نشرت في London Review of Books بتاريح ٧ أغسطس ١٩٩٨.
في كتابي الأوَّل «جوزيف كُونْراد وفنِّ الرِّواية الذَّاتيَّة» الذي نُشر قَبْل ثَلاثين عامًا، وبَعدهَا في مقال "تأمُّلات في المنْفى" الذي ظهر عام 1984، استخْدمتْ جوزيف كُونْراد كَنَموذَج لِشخص جسد كُلٌّ مِن حَياتِه وَعمَلِه مصير المتجوِّل في تَحولِه إِلى كاتِب بارع في لُغة أَجنبِية لَيسَت لُغتُه الأُم، وحيْث لَم يَستَطِع أن يَنفُض عَنْه شُعور الغُربة في وَطنِه الجديد الَّذي، فِي حَالَة كونْراد الخاصَّة إِلى حدِّ ما، هُو وطن اسْتطَاع أن يسْتهْويه ويحْظى بِاسْتحْسانه. اسْتشعر العديد من أصدقائه رِضاه عن هُويَّته الجديدة كإنْجليزيٍّ، رَغْم ثِقل البولونيَّة فِي لَهجتِه، وغَرابة تقلُّباته المزاجيَّة؛ وهِي سِمَات بَعيدَة كُلَّ البُعد عن الإنْجليزيّ. ولكِن فورما يَنفذ المرْء إِلى عَالَم كُونْرَاد السَّرْديّ، فَإِن مَشاعِر الكدَر، والاخْتلال، والغرْبة، هِي المشاعر الأكثر تجسُّدًا فِيمَا لَا لَبْس فِيه. فلم يَفُقْه أحد في التَهكُّم على مَساعِي اسْتبْدال أَحوَال التِّيه والضَّياع بِتدابير ومساكن لَا تَلبَث أن تَهوِي بِالْمَرْء إِلى شِباك جديدَة؛ شِباكٍ يُواجههَا اللُّورْد جيم عِنْدمَا يَشرَع في حياة أخرى على جَزيرَته الصغيرَة. يَدخُل مارْلو إِلى قَلْب العُتمة، لا لِيكْتَشف أن كُورتز سبقه إليها، بل لِيدْرك عَجز كورتز عن مَنحِه الحقيقة كامِلة. وبذلِك، عنْد سَردِه لِتجاربه الخاصَّة، يَفقد مارْلو الدِّقة التي كان يَصبُو إِليها، وينْتَهي بِه الأمر يُصدِر تُرَّهات يُدركها جيِّدًا هو وسامعوه.
لم يستطع النقاد والمحللون إعادة تشكيل ما سُمي بالخلفية البولندية لجوزيف كونراد إلا بعد فترة طويلة من وفاته، حيث إن ما تم استخلاصه مباشرة من عمله الروائي قليل جدًا. ولكن مدلول كتابته التي تتسم بأسلوب المراوغة لم يكن من السهل التزود منه، فرغم إمكانيتنا التعرف على الكثير من أصدقائه وأقاربه وخبراته البولندية، إلا أنه لم يكن كافيًا بحد ذاته ليعكس صميم مشاعر القلق والاضطراب التي تناولتها أعماله بشكل مكثف. لكننا في نهاية الأمر ندرك أن عمله في حقيقته قد تشكل نتيجة تجربة المنفى أو الغربة المتعذر إصلاحها أو تصحيحها. ورغم فصاحة قدرته على التعبير بشكل مسهب، إلا أن النتيجة كانت بالنسبة له دومًا هي إنتاج مقاربات لما يريد فعليًا قوله، عدا عن قوله ذلك في وقت تجاوز الفائدة المرجوة من القول. "آيمي فوستر"، إحدى قصصه الأكثر وحشة وكآبة، تتحدث عن شاب من شرق أوروبا يظهر ملقى على ساحل إنجلترا بعد تعرضه للغرق في طريقه للوصول إلى أمريكا، وينتهي به الأمر زوجًا لامرأة عطوف ولكنها في ذات الوقت لا تمتلك قدرة الإفصاح عن مشاعرها وهي آيمي فوستر. ويبقى الشاب أجنبيًا، فلم يتعلم اللغة، وحتى بعد أن رزقا بطفل لم يستطع أن يكون جزءًا من العائلة التي أسسها معها. وهو على فراش الموت يغمغم باهتياج بلغة غريبة، فتأخذ آيمي ابنه منه وتحرمه من عزائه الأخير. وكما هو الحال في العديد من روايات كونراد، تُروى القصة من خلال شخصية تتعاطف مع الشاب، وهو طبيب على معرفة بالزوجين، ولكنه أيضًا لم يستطع أن يقلل من وطأة الشعور بالعزلة عن ذلك الشاب، رغم أن كونراد يداعب مشاعر القارئ ويمنحه أملاً في قدرة الطبيب على ذلك. من الصعب قراءة "آيمي فوستر" واستبعاد التفكير في أن كونراد لا بد أن راودته مشاعر الخوف من الموت موتًا مشابهًا: دون سلوى، وحيدًا، يرحل بعيدًا في لغة لم يفهمها أحد.
أول ما يمكن التعرف إليه في السياق الجديد، هو مشاعر الفقدان لمعنى الوطن واللغة. فقدان كانت لدى كونراد من الصلابة والقدرة على استخدام مختلف النعوت في تصويره فهو، فج، جامح، دائم الحدة، جارف الضيق، ولا يمكن تداركه. لهذا وجدت نفسي خلال السنوات أقرأ وأكتب عن كونراد مثل الكانطوس فيرموس ( اللحن الثابت) بما يمثله من ركيزة راسخة لمعظم ما أمر به من خبرات وتجارب. يظهر لي على مدى السنوات أنني كنت أعايش كل تلك التجارب في عملي، ولكن دائما خلال كتابات الآخرين. فلم أدرك قرب فنائي حتى بداية خريف عام 1991 عندما كشف لي تشخيص ذميم ذلك. وجدت نفسي أؤلف رسالة مطولة أفسر فيها لأمي التي كانت قد توفيت منذ عامين، رسالة تفتتح محاولة متأخرة لجمع سرد حياة كنت قد تركتها مشوشة، مبددة، وبلا معنى. كان حصولي على عمل مناسب في الجامعة، وامتداد كتابتي واتساع رقعتها حتى نلت صيتا ك " أستاذ الإرهاب"، ذلك كوني ناشطا أكتب وأتحدث في القضية الفلسطينية وفي قضايا الشرق الأوسط عامة، والإسلام ومعاداة السامية. لكنني، قلَّما تأملت هذه المحطات في حياتي كوحدة مترابطة. كنت أدمن العمل، وأمقت العطلات وبالكاد أجزتها لنفسي. وفعلت كل ذلك دون أدنى قلق على أشياء مثل قفلة الكاتب، ضيق وعدم سيولة الكتابة.
