كتبها ندي أبو سعادة ونشرتها The Architectural Review في ١٤/٠٤/٢٠٢١.
تحت كل مدينة تحيا مدينة أخرى. فمدينة الآثار والحشود البشرية والشوارع الصاخبة تخفي بداخلها مدينة من الميازيب والأنفاق المظلمة وبقايا الآثار والخرائب المدفونة. لا يمكن للمدينة أن تتواجد دون أجزائها غير المرئية والبنى التحتية التي تحافظ على استمراريتها: تلك هي أحشاء المدينة. هناك، تحت وقع أقدام سكانها المتسارع، تقع أساسات المدينة. فالمدن تنشأ بنيتها من الأرض باتجاه الأعلى، رغم أن تخطيط البناء غالبا يتشكل من منظور عين الطائر (الإسقاط المائل). لكن لكل فضاء مديني قصة عن البنى التحتية له.
ترتبط قصة البنى التحتية لمدينة القدس بقصة أحداث تاريخية ومعتقدات مقدسة وأساطير مختلقة. اتخذت هذه القصة سرديات تشكلت في كتب التاريخ بصورتها المروية في النصوص المقدسة والحكايات المتخيلة. وفي تتبع إحداها، لا يسلم المؤرخ من الاهتداء إلى غيرها من القصص. في مدينة القدس تتداعى عوالم المدينة الباطنية والخارجية مشكلة وحدة واحدة؛ فالقدرة على تشكيل جوف المدينة يحكم إنشاء ظاهرها. الصراع المحوري في القدس حالياً ليس صراعاً بين الروايات المتضاربة -كما يميل النقاد إلى اختزاله- ولكنه صراع ضد التسلسل الهرمي الحالي لبنية المدينة. فأولئك الذين يسيطرون على الأرض يسيطرون على روايتها. في قلب الرواية الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية التي تهيمن على المدينة اليوم، قصة تستبعد عن قصد وجود ما يعادل نصف سكانها: الفلسطينيين.

غلاف المجلة الفصلية الصادر عن صندوق استكشاف فلسطين PEF في نيسان عام 1896، في بيان يشير إلى الحرم الشريف أو جبل الهيكل. أَسّس صندوق PEF عام 1895 مجموعة من الباحثين البريطانيين ورجال الدين لدراسة وإجراء عمليات مسح لبلاد الشام.
عند المشي في أزقة البلدة القديمة في القدس اليوم، فإن الأصوات السائدة هي هتافات الباعة الفلسطينيين الذين يحركون الشرايين الرئيسة للتجارة. تربط الممرات الحيوية المتفرعةً من مركز المدينة القديمة، بقايا الشبكة الرومانية لكاردو ماكسيموس وديكومانوس ماكسيموس، بوابات المدينة الرئيسية بقلبها. بينما يمشي المرء بالقرب من الموقع الضخم والمرتفع للحرم الشريف، يمكن سماع أصوات أخرى بشكل متواصل وبوضوح -تلوح في الأفق في خلفية المكان الصوتية-: أصوات الشاحنات والجرافات والمثاقب. ومن المفترض أن هذه الأصوات ليست أصواتاً غريبة في الوقت الذي يتم فيه تحويل المدن على مستوى العالم، من نيودلهي إلى القاهرة، إلى مواقع بناء كبيرة غير مكتملة. لكن في القدس، الأصوات ليست لموقع كبير من البناء فوق الأرض، ولكنه صوت باطني للحفر يأتي من تحت الأرض.
