الدولة الديمقراطية الواحدة: عودة إلى الصواب

2018-02-05 18:00:00

الدولة الديمقراطية الواحدة: عودة إلى الصواب
End of Innocence, Nabil Anani , 2016, acrylic on canvas, 200 x 250 cm

عوض عبد الفتاح

الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني الديمقراطي

وهي معادله سمحت لنا بالعمل السياسي المسؤول والواقعي، وبتجنيد شعبنا للالتفاف حول هويته الوطنية. هذا ما كانت تسمح به خصوصيه واقع فلسطينيي الـ 48. وبالفعل تمكنا خلال فترة قصيرة، من التحول إلى حزب جماهيري، ومركزي على ساحة فلسطين الـ 48، ورأس حربة في مواجهة الايدلوجية الصهيونية، رغم ما واجهه وما يزال، من حملات إسرائيلية  شرسة لتصفيته سياسياً وقانونياً.

أن تطلّ مُجدداً فكرة التحرر والحريه، فلسطينياً، وتقتحم المشهد الوطني الذي هيمنت عليه فكرة التقسيم والفصل العنصري، الظالم والمناهض للتاريخ وللعداله، لأكثر من ربع قرن، يعني أولاً انهيار الأوهام القاتله، وثانياً عودة الإرادة وفكرة العدالة. لقد غدا استحضارها وبزخمٍ أكبر، بعد سنوات التيه الطويلة، حتمياً، وواجباً وطنيا وأخلاقيا ملحاً. لم تُجدِ حملات وبرامج الضغط والتضليل والخداع، والتحايل على الواقع الذي مارسته القوى العالمية على أصحاب القضية أو بالتحديد من قادها ويقودها، واستغلال نقاط ضعفهم وتحويلهم إلى حماة  للنظام الكولونيالي، لم تُجدِ في طمس جوهر المسألة.

حقا، لم يكن رداً شعبيا عارما على صفقة أوسلو بحجم الخطر، فالشعب الفلسطيني كان خارجا من انتفاضة طويلة بطولية، منهكاً ومثقلاً بالجراح وبخيبة أمل من نتائج استثمارها المتسرع، ومن الآثار المدمرة للغزو الأمريكي للعراق، وانهيار الاتحاد السوفييتي. لكن مقابل هذا التزييف والتضليل الذي رافق تسويق الصفقه، كان هناك منذ البداية رفض وتمرد، وحراك ثقاقي، وفكري، منذ لحظة معرفة تفاصيل الاتفاق. لقد تم طمس هذا الحراك الأصيل بتأثير حملات التسويق والترويج، وحالة الضعف والإنهاك الشعبي، في السنوات الاولى التي تلت التوقيع على صفقة أوسلو. 

وكان لافتاً، أن  أقوى ردٍ سياسي وايدلوجي على هذا المشروع التصفوي جاء ممن تُركوا من الفلسطينيين، على تقاطع هوامش ثلاثة، هامش حركه التحرر الوطني الفلسطيني وهامش العالم العربي وهامش المجتمع الاسرائيلي، والذين اعتبروا أضعف حلقة في الكل الفلسطيني. هم فلسطينيو الـ 48، الذين نجوا من النكبه الكبرى، وتمكنوا من إعادة بناء أنفسهم كمجموعه قومية، وكجزء من شعب فلسطين، على خلاف توقعات ورغبات قيادات الكيان الكولونيالي الجديد.
 
لم يكن هذا  الرد مدفوعاً بالغضب من تكريسهم، وفق هذا الاتفاق، شأناً اسرائيلياً داخلياً، وهو أمرٌ خطيرٌ، فحسب، بل أيضاً كون هذا الاتفاق مسّ بصوره خطيره بالرواية الفلسطينية، ورفع الإدانة عن الحركة الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية وعنصرية، مما يعني، ضمنيا، اعتبار مسيرة التحرر الفلسطينية، المخضبة بالدماء والارواح ، فاقدة للمبرر الشرعي والاخلاقي. باختصار، هي مصادرة حق الاجيال القادمه في الكفاح ضد نظام كولونيالي غير شرعي، تاريخيا واخلاقيا وسياسيا، ومن اجل التحرر وبناء حياة حرة وكريمة في وطنهم. وبتفصيل اكثر، فإن هذا الاتفاق، كرس دونية فلسطينيي الـ ٤٨ ، من خلال الاعتراف بإسرائيل، عمليا، كدوله يهودية، وهذا يسلبهم قوتهم في تطوير مكانتهم القومية والمدنية ويتركهم مكشوفين امام زحف الاستعمار الداخلي، وكذلك ُيجردهم من دورهم الاستراتيجي في المشروع الوطني التحرري. لقد شكل تجاهل هذا الجزء من شعبنا استمرارا لنهج قيادات داخل منظمة التحرير، التي ارادت للأصوات العربيه ان تدعم حزب العمل الصهيوني في انتخابات الكنيست، بشكل مباشر او غير مباشر، لانها كانت ترى في هذا الحزب طرفاً اسهل للتفاوض مع . لم تكترث هذه القيادات للاضرار السياسية والوطنية لهذا النهج البراغماتي المبتذل على الهويه الوطنيه لفلسطينيي الداخل. ولهذا عندما رفض التيار الوطني القومي، داخل الخط الاخضر، وتصدي للاتفاق وتبعاته، فوجئ حزب العمل الصهيوني، اذ ظن ان جميع الفلسطينيين حاملي المواطنه الاسرائيلية، سيسيرون خلفه، ويقبلون بالاتفاق، ويندمجون في المجتمع الاسرائيلي بدون حقوق جماعية ومواطنة كاملة. 