وجدت نفسي محضراً، دون سابق إنذار، -وبإيجاز- لبعض من الوقت ليس بالكثير لاستعراض حياة كنت قد تقبلت عجائبها مثل أي حقيقة في الوجود. مرة أخرى أدرك أن كونراد سبقني إلى كل ما مررت به، ولكن باستثناء أنه يعد من أصل أوروبي حيث هجر بلده الأم بولندا ليصبح مواطناً إنجليزياً، وبذلك فإن رحيله كان في ذات النطاق من العالم. أما أنا فولدت في القدس وأمضيت معظم سنوات نشأتي هناك. لكن، بعد عام 1948 تحولت عائلتي إلى عائلة لاجئة في مصر. وكان تعليمي المبكر في مدارس النخبة الكولونيالية، وهي مدارس إنجليزية صممت من قبل البريطانيين لتخريج جيل من العرب ليكون متأصل الارتباط ببريطانيا. قبل أن أرحل عن الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة التحقت بمدرسة فيكتوريا كوليدج في القاهرة، وهي آخر عهدي بالمدارس هناك؛ مدرسة شُيدت لتعليم أبناء الرؤساء العرب، والشاميين الذين كان من المقدر توليهم سيادة الحكم بعد جلاء بريطانيا. وكان الملك حسين، ملك الأردن، من أبناء المدرسة بالإضافة إلى أردنيين، ومصريين، وسوريين، وسعوديين. كان مهيأً لهم أن يصبحوا وزراء، ورؤساء، ورجال أعمال واعدين. كما كان ميشال شلهوب من الشخصيات المتألقة في ذلك الوقت، وكنت أصغره صفاً، فهو عريف المدرسة (ورئيس التعذيب)، عرفه الجميع على الشاشة باسم عمر الشريف…
يُعطى الطالب فور التحاقه بمدرسة فيكتوريا كوليج دليلاً صغيراً، عبارة عن مجموعة من القوانين التي تحكم انضباط كل شيء في المدرسة: نوعية الزي الذي يتوجب علينا ارتداؤه، المتطلبات الرياضية، مواعيد إجازات المدرسة، جدول حافلة المدرسة... إلخ. ولكن القاعدة الأولى كانت مزركشة على الصفحة الأولى والتي تقول: "اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للمدرسة، أي طالب يتكلم أي لغة أخرى سوف تتم معاقبته"، رغم عدم وجود أي طالب من أصول إنجليزية. كل المعلمين كانوا من أصل بريطاني، وكنا كطلاب فريقاً متعدد الأطياف من العرب ومن شتى الأجناس: الأردنيين، اليونانيين، الإيطاليين، اليهود، والأتراك. لكل من هؤلاء لغته الأم التي حرَّمتها المدرسة -بشكل واضح وصريح-. ولكننا كلنا تكلمنا العربية والفرنسية، ولهذا كنا نجد ملاذاً في اتخاذ شكل أشبه بلغة شعبية بيننا تحدياً لما وجدناه من تضييق غير مبرر في هذا التطبيق الكولونيالي الظالم. كانت القوة البريطانية تقترب من نهايتها في المنطقة مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، وكنا ندرك هذه الحقيقة رغم عدم استحضار ذاكرتي لأي طالب من جيلي كان ليقوم بالحديث عن الموضوع...
كان الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة لي. فرغم أن والديّ كانا من أصل فلسطيني، أمي من الناصرة وأبي من القدس – يمتلك أبي المواطنة الأمريكية لخدمته في الجيش الأمريكي AEF في فرنسا في الحرب العالمية الأولى. ترك أبي فلسطين خلال فترة الدولة العثمانية في عام 1911 في السادسة عشرة من عمره، وذلك هرباً من التجنيد العسكري للقتال في بلغاريا. وعوضاً عن ذلك، ذهب إلى الولايات المتحدة ليدرس ويعمل هناك لبضع سنوات، وعاد إلى فلسطين عام 1919 للعمل كرجل أعمال مع أبناء عمومته. بالإضافة إلى ذلك فإن اسم عائلتي الاستثنائي "سعيد" المرتبط باسم بريطاني غير متوقع (إدوارد، حيث كانت أمي من معجبي أمير ويلز البريطاني لعام 1935 وهو عام مولدي) وكنت طالباً مختلفاً عن الآخرين طوال سنوات نشأتي: فلسطيني في مدرسة في مصر، باسم أول بريطاني ويحمل جواز سفر أمريكياً وهوية غير مؤكدة تماماً، ولجعل الأمور أكثر سوءاً، فإن لغتي الأم هي اللغة العربية والإنجليزية هي لغة المدرسة. لغتان تتداخلان بحيث لم أدرك أيهما سبقت الأخرى إلي، ولم أدرك أيهما هي هويتي الأولى، رغم ورودهما في منامي على حد سواء، فكل عبارة أقولها بالإنجليزية أسمع صداها بالعربية.