نظرًا لأن التوسع الاستعماري الإسرائيلي في أماكن أخرى من البلاد يستحوذ على قمم التلال والأنهار والأراضي الزراعية الخصبة، يتغلغل هذا التوسع في عمق القدس مثل مشرط يخترق جلد المدينة إلى أنسجتها الداخلية. الأركيولوجيا المشبعة بالأيديولوجيا والاستراتيجيات الاستعمارية والاستيطانية تتخذ من علم الآثار ذريعة لتحقيق توسع جوفي. فلسان منطقها أن هذا التوسع الجوفي هو إعادة اختراع لتاريخانية المكان بقدر ما هو تصميم وتخطيط مكاني. فمع كل بوصة تحفر في عمق الأرض، تتزايد الادعاءات الاستعمارية بشأن ما يعتلي هذه الأرض. وسواء كان ذلك لغرض بناء حديقة أثرية أو مقبرة جديدة تحت الأرض، لا يمكن التغاضي عن التهديدات الإقليمية التي تشكلها مثل هذه التوسعات بالنسبة لمدينة محتلة. وبالنسبة للسكان الفلسطينيين في البلدة القديمة في القدس والأحياء المجاورة لها مثل حي سلوان وحي الشيخ جراح، فإن الارتدادات الضخمة وصدى صوت الحفريات الإسرائيلية المنبعثة من جوف الأرض يعني شيئًا واحدًا: إشعار إخلاء وشيك.
شهد القرن التاسع عشر، وهو عصر البواخر والنفوذ الإمبراطوري الأوروبي المتزايد في بلاد الشام، تحول علم الآثار في فلسطين إلى مشروع استعماري مركزي؛ فالهوس الاستعماري بأعماق مدينة القدس الجوفية يسبق إنشاء دولة إسرائيل بوقت طويل. استخدم المستشرقون وعلماء الآثار الأوروبيون، في بحثهم عن آثار الأرض اليهودية المسيحية المقدسة، رؤيةً وصفها أحد المؤرخين بأنها غالبًا ما تميل إلى طمس الخطوط الفاصلة بين "العلم" و"الدين". وفي غضون بضعة عقود، حُوِّلت مساحات شاسعة من الأراضي المحلية في المدن والقرى الفلسطينية إلى مواقع حفر خاضعة لسيطرة أجنبية. ورغم ضآلة ظهورها سطحيًّا، فإن مطامع مواقع التنقيب المتناثرة في جغرافيا المنطقة تشكل دلالة لا تقل خطورة عن الأبنية البارزة في المقابل التي أسستها القوى التبشيرية الأوروبية للسيطرة على الفضاء المديني للمراكز الحضرية الرئيسية، وخاصة في مدينة القدس.

في عام 1867 أرسل صندوق استكشاف فلسطين (PEF) قائد المهندسين الملكيين البريطانيين، تشارلز وارن، إلى فلسطين في رحلة أركيولوجية توراتية. يهدف الصندوق، الذي أُنشئ في لندن قبل عامين من الرحلة، إلى تنظيم آليات البحث أركيولوجياً وإثنوغرافياً في الأرض المقدسة. يقترن العمل الاستكشافي لصندوق (PEF) بقسم الاستخبارات العسكرية البريطانية الاستكشافي. وقد أثبتت نجاعته في الحرب العالمية الأولى في مواجهة جبهة فلسطين، وفي تمهيد فرض الاحتلال البريطاني سيطرته على فلسطين عام 1917. لم يُظهر وارن أي خجل في إفصاحه عن الركائز الأيديولوجية في تصوره لماضي فلسطين ومستقبلها. في أطروحته عام 1875 بعنوان "أرض الميعاد"، دعا وارن صراحة إلى احتلال يهودي لفلسطين بدعم من القوى الإمبريالية من خلال منظمة استعمارية مماثلة لشركة الهند الشرقية.
شكلت أعمال التنقيب التي قام بها وارين إحياءً للعديد من الوثائق المكتوبة والرسومات حول باطن الأرض في القدس. أحد الرسوم التوضيحية، وهو مقطع عرضي للعمود أو النفق المذهل لضخامته الذي يبلغ عمقه 24 مترًا نحو الزاوية الجنوبية الشرقية لسور الحرم الشريف، استُخدم غلافًا لمجلة PEF على مدى قرن وأكثر. هذا الرسم التوضيحي، كما هو الحال مع التجسيد البصري النافذ الذي يصور أعمال التنقيب الخاصة بوارن، لم يقم برسمه بنفسه. بدأ الفنان الاسكتلندي ويليام سيمبسون عام 1869 بمرافقة وارين في رحلاته عبر الأنفاق والممرات المكتشفة حديثًا أسفل المدينة المقدسة. أنتج سيمبسون بصحبته، وهو الذي حقق شهرة عالمية لرسوماته خلال حرب القرم وتغطيته لأحداث على مستوى العالم كفنان خاص لجريدة أخبار لندن المصورة The Illustrated London News، العديد من الرسوم التوضيحية التفصيلية بالألوان المائية للمساحات الجوفية في القدس. في 6 أبريل 1872، افتتح سيمبسون معرضاً للرسومات المائية بعنوان Underground Jerusalem في دار العرض Pall Mall في لندن.
