الكتاب الجديد لشهرباني، المترجم العبراني الذي استعاد نهج حُنَيْن 

2020-07-06 00:00:00

الكتاب الجديد لشهرباني، المترجم العبراني الذي استعاد نهج حُنَيْن 
Nabil Anani - Palestinian Folklore, 2020

بعد أقلّ من عشرين عامًا من تلك المحاضرة حول ابن خلدون. فاجأني اتصال من أستاذي شهرباني، الذي كنت أسرّ كلما التقيته، وسألني إن كنت معنيًا بأن أكون محرّرًا للترجمة من العربيّة في سلسلة مكتوب، وحكى لي متلهّفًا عن نموذج الترجمة الذي يعمل من خلاله والمشاريع التي يحلم بها، فأجبته:

حين تعرّفت إليه أول مرّة، قبل عشرين عامًا تقريبًا، لم يكن اسم عائلته شهرباني، ولم يكن يجيد العربيّة، ولم يكن مترجمًا ولا منّظِرًا في الترجمة. آنذاك، عام 1999، تعلّمت عنده في سنتي الجامعيّة الأولى في كلية علم الاجتماع في جامعة تل-أبيب، درّسنا حينها أصعب مساق في الكلية: "الجذور الفكريّة والتاريخيّة للعلوم الاجتماعيّة"، ومنذ المحاضرة الأولى (التي كانت أقرب إلى عرض مونودراميّ منها إلى محاضرة) والتي كان طولها ثلاث ساعات، أدركت أنّه استثناء عن باقي المحاضرين والباحثين في الجامعة، إذ بدأ المحاضرة بقراءة مقطع مترجم إلى العبريّة من مقدمة ابن خلدون، وبهجوم نقديّ لاذع على المركزيّة الأوروبيّة والاستشراق والصهيونيّة. 

كان اسمه يومها بروفيسور يهودا شنهاف، عالم اجتماع ومحاضر ومثقف عموميّ وباحث نقديّ بارز له إنتاج غزير في عدّة حقول معرفيّة، منها فلسفة العلوم، وبحث النظم البيروقراطيّة، والتاريخ الاجتماعيّ والدراسات الما بعد كولونياليّة والنظريّة النقديّة. 

استعادة اللغة التي محاها الأبرتهايد

في جيل 50، وبينما كان يكتب مقدّمة كتابه "اليهود العرب: قراءة ما بعد كولونياليّة في القوميّة والديانة والإثنيّة"، التي وصف فيها لقاءً صادمًا مع الماضي العربيّ لوالده، القادم من العراق، والذي مات عام 1991 إثر نوبة قلبيّة جرّاء سقوط صاروخ عراقيّ قرب تل أبيب، قرّر يهودا شنهاف أن يتعلّم اللغة العربيّة، ويستعيد اللغة التي أضاعها. لم يتحدّث، حتّى ذلك الحين، يومًا مع أمّه بلغته الأم. سمعها فقط. 

درس اللغة العربيّة عند الأستاذ "أبو إسلام" في يافا، وجاور طلابًا في الصفّ الحادي عشر في مدرسة مار يوسف في الناصرة، ثمّ تعلّم دروسًا في آداب وقواعد اللغة العربيّة بالجامعة، وبدأ يترجم، وكانت أول قصّة ترجمها هي قصّة "أبو بطّة" لميخائيل نعيمة، والتي حملت توقيعًا باسمه الجديد-القديم: يهودا شنهاف-شهرباني. شهرباني هو الاسم العربيّ لعائلته العراقيّة، الذي محاه ما سمّاه الأبرتهايد اللغويّ الإسرائيليّ. 

في السنوات الخمس الأخيرة، تحوّل مشروع الترجمة من العربيّة إلى العبريّة في سياق العلاقات الاستعماريّة بين اللغتين إلى الشغل الشاغل لشهربانيّ، كمترجّم ومحرّر ومنظّر فكريّ وناشط سياسيّ، وقد ترجم في هذه الفترة إحدى عشرة رواية من العربيّة وعشرات القصص القصيرة، وقد اشتهرت ترجماته لروايات إلياس خوري، وخصوصًا "أولاد الجيتو"، كما أسّس، برفقة آخرين، منتدى المترجمين من العربيّة إلى العبريّة وسلسلة كتب "مكتوب-أدب عربيّ بالعبريّة"، الذي يعمل اليوم رئيسًا لتحريرها. 