ظنت قيادة الكيان الاسرائيلي أنها بذلك أسدلت الستار على ثقافة مناهضة الصهيونية عبر تطويع قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وقبول الحركة الصهيونية وتجسيدها في الدولة اليهودية الكولونيالية. وإذ من حيث لم تتوقع، تتشكل حركة وطنية فلسطينية من جديد داخل "إسرائيل" لتستأنف على هذا الاستسلام، وتُجدد المعركة، الايدلوجية والفكرية، ضد الصهيونية، عبر تشكيل حزب هو ”التجمع الوطني الديمقراطي“، يحمل برنامج دولة المواطنين والهوية القومية، والتصدي للمبنى اليهودي العنصري. لم تكن سلطة رام الله لتنتبه لاحقاً، لأهمية رفضها الاعتراف، رسمياً بيهوديه اسرائيل، لولا هذا النضال الذي خاضه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، من خلال الكنيست، ومن خلال الميدان، وتحويله إلى جزء أساسي  من خطاب هذا الجزء من شعب فلسطين في كفاحهم ضد نظام الابارتهايد العنصري.
 
لقد شكل هذا الحزب الوطني، والذي وصفنا عملية إقامته، عام ١٩٩٥، بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الخط الاخضر بمبادرة عدد من الحركات الوطنية، كبيرة نسبياً وصغيرة، ارتبطت تاريخياً ووطنياً بمشروع منظمة التحرير الفلسطينية مقابل تيار الاندماج المتمثل  بالحزب الشيوعي الاسرائيلي- الجبهه الديمقراطيه للسلام والمساواة.

وأعتقد أن النجاح في تجميع حركات وأطر وطنية ساد في ما بينها خلافات ايدلوجية وسياسية شديدة في السابق، والتمكن  من بناء حزب، وليس جبهه، تحت قيادة واحدة هو امر فريدٌ ليس فقط داخل الخط الاخضر بل ايضا في الساحة الفلسطينية عموما. وكان ايضا مثيرا ان تجمع كل هذه الحركات على شخصية عزمي بشاره مرشحاً أولاً للحزب في الكنيست، وقائداً له حتى إضطراره لاختيار المنفى عام 2007 بعد مؤامره اسرائيلية بأنه تعاون مع حزب الله اثناء حرب عام 2006. نقول ذلك لان فصائل الثوره الفلسطينيه المناهضه لنهج اليمين الفلسطيني، بل حتى جبهتان يساريتان، هما الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين، فشلتا في الاندماج بل حتى في تشكيل جبهة حقيقية مشتركة. وظل اليسار مبعثرا، وغير موحد رغم ان ما يجمعه اكثر بكثير مما يفرقه، وذلك لأسباب فئوية ورواسب شخصية.
 
لم يكتب حزب التجمع في برنامجه صراحة تبنيه للدوله الديمقراطية الواحده، وإن كان العديد من قادته، مثل عزمي بشاره، وكاتب هذه السطور، يحملون  أصلاً فكره الدولة الواحدة (انا شخصيا أتبنى خيار الدوله الواحدة منذ بداية نشاطي ودوري القيادي في حركة ابناء البلد، التي لعبت دورا مركزيا في اطلاق حزب التجمع. وهي حركة قومية ماركسية تبنت منذ ولادتها الدولة الواحدة). فالظروف الدولية، والعربية والفلسطينية والاسرائيلية التي سادت عشية وبعد أوسلو، ووجود شبه إجماع فلسطيني على الدولة في الضفة والقطاع، دفعتنا إلى التفكير بمعادلة تتصدى للواقع المركب المتأثر بالعيش مباشرة تحت حكم الدولة العبرية، هي معادلة هوية قومية ومواطنة كاملة، وهي معادلة تحدّي اكثر منها مطالبة، لأن المواطنة الكاملة لا يمكن ان تتحقق دون إلغاء يهودية الدولة، التي هي مبرر وجود إسرائيل ككيان استعماري عنصري.
 
وهي معادله سمحت لنا بالعمل السياسي المسؤول والواقعي، وبتجنيد شعبنا للالتفاف حول هويته الوطنية. هذا ما كانت تسمح به خصوصيه واقع فلسطينيي الـ 48. وبالفعل تمكنا خلال فترة قصيرة، من التحول إلى حزب جماهيري، ومركزي على ساحة فلسطين الـ 48، ورأس حربة في مواجهة الايدلوجية الصهيونية، رغم ما واجهه وما يزال، من حملات إسرائيلية  شرسة لتصفيته سياسياً وقانونياً.