دار كل هذا في رأسي خلال هذه الأشهر بعد أن كشف التشخيص لي حاجة التفكير في نهاية الأشياء. ولكنني فعلت هذا بأسلوب مختلف بالنسبة لي. فكوني مؤلفاً لكتاب يسمى "بدايات" وجدت نفسي أعود رغماً عني لأيامي الأولى. كفتى من القدس، القاهرة، وضهور الشوير وهي القرية اللبنانية الجبلية التي كنت أمقت الذهاب إليها بشدة عندما كان أبي يأخذنا إليها لقضاء الإجازة الصيفية على مدى سنوات طويلة. وجدت نفسي أعيد إحياء مآزق وعقد لرواية عن حياتي المبكرة، إحساسي الدائم بالشك وكوني خارج المكان، وكأنني أقف في الزاوية الخطأ، في مكان لطالما بدا وكأنه يُجَرُّ من تحتي كلما حاولت وصفه أو معرفته. أذكر أنني كنت أسأل نفسي لماذا لم أنشأ في بيئة بسيطة التركيب، مصرياً تماماً أو أي شيء آخر، فلا أمر أو أواجه المشقات اليومية لأسئلة تحاصرني في كلمات تفتقر إلى أساس ثابت. فقد كان الجزء الأسوأ في حالتي التي كانت تتفاقم مع الوقت هو العلاقة العدائية بين الإنجليزية والعربية وهو الأمر الذي لم يضطر كونراد إلى التعامل معه بما أن رحلته من البولونية إلى الإنجليزية وعبر الفرنسية تأثرت في ذات النطاق الأوروبي.
تعليمي بالكامل كان ذو طابع إنجليزي، والذي أهلني لمعرفة الكثير عن بريطانيا وحتى عن التاريخ الهندي والجغرافيا هناك كمواد أساسية أكثر من معرفتي بتاريخ وجغرافيا العالم العربي. ولكن رغم أنه تم تعليمي لأفكر وأبني اعتقادي كأي طالب إنجليزي، كان يجري تدريبي ذهنياً على فهم أنني دخيل أو غريب لا أوروبي، أتلقى تعليمي من قبل من هم أعلى مني منزلة لأدرك منزلتي ولا أطمح لأن أكون بريطانياً. والخط الفاصل "بيننا" و"بينهم" هو لغوي، ثقافي، عنصري وعرقي. فلم يسهل الموضوع بالنسبة لي كوني ولدت وعُمِّدت في كنيسة إنجيلية حيث غناء الترانيم ذات المواضيع المولعة بالقتال مثل "إلى الأمام جنود المسيح" و"من جبال الأراضي الخضراء الثلجية"، والذي جعلني ألعب
دور المعتدي والمعتدى عليه معاً في ذات اللحظة. مثل أن تكون في حال قيام حرب أهلية.
في ربيع عام 1951 طردت من مدرسة فيكتوريا كوليج؛ وذلك لاعتباري مفتعل مشاكل، مما عنى أنني كنت تحت الأنظار أكثر من أي طالب آخر خلال المناوشات اليومية بين الأساتذة: غريفث، هيل، لووي، براون، مانديل، غيتلي، وكل الأساتذة الإنجليز من جهة، ونحن طلاب المدرسة من جهة أخرى. كنا ندرك في لا وعينا أن النظام العربي القديم في طريقه للانهيار: فلسطين سقطت، مصر كانت تترنح تحت الفساد الهائل للملك فاروق (والثورة التي جلبت جمال عبد الناصر والضباط الأحرار للسلطة في يوليو 1952)، سوريا كانت تمر بسلسلة مدوية من الانقلابات العسكرية، أما إيران التي كان الشاه فيها متزوجاً من أخت الملك فاروق، فقد تفاقمت أزمتها عام 1951 وهكذا...
فرص النجاح بالنسبة لأناس مُقتلعين من جذورهم مثلنا كانت ضئيلة، فقرر والديّ أنه من الأفضل إرسالي بعيداً قدر المستطاع، وبالتالي إلى مدرسة بيوريتانية ذات نظام صارم في شمال شرق ماساتشوستس في الولايات المتحدة.
كان ذلك اليوم الذي تركني فيه والداي في سبتمبر 1951 عند بوابة المدرسة وسافرا فوراً إلى الشرق الأوسط، أسوأ أيام حياتي. مناخ المدرسة شديد الحزم بشكلٍ لم تكن المعضلة فيه حِدّة مثاليته؛ كنت هناك الفتى الوحيد الأجنبي، الذي لا يتحدث بذات اللهجة المتعارف عليها، ولم ينشأ على لعب كرة المضرب، أو كرة السلة والقدم. حُرمت، لأول مرة، من بيئتي اللغوية التي اعتمدت عليها كبديل ضد اهتمامهم العدائي، فلغتهم لم تكن لغتي ولم يظهروا أي اهتمام بما أنتمي إليه باعتباره عرقاً غير معروف بطريقة أو بأخرى. أي شخص يمر بمثل هذه العقبات اليومية في الروتين الكولونيالي يعلم ما أتحدث عنه. من أول الأشياء التي كان علي فعلها هو البحث عن معلم من أصل مصري، والذي حصلت على اسمه من قِبل عائلة صديقة لنا في القاهرة. "تحدث إلى نيد" قال صديقي، "وفوراً سوف يجعلك تشعر كأنك في وطنك". وفي ظُهر سبت مشرق مشيت مجهداً إلى بيت نيد وقدّمت نفسي للرجل النحيل الأسمر، والذي كان أيضاً مدرب تنس، وقلت له إن فريدي معلوف في القاهرة أوصاني بالتعرف إليك. "آه نعم" قال مدرب التنس بجفاء: "فريدي". فحولت لغتي فوراً للعربية ولكن نيد وضع يده لمقاطعتي: "لا يا أخي لا عربية هنا، لقد تركت كل هذا ورائي قبل أن آتي إلى أمريكا" وكان هذا كل شيء.