في هذا المقال، الذي أعددته ليندرج في ملف الترجمة بمجلة "رمّان" الثقافيّة، أريد أن أستعرض بعضًا من جوانب كتاب جديد لشهرباني، اسمه "العاملون في الترجمة"، والذي سيصدر هذا الصيف باللغة العبريّة، والذي يشكّل برأيي مساهمة سوسيولوجيّة نقديّة هامّة لإعادة قراءة تاريخ الترجمة ومفاهيمها ونماذج عملها، بشكل عامّ، وللتعرّف إلى التوجهات الفكريّة الجديدة للتجارب المغايرة في الترجمة من اللغة العربيّة إلى اللغة العبريّة. 

فردنة الترجمة

في مقدمة الفصل الثاني من الكتاب، يستحضر شهرباني شخصيّة حُنَيْن بن إسحق العبادي، الطبيب والعالم وشيخ المترجمين ومسؤول بيت الحكمة في بغداد زمن الخليفة العباسيّ المأمون، أي في القرن التاسع الميلاديّ. أجاد حُنَيْن اللغات الأربع الأهمّ في زمنه: اليونانيّة، والسريانيّة، والفارسيّة والعربيّة، وأنتج ترجمات لكتب في الطبّ والفلسفة والفلك. طوّر حُنَيْن مع مجموعة من تلاميذه نموذج ترجمة مشتركة فريدًا من نوعه، حيث تُظهر وثائق من تلك الحقبة كيف عملت مجموعة حُنَيْن: كان يبدأ بنفسه بترجمة مخطوطة من اليونانيّة إلى السريانيّة، وأحد تلاميذه يترجمها من السريانيّة إلى العربيّة، وبالموازاة يعطي فريقًا آخر مخطوطة أخرى، ويتنقّل بين فرق مجموعته يصلح الأخطاء ويجد الحلول، وكان يتشاور مع المترجمين لإيجاد مرادفات عربيّة لمصطلحات يونانيّة. 

يستعيد شهرباني نهج حُنَيْن، كما يستعيد "التراث الأندلسيّ"، كنموذجين مثاليّين عن مشاريع الترجمة التي غصّت بها العصور القديمة والوسطى والتي تمّت فيها الترجمة الجماعيّة من خلال الحوار المتبادل والسفر في الحيّز وفي ظروف تعدّد اللغات واللهجات- مثل نسخة الملك جيمس للكتاب المقدس، والترجمات الصينيّة للكتب الهنديّة المقدّسة، ليضعها في مقابل نماذج الترجمة التي تطوّرت وتحوّلت في العصر الحديث.

يصف شهرباني هذا التحوّل في القسم الأول من الكتاب، ويستعرض الأسباب والظروف التي غيّرت حرفة الترجمة في العصر الحديث ورسّختها كمهنة فردانيّة معدومة الحوار والتبادليّة. يتعقّب شهرباني هذا التحوّل من خلال ما يسميه تصدعين معرفيّين: التصدّع الأول هو فردنة العمل والولاء للّغة القوميّة، أمّا الثاني، فهو فصل الشفهيّ عن النصيّ في الترجمة، وتفضيل المكتوب الصامت على الشفهيّ التفاعليّ. أدى هذان التصدّعان إلى انكماش مشروع الترجمة وإلى تحوّل في مبناه السوسيولوجيّ؛ إلى فعل يُنّفذ في الحيّز الخاص، بنموذج مبني على مترجم واحد، ونسخة واحدة ولغة واحدة.