في السنوات العشر الماضية، يدور نقاش داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي، لتطوير برنامجه السياسي، بأتجاه تبني صراحة، الدولة الديمقراطية الواحدة، والعودة إلى إعتماد اطار التحليل الكولونيالي لاسرائيل، ليس بصفتها دوله يهودية عنصريه فحسب، بل ايضاً بصفتها كيانا كولونياليا اقتلاعياً وفصل عنصري، الامر الذي يقتضي كما أرى أنا شخصياً وآخرون، التوقف عن المشاركه في انتخابات الكنيست. ما يدفعنا إلى ذلك ايضا، هو انسداد الأفق امام مشروع المواطنة، وكذلك مشروع الدولة الفلسطينية، وحق العودة، واكتمال منظومة القهر الكولونيالي ضد كل تجمعات الشعب الفلسطيني. ان تلاشي التمييز في تعامل اسرائيل بين فلسطيني 48، وفلسطينيي الضفه والقطاع ، يدلل على ان كل الشعب الفلسطيني بات يعيش تحت منظومة قمع واستعمار واحدة، وان كانت التفاصيل مختلفه. وبناء على هذه التشخيص للواقع المتشكل، تغدو وحدة النضال الفلسطيني، ووحدة الهدف، مطلوبة بإلحاح. 

حراكات التمرد واستعادة الوعي لم تتوقف قبل وبعد بدء سلسلة إتفاقات المصالحه الفاشلة والمتعثرة بين حركتي فتح وحماس، أي منذ عام 2007، بزغت براعم التمرد والرفض لمشروع أوسلو، ونمت وكبرت هذه البراعم بصورة طردية مع تتالي اخفاقات القيادة الرسمية في مشروعها التفاوضي، ومع إتضاح حجم التأكل والتشويه الذي لحق بخطاب حركه التحرر، وبقيمه واخلاقياته واهدافه.

ومع أننا نعتبر حركه حماس، خاصه في المرحله الاولى، من القوى الاساسيه التي تصدت ايدلوجياً واعلامياً وميدانياً (عسكرياً) لمخطط اوسلو، الا أنها، ورغم التضحيات التي قدمتها وايقاع خسائر بشرية وامنية واقتصادية كبيرة في صفوف المستعمر، ما لبثت أن وقعت في فخ ومأزق ازدواجية السلطة والمقاومة.. ومرورها بالصيروره التي ادت بحركه فتح إلى الوصول إلى وضعها السياسي الحالي المتمثل بتأييد حل الدولتيين، اي انها فشلت او عجزت عن التقدم بمشروع وطني مدني لعموم الشعب الفلسطيني. طبعاً هناك فارق جوهري، ومهم، بين نهج الحركتين في التعامل مع اسرائيل، الا وهو التنسيق الامني المشين الذي تقوم به سلطة رام الله.

أذاً، فإن براعم التمرد التي نتحدث عنها، هي تلك المبادرات والحراكات التي تجري من خارج الهياكل السياسية الرسمية والفصائلية.. هي حراكات ومبادرات، منها المنظمة ومنها العفوية، ولكن جميعها يصب في ما أسميه بصيرورة إعاده بناء المشروع الوطني الفلسطيني من تحت، أي من الشعب، بعماله ومثقفيه وشبابه وطلابه.

الحراك الاول، انطلق من خلال لجان العودة التي ظهرت اواخر التسعينات، حين بدأت تظهر بوادر التفريط بحق اللاجئين تحت ضغط القوى الدولية. وهذه اللجان ظهرت في جميع انحاء الوطن، بما فيه الضفة وقطاع غزه، في داخل منطقه 48 وفي مخيمات اللجوء في الدول العربيه، وفي اوروبا والولايات المتحده الامريكية. واتخذ هذا الحراك اشكالاً مختلفة وتصاعد زخمه، النسبي، بعد ذلك، لكن دون ان يحظى بتغطية اعلامية كافية أو اهتمام جدي، بل ظل لسنوات طويله مُغيّبة عن الرأي العام، وذلك لأن أدوات المشروع الاوسلوي، الاعلامية والمادية الضخمة، والاخطر، الامنية، كانت اكثر قوة وطغياناً.

مع ذلك تلاحقت الحراكات دون توقف ففي عام 2005 انطلق نداء المقاطعة من رام الله من قبل أطر المجتمع المدني، وفقط عندما أدرك المستعمر توسع تأثير هذا النداء وخطورته على اسرائيل عالمياً، وبعد أن بدأ يُخصص له الموارد والكوادر، الدبلوماسية بدأ يحظى باحترام متزايد لدى الاوساط الشعبية الفلسطينية وخاصة بين المثقفين والطلاب.

