أخرى إلى الطابق السابع

SONALLAH IBRAHIM - PHOTO PHOTO BY ALY HAZZAA AFP, modified

وجدي الكومي

صحافي وروائي مصري

لقد جاءت لحظة موت صنع الله إبراهيم في مناسبة تتكرر فيها إبادة فلسطيني قطاع غزة بنفس الكيفية التي حكى بها صنع الله آنذاك، لحظة رفضه الجائزة، أي منذ خمسة وعشرون عاما، حافظ صنع الله على نفسه منزها من أموال سلطة لا ترى في المثقفين سوى ورود تضعهم فوق جاكت القاعد على مقعد الحكم،

للكاتب/ة

لهذا كان حجم الرواية ضخما، وأحيانا ما كنت أسترسل كقارئ في قراءة هذه المقتطفات والأخبار، كأني في جولة متحفية في متحف الثمانينيات والتسعينات، مغادرا نص الرواية ذاتها.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

15/08/2025

تصوير: اسماء الغول

وجدي الكومي

صحافي وروائي مصري

وجدي الكومي

في العام ٢٠٠٧ بحثت عن رقم تليفون صنع الله إبراهيم بطريقة شديدة الإضحاك والعبثية، فالرجل لم يمتلك أبدا هاتفا محمولا آنذاك، وحينما سألت عنه بعض أصدقائي في الجماعة الثقافية المصرية كيف أصل إليه لأمنحه مخطوط رواية انتهيت من كتابتها، قال لي أحدهم: ابحث عنه في دليل التليفون.

دليل التليفون ذاك هو عبارة عن كتاب ضخم الصفحات، أشبه بكتب إعلانات الشركات التي كانت تنشرها بمسمى "yello pages" -أجد نفسي بالطبع مضطرا لشرحه لأنه لم يعد موجودا واندثر- وكان يحوي كل أرقام تليفونات المصريين المنزلية، كان موجودا في كل بيت تقريبا مثل هذا الدليل الضخم، لكنه بدأ يختفي تدريجيا بعدما ظهرت التليفونات المحمولة وبدأنا نستخدمها منذ العام ٢٠٠٠ بكثرة، حينما قال لي أحدهم ابحث عنه في دليل التليفون، قلت: هل من المعقول أن أجد رقم هاتفه مدونا في الدليل المطبوع؟

اشتهر صنع الله إبراهيم فجأة بواقعة سياسية ثقافية في العام ٢٠٠٣، أضافت طبقة جديدة على شهرته ومكانته الأدبية الراسخة منذ سنوات الستينيات، بالتأكيد صنع الله إبراهيم هو القامة الأدبية المصرية الأشهر قبل سنين من واقعة رفض جائزة ملتقى الرواية العربية ، أيضا ختم تنكيل جمال عبد الناصر به شهرته بخاتم الشاب الذي دخل سجون عبد الناصر، وخرج منه أديبا عملاقا، بعمل ترك علامة في أدب السجون، وهو "يوميات الواحات" الذي نشره بعد عقود من الخروج من السجن.

لكن في عهد مبارك كان ثمة خفوت عجيب ومحبوك بخبث حول صنع الله إبراهيم، كان خارج أي احتفاء أو تقدير، كان بالطبع معروفا عنه بجانب أنه كاتب، رفضه عموما لنظامي السادات ومبارك، وكذلك كان عضوا في حركة كفاية "الحركة المصرية من أجل التغيير" التي تأسست عام ٢٠٠٤، لرفض التمديد لحسني مبارك لولاية رئاسية خامسة.