كذلك، يدّعي شهرباني أنّ النظريات الكلاسيكيّة المسماة "دراسات الترجمة" (translation studies) ترتكز إلى علم اللسانيّات وفقه اللغة وعلم التأويل، وتتأسّس أصلًا على مبدأ "الفردانيّة المنهجيّة" التي بحسبها يفسّر فرد بنفسه النصّ الأصليّ، ويتحكّم بتأويل النصّ وحده ويكتبه من جديد كأنّه كتب بالأصل في اللغة المترجَم إليها، وهي نظريات تنعكس فيها فردنة الترجمة من خلال خطاب نفسيّ يتضمّن مصطلحات مثل الإخلاص والخيانة، الحب والكراهية، الكآبة والحِداد، وما إلى ذلك. 

ترجمة النكبة للعبريّة

في الفصل الثاني، الذي يتناول الترجمة المعاصرة من العربيّة إلى العبريّة في سياق الصراع ونسق العلاقات الكولونياليّة بين اللغتين، يصل شهرباني إلى نتيجة أساسيّة مفادها أنّ حالة العداء اللاهوتيّ-السياسيّ بين اللغتين والتعقيد الكامن في ترجمة أدب النكبة إلى العبريّة، يُلزمان بإعادة التفكير من جديد بالفرضيات الأساسيّة للترجمة بحسب النموذج النيوكلاسيكيّ الغربيّ. 

يعتبر شهرباني أنّ "مصطلح النكبة لا يتطرّق لحرب 1948 فقط، بل إلى منع عودة اللاجئين بعد تأسيس السيادة اليهوديّة وإلى المحو المنهجيّ للتاريخ الفلسطينيّ، وفي الوضع السياسيّ الذي تشكّل- وبما أنّ التأريخ، والأرشيف، والقانون والنظام يمثّلون المنتصرين، فإنّ الأدب ومعه الترجمة أصبحا حقلان مركزيان لإسماع صوت المقهورين. يتناول أدب النكبة، وضمنه أدب المقاومة، التراجيديا الفلسطينيّة من خلال الروايات، والشعر، والقصص القصيرة والمسرحيات والمذكّرات الواقعيّة". ليس هذا فحسب، فإنّ ترجمة أدب المقاومة، بحسبه، هي انعكاس فعليّ لكون الترجمة أداة لاستمرار الحرب بطرق أخرى، أو بكلمات أخرى إما استمرار المقاومة بطرق أخرى أو استمرار الاستحواذ والقهر بطرق أخرى. الأدب المقاوم يحفّز المهزوم على الوقوف على رجليه مجدّدًا ويمكّنه من توثيق تاريخه في ظلّ غياب أرشيف تاريخيّ، وهذا ما تفعله أيضًا الترجمة المقاومة. 

ضمن هذا السياق الكولونياليّ لأفعال الكتابة والترجمة والقراءة، يعتبر شهرباني الترجمة فعلًا انعكاسيًا يكشف المترجم من خلاله عن كونه وكيلًا سياسيًّا وليس مجرّد شخص مهنيّ ينهي مهمة ترجمة أنيطت به منتظرًا المهمة القادمة. "لكي نواجه محدوديات نموذج الترجمة النيوكلاسيكيّ في هذا السياق الثنائيّ القوميّة، علينا أن نترك المنطقة المريحة، حتّى لا نعيد إنتاج الظروف الكولونياليّة الموجودة خارج غرفة الترجمة لكنّها تؤثّر فعليًا على إمكانيات الترجمة. علينا أن نسعى لترجمة تتحرّر من التشبّث الزائد عن حدّه في مسائل لغويّة ونحويّة ومعجميّة كأنّها منزوعة السياق، والاعتراف بأنّ الترجمة لا يمكن أن تكون سيرورة باتجاه واحد، بل حوار متبادل لا يمكن أن ينتهي بخطوة واحدة. تخلق الترجمة حيّزًا ثالثًا، فضاءً لغويًا وإنسانيًا جديدًا". 