ويندرج في إطار هذا الحراك، إنتفاضات مدينة القدس وضواحيها، منذ عام 2008، بعد تفاقم مخططات التهويد والطرد والحصار، وتهديد المسجد الاقصى. وشكلت إنتفاضه القدس الرائعة، التي استمرت 11 يوماً في تموز من عام 2017 التي عرفت بإنتفاضة البوابات الالكترونية، حلقة نوعية من سلسلة الانتفاضات الفلسطينية التي تجري في حيز يُطبق عليه المستعمر بوحشية، ولكن دون سيطرة أجهزة السلطه الفلسطينية الامنية. وهذا ما يُفسر السبب الرئيسي في نجاحها وايضا هدفها المحدد.

اما فلسطينيو المنطقة المحتلة عام 1948، فقد تفاعلوا مع جميع هذه الاحداث. واذا كانت الاحزاب العربية التقليدية قد اتخذ شكل تفاعلها صفة التضامن، فإن بعضها الاخر، اضافة إلى طلائع الاجيال الشابة، انخرط في نشاطات نضالية صدامية منطلقين من كونهم جزءاً من العملية النضالية وجزءاً فعلياً من الشعب الفلسطيني. وكان حراك هذه الطلائع اثناء اضراب الاسرى عن الطعام، لافتا لقوة هذا الحراك وجرأة شبابه ومنسوب الانتماء الوطني المرتفع. وقد طال التحريض الدموي قيادات حزب التجمع الوطني، وقيادات وكوادر الحركة الاسلامية، والذي وصل ذروته بحل الحركة وإعتقال رئيسها (حتى الان) الشيخ رائد صلاح.

لقد جاء إضراب الاسرى، الفردي، والاضراب الجماعي لاحقاً ايضاً ضمن الحراك الخارج عن ارادة السلطه الفلسطينيه. ما معناه ان هذا الاضراب الكفاحي لأسرى الحرية يندرج ايضا في صيرورة اعاده بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وابقاء شعلة المقاومة والرفض قائمة، وهي الشعله التي سعى مخطط  أوسلو وفريقه إلى  إطفائها واحتواء عنفوانها، عبر تدريب قوات الامن الفلسطينية على عقيدة أمنية هجينة، هدفها حماية الاحتلال، على يد الجنرال الامريكي دايتون.

الحراك الثاني: وهو حراك فكري. يشمل هذا الحراك إتجاهين:

 الاول، إعادة الإعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، وإعادة تعريفه وتعريف الصراع في فلسطين دون طرح حل سياسي محدد. 

والثاني، العودة الصريحة إلى خيار الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة التي تبنتها الحركة الوطنية الفلسطينية بين 1965 – 1974.

ماذا نعني باعاده الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، والسعي لإقامة حركة او حركات تقود هذا الخيار؟

يتصدى لهذه المهمة في الاساس اكاديميون نقديون ومؤسسات بحثية، داخل فلسطين، من على جانبي الخط الاخضر، وكذلك مؤسسات في أماكن اللجوء والمهجر سواء عبر جهود فردية أو عبر التشبيك واللقاءات والدراسات، والندوات والمؤتمرات وغيرها. وشهدت السنوات الاخيرة زخماً في هذا المجال، ويقوم هذا الحراك على إستعادة وحدة الشعب الفلسطيني تاريخياً وثقافياً أينما وُجد باعتبار ان اتفاق أوسلو قاد إلى تشظية هذا الشعب وقضيته الوطنية. اذ تم  اختزال الشعب الفلسطيني بثلاثه ملاييين ونصف، يسكنون في الضفة والقطاع، وباتت فلسطين 27% من الارض التاريخية، اي 5000 كيلومترا، وليس 27000. والأخطر أن قضيته باتت قضية نزاع على حدود بين دولتين إحداها اسرائيل والأخرى لم تقم، ومصيرها قُضي تحت عجلات المشروع الكولونيالي، وليست قضية تحرر وطني لشعب مستعمر من إستعمار كولونيالي. ويُشتق من ذلك إعادة تعريف إسرائيل بإعتبارها كياناً إستعمارياً استيطانياً ونظام فصل عنصري، ولا بد أن ينطبق عليه ما انطبق على نظام جنوب افريقيا الكولونيالي العنصري المهزوم.

ويُفكّك هذا الخطاب التحرري  بنية السلطة الفلسطينية الكومبرادورية ووظيفتها الامنية، لينسف الخرافات التي تم ترويجها وكأنه كان يمكن أن تقوم التنمية الاقتصادية تحت الاحتلال، وأن يجري تحرير الأرض عبر المفاوضات وحدها، وعبر لعب دور الوكيل للنظام الكولونيالي، واثبات الأهلية لقيادة دولة. ولذلك فإن هذا الخطاب يطالب باستعادة الرواية الفلسطينية الوطنية، باعتبارها قضية تحرر وطني، وأن فلسطين هي وطن كل الفلسطينيين، بغض النظر عن شكل الحلول السياسية، دولة واحدة في كل فلسطين او دولة في الضفة والقطاع، وأن الشعب الفلسطيني هو شعب واحد. ومن شأن هذا التحليل والجهد الفكري في حالة تغلغلهما في اوساطٍ أوسع من النخب والشعب إلى إستعادة ثقافة المقاومة، وروح التضامن الجماعية، التي أضعفتها، بل شوهتها سياسات السلطة الفلسطينية الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. لقد بات واضحاً التأثير التدميري لهذه السياسة المتمثل في انتشار الفردانية والخلاص الفردي والترهل النضالي. ولذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه ضرورة تحقيق المصالحة الفلسطينيية ليس على اساس إدارة الإنقسام، بل على أساس وحدة وطنية شاملة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينيية ووقف التنسيق الامني، وإعتماد إستراتيجية مقاومة شعبية، وان تكون مرجعيه المفاوضات المدعومة بالمقاومة قرارات الامم المتحدة وليس ميزان القوى او الولايات المتحدة الامريكية.