ويبرز في لوحات سيمبسون الانحراف عن التصورات الأوروبية السابقة في العصور الوسطى للبنى التحتية لمدينة القدس. فبينما اتخذ هؤلاء الفنانون غالباً من الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري مصدراً للإلهام، حيث تشكل القدس، جنبًا إلى جنب مع جبل المطهر، محورًا يخترق مستويات الجحيم كمسار للتطهر من الخطايا السبع، يتموضع تحت المدينة وصولاً إلى بطن لوسيفر في مركز الأرض؛ فإن أعمال سيمبسون تباينت عن فناني أوروبا المعاصرين الذين رسموا، كما فعل هو أيضًا، الأرض المقدسة عند زيارتهم لها وليس فقط من وحي الخيال. في تصاويرهم، التي اتخذت في الغالب شكل لوحات بانورامية التركيب، تظهر المناظر الطبيعية للقدس على أنها مناطق ممتدة ومكشوفة التضاريس. حيث أكدت المساحات الشاسعة للقدس من جبل الزيتون الموضحة في رسوماتهم فكرتهم عن المدينة المقدسة، التي بدت على حد تعبير أحد المؤرخين : "متحفاً توراتياً مفتوحاً". في المقابل، تصور لوحات سيمبسون ما يشكل الطابق السفلي المنسي من ذلك المتحف: الأنفاق المدفونة منذ دهور، والقنوات، وأحواض المياه، والأرصفة القديمة والمقابر المهجورة. ومن خلال أعمال هؤلاء الفنانين، يظهر بشكل جوهري الجانب الودي الذي تتخذه المواجهة الإمبريالية الأوروبية مع فلسطين، فضلاً عن فداحة ذلك إقليمياً.

في إحدى اللوحات، بعنوان "ممر تحت الأقصى" (هكذا)، يصور سيمبسون مجموعة من الرجال يرتدون الزي المحلي، يمسكون بالسيوف ويسيرون بشكل طائش تحت الأقبية الحجرية المزخرفة أسفل المسجد الأقصى، ويوضح الرسم تمسك سيمبسون بالأبعاد العنصرية الشائعة في التصوير الاستشراقي "للعرب الأصوليين". وفي ضوء كتاباته اللاحقة، التي لا تعكس أي اتصال حي مع سكان المكان، لا يمكن أن تكون وجهة نظره أكثر وضوحًا؛ فالرحلة الاستكشافية إلى البنية التحتية لمدينة القدس ليست مجرد مشروع استكشاف، ولكنها رحلة إنقاذ. فالرأي القائل بضرورة إنقاذ ماضي القدس من سكان المدينة في الوقت الحاضر لا يزال راسخًا لدى علماء الآثار التوراتيين في القرن التاسع عشر؛ حيث استمر الإرث التوراتي في تشكيل السياسات الإمبريالية البريطانية في فترة الانتداب (1922-1948)، والاستراتيجيات الثابتة لدولة إسرائيل. في عام 1967، بعد قرن كامل من بدء وارين أعمال التنقيب في المناطق المجاورة لحارة المغاربة، أمرت الدولة الإسرائيلية بهدم الحي المغربي الذي يبلغ عمره 770 عامًا جنوب شرق البلدة القديمة على حدود الجدار الغربي للحرم الشريف. وكانت الإخطارات التي أعطيت لسكان الحي لإخلاء منازلهم تتراوح بين بضع دقائق إلى ثلاث ساعات. ومع وجود جيش من الجرافات، تم القضاء على ثمانية قرون من تاريخ المدينة في عملية اكتساح واحدة فرضتها القوة العسكرية.