يوضح شهرباني أنّه لا يقصد بالحوار الذي يتحدّث عنه بالضرورة حديثًا بين شخصين أو أكثر إنّما "بنية تحتيّة معرفيّة عميقة في أساسها حركة دائريّة وليس حركة باتجاه واحد"، الترجمة الحواريّة لا تصدّق على الأصل كترجمة كاتب عدل، ولا تستبدله كذلك، بل تقف إلى جانبه لكي تعيد النظر إليه. الترجمة الحواريّة موجّهة بالضرورة إلى الآخر، حتّى لو كان الآخر خفيًا ولا يمكنه أن يرد. تعبّر هذه الصياغات لمفهوم الحوار عن وجهة نظر ميخائيل باختين، الذي رأى بالحواريّة السمة الأساسيّة للرواية، وبأنّ الحياة حواريّة بجوهرها وأنّ هدف الحوار ليس بالضرورة الاتفاق على موقف مشترك. وهو في هذه الحالة امتداد لنموذج هيجل الذي رأى بالحوار تصارعًا وجدليّة، وأنّه بنهاية الأمر شكل من أشكال الصراع.

في كتابه "العاملون في الترجمة"، لا يقف شهرباني عند حدود نقد نموذج الترجمة النيوكلاسيكيّ وتطبيقاته المختلفة بل يبني ويقترح من أجل الترجمة من العربيّة إلى العبريّة في هذه الظروف نموذجًا جديدًا للترجمة، نموذج مثاليّ وبراغماتيّ في نفس الوقت، يسمّيه نموذجًا ثنائي القوميّة مستلهَمًا من التراث الأندلسيّ، ويعتمد على ثلاثة مبادئ: 1) الترجمة كفعل جماعيّ. 2) الترجمة كفعل كلام شفهيّ. 3) الترجمة كفعل في العالم، أي في الواقع.  

أفضل ما يمكن أن أفعله بالعبريّة 

بعد أقلّ من عشرين عامًا من تلك المحاضرة حول ابن خلدون. فاجأني اتصال من أستاذي شهرباني، الذي كنت أسرّ كلما التقيته، وسألني إن كنت معنيًا بأن أكون محرّرًا للترجمة من العربيّة في سلسلة مكتوب، وحكى لي متلهّفًا عن نموذج الترجمة الذي يعمل من خلاله والمشاريع التي يحلم بها، فأجبته: "في هذا الزمن الرديء، قد يكون هذا أفضل ما يمكنني أن أفعله بالعبريّة التي اكتسبتها!". سرعان ما أدركت أنّ الترجمة للعبريّة هي حقل يتوجّب علينا كفلسطينيّين عاملين في الترجمة ونجيد اللغة العبريّة ونعيش ضمن ظروف البقاء في مناطق ال48 أن نقتحمه ونفرض حضورنا فيه كساحة للمقاومة الثقافيّة. ففي واقع يسوده اليمين الفاشي والعنصريّة وإنكار النكبة والاستعلاء العرقيّ والاستشراق الراسخ، والأبرتهايد على أشكاله، ومن ضمنه الأبرتهايد اللغويّ، حيث أنّ أقل من 1٪ من اليهود الإسرائيليّين يمكنهم قراءة كتاب أو جريدة باللغة العربيّة، وأقلّ من 1٪ من الكتب المترجمة إلى العبريّة هي من العربيّة، هناك أهمية بالغة لمشاريع الترجمة التي تتحدّى هذا الواقع على المستويات الثلاث: ماذا نترجمّ؟ لمن نترجّم؟ وكيف نترجّم؟  

"العاملون في الترجمة" هو كتاب يرفس باب غرف الترجمة الفردانيّة الصامتة، ويُجلس علاقات القوّة على كرسي إلى جانب المترجمين الذين يدّعون الحيادية ويبحثون عن الدقة اللغويّة، ويُسمعهم صوت الذين كتم النصّ صوتهم وبدا أنّهم استسلموا للمترجّم المحتكر للسيادة على اللغة، استمرارًا لاحتكار سيادة شعبه على البلاد. وهو كتاب يتصل بنا، كمترجمين ومحرّرين فلسطينيّين نجيد العبريّة، ويدعونا لتحرير النصّ في هجوم مفاجئ على جبهة اللغة.