ومع أن هذه الاجتهادات لم تتحول إلى تيار ثالث منظم الا انها تساهم في إعادة بلورة خطاب وطني تحرري وثقافة مقاومة ستشكل مستقبلاً القاعدة الايدلوجية والمرجعية الاخلاقية للجيل الشاب الحالي المتوثب لقيادة المشروع الوطني التحرري. 

أصل الدولة الواحدة

إن أصل الدولة الواحدة هو تحرير فلسطين الذي رفعته الحركة الوطنية الفلسطينية من الانتداب البريطاني والغزو الصهيوني، بروح النموذج الجزائري الذي تحقق عن طريق اقتلاع المستوطنين الفرنسيين واستقلال الجزائر. هذا هو الفعل الطبيعي لأي شعب يتعرض لغزو اجنبي، استعماري او استعماري استيطاني. وترسخ هذا الهدف الوطني التحرري في برامج منظمة التحرير الفلسطينية، حتى ما بعد هزيمه عام 67. وفي نهاية الستينات، وبعد ان واجه مثقفو الثورة الفلسطينية السؤال الاخلاقي المتعلق بوجود تجمع يهودي استيطاني بدون دولة يعود افراده  اليها ، بالاضافة إلى نشوء هذا الكيان عبر قرار دولي ، تحول شعار تحرير فلسطين، الذي تبلور كجزء من الخطاب العالمي  المناهض، إلى الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، اي هزيمة المشروع الصهيوني وإحلال مكانه دولة ديمقراطية واحدة يعيش فيها الفلسطينيون واليهود الاسرائيليين على اساس المواطنة المتساوية. وقبل ان ينضج هذا التوجه، ويتحول إلى برنامج جدي وحقيقي وحشد التأييد له في الداخل والخارج، ومواجهة العالم بخطاب سياسي اخلاقي بروح برنامج التحرر الذي اعتمدته حركة التحرر الوطني الديمقراطي لجنوب افريقيا ، بقيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، قررت القيادات المتنفذة طيّ هذا الخيار. اذ أن تطورات دولية وعربية، واقليمية، وضغوط خارجية، دفعت قياده المنظمة إلى قبول فكرة دولة في الضفة والقطاع كهدف مرحلي، وليس نهائي، باعتبار ان  هذا الهدف يتسم بالواقعية وبالامكان تجنيد المجتمع الدولي حوله. وبالفعل ساهم هذا التوجه باكساب منظمة التحرير الفلسطينية مكانة مرموقة في الساحة الدولية، اوصلت رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى مقر الامم المتحده حيث ألقى هناك خطابه الشهير، الذي قال فيه انه يحمل البندقية بيد وغصن الزيتون بيد اخرى. والحق، هو ان البندقية هي التي كانت العامل الاساس التي جعلت العالم ينتبه إلى قضية فلسطين التي كادت تنسى في سنوات ما بعد جريمة النكبة. ولكن بندقية بدون سياسة تقود إلى الكوارث والهزائم.

ونتيجة سلسلة اخطاء متواصلة في ادارة الثوره الفلسطينيه  وإدارة  المعركه  ، والعجز  العربي الرسمي في مواجهة العدوان الاسرائيلي  ، تواصلت التنازلات والتراجعات في الأداء والخطاب والحلول وصولاً إلى التعايش والتكيف مع واقع الكانتونات – او نظام البانتوستانات الأُوسلوي، الكولونيالي العنصري الذي كان قائماً في جنوب افريقيا في عهد نظام الابارتهايد البائد.

وبغض النظر عما اذا كان ممكنا تحقيق هذا الهدف في السبعينات قبل أن يترسخ المشروع الاستيطاني في الضفة والقطاع، لو توفرت إداره صحيحة للمقاومة الفلسطينية، فإن الواقع الراهن لم يعد يترك شك باستحالة تحقيق دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع. فهذا الهدف فشلت القيادة، والدول العربيه في تحقيقة، حتى عندما كان الشعب الفلسطيني موحداً وملتفاً حول ثورته  ومشروعها التحرري، فكيف يمكن تحصيله بعد أن تخلت القيادة عن كل عناصر قوة الشعب الفلسطيني ومشروعه. لقد افترضت القيادة الفلسطينية آنذاك ان استمرار التمسك بالدولة الواحده بات يشكل عبئاً على الثورة، وبذلك هي تخلت، بوعي او بدون وعي، عن عناصر قوة الشعب الفلسطيني، وحركة تحرره. ولذلك من المهم التذكير بعناصر هذه القوة الفلسطينية لأننا نحتاج إلى استعادتها فوراً. 