جاءت محاولتي للاتصال به بعد سنوات أيضا من رفضه المدوي والأشهر لجائزة ملتقى الرواية العربية، كان ملء السمع والبصر بأنه صفع الدولة المصرية على وجهها علنا ورفض جائزتها في محفل ثقافي كبير، صار صنع الله إبراهيم منذ العام ٢٠٠٣ بطلنا بلا منازع، وصرنا أتباعه وتلاميذ مدرسته في الأدب والمعارضة السياسية ورؤية الأمور بشكل مغاير منذ لحظة رفضه تلك للجائزة، للمرة الأولى تشكل وعيي ووعي آخرين على معنى "رفض جائزة تمنحها الدولة المصرية" وقوة كلمة الـ "لا" في وجه الانصياع والخنوع لسياسات نظام يطارد المثقفين ويهمشهم أو يقصيهم، لكنه يستدعيهم ليمنحهم فتاتا من أجل اكتساب شرعية مزيفة بتقدير الثقافة والأدب والحركة الثقافية.

 

 

لقد تظاهر نظام مبارك بتقدير الثقافة، بعقد لقاءات مع المثقفين في افتتاح كل معرض كتاب، إلى أن توقف فجأة عن لقائهم، بعدما ضجر منهم، وأهان واحدا منهم، وكنت أنا صاحب هذه السطور من كتب مقالا في العام ٢٠١٠ عن انقطاع مبارك عن لقاء المثقفين، ثم لقائه المباغت بهم فجأة قبل شهور قليلة من ثورة يناير، وكانت سوزان مبارك قرينته، تنطبع صورتها في ظهر كل كتاب من كتب مشروع "مكتبة الأسرة" كما لو كانت عائلة مبارك تذلنا بأدائها دور أي نظام منوط به حكم الدولة، بإتاحة الكتب والثقافة بشكل عادل وأسعار عادلة لكل مواطني الدولة، حُذفت صورة سوزان مبارك من أغلفة الكتب بعد ثورة يناير ٢٠١١، ورفض صنع الله إبراهيم الجائزة بشكل مدوي عام ٢٠٠٣، وجئت أنا العام ٢٠٠٧ لأتصل به كي أطلب منه قراءة مخطوط روايتي الأولى، ففوجئت أن وجدت اسمه ورقم هاتفه المنزلي مدونا في دفتر دليل التليفونات، لم تحذف وزارة الاتصالات آنذاك رقم هاتفه آنذاك من سجلاتها المطبوعة، وجاء صوت أستاذ صنع الله مخاطبا أذني بصوت هادئ عبر الأسلاك، فقلت مترددا: 

أستاذ صنع الله ..صنع الله إبراهيم؟

فأجاب بحيادية: 

أيوا..

فقلت متلجلجا وقلبي يختلج:

أستاذ صنع ..اللجنة وذات..ووردة..

فقال بهدوء ولكن بنبرة متعجلة:

أيوا يا حبيبي..أنا هو..

قلت بعد فرحة مباغتة:

أستاذ صنع الله أنا مش مصدق إني بسمع صوتك..

قال لي:

شكرا يا حبيبي..تؤمر بإيه..؟

قلت بعد برهة كما لو كنت نسيت سبب اتصالي به:

أنا يا أستاذنا كتبت رواية..مخطوطة لم تزل..لا أعرف هل هي جيدة أم لا..هل لديك وقت لقراءتها؟

قال لي فجأة:

طبعا..معاك ورقة وقلم.. أرسلها لي بالريد.. وأملاني رقما بريديا، وشفع جملته بكلمة : مكتب بريد هليوبوليس. مصر الجديدة.

وأرسلت له المخطوط، وكنت لم أزل أعمل في مجال السياحة، فسافرت إلى البحر الأحمر، مقر عملي، وغبت في عملي شهر، ونسيت أنني أرسلت له الرواية، وكنت لم أبن توقعات عظيمة، لم أتخيل مثلا أنه سيقرأها، أو أن الرواية ستعجبه، أو أي شيء من هذا القبيل، ولكنني بعد هذا الشهر، عدت إلى القاهرة، وكنت لم أزل خجلا أن أهاتفه لأعرف رأيه، لكنني استجمعت نفسي وهاتفته، فجاء صوته مرحبا قائلا:

أنت فين يا أستاذ..أنت كاتب رواية جميلة قوي..