كان تحصيلي المرتفع في مدرسة فيكتوريا كوليج سبباً لارتفاع معدلي في مدرستي في ماساتشوستس، محققاً مرتبة الأول أو الثاني في صف يضم ما يقارب 160 طالباً. ولكنني تعرضت لمحاكمات أخلاقية وكأن شيئاً ما مريباً يدنس هويتي. فعلى سبيل المثال، عندما تخرجتُ حُجبت عني مرتبة إلقاء الخطاب الترحيبي والوداعي بحجة أنني لم أناسب منازل التشريف تلك، وهو تقييم أخلاقي لم أستطع فهمه أو غفرانه. وبالرغم من رجوعي إلى الشرق الأوسط حيث استمرت عائلتي بالعيش هناك متنقلة بين مصر ولبنان منذ عام 1936، وجدت نفسي أتحول بالكامل إلى شخص أوروبي. ففي كل من الكلية والمدرسة درست الأدب والموسيقى والفلسفة، ولم تكن أي منها على علاقة بموروثي الثقافي. في الخمسينيات وبداية الستينيات، كان الطلاب العرب أكثرهم بلا استثناء باحثين أكاديميين، أطباء، ومهندسين، أو أصحاب تخصصات مختلفة يحصلون على درجاتهم العلمية من جامعات مثل برينستون وهارفارد، ومن بعدها يعودون إلى بلادهم ليعملوا كأساتذة جامعات. لم أجد طريقاً للاختلاط بهم لسبب أو لآخر، مما كرس عزلتي عن لغتي وبيئة نشأتي.وفي الوقت الذي ذهبت فيه إلى نيويورك لأدرس في جامعة كولومبيا في خريف 1963، كنت أعتبر دخيلًا من بيئة عربية غير ملائمة، وفي الحقيقة أذكر كم كان من الأيسر على أكثر أصدقائي وزملائي عدم استخدام كلمة "عربي"، وبالتأكيد ليس "فلسطيني"، مقارنة مع الوصف المبهم والأيسر استخدامًا "شرق أوسطي"، وهو وصف لم يسئ لأحد. وقد ذكر لي صديق كان يدرس في جامعة كولومبيا مسبقًا أنه عندما تم تعييني، تم كذلك تقديمي للقسم كيهودي من الإسكندرية، وأذكر ذلك القدر من الترحاب والتودد إثر ذلك من قبل زملائي في الجامعة الذين نظروا إلي -باستثناء بعضهم- كأكاديمي يافع وواعد "لثقافتنا". المجال السياسي لم يكن نشطًا حينها فيما يخص العالم العربي، كان اهتمامي في التعليم والبحث نظاميًا مع بداية نزعة حداثية طفيفة، مما أبقاني داخل الحدود المسموح بها.
جاء التغيير الحقيقي مع حرب عام 1967 بين إسرائيل والعرب، والذي تزامن مع فترة من النشاط السياسي المكثف في باحات الجامعات للنهوض بالحقوق المدنية ومناهضة الحرب ضد فيتنام. وجدت نفسي متورطًا في كلتا الجبهتين، ولكن بالنسبة لي كان هناك جهد مضاعف في محاولة جلب الاهتمام إلى القضية الفلسطينية. بعد هزيمة العرب، استرجعت القومية الفلسطينية تواجدها من خلال حركة المقاومة المتواجدة بشكل أساسي في الأردن والمناطق المحتلة حديثًا. والعديد من أصدقائي وأبناء عائلتي انضموا إلى هذه الحركة. عندما زرت الأردن خلال الأعوام 1968، 1969، و1970، وجدت نفسي بين عدد من معاصريّ ذوي الاهتمام ذاته. ولكن نشاطي السياسي في الولايات المتحدة كان مرفوضًا -مع القليل من الاستثناءات- من قبل الناشطين في مجال مناهضة الحرب والداعمين لمارتن لوثر كينغ. وهذه كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بنفسي مشتتة فعليًا بين ضغوط مصيرية تتمظهر أمامي وتتعلق بمكان نشأتي ولغتي، مقابل تعقيدات الوضع في الولايات المتحدة الذي يميل إلى التقليل من، بل واحتقار، ما يفترض عليّ الاعتراف به صراحة، وهو النضال لتحقيق العدل في فلسطين، والذي يعتبر أمرًا معاديًا للسامية ويضعني في صفوف النازيين.
عام 1972 كانت لدي فرصة لتسخير إجازة "السبتيكال" (إجازة علمية) أمضيت فيها سنة كاملة في بيروت، وقضيت معظم وقتي في دراسة فقه اللغة العربية والأدب، وهو الشيء الذي لم يسبق لي فعله بهذا العمق الدراسي، وذلك نتيجة شعور تكوّن لدي بأنني سمحت لهذا القدر من التفاوت بالتعاظم بين هويتي المكتسبة والثقافة التي نشأت فيها ثم انخلعت عنها. وبكلمات أخرى، كانت هناك حاجة ملحة وسياسية لخلق انسجام في ذاتي؛ حيث إن الجدل فيما كان يسمى الشرق الأوسط تحول شكلياً إلى جدل قائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن السخرية أنني تورطت فيه بعمق بسبب قدرتي على التحدث كأمريكي أكاديمي ومثقف بالرجوع إلى حادثة ولادتي. وبحلول منتصف السبعينيات كنت في وضع لا أحسد عليه، فقمت بتمثيل كيانين متعارضين تماماً، أحدهما غربي والآخر عربي.
وبقدر ما أذكر، فإنني آثرت لنفسي الابتعاد عن الظلال التي جمعت معاصريَّ من الكتاب والناشطين تحت مظلة واحدة. كان اختلافي معهم اختلافاً راديكالياً، وحيادي النزعة تجاه انتماءاتهم، كما كنت أمارس عزلتي بمزاجية تامة. لا أستطيع أن أجزم أن أياً من هذا كان سبباً في ذلك الابتعاد. فرغم انخراطي في جميع أشكال العمل المؤسساتي لدواعٍ اعتقدت أنها واجبة، إلا أن شيئاً ما بداخلي قاوم الارتباط بهم وردع الاندفاع إليهم، حتى في أكثر أوقات شعوري بالاغتراب، تمسكت بنزعتي الخاصة نحو العزلة بحدة مفرطة. قد تكون تملكتني مشاعر الحسد تجاه أحاديي اللغة من الأصدقاء، الذين لم يبرحوا مكان إقامتهم طيلة حياتهم، والذين أحرزوا الثناء المطلوب على حسن أدائهم، من استطاع أن يستشعر معنى الانتماء الحقيقي، لكنني لا أذكر أبداً أنني راودني التفكير مرة بأن أياً من تلك الحالات كانت تتوافق مع حالتي. لم يتولد هذا الشعور لدي بدافع من التفوق على مجايليَّ، أو أنني اعتبرت نفسي استثنائياً، لكنني غالباً لم أجد نفسي في توافق وألفة مع تلك الأوضاع. كنت، بالمقابل، أسير نحو مسار ثابت في احتراف سبل التعلم الذاتي لكل أشكال الاختلاف الثقافي. فما كان يجذبني نحو كتاب مثل كونراد، فيكو، أدورنو، سويفت، أدونيس، هوبكنز، أورباخ، وغلين غولد هو غفلتهم عن فرادة منظور الرؤية لديهم، وفردانية الأسلوب والتفكير الخاص بهم بما يجعل محاكاة أعمالهم أمراً بالغ الصعوبة، فهي أعمال تتفوق بثقلها المعرفي، إحكامها، وحساسيتها الذاتية. استثنائية هؤلاء الكتاب والفنانين لم تتمثل فقط في تحقيق استقلالهم الفكري، بل في قدرتهم على تبوُّء مكانهم من التاريخ الذي نقبوا عنه بتجذر ملح وحثيث لمشروعهم الأدبي أو الفني.