نقطة القوه الاولى: عدالة قضية فلسطين ومكانتها الاخلاقية، باعتبارها قضية شعب جرى السطو على وطنه بالقوة وتشريده ومحو دولته من الخريطة العالمية، هذه العدالة التي جرى التعبير عنها ، ثقافياً وسياسياً، بخطاب تحرري وطني وأخلاقي، يؤكد على حق وواجب الضحية مقاومة الظلم واستعاده حقها، وعلى واجب المجتمع الدولي دعم هذا الحق، وتأمين العيش المشترك لكل من يعيش على هذه الارض ومن طرد منها بقوة السلاح. 

النقطة الثانية: وحدة الشعب الفلسطيني، وهي الإنجاز الأهم الذي تحقق بعد سنوات من النكبة، بجهود جبارة، وتضحيات كبيره. اذ منذ سنوات الخمسينات انطلقت مجموعات عديدة من الفدائيين الشباب الفلسطينيين يقاتلون اسرائيل  الذين امتشقوا السلاح وانخرطوا في عمليات  قتالية، وهم الذين اسسوا لظهور الثورة الفلسطينية المعاصرة  بقيادة  منظمة التحرير الفلسطينيه، والتي لعبت  الدور المحوري في توحيد الشعب وإنتشاله من حالة التشتت والضياع واليأس لينتقل من مرحلة السلبية والانتظار إلى مرحلة الفعل الثوري. كانت الصهيونية وحلفاؤها الاستعماريون  يسعون بمنهجية إلى طمس قضيته وإختزالها إلى قضية لاجئين وإلى توطينهم في بلاد اللجوء.

النقطة الثالثة: بناء اداة الثورة؛ حركة التحرير الوطني الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينيية. لقد شكلت منظمة التحرير الفلسطينية الانجاز الاكبر بعد النكبة، إذ لا قيامة لشعب مضطهد بدون أداه تحرير تجمعة وتعزز نسيجه الاجتماعي والثقافي والوطني وتقوده. ومن نتائج أوسلو خسارة  اداته الثورية عبر تحويلها إلى ملحقٍ بسلطة أوسلو ومعتقله تحت الاحتلال، يتحكم فيها شخص واحد هو محمود عباس، الذي يحمل بيده ثلاثة وظائف، في حين تحولت الفصائل الفلسطينية الاخرى إلى شاهد زور على هذه الكارثة.

النقطة الرابعة: اصدقاء الشعب الفلسطيني وانصار التحرر والحريه في العالم. لقد شكلت لزمن طويل  قضية فلسطين عنواناً لنضال انصار التحرر والحرية ضد الاستغلال والاستعمار والرأسمالية في بلدانهم. واستقطبت تأييدا كبيرا وتعاطفا واسعاً على مستوى الدول والمجتمع المدني، وإنضم مقاتلون اجانب إلى صفوف الفدائيين الفلسطينيين. وكان مؤلماً ان تكون  لجان التضامن العالمية  مع شعب فلسطين، التي كانت تتصدى للدعاية الصهيونية في بلادها، من أوائل  ضحايا اتفاق اوسلو الذي حول اسرائيل إلى دولة طبيعية قبل أن تحقق حقوق الشعب الفلسطيني. ولم تستعد هذه اللجان دورها، إلا بعد الانتفاضة الثانية التي كشفت حقيقة المخطط الاسرائيلي من وراء اتفاق أوسلو.

سقوط الاتوبيا – الوهم

لم يكن، الرئيس الامريكي، التاجر الأهوج، دونالد ترامب، هو الذي انهى مشروع الدولة الفلسطينية. بل هو فقط وجه الضربة القاضية لهذا الوهم، وعرى مهزلة عملية السلام التي كانت منذ البداية مصممة كهدف بحد ذاتها، لا لتقود إلى هدف سوى احتواء المقاومة الفلسطينية، وتدجينها. ولذلك هي برأيي أكبر واطول عمليه تضليل في تاريخ الصراعات.

لقد تم التضحية بكل نقاط القوة المذكورة بوعي وبدون وعي. وغدا لدينا كيانات سياسية ومؤسساتية هجينة، وخطاب انهزامي، ومفردات غريبه عن حركات التحرر الوطني.