لم أصدق سمعي، وقلت وقلبي يخفق:

حقا يا أستاذ صنع الله..حقا..؟

قال بحماس:

طبعا..ويجب أن أراك..أريد أن أعرفك..

وعليه دعاني إلى منزله، وذهبت بخطى محتارة، شديد الحماس لرؤيته بصرف النظر عن كوني أبدأ طريق الكتابة، واستقبلني في بيته بمصر الجديدة.

 كانت البناية الشاهقة التي سكنها آنذاك ـفيما بعد هجرها وسكن في حي المقطم، وشقته في الطابق السادس منها، أول ملحوظة طرقت عقلي وأنا أصعد السلالم، كيف يعيش الكاتب الكبير المسن في بناية شاهقة دون مصعد، وكم مرة يصعد هذا الدرج بعد رحلة ابتياعه احتياجاته، وكيف يحملها صعودا إذا لم يجد من يساعده في حملها؟

ما أن وصلت شقته، وقبل أن أطرق الباب، تأملت برهبة بوستر صغيرا أصفر اللون لحركة كفاية، ارتجفت قليلا، وأنا أعرف أن صنع الله معارض من معارضي نظام مبارك، لم يكتف برفض الجائزة، بل هو أحد المثقفين الأساسيين في الحركة الوطنية من أجل التغيير (كفاية) المشهورة بكونها تعارض تمديد حسني مبارك سلطته وفترة حكمه لفترة رئاسية خامسة، كنا على مبعدة أربع سنوات من اندلاع ثورة يناير، ولكن هذا لا يعني أننا على مبعدة من البطش.

سألت نفسي: هل ثمة من يراقب زوار صنع الله إبراهيم..؟ هل أدخل شقته وأخرج لأجد من يحقق معي عن لقائي به؟

الحقيقة إن مقارنة بسيطة بين مشاعرنا وخوفنا من السلطة أيام مبارك، وهذه الأيام التي يعيشها المصريون في رعب حقيقي من أي إيماءة أو كلمة على مواقع التواصل الاجتماعي، تجعل الكفة تطب فورا لصالح مبارك، وصارت عبارة: "ولا يوم من أيام بطش مبارك بالمصريين" تتردد كثيرا هذه الأيام.

منذ اللحظة التي ولجت فيها منزله، استقبلني وزوجته بترحاب، وأشار لي لأجلس حيثما أرتاح، لم أكن أصدق نفسي أنني هنا، في شقته، وبهوها الذي نصب فيه خيمة، وعلق فيها أوراقا ووثائق عديدة، ليكتب روايته "وردة" عن ثورة ظفار في سلطنة عُمان، صور الخيمة التي نصبها صنع الله في هذه الصالة حيث جلست آنذاك كانت منشورة في أخبار الأدب، وصورته داخل الخيمة التي نصبها داخل صالة منزله، أدهشتني، وأصابتني بالذهول، وجعلتني أقول لنفسي: أهكذا تكون كتابة الرواية..؟ يا الله..؟

ومن وقتها صرت أقول لنفسي: هناك ألف طريقة لكتابة الرواية ..لكن أهمها طريقة صنع الله إبراهيم.

تسارعت كلمات الاحتفاء به وبمقابلته شخصيا على لساني، وزاحمت كلمات سعادتي بدعوته شخصيا للقاء، وظل هو يستمع لي بود وابتسام، ثم قال: 

أنت كاتب رواية جميلة..هتنشرها فين..؟

ولم أدر كيف لم تخطر على بالي فكرة نشر الرواية بينما أرسلها له بالبريد، بل لم تخطر على بالي أبدا، كنت أرسلها له فقط لأعرف رأيه في كتابتي، لكنني لم أكن أفكر أبعد من التقدم بها لجائزة، وإذا فازت تتولى مؤسسة من مؤسسات النشر الحكومية مهمة النشر، قال لي مرة أخرى دون انتظار إجابتي:

هذه الرواية يجب أن تُنشر..وبسرعة.