كان السَّمَاح لِنفْسي تدْريجيًّا بِتمْثِيل صَوْت مِهْنِي كَباحِث أكاديميٍّ، مَسَار أَتخِذه لِضمِّ وَتوحِيد مَاضِ مُعَقد، وعسير اَلفهْمِ، مِن خِلَال التَّفْكير والْكتابة كشخْص عَربِي وأمْريكيٍّ يَعمَل كِلاهمَا فِي تَضاد وَتَوافُق مع الآخَر، مُسْتخْدمًا هذَا القدْر مِن التَّفاوتِ فِي ذواتيْ وخبْراتي لِلْعمَل. بدأت هَذِه اَلمُيول بِالتَّشكُّل لَدى بُعْد اَلْعام 1967.- ورغْم صُعوبتها- إِلَّا أَننِي كُنْت أَجِد مُتعَة خَاصَّة فِيها. كان إِدْراكيٌّ لِلمَحْمولَين اللُّغَويِّ والذَّاتيِّ، أوَّلا مَا دَفعَنِي لِذَلك التَّغْيير تُجَاه مُقْتضيات الحيَاة وآليَّات الانْصهار فِي مُجتَمَع الولايات المتَّحدة، وَالذِي يُفْضِي إِلى القبول قسْرًا بِمفْهوم تَحدَّث عَنْه أدورْنو بِإسْهَاب فِي كِتابه الأخْلاقيَّات الدُّنْيا، إِذ يقول:
"ندرك إذن، أن التجارب السابقة لحياة المهاجر يتم طمسها في المنفى فالتجربة الفكرية للإنسان لا يمكن نقلها أو تجنيسها، فهي شيء غير محسوس. وبالتالي، لا يمكن قياسها وإثبات وجودها. ورغم ازدراء هذه الحقيقة، إلا أن التشيؤ لا يكتفي بهذا بل يغزو مباشرة الحياة غير الملموسة التي لا يمكن تجسيدها ماديا مثل الأشياء التي تقوم على الأفكار والذاكرة. لذلك، تم تخصيص باب جديد في إعداد البيانات، يسمى "الخلفية" ويَظهر هذا الباب في الاستقصاءات كملحق، بعد نوع الجنس، العمر، والوظيفة. وهو إجراء يتجلى عنفه في اختزال الحياة فيما يقدمه علماء الإحصاء في تيارهم المنتشي أكاديميا، والذي يأخذ الحياة في منعطف شديد الانحدار، فحتى الماضي لم يعد في مأمن من الحاضر، ففي استحضاره بهذه الصورة إيداع آخر له في عالم النسيان..."
كانت نكبة عام 1948 بالنسبة لعائلتي، وبالنسبة لي حيث كنت أبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، قضيتها مع عائلتي بعيدا عن تناول ذلك الحدث كقضية سياسية. على مدى عشرين عاما، عاش معظم الفلسطينيين كلاجئين بعد طردهم وترحيلهم عن بلادهم، وكان عليهم مواجهة حياة لا يمثل فيها الماضي الذي تم طمسه أي وجود، مواجهة لحاضر لا انفكاك عنه. ولا أطمح في الإشارة إلى أن حياتي كطالب جامعي تعلَّم الحديث وتشكيل لغة أتاحت له العيش كمواطن أمريكي تضمنت أي شيء مثل عذاب ذلك الجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تشريدهم في أرجاء الوطن العربي، حيث فُرضت عليهم قوانين الأحوال الشخصية التي استحالت بينهم وبين توطينهم فلا يمكنهم العمل، السفر، ومفروض عليهم التسجيل وإعادة التسجيل كل شهر في مقاسم الأمن، والعديد منهم مجبر على العيش في مخيمات تحت ظروف حياتية قاسية مثل مخيمات صبرا وشاتيلا في بيروت وهي مواقع المجازر التي حدثت بعد 34 عاما من النكبة. ولكن ما مررت به جعلني شاهدا على إخماد وقمع للتاريخ الذي أنتمي إليه في وقت كان كل من حولي يحتفي بانتصار إسرائيل وقوتها العسكرية المباغتة كما سمتها باربرا توخمان على حساب السكان الأصلانيين، الفلسطينيين، الذين وجدوا أنفسهم مباشرة مجبرين المرة تلو الأخرى على إثبات أنهم سكنوا المكان ذات مرة. "لا يوجد فلسطينيون" قالت جولدا مائير عام 1969 مما وضعني أنا والعديد ممن هم مثلي في تحد قهري لدحض ذلك الافتراض والتعبير عن تاريخ من الفقدان والاقتلاع الذي تم تهميشه لحظة بلحظة، كلمة بكلمة، إنشا إنشا من تاريخ تأسيس إسرائيل وإنجازاتها. فكنت أعمل في الجانب الغائب نهائيا: اللاوجود، اللاتاريخ، والذي كان علي جعله مرئيا رغم كل عمليات الإنكار وسوء التمثيل والأطباق الكامل على الأحقية في السرد...