كان النزول عن هدف الدولة الواحدة بمثابة الرصاصة التي أصابت لاحقاً، وبالتدريج، كل راوفع الثوره الفلسطينية، المؤسساتية واللغوية والثقافية. وشكل العناد غير المعقول بالتمسك بنفس النهج على طول اكثر من ثلاثة عقود كارثة حقيقية. لم يكن الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني إضاعةً للوقت فحسب، لانه اختزال لحجم الكارثه، بل في ضياع ما تبقى من فلسطين التي كان يعتقد ان الدولة الفلسطينية المستقلة ستقوم عليها، من خلال تواصل المشروع الاستيطاني، اثناء الانشغال بملهاة عملية السلام  وتحويل هذا الجزء الصغير من فلسطين إلى كانتونات منفصله ومحاصرة، وتحويل  السلطة الفلسطينية إلى أداة حماية لهذا الواقع.

ليس عيباً أن تعجز حركة تحرر وطني أن تحرر أرضها في مرحلة او مراحل معينه. ولكن العيب، بل الخطيئة هو ان تتنازل عن الرؤية والارادة، وعن التاريخ، وعن الرواية، التي هي مفاتيح القوه الباقيه في ايدي الاجيال الشابة الحاليه والقادمة، مفاتيح التحرير واستعادة الوطن.

ولذلك فإن العودة إلى الدولة الديمقراطية الواحدة تعني إستعاده كل نقاط القوة التي سبق واستعرضناها، وهي رؤيه إستراتيجية بعيدة المدى، تحتاج إلى رؤية، إلى ارادة، وإلى تخطيط سليم، وإلى صبر وتحمّل. إنها بمثابه إعادة بناء الأمه الفلسطينيه، لان هذا الحل ينصف كل تجمعات الشعب الفلسطيني؛ اللاجئون،  الفلسطينيون في الضفه والقطاع، فلسطينيو الـ 48، ويُشركهم في النضال من اجل التحرر والحريه، كل من موقعه وبما يلائم خصوصية واقعه. (ان دور فلسطينيي الـ ٤٨ ، لاهميته الاستراتيجية، يحتاج إلى معالجه منفصلة. وقد سبق وكتبت مقالات عديده عن ذلك، كما وجرت لقاءات وندوات مشتركه هامة  بخصوص هذا الدور، داخل فلسطين، في حيفا ورام  الله، وبير زيت). إن من عوامل قوة هذا الطرح، هو أنه خطاب اخلاقي إنساني، لانه يُشدد على تفكيك منظومه القهر والظلم، وبناء كيان سياسي ديمقراطي لكل من يعيش على هذه الارض.

كيف السبيل!

لا يزال خيار الدولة الواحدة فكرة، تحمل طابعاً أخلاقياً، يجري تداولها في الاساس في الاروقة الاكاديمية، وبعض دوائر المثقفين ولم تتحول بعد إلى برنامج عمل تحمله حركةٌ أو حزبٌ وازنٌ. غير أن هذا لا يقلل من أهمية الجهود التي بُذلت حتى الأن، خاصةً بعد أن تحولت بعد انطلاق قطار التسوية وإيغاله في نفق العبثية واللاجدوى، إلى كيانٍ غريبٍ يسهل التعرض له بالسخريه والاستخفاف.

وها هي الفكره تعود مجددا وتنقلب السخرية على من هرول ممتطيا قطار الوهم دون تبصّر. وتبين أن ركاب هذا القطار هم أكثر الحالمين، وعديمي الواقعية والرؤية. ليس فشل تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة فرصةً للالتهاب والتشفي، لأن تجسيدات هذا الفشل كارثية على كل المستويات، الجغرافية، الديمقراطية والسياسية، والمادية، وتطال نتائجها الوخيمة كل الشعب الفلسطيني.

ولكن هذا الفشل المدوي، والكارثي يمنحنا فرصة لتصويب الطريق، والعمل على إستعادة الرؤيه والبصيرة. وتقديري ان الاجتهادات الفكرية والنظرية التي قام بها مثقفون، واكاديميون، فرادى او جماعات في إطار مؤسسات بحثيه او مواقع الكترونية، وفرت كثيراً من الجهد، وأسست لقاعده نظريه وإستراتيجية لمرحلة جديده من المفترض أن تخرج من مرحلة التيه التي لازلنا نعيش اثارها.  وحري ان يُمنح التقدير لكل من قدم مساهمة نظرية جدية، وعملية مهما كانت متواضعة، في هذا المسار التحرري. 

وبما أنه ليس متوقعاً أن تتلقف الطبقه السياسية التقليدية هذه الفرصة، وتقود مساراً مختلفاً جذرياً، إذ أن جُل ما تفكر به هذه الطبقة، نظرا لطبيعة بنيتها الاجتماعية والذهنية غير المكافحة، هو البحث عن راع دولي جديد لملهاة عملية السلام، إلى جانب مقاومة شعبية شكلية، واستمرار التمسك بخيار "الدولتين"، فإن المهمة الوطنية الكبرى امام انصار مشروع التحرر والحرية هو الانتقال إلى الميدان والعمل على  تحويل الرؤية إلى برنامج عمل، وإلى حركة شعبية فاعلة ومتواجدة في كافة تواجد الشعب الفلسطيني ومرتبطة بهموم الناس، في فلسطين والشتات، والمهجر.