مرة أخرى عاد قلبي للاختلاج، وقلت له:

 سمعت أن هناك ناشرة تسمى فاطمة البودي، تنشر للكُتاب الشبان أمثالي، وتعطيهم ألف جنيه..

فقال لي بسرعة: 

حقا..الدكتورة فاطمة تفعل ذلك..هيا نكلمها..

وبالفعل، رفع سماعة هاتفه المنزلي ..ذاك المدون رقمه في دفتر الدليل الحكومي، حانت مني نظرة لجهاز تليفونه "العدة" كما نقول في مصر لوصف أجهزة التليفون المنزلية، وفي نفس اليوم كنت أجلس أمام ناشرتي الحالية الدكتورة فاطمة البودي مؤسسة دار العين للنشر، موقعا معها عقد روايتي الأولى، "شديد البرودة ليلا".

صنع الله إبراهيم وكتابة الوثيقة: متحف من إعلانات الصحف وأخبارها داخل رواية "ذات"

كان صنع الله إبراهيم منذ البداية مغرما بتزويد كتبه بالوثائق، الأقاصيص الصحافية التي تعكس حالة المجتمع، أنباء صحفية قصيرة اكتظت بها رواية "ذات" مثلا التي عكست انحطاط المجتمع المصري خلال السبعينيات وبداية الثمانينيات، صدرت ذات عام ١٩٩٢، وتتناول حياة مواطنين ينتميان إلى الطبقة الوسطى، عبد المجيد وزوجته ذات، وتظهر في الصفحات بين السرد مقاطع من الأخبار، سواء تلك الأخبار المنشورة في الصحافة الورقية، أو تلك التي تُبث في الراديو، من قبيل: "جريدة الأخبار القاهرية: إنقاذ مصر من أزمتها الاقتصادية يتحقق عند صحوة الضمير"

أو من قبيل أخبار لشيوخ إسلاميين ظهروا في المشهد الاجتماعي المصري منذ السبعينيات كهذا الخبر: الشيخ الشعراوي: "إذا رأينا مثًلا عمارة تُِدر دخلا كبيرا، فعلينا ألا نحسد صاحبها بل ندعو له بالبركة في الحلال من المال، لأنه لم يستغل أحدا، لأنه أنفق ثمنها كغذاء في بطون أفقر العاملين، وكساء على جسد أفقر العاملين".

أو نرى مثلا تعليقات منه متخللة بين السرد عن عمليات الاتجار بالدين التي تمثلت في مثلا " الشيخ الشعراوي يحذر المساهمين في بنك فيصل الإسلامي من أعداء الإسلام الذين يحاولون هدم البنك.

أو يعكس مقتطفات مما كانت تنشره الصحف آنذاك عن وقائع تعذيب المصريين بواسطة الأمن، كهذا المقتطف: 

"في ١٢/١١/٨٤ قبض على ابني وصدر الأمر بحبسه لأنه لا يحمل بطاقة هوية، ومع استمرار حبسه ٧ أيام استمر الضابط الذي اعتقله في تعذيبه بكل صنوف التعذيب من ضرب بالكراسي على أم رأسه، إلى إطفاء السجائر في جسده النحيل حتى لقي حتفه بنزيف داخلي صباح ١٩/١١/٨٤، وفي اليوم التالي أخفوا جثته، ولا أعرف مكانها حتى الآن، وحسبي الله ونعم الوكيل. مصطفى بلتاجي." 

لهذا كان حجم الرواية ضخما، وأحيانا ما كنت أسترسل كقارئ في قراءة هذه المقتطفات والأخبار، كأني في جولة متحفية في متحف الثمانينيات والتسعينات، مغادرا نص الرواية ذاتها.