كل ذلك جعل من التفكير في الكتابة واللغة أمراً لا مناص منه. كان يقتصر اهتمامي من قبل فيما يحرك الكتابة واللغة من خلال ارتباطهما بنص وموضوع محدد، تاريخ رواية، فكرة نثر سردية كموضوع لرواية على سبيل المثال. ما يثير اهتمامي الآن، هو كيف يتشكل الموضوع، وكيف تُبنى اللغة. الكتابة كبُنية لواقع يخدم غايات محددة. كان هذا هو عالم السلطة والتمثيلات التي تم إيجادها من خلال سلسلة من قرارات يتحيز لاتخاذها مجموعة من الكتاب ورجال السياسة وعلماء الفلسفة للإشارة إلى واقع ما ومحو واقع آخر بالمقابل. كانت أول محاولة لي في الكتابة عن هذا الموضوع، مقالة قصيرة كتبتها عام 1968 حملت عنوان "العرب مُصوّراً"، الذي قدمت فيه وصفاً لصورة العرب التي تم التلاعب بها وتناولها في الصحافة وبعض الكتابات البحثية بأسلوب يتجاهل أي طرح للتاريخ والواقع المعاش من قبلي ومن قبل غيري من العرب. كتبت كذلك دراسة مطولة في النثر العربي والرواية بعد عام 1948، والتي أوْضَحت فيها سمات التشتّت والتشظي في المسار الروائي بعد النكبة.
خلال السبعينيات، كنت أُدرِّس مساقات في الأدب الأوروبي والأمريكي في جامعة كولومبيا وفي جامعات أخرى. شيئاً فشيئاً دخلت عالم السياسة الاستطرادي فيما يتعلق بسياسات الشرق الأوسط والعالم. كانت لديّ دوماً رغبات في تطويع حلقة تعليمية حول الأدب العربي الحديث، ولكن لم أقترب من تحقيق ذلك. كنت، على مدى ثلاثين عاماً، أُحضِّر لعقد سيمنار عن فيكو وابن خلدون، عالم الفلسفة العظيم والمؤرخ التاريخي للقرن الرابع عشر. ولكن هويتي كأستاذ في الأدب الغربي أبعدتني، في المقابل، عن هذا الجانب من الاهتمام لدي. وكانت راهنية الاهتمام به ترتبط بقدر حفاوة الفصل الدراسي بالموضوع. المفارقة أن التزامي في الكتابة وتعليم المواضيع المطلوبة لم يعفني من وصاية إدارة الجامعة التي شدّدت على أن أقدم محاضرة أبرر فيها تنصلي من أي نشاط سياسي، وأن ألتزم بالمواضيع الأدبية فقط. وكان هؤلاء يتحدثون عن جهدي في تمثيل "شعبي" دون أي ذكر لاسم ذلك الشعب؛ فـ"فلسطين" لا تزال كلمة يتم استبعادها.
وحتى في العالم العربي، فإن فلسطين كانت سببًا كبيرًا للشعور بالخزي والعار. فعندما نعتني "رابطة الدفاع اليهودية" بالنازي عام 1985، أُضرم حريق في مكتبي في الجامعة، وتلقيت وعائلتي قدرًا هائلاً من تهديدات القتل، ولكن عندما عينني كل من أنور السادات وياسر عرفات ممثلاً فلسطينيًّا رسميًّا لمحادثات السلام (دون الرجوع إليَّ مطلقًا) ووصلتُ إلى مرحلة استحال معها الخروج من المنزل، هرعت الصحافة بشكل ضخم من حولي، فأصبحتُ هدفًا للعداء من قبل الجناح اليساري القومي المتشدد، وذلك بسبب ليبراليتي فيما يتعلق بمسألة فلسطين وفكرة التعايش بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين العرب. كنتُ دومًا مؤمنًا في اعتقادي بعبثية الحل العسكري لكلا الطرفين، وأن الحل يكمن من خلال عملية تسوية سلمية تضمن تحقيق العدل للفلسطينيين الذين تحملوا عناء القتل والاحتلال. وكنتُ أيضًا ناقدًا جدًّا لاستخدام الشعارات المبتذلة مثل "الكفاح المسلح" و"المغامرات الثورية" التي أودت بحياة العديد من الأبرياء ولم تفعل شيئًا بالمقابل في تقدم مسيرة القضية الفلسطينية على الصعيد السياسي. كتب أدورنو أن "مأزق الحياة الخاصة اليوم يظهر من خلال ميدانها". ويكمل أن "المأوى أو المسكن في المنطق السليم بات مستحيلاً. المساكن التقليدية التي نشأنا فيها أصبحت غير محتملة، فمقابل كل مزايا الراحة فيها يتعمق البعد عن المعرفة أو حتى يُغرّر بها، فأي شكل للمأوى يخضع بشكل حتمي لرغبات العائلة". وبشكل أكثر ثباتًا يكمل:
"عندما يصبح البيت من الماضي... الطريقة المثلى لمواجهة هذا الماضي سوف تتمظهر كتصرفات غير ملتزمة بشيء محدد، مُعلَّقة: بمعنى آخر فإن تبني حياة خاصة بما يتماشى مع النظام الاجتماعي واحتياجات المرء الخاصة لا يعني بالضرورة أن تجعل هذا الارتباط الاجتماعي جوهرياً وأساسياً للحياة الخاصة. "إنه حتماً من توفيق حظي ألا أكون من أصحاب المنازل والبيوت" كتبها نيتشه سابقاً في كتابه "العلم الجَذل" Gay Science. واليوم علينا إضافة: إنه جزء من الممارسة الأخلاقية ألا تتخذ من المنفى بيتاً.
بالنسبة لي، لم أستطع أن أمارس حياة من التقاعس والتأجيل؛ فلم أتردد بالإفصاح عن تبعيتي لقضية مغمورة و غير محببة. وعلى النقيض، فقد حافظت دوما على حقي بأن أنظر بعين الناقد حتى ولو تصارعت نزعة النقد لدي مع واجبي في التضامن مع ما يتوقعه الآخرون باسم الوفاء الوطني. وهناك مشقة واضحة وتكاد تكون حسيّة في وضع كهذا خاصة في حالة التنافر بين هذين المكونين وشكل الحيوات اللتين تفرضانها.