وتُستكمل هذه المهمة في إيجاد القنوات والاليات التي تستطيع من  خلالها الحركة الموعودة التواصل والتفاعل مع كل اكاديمي أو ناشطٍ في المجتمع الاسرائيلي ممن هم مناهضون للصهيونيه والنظام الكولونيالي، وكذلك مع كل احرار العالم، من يساريين وديمقراطيين، المنخرطين في النشاطات التضامنيه مع الشعب الفلسطيني وفي حمله المقاطعة لإسرائيل. ان منظمات المجتمع المدني في دول الغرب تحديدا تشكل معينا هاما للإسناد والدعم، لنضال الشعب الفلسطيني.
 
هناك مجموعات فلسطينيه صغيرة، ويشارك فيها اسرائيليون، ويهود من جنسيات مختلفه مناهضين للصهيونيه، تحاول منذ سنوات تشكيل حركات شعبيه واسعه لكن دون جدوى، إما  لأن المبادرين ينتمون لفئات الاكاديمين الذين لا يملكون التجربة التنظيمية، وهذا ليس عيبا، او نتيجه الاختلافات على طبيعه الدولة الواحدة، ولذلك لا بد ان ترفد هذه الحركة بالكوادر الميدانية، وان يكون في مقدمة صفوفها طلائع الجيل الفلسطيني الجديد الأكثر وعيا ومقدرة على التطور والابداع.

وهناك اختلافات حول الشكل المطلوب للدولة الواحدة (دوله تقوم على المواطنة الفرديه فقط، ودوله ثنائية القومية، دولة متعددة الثقافات، دولة اشتراكية ماركسية، والتيار الديني يريدها دولة اسلامية)، ولكن بما ان غالبية المناصرين لهذا الخيار مجمعون على طابعها الديمقراطي وأن المواطنة المتساوية هي الناظم للعلاقه بين الدولة والفرد – المواطن، ومتى نزيل العقبات من طريق اقامة الحركة نبقي النقاش حول بعض الاختلافات مفتوحا.

وعلى الرغم من تزايد عدد المواقع الاكترونيه باللغه الانجليزية والعربية، التي تنطق بإسم هذا الخيار وتنشر المقالات التحليلية والفكرية حول الدولة الواحدة إلا أن معظم اللذين يتبنون الخيار هم خارج أي اطار منظم. ولذلك فقد بات مطلوباً، الآن واكثر من أي وقت مضى، وفي ظل التطورات الدولية والاقليمية الخطيرة، استنفار كل المجموعات والافراد الذين يحملون هذا المشروع والبدء فوراً في الانتقال إلى مرحلة التنظيم والوصول إلى برنامج سياسي يُجمع عليه غالبية المعنيين، خاصة فيما يتعلق بمبدأ ديمقراطية الدولة وأن تكون المواطنة هي الناظم بين المواطن والدولة.

ليس تحقيق هدف الدولة الواحدة، موضوعاً للتفاوض، وليس هو هدف أسهل من تحقيق الدولتين، ولا هو أصعب منه، ولا يشكل العودة اليه اعترافاً بالهزيمة، او بسبب فشل حل الدولتين، وان كان هذا مُسرّعا، بل لكونه الحل الأكثر عدالة وإنصافا، وهو ايضا عودة إلى مصادر قوة الشعب المستنده إلى التاريخ والعداله.

لا نستجدي من العدو حقوقاً متساوية تحت سيادته في دولة واحدة، بل نُعلن مقاومة منظمة، مثابرة، مقاومة شعبية، يوجهها خطاب تحرري اخلاقي، وتهدف إلى هزيمة نظام الاستعمار الكولونيالي وتحرير كل من يسكن فلسطين، عرباً ويهوداً، ومن طرد منها عام 1948، من الاحتلال، والاستيطان والحروب والخوف، والعيش على قاعدة المواطنة المتساوية.

لا يجوز التلويح بخيار الدولة الواحدة كفكرة مُخيفه ومرعبه لليهود الاسرائيلين، بل كفكرة اخلاقية جذابة توفر الامن والاستقرار، والحياة الطبيعية للجميع. كما لا يجوز مواصلة الاستخفاف بالفكرة، من قبل الطبقة السياسية الفلسطينية وايهام الناس بإن إمكانية تحقيق حل الدولتين اكثر واقعية. إذ أن التمسك بهذا الوهم افقدنا اداة الثوره وخطاب التحرر، وثقافة المقاومة، واستبدلت بمؤسسات ديمقراطية هشه وفاسدة، وبمفاهيم مشوهة وفاقدة المعنى والتأثير في وجدان وعقول الناس. هناك حاجة مضاعفة لهجوم إعلامي وثقافي على ما تبقى من اوهام حول إمكانية تحقيق اي هدف عبر رعاية دولية بدون نضال، ومن خلال استمرار التنسيق الامني. 

إن العودة إلى خيار التحرر يعني استجماع كل عناصر القوة التي تم تعطيلها لسنوات طويلة وعودة إلى الوعي، وإلى طريق الصواب.