الأب في حياة صنع الله إبراهيم

يصف صنع الله أباه بقوله: كان حكَّاءً عظيمًا، يُتقِن سبك حكاياته ونوادره المختلفة، النابعة من تجاربه أو قراءاته، بحيث يستولي على مستمعيه. وكدتُ أُصبِح المستمع الوحيد في السنوات الأخيرة من عمره؛ فقد كان على مشارف الستين عندما أنجبَني من زوجةٍ ثانية. وخلَق بيننا تقدُّمه في السن -واختفاء أمي المبكِّر- العلاقة الحميمة التي تنشأ عادةً بين الجد والحفيد. كنا نلعب معًا النرد والورق، وأُشارِكه مزَّة البيرة التي يُحبُّها ويشربها مرةً في الشهر، ثم كان هو الذي شجَّعني على القراءة. وما زلتُ أذكُر الليلة التي عاد فيها إلى المنزل حاملًا ربطةً كبيرة من «روايات الجيب» المستعمَلَة المتنوِّعة. وعندما دخلتُ طَور المراهقة كان هو الوحيد الذي لجأتُ إليه فجمعتُ مجموعةً من الكتابات عن الممارسات الطبيعية لتلك المرحلة، قدَّمتُها إليه ليقرأها ويُسديني النصيحة. وكانت هذه الكتابات تُحيط هذه الممارسات بإطارٍ من الترويع والجهل، فيما عدا مقالًا في مجلةٍ جديدةٍ اسمها «الطب النفسي» أصدرها ممارس للتنويم المغناطيسي يُدعى الدكتور محب، حقَّق شهرةً كبيرة في تلك الفترة، ونسَب لنفسه نجاحاتٍ عديدة، أهمها استعادة ساعة مصطفى أمين الضائعة. تعرَّض المقال للأوهام المنتشرة بشأن «العادة السرية»، ونفى أية أضرارٍ لها، وهاجم دعاة العفَّة المطلقة قائلًا: إن الكف عن استعمال أية عضلة في الجسم يؤدِّي إلى ضمورها! قرأ أبي هذا المقال باهتمامٍ لكنه ظل حائرًا، وحاول أن يدفعَني إلى الصلاة، ثم أخذني إلى صيدليٍّ صديق له شاركَه الحَيرة ونصح بإعطائي بعض الفيتامينات.

موقف صنع الله إبراهيم تجاه القضية الفلسطينية

ويمكن لمن يرغب أن يقرأ ما كتبه صنع الله نفسه عن أبيه، وكذلك عن سنوات ممارسة السياسة، حتى دخوله السجن، وخروجه منه، أن يعود لموقع كتبه المنشورة بشكل مجاني في مؤسسة هنداوي، لقد كان صنع الله إبراهيم شيوعيا، وكاتبا متقشفا، رفض جائزة، وصفها بأنها "يمنحها نظام يقمع شعبه، ويسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر بينما تجتاح القوات الإسرائيلية، ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتنفذ بدقة منهجية واضحة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان".

لقد جاءت لحظة موت صنع الله إبراهيم في مناسبة تتكرر فيها إبادة فلسطيني قطاع غزة بنفس الكيفية التي حكى بها صنع الله آنذاك، لحظة رفضه الجائزة، أي منذ خمسة وعشرون عاما، حافظ صنع الله على نفسه منزها من أموال سلطة لا ترى في المثقفين سوى ورود تضعهم فوق جاكت القاعد على مقعد الحكم، كي تزين نفسها وممارساتها المنحطة في التصالح والمهادنة مع الكيان المحتل بدعوى الحفاظ على السلام الدافئ.

فوز صنع الله بجائزة ابن رشد 

نال صنع الله إبراهيم في العام ٢٠٠٤ جائزة مؤسسة ابن رشد الألمانية للفكر الحر، التي جاءت تقديرا منها لصلابته وانتصاره للحرية وقيمها في مصر والوطن العربي.