كانت المحصلة النهائية لنوع الكتابة الذي أحترفه تتلخص في محاولتي الدائمة لتحقيق أكبر قدر من الشفافية، وذلك بأن أحرر نفسي من لغة الأكاديميا والتنميق واللغة المتداولة في تناول المواضيع المعقدة. تبني هذا الصوت كان سبباً في تسميتي بالعلماني أو "الدنيوي" والذي لم أتقصد من خلاله أن أكون ذلك المتحاذق المتشدق من المدينة، ولكن أردت أن أقدم موقفاً مدركاً وجريئاً في محاولة فهم وتعرية هذا العالم الذي نحيا فيه. وهناك كلمات مشابهة اشتقت من فيكو وأورباخ وهي "علماني" و"علمانية" بوصفها كلمات تنطبق على أمور مادية (دنيوية). وبهذه الكلمات المشتقة من الموروث الحياتي (earthly matters) الإيطالي الذي يرفد منه كل من غرامشي ولامبيدوزا من خلال لوكريتيوس، توصلت إلى إضافة معدلة في الموروث الألماني المؤمن بالمثالية في تأليف وتركيب ما هو مضاد كما نجد عند هيجل، ماركس، لوكاتش وهابيرماس.
حيث لم تعطِ كلمة "مادي" "earthly” المعنى الإيحائي الدال على هذا العالم التاريخي الذي صنعه الرجل والمرأة مقابل الرواية الدينية التي تعود إلى الإله، ولا هو تاريخ بُني من خلال "الفئة النخبوية للوطن" بتعبير هيردر. ولكنها تدل على الأساس المعرفي المرتبط بمكان معين، وبالنسبة للجدل الذي أفترضه واللغة التي أستخدمها، هو هذا الأساس المعرفي الذي تعمقت فيه في محاولة لفهم الجغرافيات المتخيلة والتي تم اختراعها وفرضت بالقوة على أراضٍ وشعوب تفصل بينها مسافات.
ففي "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" وبعدها مجدداً في خمسة أو ستة كتب كُرست لتكون صريحة سياسياً فيما يتعلق بفلسطين والعالم الإسلامي والكتابة عنهما، شعرت أنني أجسد كياناً يكشف للجمهور الغربي أشياء كانت حتى ذلك الوقت إما محجوبة أو غير مطروحة للنقاش بتاتاً. ولهذا، بالحديث عن الشرق الذي حتى الآن يُسَلَّم بكونه أمراً محدداً بسيطاً في الوجود، حاولت تعرية ذلك الهوس في الاختلاف الجغرافي القائم على أساس بُعد المسافات، والذي تم تصويره عن العوالم غير المتاح التعرف عليها، وهو الأمر الذي ساعد أوروبا على تحديد هويتها في كونها النقيض الذي تختاره. وبالمثل، أعتقد أن فلسطين، وهي المكان الذي تم طمسه لبناء مجتمع آخر، كان من الممكن استرجاعها من خلال المقاومة السياسية ضد الظلم والنسيان.
كنت ألحظ من حين إلى آخر أنني أصبحت بالنسبة للعديد من الناس كائناً غريباً، وحتى بعض الأصدقاء الذين افترضوا كوني فلسطينياً بأنه معادل لشيء خرافي مثل أحادي القرن أو خليط غريب لكائن بشري. هاتفتني صديقة من بوسطن، وهي طبيبة نفسية وباحثة متخصصة في حل النزاع، كنت قد التقيت بها خلال عدة ندوات تضم فلسطينيين وإسرائيليين، هاتفتني من قرية غرين ويتش حيث طلبت أن تأتي للمدينة في زيارة لي. وعندما وصلت دخلت المنزل ونظرت بارتياب إلى آلة البيانو "آه، أحقاً تعزف على البيانو؟" قالت بنوع من الإنكار في صوتها، ثم أدارت نفسها وهمت بالرحيل. وعندما سألتها عن رغبتها في تناول فنجان شاي قبل الرحيل (حيث كانت قد قطعت مسافة طويلة لمثل هذه الزيارة القصيرة)، فأجابت بأن ليس لديها متسع من الوقت "جئت فقط لأعاين حياتك عن كثب"، قالت ذلك دون أدنى تلميح بالسخرية. وفي مناسبة مشابهة رفض ناشر من مدينة أخرى أن يوقع عقداً معي حتى أشاركه الغداء، وحينما سألت مساعده عن سبب إلحاحه في هذا قال إن الرجل أراد أن يتأكد من قدر لباقتك على مائدة الطعام. لحسن الحظ أن مثل هذه التجارب لم تؤثر عليّ بتاتاً أو تشغل وقتي لمدة طويلة، فكنت دوماً على عجلة لإلقاء محاضرة أو موافاة موعد، وتجنبت بشكل متعمد مراجعة نفسي بما قد يودي بي إلى مطاف نهائي من القنوط والخيبة. وبكل الأحوال فإن الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت في ديسمبر 1987 أكدت على إنسانيتنا بطريقة ملحمية وملحة مختزلة كل شيء كنت قد قلته قبل مدة طويلة. وجدت نفسي أتحول إلى شخصية رمزية يتم استحضارها لكتابة المزيد من المئات من الكلمات أو للإدلاء بصوتي في عشر دقائق للتعبير عما يعيشه الفلسطينيون، هذا الدور الذي كنت أحاول الهروب منه خاصة في حالتي التي لا أتفق فيها مع قيادة السلطة الفلسطينية منذ أواخر الثمانينيات.
لست على يقين في تسمية هذا المسلك في الكتابة نوعا من ابتكار مُطّرد للذات، أو اضطراب مزمن، لكنني على كل الأحوال تعلمت أن أعزز ذلك في نفسي وبقدر ما يتخيل المرء فإن موضوع الهوية موضوع رتيب، فالمواضيع المتعلقة بدراسات الهوية بما تحمل من نرجسية ذاتية تمر عبر تشعبات مختلفة في الدراسات العرقية التي نتطرق إليها اليوم في حقول متعددة خلال دراسات الهوية التي تتناول مواضيع مثل الغطرسة الثقافية، القومية وتأكيد جذور الشعوب. علينا أن ندافع عن الشعوب والهويات المعرضة للاندثار والخاضعة لقوى أخرى باعتبارها أدنى شأن، ولكن هذا أمر مختلف عن تعظيم ماض تم اختراعه لتحقيق أهداف في الزمن الحالي. ويدين مثقفو الولايات المتحدة لبلادهم في تحقيق نضال ضد حالة التجهيل الفكري، الظلم والإقليمية التي تشوه مسيرة بلد يعتبر نفسه القوة الخارقة والوحيدة. بل إنه أمر أكثر تحديا أن يحاول المرء أن يصنع تغييرا من نفسه مقابل أن يواصل الإصرار على فضائل كونه أمريكيا ضمن هذا المنطق الأيديولوجي الذي تتبعه الولايات المتحدة. فبالنسبة لشخص مثلي، خسر وطنه، بلا أمل لاسترجاعه على المدى القريب، لا أجد سعادة في تقليم حديقة جديدة أو البحث عن مجتمع ما للانتساب إليه. يعلمنا أدورنو أن التسوية تحت الإكراه هي فعل جبن غير أصيل، وبالنهاية ماتمنحه تمنحه قضية خاسرة من إحساس بالزوال والارتهان أفضل من ذلك الانتصار. فعلى سبيل المثال أجد في البيت المستأجر الذي عادت ما يمنحك شعورا غير مستقر وطارئا أجد فيه رضا أكثر من رصانة اقتناء منزل دائم. ولذلك أجد نفسي أكثر اهتماما بكتاب مثل أوسكاروايلد وبودلر من مجدي الفضيلة الثابتة مثل ووردزوورث أو كارليل...
على مدى خمسة أعوام، كنت أكتب عمودين في الشهر للصحافة العربية. ورغم ابتعاد ممارستي السياسية عن صِبغة التدين إلا أنه غالباً ما تم وصفي في العالم الإسلامي بشكل محتدم بالمدافع عن الإسلام، وربما تتخذني بعض الأحزاب الإسلامية كشخصية داعمة لها. لا شيء من الممكن أن يكون أبعد عن الحقيقة أكثر من كوني معتذراً مستمراً عن الإرهاب. يصعب الحفاظ على ميزة الانتشار في كتابة المرء عندما لا يكون في أي خندق سياسي أو حزب لقضية ما. ولكن هنا أيضاً تقبلت تضارب أوجه ما أؤمن به على صعيد متزايد، هذه الأوجه متعددة التنازع أو على الأقل غير متجانسة بشكل تام. وهناك وصف لغونتر غراس ينطبق على هذه الحالة جيداً وهو "المثقف دون تكليف". وازداد الأمر تعقيداً منذ أواخر عام 1993، فبعدما كنت الصوت المُصادق عليه كممثل للنضال الفلسطيني كنت أكتب بشكل متزايد وجاد عن عدم توافقي مع عرفات وجماعته. وعندها مباشرة وُصمت بالمُعادي للسلام لافتقاري للباقة والكياسة في وصف اتفاقية أوسلو بأنها مصدوعة. والآن وكل شيء معلّق في العمل السياسي، غالباً ما يسألني العديد عن شعوري بعد أن ثَبُتت صحة رأيي، ولكنني كنت أكثر تفاجؤاً بهذا من أي شخص آخر، فالتنبؤ بالمستقبل ليس من أسلحتي.
ولثلاث أو أربع سنوات مضت كنت أحاول أن أكتب مذكرات عن حياتي المبكرة والسابقة لحياة السياسة، وذلك يرجع إلى حد كبير لاعتقادي بأنها قصة تستحق الإنقاذ والإحياء من جديد لارتباطها بثلاثة أماكن اختفت عن الوجود؛ ففلسطين هي الآن إسرائيل، ولبنان بعد عشرين عاماً من الحرب الأهلية هو الآن بالكاد ذلك المكان ضيق الخناق عندما كنا نمضي إجازة الصيف محبوسين في ضهور الشوير، ومصر ذات النظام الملكي الكولونيالي اختفت في عام 1952. ذكرياتي عن هذه الأماكن مازالت موسعة بشكل كبير، مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي يبدو أني احتفظت بها بين دفتي كتاب مليء بالمشاعر غير المباح عنها والتي تولدت نتيجة مواقف وأحداث حصلت منذ عقود وتم تأجيل الإفصاح عنها حتى الآن. يقول كونراد في "نوسترومو" إن هناك رغبة تسكن قلب كل فرد بأن يكتب لمرة واحدة روايته الخاصة لما حصل، وأعتقد أن هذا بالتأكيد ما حركني لكتابة المذكرات، فوجدت نفسي أكتب رسالة لأمي المتوفاة مرة أخرى للتواصل في أمر جوهري عن حضور البدايات في حياتي. ويقول أدورنو في نص له:
يؤسس الكاتب بيتاً... بالنسبة لشخص لم يعد له وطن، فإن الكتابة تصبح مكاناً للعيش… ولكن الحاجة لأن يمرّن المرء نفسه لمواجهة مشقة رثاء الذات تستلزم مهارة فنية ضرورية لمواجهة أي تراخٍ في النشاط الفكري بأقصى درجات اليقظة، لبناء القدرة على تفكيك ما قد يشكل قشرة حول العمل بالانجراف نحو الخمول والتراخي؛ هذا العمل الذي لم يتعدَّ في مراحل سابقة شكل الثرثرة، جهد قد يولد أجواء باعثة على النماء ولكنها الآن تترك لتركد وتخمد في الماضي. وفي نهاية الأمر، ليس للكاتب حتى أن يسكن كتابته.
وفي أقصى حالات الكتابة قد يحقق المرء شيئاً من الرضا المؤقت، الذي سرعان ما يخبئ له الشك كميناً وحاجة لإعادة الكتابة والعمل اللذين يفقدان النص أهليته في السكنى. ولكن يبقى ذلك أفضل من النوم بين طيات الطمأنينة ونهائية الموت.
هوامش