مع ذلك، لا تغيب القدس عن أعمال سيمبسون باعتبارها "مدينة العقل" كما أطلق عليها مهندس استعماري بريطاني فيما بعد. تظهر أهمية الرسوم التوضيحية التي رسمها سيمبسون عن باطن المدينة فقط بالتكامل مع ما بقي من "الآثار الفنية" فوق المدينة. ويبرز هذا في دليل معرضه عام 1872 حيث يوجه في لوحاته، بشكل مدروس، أوصاف المواقع الموجودة تحت الأرض نحو المواقع ذات الأهمية التوراتية فوقها. وتتضح الأسس الأيديولوجية لسيمبسون في اللوحات نفسها أكثر من أي شيء آخر. فالعرب ليسوا مستبعدين تمامًا من رسومات سيمبسون للمكان غير المأهول تحت الأرض، لكنه في الحقيقة يصمم وجودهم لأهداف مدروسة. في إحدى اللوحات، بعنوان "ممر تحت الأقصى" (هكذا)، يصور سيمبسون مجموعة من الرجال يرتدون الزي المحلي، يمسكون بالسيوف ويسيرون بشكل طائش تحت الأقبية الحجرية المزخرفة أسفل المسجد الأقصى، ويوضح الرسم تمسك سيمبسون بالأبعاد العنصرية الشائعة في التصوير الاستشراقي "للعرب الأصوليين". وفي ضوء كتاباته اللاحقة، التي لا تعكس أي اتصال حي مع سكان المكان، لا يمكن أن تكون وجهة نظره أكثر وضوحاً؛ فالرحلة الاستكشافية إلى البنية التحتية لمدينة القدس ليست مجرد مشروع استكشاف، ولكنها رحلة إنقاذ. فالرأي القائل بضرورة إنقاذ ماضي القدس من سكان المدينة في الوقت الحاضر لا يزال راسخًا لدى علماء الآثار التوراتيين في القرن التاسع عشر؛ حيث استمر الإرث التوراتي في تشكيل السياسات الإمبريالية البريطانية في فترة الانتداب (1922-1948)، والاستراتيجيات الثابتة لدولة إسرائيل. في عام 1967، بعد قرن كامل من بدء وارين أعمال التنقيب في المناطق المجاورة لحارة المغاربة، أمرت الدولة الإسرائيلية بهدم الحي المغربي الذي يبلغ عمره 770 عاماً جنوب شرق البلدة القديمة على حدود الجدار الغربي للحرم الشريف. وكانت الإخطارات التي أعطيت لسكان الحي لإخلاء منازلهم تتراوح بين بضع دقائق إلى ثلاث ساعات. ومع وجود جيش من الجرافات، تم القضاء على ثمانية قرون من تاريخ المدينة في عملية اكتساح واحدة تفرضها القوة العسكرية.
لا تزال الجرافات ذاتها موجودة حتى اليوم، تحفر بعمق في أساسات الحرم الشريف، وتبحث عن أجزاء وقطع من الآثار الموجودة أو ربما المتخيلة. وإذا كان هناك من شيء حقاً تبحث عنه، فقد كشفت قصة حارة المغاربة المدمرة، بعد أيام فقط من الاحتلال الإسرائيلي للمدينة، المنطق الأساسي الذي يدفع هذه الآلات إلى البحث تحت الأرض؛ إنه المحو الاستعماري وإعادة تصميم تاريخ المدينة وحاضرها. إن الفراغ الذي يتركه الحي المفقود في القدس في مشهد المدينة، هو فراغ حاضر في المدينة ذاتها أكثر من أي من آثارها، وهو فراغ لا يلبث يرسل نذره بأن ما نخشاه من فقد لباطن المدينة المنسي هو في الحقيقة فقد للأحياء على الجزء العلوي من المدينة المنسي أيضاً.
صورة الافتتاحية: لوحة مائية تصور قنطرة (قوس) روبنسون المنحدرة، القدس، 1869، لويليام سيمبسون. يصور العمل بقايا توسعة هيرودس الكبير للحرم الشريف في القرن الأول قبل الميلاد. سميت القنطرة باسم العلامة روبنسون الذي ينحدر من أمريكا الشمالية، حيث كان أول من تعرف على الخرائب والبقايا الأثرية عام 1838.