قال صنع الله في كلمته خلال حفل الجائزة هذه الكلمة: 

"تعوزني الكلمات التي أعبر بها عن سعادتي بهذا التكريم الذي يستمد قيمته من استقلال هيئتكم عن المؤسسات الرسمية  ومن الاسم الذي تحمله. فليس ابن رشد عقلا فذا وحسب ولكنه من أوائل من جعلوا قيمة لحرية الفكر ولالتزام المثقف. 

وكنت عندما بلغني النبأ في المرحلة الأخيرة من العمل على كتاب يتضمن شيئا من السيرة الذاتية عماده هو ما كتبته في السجن، منذ أكثر من أربعين عاما، عندما  قررت أن أكون كاتبا.

فقد سجلت على ورق السجائر الخفيف، ابتداء من أبريل 1962 و حتى أبريل 1964، الأسئلة التي اعترضتني حينئذ ، وهي التي تعرض للكاتب عادة في بداية عمله وتستمر معه -في الواقع- طيلة العمر. دونت خواطري ومشروعات القصص التي أنوي كتابتها ومقتطفات من قراءات مختلفة، وتعليقات على بعضها. واحتلت الكتابة ومشاكلها ودور الكاتب والمدارس الفنية  والأقوال المتضاربة بشأن كل ذلك  جانبا هاما من هذه المدونات (...) كان المناخ الذي نشأنا فيه أنا ومجايلي  يغلي بحمي التمرد على الوجود الاستعماري  والأوضاع والأفكار البالية. وغمرنا المد الاشتراكي بالثقة في إمكانية التحقيق الفوري لآمال الإنسانية في الحرية والمساواة  والسعادة. كنا نقرأ لجوركي وتشيخوف وشتاينبك وكالدويل وأمادو وبريخت وايلوار وسارتر ومالرو وكامو وتوماس مان.  ونردد تنظيرات الإنجليزي كريستوفر كودويل  حول وظيفة الأدب في خدمة حرية الإنسان والمجتمع  ونعتبره نموذجا يحتذى لأنه وحد بين القول والفعل ففقد حياته في الحرب الأهلية الأسبانية وهو لم يتعد الثلاثين من عمره."

برحيل صنع الله إبراهيم لا شك أن الأدب المصري والعربي يفقدان أحد أهم مبدعيه، وواحدا ممن كرسوا أنفسهم ليس فقط لكتابة أدبية واقعية شديدة الصرامة والاختزال لأية جماليات قد تُلون الواقع القاسي الذي تتناوله، لكن المشهد الثقافي العربي والمصري على الأخص فقد واحدا من حراس الحرية والديموقراطية وشرف الكلمة، فلم يكن صنع الله إبراهيم أبدا ليتردد أن يذهب لندوة محييا ومشجعا أديبا صغيرا مثلي في بداياته، كما لم يكن أبدا ليمتنع عن قول كلمة دعم ومساندة ودفاع عن حق أديب في أن يكتب ألفاظا مكشوفة في روايته، كالروائي أحمد ناجي الذي ظهر صنع الله إبراهيم كشاهد من شهود الكتابة الأدبية مدافعا عن حق ناجي في أن يبدع ويستخدم من اللغة العربية ما شاء من كلمات وقت محاكمة ناجي بخدش الحياء العام، كما نزل صنع الله إبراهيم من الطابق السادس ببنايته ليشارك ويعتصم في وزارة الثقافة رفضا لممارسات وزير ثقافة محسوب على تيار أصولي رجعي، كاد أن يختطف الثقافة المصرية إلى مجرى بعيد عنها.

تحية إلى صنع الله إبراهيم، حبيبنا الذي صعد مرة أخرى إلى الطابق السابع.

 

للاطلاع:

كلمة صنع الله إبراهيم في احتفالية ابن رشد وقت فوزه بالجائزة

صنع الله إبراهيم عن يوميات الواحات: السجن هو جامعتي

الكاتب: وجدي الكومي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع