<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>سليم أبو ظاهر - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/359rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/359rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sun, 09 Aug 2026 08:04:39 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>سليم أبو ظاهر - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/359rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>المقاومة فعل نجاة: نساء غزة من الهامشية إلى الفاعلية المركزية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38963</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 09 Aug 2026 08:04:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38963</guid>

					<description><![CDATA[<p>فضا</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38963">المقاومة فعل نجاة: نساء غزة من الهامشية إلى الفاعلية المركزية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، تواجه المرأة الفلسطينية أ أقسى تبعات الجريمة وأكثرها إيلاماً، وبحسب تصريح للممثلة الخاصة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين؛ فإن نساء غزة يتحملن العبء الأكبر للحرب. ذلك أن معاناتهن ما تزال قائمة رغم "وقف" إطلاق النار الهشّ؛ إذ تعيش آلاف النساء دون مأوى في أوضاع غير إنسانية ويفتقرن إلى الأمان وأبسط مقومات الحياة الكريمة من طعام ومأوى، في ظل انهيار شامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والوقود. أما من أُصبن أو فقدن أطرافهن، فلا زلن محرومات من الحصول على رعاية طبية لائقة أو من الانخراط في برامج لإعادة التأهيل وتمكينهن من استعادة حياتهن السابقة. وفي المقابل، تعاني أخريات من فواجع الفقد في واقع قاسٍ يحرمهن فرصة التعافي، بينما يُطلب منهن في الوقت ذاته مواصلة دعم أسرهن والقيام بأدوارهن المنزلية ورعاية أفراد العائلة، فقد وجدت العديد من النساء أنفسهن أمام سيل من المسؤوليات الإضافية والجديدة، على هامش معركة يومية صعبة، بعد أن فقدن المعيل الوحيد وأُلقيت على عاتقهن مهام جسيمة بلا مصدر للدخل، وتضاعف عدد الأرامل والثكالى في القطاع المدمر والمحاصر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في خضم المنازل المهدمة، والتهجير، والجوع، وأصداء القصف المستمر، تبرز النساء الفلسطينيات في قطاع غزة ليس فقط كناجيات، بل كفاعلات نشطات في المقاومة وإعادة البناء، حيث لعبن دوراً حيوياً خلال الهجمات المتكررة على غزة. بالنسبة للعديد منهن، أصبح التكيف ليس مجرد غريزة، بل استجابة مؤيدة للحياة أمام الانهيار، فصورة النساء الغزاويات لا تقتصر على الحداد أو الانتظار؛ بل هي صورة مقاومة هادئة وحازمة. وبينما يتحملن العبء النفسي العميق للعدوان، إلا أنهن بعيدات كل البعد عن أن يكن ضحايا سلبيات؛ حيث تتجلى فاعليتهن في كل جانب من جوانب البقاء اليومي واستراتيجيات إنقاذ الحياة التي صيغت رغم ندرة الموارد. وفي كثير من الحالات، تدخلت المبادرات الشعبية بقيادة النساء، حيث فشلت البنية التحتية المنهارة والمساعدات الدولية المسيّسة، في تلبية احتياجات النازحين من تنظيم مدارس ومطابخ مجتمعية مؤقتة إضافة إلى المساهمة في إدارة شبكات المساعدات المحلية. وعلى الرغم من القصف المستمر، واصلت بعض النساء تقديم خدمات أساسية مثل رعاية الأمهات، والزراعة، والخياطة، والتوثيق الإعلامي، كما استؤنفت جهود تعليم الأطفال في الخيام بفضل تحالفات غير رسمية من المعلمات، ما حافظ على إحساس هش بالروتين والأمل وسط الفوضى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"مدرسة السلام والحرية" تشكل أحد المبادرات النسوية الفريدة التي أطلقتها، في مطلع العام 2024، طالبة ماجستير في الرابعة والعشرين من عمرها لتعليم الأطفال المشردين في خيام النزوح بمدينة دير البلح، لتمضي بها من مبادرة فردية في خيمة صغيرة تضم 40 طالباً، إلى مدرسة ذات 6 فصول دراسية ونحو 500 طالب. فتاة أخرى صارت منسقة مجتمعية لتوزيع المساعدات الغذائية في حيّها، مثل المئات من نساء غزة – اللواتي تحولن إلى قوة مجتمعية تقاوم الحصار والجوع وتبتكر حلولا لحماية أسرهن من الانهيار؛ حيث تم إطلاق "مطابخ المقاومة اليومية" على غرار "مطبخ الكرامة" الذي تطبخ فيه النساء، بموارد شحيحة ومواقد بدائية، لسد حاجات وعوز أكثر من 200 أسرة مستفيدة. فيما حصلت الصحافية الفلسطينية علا الزعنون على أرفع جائزة لحرية الصحافة تقديرًا لدورها في تغطية ما حدث في غزة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في خيمة أخرى وسط غزة، وُلد مهرجان سينمائي نسائي وانطلق من وسط الركام في 26 تشرين الأول 2025؛ حيث عُقد مهرجان غزة الدولي الأول لسينما المرأة على مدار ستة أيام في مخيمات النزوح بمدينة دير البلح تحت شعار "نساء ماجدات في زمن الإبادة"، وهو أول حدث من نوعه وقد تم تنظيمه بالشراكة مع وزارة الثقافة الفلسطينية لدعم قضايا النساء في ظل المعاناة؛ إذ تم التكيف مع الواقع من خلال تثبيت شاشة صغيرة لعرض الأفلام للجمهور في ساحة مفتوحة وليس في قاعة سينما، وذلك لبث الأمل في نفوس الناس، حتى لو للحظات بسيطة بعد عامين كاملين من الإبادة. تخلل المهرجان عرض نحو 80 فيلماً من أكثر من عشرين دولة تشمل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، فيما كان الفيلم الافتتاحي بعنوان "صوت هند رجب" الذي يعيد سرد مقتل الطفلة هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات، وستة من أفراد عائلتها، على يد الجنود الإسرائيليين أثناء محاولتهم الهروب من مدينة غزة بالسيارة في كانون الثاني 2024. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي حين أن قصة هند رجب، التي قُتلت وهي تنادي طلباً للمساعدة التي لم تصل أبداً، قد تكون من بين القصص الأكثر تأثيراً، إلا أنها قصة واحدة تمثل ألم الكثيرين، وليست حدثاً عرضياً. إنها تعكس محاولة منهجية أوسع لترهيب المجتمع الفلسطيني من خلال استهداف من يُنظر إليهن كحاملات للحياة، والاستمرارية، والذاكرة. إو مما لا شك فيه أن تعاظم نسبة الضحايا بين فئتي النساء والأطفال يدل على وجود نوع من القتل الوحشي والاستهداف الممنهج والمتعمد. فخلال حرب الإبادة الجماعية، قُتلت النساء والفتيات في غزة بمعدل اثنتين تقريبًا كل ساعة - أي بواقع 7 من أصل 10 نساء قَضَين في الصراعات المختلفة حول العالم، الأمر الذي أسفر عن استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة منذ بدء العدوان، كما تم توثيق شهادات متعلقة بارتكاب عنف وتعذيب جنسي ممنهج بحق المعتقلات الفلسطينيات، حيث تم التناوب على اغتصابهن وهتك عرضهن بشكل متكرر من قبل الجنود الإسرائيليين في ظروف احتجاز غير إنسانية وممتهنة للكرامة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، يمكن القول إن الأزمة في غزة ليست مجرد نتيجة لأعمال عنف معزولة؛ إنها هيكلية، ومتعمدة، وذات بعد جندري. إذ يبدو أن الاستهداف المنهجي للنساء والأطفال جزء محسوب من جهود أوسع لمحو السكان؛ فممارسة الإبادة الجماعية من قبل القوة القائمة بالاحتلال، والضربات المتكررة على المناطق السكنية والملاجئ، أثرت بشكل غير متناسب على النساء في سن الإنجاب والأطفال. هذا النمط ليس مصادفة، بل يعكس تهديداً وجودياً متصوراً ينشأ عن نمو السكان الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزة، ويهدف إلى تقويض النسيج الاجتماعي الضروري لأي تعافٍ مستقبلي. ورغم أنه كثيراً ما يتم تصويرهن فقط كضحايا للحرب، إلا أنهن - بما يمارسن من تنظيم ومقاومة وسعي لاستدامة الحياة بطرق مرئية، أو بأخرى ضمنية، لكنها متأصلة في نماذج حيواتهن المختلفة، قد أصبحن العمود الفقري لصمود المجتمع. كذلك حضورهن لم يعد هامشياً، بل صار حيوياً يشكل مساعي البقاء اليومية، ويدافع عن الهوية، ويعيد تصور الحياة تحت الحصار، فيما باتت قصصهن تشكل تحديا للرواية السائدة وتطالب بفهم أكثر شمولية لدور النساء أثناء الحرب وبعدها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومما لا شك فيه أن مساعي المحو الممنهج، والممارسات العنيفة والفظائع التي قام بها الجنود الإسرائيليون بحق النساء الفلسطينيات في غزة، من قتل وتعذيب واغتصاب، إضافة إلى الإذلال النفسي المتعمد، تشكل انتهاكَا صارحَا للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تنص على حماية المدنيين أثناء الحروب؛ مثل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، كما تخالف قرار مجلس الأمن رقم 1325 الذي يركز ضمن بنود عديدة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، ولا سيما المتعلقة بالعنف ضد النساء والفتيات، ووضع حد للإفلات من العقاب. كذلك يؤكد القرار على أهمية المشاركة الكاملة للنساء في بناء السلام والتعافي؛ واتخاذ تدابير خاصة لدعم النساء والفتيات في مراحل ما بعد النزاع، لا سيما في مجالات الإغاثة وإعادة الإعمار، مع مراعاة احتياجاتهن الخاصة. وهذا يعني إعطاء الأولوية للمشاركة النسائية في إعادة البناء، وضمان المساءلة عن جرائم الحرب ذات الطابع الجندري، ودمج حقوق النساء في صميم أطر الحكم والتخطيط، وتكريس العدالة الجندرية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحيث أن نحو نصف سكان غزة من النساء، فلا يمكن أن تبقى تجاربهن وقدراتهن ومعارفهن هامشية؛ لا بد من تجاوز النظر إلى النساء كمجرد حزانى أو ضحايا بينما يستجيب العالم للكوارث الإنسانية في القطاع المنكوب. نساء غزة لا يكتفين بالبقاء على قيد الحياة في ظل الإبادة الكارثية؛ بل يقاومن المحو، ويحافظن على الأسر، ويُعِدن بناء شظايا الحياة اليومية من خلال الرعاية، والقيادة، والإصرار. حتى مع تحول المشهد إلى ما يشبه "السريالي" أو الغير معروف، تعبر العديد من النساء المهجرات عن رغبة ملحة في العودة – ليس فقط إلى المأوى، بل إلى أماكن مشحونة بالذاكرة، والهوية، والانتماء. فمنازلهن وأحياؤهن، مهما تضررت، ليست مواقع قابلة للاستبدال، بل أرشيف حي للمجتمع والحياة. لذلك فإن اختزالهن كرموز للمعاناة يعني تجاهل قوتهن – واستبعادهن من تصميم السياسات وتنفيذها يعني تكرار دورات التهميش؛ في حين أن مشاركتهن في إعادة الإعمار بعد الحرب، وعلى المدى الطويل، تشكل ضرورة سياسية وأخلاقية، وليست مسألة هامشية أو رمزية. الأمر الذي يستدعي تفكيك التسلسلات الهرمية التقليدية التي تعامل النساء كمستفيدات من المساعدات وليس كفاعلات في تشكيل عملية التعافي نفسها، وتوفير آليات مجتمعية، بقيادة النساء وإرشادهن، كبدائل للنماذج السائدة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذا كنا جادين بشأن العدالة وإعادة الإعمار، فإن أي عملية، سواءً كانت  قانونية، أو سياسية، أو إنسانية، يجب أن تبدأ بأسئلة حاسمة: أين النساء؟ هل تساهم أصواتهن في تشكيل الأجندة؟ هل تنعكس أولوياتهن في إعادة بناء غزة؟ ذلك أن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون الإدماج الكامل للنساء كمخططات، وصانعات قرار، ومالكات للحقوق. وصمودهن يجب أن يُقابل بتغيير هيكلي؛ يشمل إعادة توزيع القوة والموارد والاعتراف بوضعهن في مركز أي "غزة مستقبلية" – وليس مجرد الاستجابة الإنسانية أو الإغاثة قصيرة الأمد التي تنذر بإعادة إنتاج نفس أنماط الاستبعاد وعدم المساواة.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38963">المقاومة فعل نجاة: نساء غزة من الهامشية إلى الفاعلية المركزية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38673</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 29 Jun 2026 08:24:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38673</guid>

					<description><![CDATA[<p>سألني أحدهم: لماذا نكتب لغزة؟ لم أجد جوابًا مباشرًا، لكنني قلت: لأن الصمت نوعٌ من الغياب، ولأن الكلمة، مهما بدت هشّة، هي آخر ما يقاوم العدم حين يتكاثر الخراب، وهي طريقتنا الوحيدة لنُبقيها حيّة فينا، حين يُراد لها أن تُمحى من العالم. في زمنٍ يتهاوى فيه الحجر ويُمحى الأثر، تظل الكتابة فعلًا يقاوم الفناء. نكتب [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38673">الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">سألني أحدهم: لماذا نكتب لغزة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم أجد جوابًا مباشرًا، لكنني قلت: لأن الصمت نوعٌ من الغياب، ولأن الكلمة، مهما بدت هشّة، هي آخر ما يقاوم العدم حين يتكاثر الخراب، وهي طريقتنا الوحيدة لنُبقيها حيّة فينا، حين يُراد لها أن تُمحى من العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في زمنٍ يتهاوى فيه الحجر ويُمحى الأثر، تظل الكتابة فعلًا يقاوم الفناء. نكتب لأن المكان لا يُعاد بناؤه بالحجارة وحدها، بل بالذاكرة، وباللغة، وبالخيال الذي يرمم ما لا تقدر المعدات الهندسية على ترميمه. نكتب لأن غزة لا تُختزل في صور الدمار، ولا تُلخّص في أرقام الضحايا، بل تُستعاد حين نكتبها كفعل حياة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يُقال "إعمار"، يتبادر إلى الذهن فورًا مشهد البناء والإسمنت والمخططات. لكن الإعمار الحقيقي، في جوهره، ليس عملية مادية فقط؛ هو أيضًا إعادة بناء للمعنى، إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بالمكان وبذاته. وإذا كانت الحرب تدمّر المدينة، فإنها في الوقت نفسه تدمّر اللغة التي نصف بها تلك المدينة. لذلك تصبح الكتابة "بعد الكارثة" مشروع إعمار آخر، إعمار معرفي، يعيد للمدينة حضورها الرمزي في الوعي الجمعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كل كتابة في زمن الكارثة هي كتابة عن النجاة؛ ليست نجاة الجسد وحده، بل نجاة الذاكرة من المحو. منذ الأشهر الأولى للحرب الأخيرة على غزة، بدا واضحًا أن الدمار المادي ليس سوى واجهة لعملية أعمق: محاولة طمس المعنى، ومحو التاريخ، وتحويل المكان إلى فراغ. أمام هذا المشروع، تصبح الكلمة آخر ما يتبقى من المدينة. إنها الركام الذي يمكننا حمله دون جرافة، والبيت الذي نبنيه على الورق حين تُهدم البيوت في الواقع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في لحظة انقطاع الكهرباء والاتصال، كتب الغزيون على دفاترهم، وعلى جدران الملاجئ، وعلى شاشات الهواتف التي تكاد تنطفئ. لم تكن تلك الكتابات ترفًا، بل حاجة وجودية؛ طريقة ليقولوا "نحن هنا". في تلك اللحظة، تحولت الكتابة إلى فعل بقاء، إلى لغة ضد العدم. ومن هنا، تتجاوز الكتابة وظيفتها الجمالية لتغدو شهادة وجود. لكن هذه الشهادة ليست محايدة؛ إنها مقاومة، فكل نص يُكتب في وجه المحو، هو حجر آخر في جدار الذاكرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأدبيات السياسية والاقتصادية، يُختزل "إعمار غزة" في مشاريع البنية التحتية، في أرقام التمويل، في مناقصات ومؤتمرات. لكن ماذا عن إعمار الوعي؟ من سيعيد بناء العلاقة بين الناس ومكانهم بعد كل هذا الانقطاع؟ من سيعيد للمدينة صورتها كحيّز للانتماء لا كمخيم مؤقت؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الكتابة هنا ليست وصفًا للمأساة، بل استعادة للمعنى المنهار. فحين تهدم الحرب مدرسة، تهدم معها ذاكرة المكان، وتجعل من الطفولة حدثًا هشًا. وحين نكتب عن تلك المدرسة، فإننا لا نوثّقها فقط، بل نعيدها إلى الحياة في الوعي الجمعي، نحولها من ركام إلى قصة. الإعمار المعرفي، إذًا، هو إعمار الذاكرة: إعادة بناء العلاقة الرمزية بين الإنسان والمكان عبر اللغة، وعبر الحكاية، وعبر النص الذي يقاوم الاختزال الإنساني والسياسي والإعلامي لغزة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا يكمن البعد السياسي للكتابة: إنها لا تكتفي بتوصيف الخراب، بل تكشف المنظومات التي أنتجته — منظومات الاستعمار والهيمنة والمعرفة الاستشراقية. حين نكتب عن غزة بلغتنا، من داخل تجربتنا، فإننا نحررها من الخطاب الإنساني الذي يُجمّل المأساة ليخفي الجريمة، ونعيدها إلى موقعها الطبيعي: مدينة تقاوم، لا ضحية تُرثى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الإعمار المادي يبني الحجر، أما الإعمار المعرفي فيبني الوعي الذي يجعل الحجر بيتًا من جديد. فالمبنى لا يعود مدينة إلا حين يُروى، حين يُسكن بالمعنى. وغزة ليست مجرد مكان؛ بل هي معرفة مضادة، تنتج من الهامش ما يعجز المركز عن إنتاجه. وهي درس في كيف يُعاد تعريف الإنسان والمكان والسياسة بعد الكارثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ سنوات، يحاول الخطاب الغربي أن يقدّم غزة بوصفها استثناءً: مساحة للفقر والحصار والمعاناة. لكنّ ما تُنتجه غزة من سرديات، من كتابة، من ذاكرة، هو ما يقلب هذا المنظور رأسًا على عقب. فالمدينة التي تُقصف كل يوم، تواصل كتابة ذاتها، لتقول للعالم: لستم أنتم من يروينا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إننا نكتب لغزة، لا عنها. نكتب معها، لا فوقها. هذا التحوّل في موقع الخطاب هو جوهر الإعمار المعرفي: أن ننتزع حق الكلام من أولئك الذين حوّلونا إلى موضوعٍ للملاحظة أو الشفقة. أن نعيد بناء علاقتنا بلغتنا، وبتاريخنا، وبجغرافيتنا الرمزية. في هذا السياق، تتحول غزة إلى مختبر معرفي، إلى مفهوم فلسفي بقدر ما هي مكان مادي. فكل كتابة حولها هي كتابة عن العالم، وعن العلاقة بين القوة والهشاشة، بين الحداثة والخراب، بين التقدّم والتجريد الإنساني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، ترتبط الكتابة بالخيال بوصفه قوة سياسية. فكل تخيّل للمستقبل في سياق الحصار هو تمرّد على منطق الاستحالة. أن نحلم في زمن الدمار، هو أن نمارس أعمق أشكال المقاومة. إننا نكتب إذن، لا لنُسجّل الماضي، بل لنصنع أفقًا جديدًا. فالإعمار المعرفي لا يعني العودة إلى ما كان، بل تخيّل ما يمكن أن يكون. ونحن حين نكتب لغزة، لا نعيد فقط سرد ما حدث، بل نحاول تخيّل ما لم يحدث بعد. بذلك تصبح الكتابة أداة لتشكيل مستقبلٍ مغاير، ولتخطيط مدينةٍ أخرى، لا في الخرائط الهندسية، بل في خرائط الوعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يفقد الإنسان بيته، تصبح اللغة بيتَه المؤقت. فيها يتكئ، ومن خلالها يعيد ترتيب عالمه المهدّم. في كلمات محمود درويش، تصبح القصيدة وطنًا حين يضيع الوطن. وفي تجربة الغزيّين اليوم، تتحول الكتابة اليومية، المنشور القصير، الملاحظة العابرة، والشهادة الصوتية، إلى أرشيفٍ جماعي. لكن هذا البيت اللغوي لا يجب أن يُختزل في العزاء. إنه بيتٌ مفتوح للمستقبل، بيتٌ يرفض الانغلاق في الحداد. لذلك فإن الإعمار المعرفي لا يسعى إلى إنتاج خطاب الضحية، بل إلى إنتاج خطاب الفاعل. إننا لا نكتب لنُرثي أنفسنا، بل لنؤكد أننا ما زلنا هنا، نصوغ لغتنا، ونشارك العالم معرفة تنبثق من الرماد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يميز غزة اليوم هو أن المعرفة لم تعد حكرًا على الأكاديميا. الكتّاب، الفنانون، الصحافيون، النساء في الملاجئ، الشباب على الأنقاض — كلهم ينتجون معرفة. هذه المعرفة اليومية، المتجسدة في التجربة، هي أساس الإعمار المعرفي. وعلى النقيض من الخطابات التنموية والإنسانية التي تفصل بين "الخبير" و"الناجي"، تنشأ هنا معرفة جديدة: معرفة من الداخل، تُنتجها التجربة لا المؤسّسة.هذه المعرفة لا تسعى إلى الحياد، بل إلى الشهادة والاحتفاء بالهشاشة كقيمة إنسانية. في هذا السياق، تصبح الكتابة مساحة لتقاطع الذاتي بالجماعي، والشخصي بالسياسي، لتنتج ما يمكن تسميته بـ"الأنثروبولوجيا الحيّة"، حيث النص ليس وصفًا للحياة، بل امتدادٌ لها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذا ما كان الإعمار المعرفي غير قابل للانفصال عن العدالة، فإعادة بناء المعنى هي شرط لإعادة بناء العالم، ولا يمكننا ترميم البيوت ما لم نواجه الخطابات التي شرّعت تدميرها. لذلك، فإن الكتابة ليست فقط محاولة لإعادة التوازن، بل دعوة إلى مساءلة العالم. من هنا، يغدو الكاتب شاهدًا ومهندسًا في آنٍ معًا: شاهدًا على الجرح، ومهندسًا للذاكرة. وإذا كان الإعمار المادي يحتاج إلى خرائط ومهندسين، فإن الإعمار المعرفي يحتاج إلى لغة جديدة، إلى خيالٍ لا يخاف من القول. الكتابة، بهذا المعنى، هي العدالة التي تسبق العدالة القانونية، لأنها تعيد للضحايا أسماءهم، وللمكان صوته، وللزمان استمراريته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعل أخطر ما تواجهه غزة اليوم هو محاولات اختزالها وتأطيرها ضمن سرديات إنسانية عابرة، تُفرغها من سياقها السياسي والتاريخي. وبذلك فإن الإعمار المعرفي، في جوهره، هو مقاومة لهذا الاختزال. إنه مشروع لإنتاج سردية فلسطينية جديدة، لا تتجاهل الألم لكنها لا تُختزل فيه، وتربط بين التجربة اليومية والنظام الكولونيالي العالمي، بين الدمار المحلي والهيمنة المعرفية. في هذه السردية، تصبح الكتابة أداة نقدية، تقاوم الخطاب الذي يصوّر غزة ككارثة إنسانية، لتعيدها إلى موقعها الحقيقي: كارثة استعمارية مستمرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما تبدو الكتابة هشّة أمام هذا الكمّ من الدمار، لكنها وحدها ما يبقى. فحين ينهار كل شيء، تظل اللغة آخر ما يمكن ترميمه. في كل كلمة تُكتب، لبنة جديدة تُضاف إلى بيتٍ رمزيّ نعيد بناءه معًا. هذا هو الإعمار المعرفي: أن نحمل اللغة كأداة نقش وبناء، نحفر بها المعنى من جديد، نعيد ترتيب الركام لا لنُخفيه، بل لنُقيم عليه بيتًا من الذاكرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غزة ليست مدينة مهدّمة؛ إنها مدينة تُعاد كتابتها كل يوم. في كل شهادة، في كل نص، في كل سطر يخرج من بين الأنقاض، تبني غزة نفسها من جديد. ليس بالحجارة، بل بالمعرفة التي تولد من الرماد. وأن نكتب لغزة هو أن نمارس الإعمار بأدوات أخرى: أن نبني ذاكرة ضد النسيان، ومعرفة ضد الجهل، وخيالًا ضد الخراب. أن نعيد للمكان صوته، وللناس وجوههم وكرامتهم. الكتابة ليست ترفًا في زمن الكارثة؛ إنها ضرورة أخلاقية ومعمارية في آنٍ واحد. فكما تُبنى المدن بالأيدي، تُبنى الأمم بالمعنى. وغزة، التي تهدم كل يوم، تبني نفسها كل يوم أيضًا — بالحبر، وبالكلمة، وبالكتابة التي لا تموت.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38673">الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حين مرت فلسطين من بهو الفندق</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38428</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 26 May 2026 11:15:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38428</guid>

					<description><![CDATA[<p>ذات صباحٍ سويسريّ بارد، في بهو أحد الفنادق الفاخرة في جنيف، حيث يتقن الوقت هندسة الصمت، كانت الطاولات مصطفّة بأناقة باردة، كأنها جزء من نظام العالم نفسه؛ فناجين القهوة اللامعة، الصحف المطوية بعناية، والوجوه العابرة التي تتقن فنّ عدم الالتفات. خلف الزجاج الكبير، كانت البحيرة ساكنة إلى حدّ يوحي بأن الزمن هنا لا يمضي، بل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38428">حين مرت فلسطين من بهو الفندق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">ذات صباحٍ سويسريّ بارد، في بهو أحد الفنادق الفاخرة في جنيف، حيث يتقن الوقت هندسة الصمت، كانت الطاولات مصطفّة بأناقة باردة، كأنها جزء من نظام العالم نفسه؛ فناجين القهوة اللامعة، الصحف المطوية بعناية، والوجوه العابرة التي تتقن فنّ عدم الالتفات. خلف الزجاج الكبير، كانت البحيرة ساكنة إلى حدّ يوحي بأن الزمن هنا لا يمضي، بل يُدار ببطء محسوب، كما تُدار ثروات العالم وحروبه. بدا العالم كما لو أنه استقر أخيرًا على صورته التي يحلم بها الأثرياء والدبلوماسيون: هدوء مصقول، نوافذ واسعة، موظفون يتحركون بخفة مدروسة، وأصوات خافتة لا تكاد تعلو فوق رنين الملاعق الدقيقة وهي تلامس فناجين القهوة البيضاء. حتى الضوء كان موزعًا بعناية، كأن الصباح نفسه خضع لبروتوكول الفندق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جلستُ إلى مائدة الإفطار وحيدًا، أراقب ذلك النسق الأوروبي الرتيب والانضباط السويسري البارد؛ رجال أعمال يطالعون هواتفهم بصمت، زوجان مسنان يتقاسمان صحيفة فرنسية، وسائح آسيوي يلتقط صورًا لفنجان قهوته كما لو أنه يوثّق لحظة تاريخية. كان كل شيء مرتبًا أكثر مما ينبغي، حتى شعرت أن الفوضى الوحيدة الممكنة هنا هي أن يتذكر أحدهم وطنه فجأة. حينها لمحته؛ رجل في الثمانين ربما، لكن في هيئته شيء من فتنة النجاة. كان جميلًا على نحو لا تمنحه الملامح وحدها، بل تمنحه الحياة حين تعبر صاحبها دون أن تهزمه بالكامل. عيناه العسليتان تحملان تعب المسافات، لكنهما بقيتا محتفظتين ببريق خفيف، كأن طفلًا قديمًا ما زال يطلّ منهما كلما خفّ انتباه العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عند الطاولة المجاورة جلس الرجل ليتناول إفطارًا عصريَا، لكنه كان أنيقا على نحو قديم، كأن الزمن توقف عنده في خمسينيات بعيدة ثم أكمل العالم طريقه وحده. كان يرتدي سترة رمادية داكنة وقميصًا أزرق فاتحًا، وتفوح منه رائحة خفيفة تشبه عطور الرجال في الصور القديمة. لكن ما شدّني حقًا لم يكن أناقته، بل تلك المسافة الغامضة في عينيه؛ نظرة من عاش طويلًا بما يكفي ليعرف أن الإنسان لا يكبر بالعمر وحده، بل بالأماكن التي خسرها أيضًا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">التقت نظراتنا مصادفة، أو ربما لأن الفلسطينيين، مهما ابتعدت بهم الجغرافيا، يشدّهم خيط خفي نحو بعضهم بعضًا. ثم جاء الحديث بسيطًا وعابرًا في بدايته، كما تبدأ الأحاديث الكبرى دائمًا. سألني من أين أنا، وحين قلت له: “من فلسطين”، ابتسم ابتسامة طويلة، لم تكن ابتسامة التعارف العادية، بل ابتسامة من عثر فجأة على شيء أضاعه منذ زمن، كأنها تخرج من ذاكرة لا من فم، مدّ يده نحوي ثم قال بهدوء: "وأنا أيضًا… من الخليل أصلًا، لكن شبابي كلّه كان في رام الله".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندها فقط تغيّر وجه المكان؛ حين نطق اسم الخليل، شعرت أن حجارة المدينة عبرت البحر والحدود واستقرت للحظة بين الأكواب وأطباق الإفطار الأوروبية. وحين قال "رام الله"، بدا صوته أكثر دفئًا، كأن الكلمة نفسها تحمل رائحة مساء بعيد لم يغادره تمامًا. لم تعد الطاولات طاولات، ولا الفندق فندقًا. صار الصباح أقلّ برودة، وصارت فلسطين، تلك البعيدة المحاصرة بالخرائط والأسلاك، تجلس معنا على المائدة نفسها. أخذ يحدثني عن الخليل كما لو أنه تركها بالأمس: الأسواق القديمة، رائحة العنب في آخر الصيف، والبيوت التي كانت تعرف أصحابها واحدًا واحدًا. ثم انتقل إلى رام الله شبابه، إلى المقاهي الأولى، والوجوه التي اختفت، والأغاني التي كانت تُسمع من نوافذ بعيدة في أمسيات الصيف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شيئًا فشيئًا، أخذ الرجل يفتح أبواب ذاكرته. لم يكن يتحدث كثيرًا،  لكنه كان يتحدث بالطريقة التي يتحدث بها من يعرف أن الكلمات القليلة أكثر قدرة على النجاة، وأن الذاكرة ليست مستودعًا للصور فقط، بل وطنًا بديلًا أيضًا. سألته منذ متى يعيش خارج فلسطين، ابتسم ابتسامة خافتة وقال: "من عمر… من حياة كاملة تقريبًا." ثم صمت قليلًا، وأضاف: "الغريب إنك بعد كل هالسنين بتكتشف إنك ما غادرت فعلًا، الجسد بس هو اللي بيسافر." </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استمعت إليه طويلًا وأنا أفكر في هذه القدرة العجيبة على حمل الأمكنة داخل اللغة والتعبير عنها كما لو أنه لا يستعيد الذكريات، بل يلمسها بيديه. هو لم يقل "كنت هناك"، بل تحدث عن الوطن والمكان كأنه لا يزال قائمًا داخله، مهما تهدمت البيوت وتبدلت الخرائط. ربما لهذا السبب يشيخ الفلسطيني ببطء؛ لأن جزءًا منه يبقى دائمًا معلقًا عند اللحظة التي غادر فيها أول مرة. كانت عباراته بسيطة، لكنها أصابتني بشيء يشبه الرجفة. شعرت فجأة أن الرجل لا يجلس أمامي وحده، بل تجلس معه عقود كاملة من الغياب الفلسطيني؛ المطارات، المنافي، البيوت المؤقتة، اللهجات التي اختلطت بلغات أخرى، والصور القديمة التي يحملها الناس في محافظهم كأنها وثائق نجاة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الخارج، كانت البحيرة ساكنة حدّ القسوة، والبجع الأبيض يتحرك فوق الماء بثقة كائن لا يعرف شيئًا عن المنفى. أما داخل الفندق، فقد بدأ الصباح يزداد ازدحامًا، لكنني شعرت أن الطاولة الصغيرة التي نجلس إليها انفصلت عن العالم كله. لم يعد المكان فندقًا في جنيف، بل صار فسحة معلقة بين زمنين: زمن أوروبا التي تنسى بسرعة، وزمن الفلسطيني الذي لا يملك ترف النسيان أصلًا. وحين نهض ليستعد للمغادرة، حدث شيء أربك صباح الفندق بأكمله؛ مشهد على الأرجح أنه سيبقى في ذاكرتي، أطول من ذكرياتي في جنيف. أبعد الكرسي ببطء، ووضع يده على الطاولة لحظة وكأنما يتكئ على عمر كامل، ثم نظر نحو الزجاج الكبير المطل على البحيرة. لم يكن ينظر حقًا إلى البحيرة، بل إلى مكان أبعد بكثير لا نراه نحن. وفجأة، وبصوت خافت لكنه واضح، أخذ يغني: "أمانة عليك يا ليل طول… وهات العمر من الأول."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صوته كان مبحوحًا قليلًا، لكنه حمل صدقًا لا تملكه سوى قلوب العاشقين، فشعرت أن الفندق كله صمت ليستمع، حتى أولئك الذين لا يفهمون العربية، ذلك أن ثمة شيء في الحنين الصادق لا يحتاج إلى ترجمة. كان في نبرته شوق لا يخص امرأة بذاتها، ولا مدينة بعينها، بل يخص البدايات نفسها؛ تلك اللحظة الأولى التي كان فيها العالم أكثر رحابة، وكانت فلسطين أقرب من المنفى، وأقرب من الذكرى. عندها، لم تعد الكلمات مجرد أغنية قديمة، بل تحولت إلى ترانيم رجل يريد أن يفاوض الزمن للمرة الأخيرة كي يستعيد ما فقده دفعة واحدة. رجل يطلب هدنة قصيرة مع الفقد ليعود، ولو لدقيقة واحدة، إلى ذلك الفتى الذي مشى يومًا في شوارع رام الله دون أن يعرف أن العمر يمكن أن يتحول كله إلى حنين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين انتهى، ابتسم لي ابتسامة صغيرة، أدار ظهره، ثم مضى ببطء بين الطاولات الأنيقة، تاركًا خلفه ذهولًا مضطربًا وحنينًا معلّقا في الهواء، فيما بقيتُ أحدّق في البحيرة البعيدة وأفكر أن الفلسطيني يحمل فوضاه الداخلية أينما ذهب؛ حتى في أكثر فنادق العالم أناقة، يحمل وطنه كجرح خفيف تحت قميصه؛ لا يراه أحد، لكنه لا يتوقف عن النزف، وأن أكثر ما يؤلم في المنفى ليس أنك تبتعد عن وطنك، بل أن تظل قادرًا، بعد ثمانين عامًا، على الغناء له كأنك غادرته أمس.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38428">حين مرت فلسطين من بهو الفندق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عمّان: بين تحولات العتبة ومراوغة الهوية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38093</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 19 Apr 2026 08:04:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38093</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الصباحات الباكرة، حين تلمع الشمس الخفيفة فوق تلالها السبعة، تبدو عمّان كما لو كانت مدينة تطفو بين زمنين؛ زمن الصحراء وزمن الإسمنت. مدينة تتنفس على حافة الانكشاف، كلما مرّت يد التغيير على جلدها، اكتسبت نسيجًا جديدًا وفقدت نسيجًا آخر، طوال ألفيات تسع يعود لها تاريخ المدينة الذي يرجع إلى الألف السابع قبل الميلاد لتكون [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38093">عمّان: بين تحولات العتبة ومراوغة الهوية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في الصباحات الباكرة، حين تلمع الشمس الخفيفة فوق تلالها السبعة، تبدو عمّان كما لو كانت مدينة تطفو بين زمنين؛ زمن الصحراء وزمن الإسمنت. مدينة تتنفس على حافة الانكشاف، كلما مرّت يد التغيير على جلدها، اكتسبت نسيجًا جديدًا وفقدت نسيجًا آخر، طوال ألفيات تسع يعود لها تاريخ المدينة الذي يرجع إلى الألف السابع قبل الميلاد لتكون بذلك من ضمن أقدم المدن المأهولة بالسكان. عمّان "العاصمة"، التي وُلدت حديثًا نسبياً مقارنةً بشقيقاتها العتيقات كالقاهرة ودمشق، باتت اليوم تسابق الزمن لتثبت حضورها وتلحق بموكب التطور وعجلة الحداثة، غير أن هذه العجلة التي تدفع باتجاه التغيير والتسليع لم تكن يومًا بريئة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد كانت عمان مقتصرة على الشركس في نهايات القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن العشرين، ولكن بعد إعلانها عاصمة لإمارة شرق الأردن شهدت توسعا عمرانيا مضطرداً ووفد إليها الناس من مختلف المناطق، وبدأت المدينة الحديثة بالظهور في الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث أخذت أحياء جديدة بالظهور فيما عرف بعمان الغربية. ويمكن للسائر المتبصر في شوارع عمان اليوم إدراك أن المجتمعات أو الفضاءات العمرانية فيها تقف على مفترق طرق وعلى حافة تغيير جذري، لكن لم تكتمل عملية التحول بعد، فهي ليست مدينة قديمة تمامًا وليست حديثة تمامًا، ليست ماضية تمامًا ولا مستقبلية بالكامل، هي "بين بين"، في لحظة انتقال حرجة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت عمّان قرية صغيرة تنام بين الجبال، تمر بها القبائل والشعوب كما تمر الريح عبر السهول، لم تكن تعرف الطموحات الكبرى، ولا كانت تحلم بالتحول إلى عاصمة. لكن تغيرات السياسة والاستعمار والهجرات الكبرى، بدءًا من المهاجرين الشركس نهاية القرن التاسع عشر وانتهاءً باللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، رمت بالمدينة إلى قلب المعادلة، إذ أصبحت عمّان فجأة بحاجة إلى أن تكون حضنًا للاجئين، ومركزًا للدولة، ورمزًا للحداثة. ومنذ ذلك الحين، وهي تمضي في بناء ذاتها طبقة فوق طبقة، دون أن تسأل عن الثمن. عمّان اليوم تمر بنوع من تحولات العتبة (Threshold Transformations)، وتقف على حافة المشهد، فهي ليست المدينة الصغيرة التي اختبرت ظهور نواتها في أوائل القرن العشرين، ولا البلدة البسيطة المرتبطة بجغرافيا القبائل واللجوء، لكنها أيضًا لم تتحول كليًا إلى مدينة عالمية حداثية مكتملة الأركان مثل دبي أو إسطنبول الحديثة. عمّان تعيش حالة من التحول العالق، وتستوطن منطقة الغموض وعدم الاستقرار حيث تراوغ الهويات القديمة والجديدة، وتتداخل الفضاءات الشعبية والأسواق التقليدية مع المولات والمشاريع الاستثمارية، دون حسم نهائي لهويتها المدينية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع منعطف الألفية الثالثة، أخذت عمّان تتغير بوتيرة محمومة؛ المشاريع العقارية الضخمة، الأبراج، المولات، المجمعات السكنية المغلقة، جميعها صارت وجهها الجديد. أصبحت المدينة تُعرض للبيع كسوق حرة للأثرياء العرب، وللمستثمرين الأجانب، وللطبقات الصاعدة. في كل توسع جديد لعمّان، يُطرد الفقراء من "الأطراف إلى الأطراف"، ويُمنح المركز لمن يستطيع أن يشتريه، حتى صارت المدينة تتوسع أفقياً كما تتوسع السرطانات في الأنسجة الرخوة. من جبل القلعة، حيث يمكن للعين أن تتبع انسياب التلال إلى الأفق، تبدو المدينة ككولاجٍ مفتوح؛ أحياء حجرية بيضاء تحتضن بعضها بعضًا، وأبراج زجاجية تناطح السماء في قلب المدينة الجديدة؛ غير أن هذه الصورة السطحية تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا. عمّان مدينة متصدعة بالطبقات الاجتماعية؛ غربٌ ميسور شرع في بناء مدينته الخاصة المصفّحة، وشرقٌ مكتظ باللاجئين والطبقات العاملة والمهمشة. الهامش والمركز هنا لا يتقابلان فقط جغرافيًا، بل يتحاربان وجوديًا. "جبل التاج" ليس كـ"عبدون"، و"الوحدات" لا تشبه "دير غبار"، كما لو أن المدينة قد قُسمت دون إعلان حرب، وبنيت فوق خطوط التصدع هذه مشاريع التطوير العقاري الكبرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومما لا شك فيه أن المدن المتشكلة تحت ضغوط الاستجابة السريعة للأزمات السياسية واللجوء المرافق، تفتقر إلى "هوية عمرانية صلبة"، مما يجعلها قابلة للتكيف أو التشوه تبعًا للأولويات المتغيرة. ذلك أن العمران في المدن العربية، ومنها عمّان، يُستخدم كأداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية وتثبيتها، لا مجرد تغليفها. فتخصيص الفضاءات العامة والخاصة، ومشاريع "التحديث"، تُدار دائمًا وفق منطق الربح والسلطة أكثر مما تُدار وفق منطق العدالة المدينية. ويبدو أن عمان اليوم، تشكل مثالا حيا لنمط العمران الانتقالي الطارئ الذي يؤدي إلى نمو هشّ في البنى التحتية والهوية المدينية؛ وهي ملاحظة تتجسد بوضوح في تناقضات الطرق الواسعة والأزقة، وانتشار الأحياء العشوائية، والأنماط الإسكانية المتفاوتة التي رسمت وجه المدينة وأثارت جدلية الهامش والمركز على حواف التماس ونقاط العيش اليومي المتموضع على جانبي الخط الذي يفصل شرق عمان عن غربها، مؤسسا لنواة مدينية مزدوجة متمفصلة بين المدن التقليدية والعواصم الإقليمية، التي تعاد هيكلتها وفق احتياجات المستثمرين ورأس المال العابر للحدود، لتكون مدينة مطواعة للأسواق أكثر من كونها مدينة للناس وللسكان العاديين. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع كل عملية تطوير عمراني جديدة، تفقد عمّان جزءًا من ذاكرتها، لم تعد المدينة تتذكر بيوتها الحجرية البسيطة، ولا مقاهيها القديمة، ولا حكايات الأسواق الشعبية وروائحها. حتى "وسط البلد" -قلب عمّان النابض-  صار مهددًا بالتحول إلى نسخة مصقولة لا تشبه تاريخه، تخدم السائح أكثر مما تخدم ساكن المدينة، ولم يعد سؤال "كيف يعيش أهل عمّان" مهمًا بقدر سؤال "كيف نستقطب الاستثمارات"، والنتيجة: أن الفضاء العام تقلص. المقاهي الصغيرة والمتنزهات والحدائق تراجعت لصالح مراكز التسوق الفارهة، وأصبح المشي في بعض مناطق عمان، كالعبدلي الذي كان مكتظا بمواقف السيارات والأسواق الشعبية، يحتاج إلى دفع مسبق أو تذكرة دخول، حتى صار ممكنا القول إن ما يحدث لعمّان هو أشبه بعملية "تنظيف طبقي" للذاكرة؛ إذ يُمحى الفضاء الذي يحمل ذكريات الجماعات الأقل حظًا، ويُستبدل بفضاءات عقارية نظيفة تليق بصورة المدينة "العصرية". وهكذا، تحوّلت المدينة إلى مشهد سينمائي ضخم ومعولم؛ واجهات لامعة، وشوارع أنيقة، لكن دون روح تُقاوم أو تحكي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتراقص عمّان بين تحولات عمرانية واجتماعية متسارعة، فيما تخوض معركة مستترة حول ذاكرتها وهويتها في وجه طوفان المشاريع الاستثمارية والضغوط النيوليبرالية. رغم كل شيء، لم تستسلم المدينة تمامًا للعولمة؛ في زواياها المهملة، في أحيائها الشعبية، في جلسات الأرصفة، وفي الأسواق القديمة، لا تزال هناك مقاومات حضرية صغيرة تبرز كاستثناء يحتفظ بذاكرة الجيل الأول من سكان المدينة؛ بائع متجول يحافظ على مكانه رغم سياسات الإزالة، مقهى شعبي يرفض التحول إلى "كوفي شوب"، حفلات موسيقية تحت الأرض تحاكي وجع المدينة وفرحها. هذه المقاومات الحضرية، وإن بدت هامشية، إلا أنها تؤسس لشبكة حياة بديلة، ترفض أن تذوب كليًا في مشروع المدينة الربحي. إلا أنه يمكن القول إن بعضًا من هذه الجيوب الحضرية المقاومة، كـ"اللويبدة" و"الرينبو"، باتت تشهد ما يمكن تسميته "التطهير الناعم" الذي يهدف إلى إعادة تدوير المكان بما يناسب الاستهلاك السياحي والثقافي، إذ لم تعد فضاءً للحياة اليومية العفوية، بل صارت منصة لعرض أنماط حياة مستوردة، مخصصة للطبقات القادرة على الدفع مقابل "تجربة عمّانية أصيلة"، يتآكل فيها حق الوجود العفوي للفقراء والمهمشين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد صارت عمّان مدينة "تخترع نفسها يوميًا"، لكنها تفعل ذلك بلا مشروع واضح، وهذا التردد بين أن تكون مدينة عربية تقليدية أو مدينة عالمية حديثة، بين أن تحافظ على خصوصيتها أو أن تتبنى العولمة بلا قيد، جعلها عالقة بين الأزمنة؛ تنمو مثل نبات اصطناعي بلا طعم أو رائحة. مع ذلك، ورغم كل هذه التحولات والترددات، تظل عمّان مدينة تراوغ الجميع؛ المستثمرين، المخططين، وحتى ساكنيها، معلنة رفضها أن تُختصر في سردية واحدة. مدينة لا تستسلم بسهولة، لكنها أيضًا لا تُظهر وجهها الحقيقي إلا لمن عاشوا تفاصيلها الصغيرة؛ مقهى في الهاشمي، سوق في العبدلي، شطيرة فلافل وكأس شاي على الناصية، أو جلسة صامتة فوق درج الكلحة. هذه المراوغة هي التي تمنح عمّان ذاكرة حياتها، وإن كانت حياة تُعاش على الهامش، في الظل، بعيدًا عن أنظار المستثمرين وخطط التطوير. لكن استمرارية هذا الهامش تبقى معلقًة ومرهونة بقدرة العمّانيين على تذكّر مدينتهم، لا كما يراد لها أن تكون، بل كما عاشوها وأحبوها، بكل تناقضاتها وعيوبها وجمالها العميق.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38093">عمّان: بين تحولات العتبة ومراوغة الهوية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إعادة الإعمار كفعل مقاومة: قراءة نقدية لفانون في السياق الغزي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37724</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 09 Mar 2026 09:26:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37724</guid>

					<description><![CDATA[<p>مدخل مع منعطف القرن الثاني لذكرى ولادة فرانز فانون، لا يعود استحضار أفكاره فعلًا تأريخيًا، بل اختبارًا قاسيًا لمدى استمرار البنى الاستعمارية التي ظنّ العالم أنها انقضت، بينما تتجسد في غزة بأشكال أكثر تعقيدًا ونعومة، ذلك أن غزة لا تستدعي فانون بوصفه مفكرًا من الماضي، وإنما معاصرًا أكثر من أي وقت مضى. فمنذ أكتوبر 2023، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37724">إعادة الإعمار كفعل مقاومة: قراءة نقدية لفانون في السياق الغزي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><b>مدخل</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع منعطف القرن الثاني لذكرى ولادة فرانز فانون، لا يعود استحضار أفكاره فعلًا تأريخيًا، بل اختبارًا قاسيًا لمدى استمرار البنى الاستعمارية التي ظنّ العالم أنها انقضت، بينما تتجسد في غزة بأشكال أكثر تعقيدًا ونعومة، ذلك أن غزة لا تستدعي فانون بوصفه مفكرًا من الماضي، وإنما معاصرًا أكثر من أي وقت مضى. فمنذ أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة مرحلة غير مسبوقة من العنف والتدمير الشامل، لم تقتصر آثارها على البنية المادية، بل امتدت عميقًا إلى النسيج الرمزي والاجتماعي للمدينة وسكانها، ولم يعد الحديث عن أعداد الشهداء والجرحى، أو عن حجم الدمار في المساكن والبنية التحتية، كافيًا لفهم عمق ما يجري؛ إذ تجاوزت الكارثة حدود المعاناة الفردية لتعيد إنتاج شرط "معذبي الأرض" بوصفه تجربة جماعية بنيوية تمسّ الذاكرة والمعنى والهوية، وإطارًا تفكيكيًا لمقاربة أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الإنسان والمكان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق المركّب، تتجلى غزة – حيث يتقاطع القصف العسكري مع سياسات الحصار، وإدارة المساعدات، وآليات الإعمار المشروطة – بوصفها مختبرًا حيًا للعلاقات الاستعمارية الحديثة. فهي ليست مجرد مساحة منكوبة، بل فضاء يشهد إعادة إنتاج متقدمة لأنماط العنف البنيوي وأساليب الإخضاع والسيطرة المزدوجة، المادية والرمزية، التي تناولها فرانز فانون منذ عقود بوصفها جوهر التجربة الاستعمارية، </span><span style="font-weight: 400;">والتي </span><span style="font-weight: 400;">تجعل من إعادة الإعمار ساحة صراع سياسي ورمزي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الاستعمار، عند فانون، لا يقتصر </span><span style="font-weight: 400;">على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى التحكم بالوعي، وبالذاكرة، وبالقدرة على تخيّل المستقبل. </span><span style="font-weight: 400;">فهو لم يفهم العنف الاستعماري باعتباره مجرد قوة عسكرية – بل كمنظومة شاملة تهدف إلى التدخل في الذاكرة والوعي الجمعي، وطمس القدرة على المقاومة الذاتية، وتشييء الإنسان، وإخضاعه، وتحويله إلى كائن قابل للإدارة – بينما يشكّل التحرر فعلًا لإعادة تكوين الذات المُستعمَرة واستعادة إنسانيتها </span><span style="font-weight: 400;">وقدرتها على الفعل</span><span style="font-weight: 400;">. من هنا، يسعى هذا المقال إلى قراءة ما يجري في غزة من منظور فانوني، </span><span style="font-weight: 400;">لا بوصفه استدعاءً نظريًا مجردًا، بل كأداة لفهم الحاضر، ويطرح أسئلة من قبيل: ماذا يقول لنا فانون اليوم عن العنف، والاغتراب، والتحرر؟ وهل يمكن أن تكون إعادة الإعمار فعلًا تحرريًا، لا مجرد استجابة تقنية لكارثة إنسانية؟</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بين التقنية والسيطرة: الإعمار كامتداد للعنف البنيوي</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكل شارع يعاد تأهيله في غزة ولكل مبنى يُعاد بناؤه، وفق معايير التمويل الدولي، يتم تشكيل هويّة فلسطينية مشروطة ومتغيرة حسب اهتمامات القوى المسيطرة، ما يحوّل المدينة إلى مساحة للرقابة والإشراف المستمرين، حيث يصبح كل شيء – من التعليم إلى الصحة إلى الفعل الثقافي والاجتماعي-الاقتصادي – مرتبطًا بالقرار الخارجي، وليس بالحاجة أو الإرادة المحلية. </span><span style="font-weight: 400;">هذا الواقع يجعل من غزة نموذجًا معاصرًا لما وصفه فانون بالفضاء الاستعماري، حيث تُفرض ثنائية صارمة بين من يملك القرار ومن يُختزل إلى موضوع للسياسات. وهي ثنائية لا تنتج تفاوتًا في القوة فحسب، بل تعيد إنتاج الدونية كحالة وجودية مفروضة، وتحوّل السكان من فاعلين في مدينتهم إلى متلقين </span><span style="font-weight: 400;">سلبيين</span><span style="font-weight: 400;"> للإدارة </span><span style="font-weight: 400;">ولخطط </span><span style="font-weight: 400;">ومشاريع الإعمار</span><span style="font-weight: 400;"> – التي</span><span style="font-weight: 400;"> غالبًا ما تُقدَّم بوصفها توظيفًا </span><span style="font-weight: 400;">للموارد والجهود الدولية</span><span style="font-weight: 400;"> في شكل استجابات </span><span style="font-weight: 400;">إنسانية عاجلة ومرحلية. غير أن قراءة </span><span style="font-weight: 400;">نقدية لهذه الخطط تكشف أنها ليست منفصلة عن منطق ا</span><span style="font-weight: 400;">لعنف الاستعماري، بل تمثل امتدادًا له</span><span style="font-weight: 400;"> بوسائل ناعمة، عبر </span><span style="font-weight: 400;">أدوات و</span><span style="font-weight: 400;">استثمارات سياسية واقتصادية، وخطابات تقنية تُفرغ الإعمار من مضمونه التحرري</span><span style="font-weight: 400;">.</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلال العامين الأخيرين، طُرحت رؤى متعددة لإعادة إعمار القطاع، إلا أن عددًا كبيرًا منها انطوى على </span><span style="font-weight: 400;">حلول و</span><span style="font-weight: 400;">أهداف انتقالية</span> <span style="font-weight: 400;">ومؤقتة، </span><span style="font-weight: 400;">والتي </span><span style="font-weight: 400;">تسعى عمليًا إلى إعادة هندسة غزة بما يخدم توازنات إقليمية ودولية، أكثر مما يستجيب لح</span><span style="font-weight: 400;">قوق</span><span style="font-weight: 400;"> السكان</span><span style="font-weight: 400;"> المنكوبين</span><span style="font-weight: 400;"> وح</span><span style="font-weight: 400;">اجاتهم التنموية</span><span style="font-weight: 400;">. في هذا السياق، لا يعود الإعمار مجرد عملية لإصلاح الشوارع أو رفع الأبنية، بل يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين السكان والمكان، دون اعتبار لمعرفتهم، أو خبراتهم اليومية، أو إرادتهم الجماعية في تقرير شكل المدينة المقبلة</span><span style="font-weight: 400;"> وإعادة بنائها</span><span style="font-weight: 400;">. ويساهم هذا النموذج</span><span style="font-weight: 400;"> في خلق وضع "مؤقت دائم"، حيث يصبح السكان معزولين عن أي سلطة تقريرية حقيقية </span><span style="font-weight: 400;">بطريقة تعمّق</span><span style="font-weight: 400;"> وتكرس شعورهم بالتبعية الاقتصادية والسياسية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومما لا شك فيه أن غياب إطار زمني واضح لمراحل الانسحاب وفق خطة ترمب، وربط هذا الانسحاب بتحقّق شروط أمنية وسياسية مفتوحة، يعمّق من طابع المؤقتية الدائمة؛ إذ يجعل توقيت الانتقال الفعلي خاضعًا لمتغيرات "ضبابية" وغير محددة زمنيًا، الأمر الذي يعزّز الطابع المفتوح للمرحلة الانتقالية ويحولها إلى وضع مستقر طويل الأمد. بالتالي، فإن هذا التصميم المؤسسي يخلق نظاماً انتقالياً بلا نهاية واضحة، ويجمّد القضايا السياسية الأساسية ويعيد تعريف "المؤقت" بوصفه الوضع النهائي نفسه. ويشبه ذلك أنماط الحكم التي نشأت في كوسوفو، والبوسنة والهرسك، حيث تحولت الإدارات المؤقتة إلى ترتيبات "مرحلية دائمة" ووصاية أممية طويلة الأمد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبينما يُفترض أن الإعمار يُعيد الحياة، إلا أنه في هذه الحالة يجعل "المرحلة الانتقالية" إطارًا للسيطرة على المكان والذاكرة وتكريس الهيمنة الرمزية والمادية. </span><span style="font-weight: 400;">ومن منظور فانوني، يمكن القول إن هذا الشكل من الإعمار يجسّد أداة لإدامة السيطرة، لا لتفكيكها، ويعيد إنتاج منطق التشييء ذاته الذي يمارسه العنف العسكري؛ فالإنسان يُختزل إلى رقم، أو إلى شقة في مخطط سكني، بينما يُفصل المكان عن </span><span style="font-weight: 400;">هويته</span><span style="font-weight: 400;">، وتاريخه، وعلاقته الحية بسكانه. </span><span style="font-weight: 400;">وهكذا، فقد تُصبح غزة محكومة فعلياً من خلال إدارة دولية أمنية وتنموية دائمة، من دون إعلان صريح عن وضع جديد أو تسوية سياسية نهائية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الوعي قبل الجدران: الإعمار كفعل مقاومة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رغم قسوة الواقع ومرارته، إلا أنه لا يلغي إمكانيات المقاومة، بل يعيد تعريفها. ففي مواجهة منطق الإخضاع والإلغاء، تبرز أشكال المقاومة اليومية الرمزية بوصفها ممارسات إعمارية بامتياز، </span><span style="font-weight: 400;">وليست فعلًا حياديًا أو هامشيًا</span><span style="font-weight: 400;">. عندما يكتب الناس شهاداتهم، أو حين يعيد الفنانون تخيّل مدينتهم، فإنهم لا يوثقون الدمار فحسب، بل يستعيدون السيادة على السردية، إنهم يقولون: نحن هنا، وهذا مكاننا، وهذه ذاكرتنا. كذلك، يتحول الفعل اليومي البسيط – تعليم الأطفال في الخيام، الزراعة في إناء مكسور، أو عرض فيلم في فضاء مفتوح – إلى فعل سياسي تحرري، لأنه يواجه منطق الإلغاء والاستثناء. هذه الممارسات لا تُعيد البناء بالمعنى الهندسي، لكنها تعيد إنتاج الحياة، وتحول دون اختزال غزة إلى مساحة دمار خالية من المعنى. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، لا يُقاس الإعمار الحقيقي بعدد الأبنية التي تُشيَّد، بل بمدى ما يستعيده الإنسان من كرامته، وذاكرته، وقدرته على الفعل في مكانه، والإعمار، لكي يكون فعل مقاومة، يجب أن يعيد للفلسطيني حقه في تعريف مدينته، وحيه، وبيته. والإعمار التحرري، بهذا المعنى، يجسد عملية طويلة تبدأ من اللغة والصورة والممارسة اليومية، وتمتد إلى استعادة الروابط بين الإنسان وبيئته، وبناء الوعي قبل الجدران، والذاكرة قبل الطرق. وهو مشروع يستلزم إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الماضي والمستقبل، كما يتطلب مشاركة فعلية للسكان، لا باعتبارهم مستفيدين، بل شركاء فاعلين. </span><span style="font-weight: 400;">وبذلك، فإن إعادة الإعمار في غزة ليست مسألة مستقبلية فقط، بل امتداد للانتماء والهوية، ومعركة راهنة على المعنى، والسيادة، والتحرر في مواجهة استعمار وعنف بنيوي مستمرين، اتساقًا</span><span style="font-weight: 400;"> مع فكر فانون، الذي رأى أن </span><span style="font-weight: 400;">تحرير الإنسان المستعمَر </span><span style="font-weight: 400;">يبدأ بتفكيك </span><span style="font-weight: 400;">شيفرة ا</span><span style="font-weight: 400;">لهيمنة وبنيتها الرمزية،</span><span style="font-weight: 400;"> واستعادة قدرته على صنع العالم الذي يعيش فيه.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>خاتمة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غزة اليوم تعيد طرح أسئلة فانون بشكل ملحّ: ما معنى العنف؟ كيف يُنتج الاغتراب؟ وما الذي يجعل التحرر ممكنًا؟ وهذه القراءة تهدف إلى التأكيد على أن إعادة الإعمار، إذا أُديرت بطريقة تشرك السكان في صنع القرار، يمكن أن تصبح فعلًا مقاومًا، يوطد ويعيد صياغة صلة الإنسان بمكان العيش، ويحول تجربة الدمار إلى قوة إنتاجية ثقافية وسياسية؛ فهو لا يُقاس بمجرد رفع الأبنية أو إصلاح البنية التحتية، بل باعتباره مسارًا لإعادة تكوين الذات الفلسطينية وإحياء الوعي الجماعي.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37724">إعادة الإعمار كفعل مقاومة: قراءة نقدية لفانون في السياق الغزي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بين الإقصاء والسيطرة: التخطيط الاستيطاني والحوكمة الاستعمارية في القدس الشرقية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37282</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 16 Jan 2026 08:40:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37282</guid>

					<description><![CDATA[<p>يتناول هذا المقال كيفية حكم إسرائيل للقدس الشرقية عبر نموذج حوكمة يجمع بين التمييز والإهمال الإداري من جهة، والتسامح الانتقائي مع مؤسسات فلسطينية من جهة أخرى –إذ لا تسعى إسرائيل إلى دمج الفلسطينيين بالكامل، بل تُبقيهم في حالة "استثناء حضري" تخدم هدف السيطرة بأقل تكلفة. فمنذ ضم القدس الشرقية عام 1967، مارست إسرائيل أسلوب حكم [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37282">بين الإقصاء والسيطرة: التخطيط الاستيطاني والحوكمة الاستعمارية في القدس الشرقية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يتناول هذا المقال كيفية حكم إسرائيل للقدس الشرقية عبر نموذج حوكمة يجمع بين التمييز والإهمال الإداري من جهة، والتسامح الانتقائي مع مؤسسات فلسطينية من جهة أخرى –إذ لا تسعى إسرائيل إلى دمج الفلسطينيين بالكامل، بل تُبقيهم في حالة "استثناء حضري" تخدم هدف السيطرة بأقل تكلفة. فمنذ ضم القدس الشرقية عام 1967، مارست إسرائيل أسلوب حكم "هجين"، ولم تقم بإدماج كامل للمدينة الفلسطينية، بل أبقت على حالة من "الاستثناء المديني" سمحت بفرض السيادة من جهة وتخفيف الأعباء الإدارية من جهة أخرى. ويشكل مفهوم النظام الهجين إطاراً يمكن من خلاله وصف النظام الذي تتعايش فيه أنظمة قانونية وإدارية متعددة دون أن تندمج. ففي القدس الشرقية، حافظت إسرائيل على الرمزية السيادية من خلال الضم الرسمي، لكنها أبقت على كثير من الخدمات –مثل التعليم والرعاية الصحية أو إدارة المرافق والمقدسات الدينية– تحت إدارة أردنية أو فلسطينية غير رسمية. على سبيل المثال، المسجد الأقصى والأوقاف لا زالت تتبع إداريا للأردن -كما عملت العديد من المدارس وفق المنهاج الأردني، وكانت شبكات النقل والخدمات تعمل بشكل غير رسمي نتيجة للإهمال المتعمد من قبل البلدية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا الترتيب الاستثنائي –القائم على التمييز والإهمال من جهة، والتسامح الاستراتيجي من جهة أخرى– مكّن إسرائيل من فرض سيطرتها مع تقليل التكاليف والمواجهات. فوجود مؤسسات فلسطينية "معارضة" تم تحمله لأنه ساهم في الحفاظ على الاستقرار اليومي، وإن كان ذلك ضمن حدود صارمة وغير رسمية. لكن في السنوات الأخيرة، وخصوصًا في ظل التغيرات السياسية الداخلية الإسرائيلية وتكثيف الاستيطان، أخذ هذا النموذج في التحول نحو نظام إقصائي قائم على التفتيت الإداري، والانكماش المؤسسي، والسيطرة المكانية المحكمة. وفي هذا السياق المتغير، لم تختف "السلطات الحكومية الاستثنائية" في القدس الشرقية، بل أعيد تشكيلها بطريقة أكثر مؤسسية واستبعادية. فبينما كانت إسرائيل سابقًا "تتسامح" مع المؤسسات الفلسطينية ضمن منطق الاستثناء والتثبيت، باتت اليوم تدير المشهد من خلال التذرّع بالقانون وتفكيك البنية المؤسسية الفلسطينية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من أبرز ملامح التحول في العقدين الأخيرين هو استهداف ومحاولة إلغاء ملامح المدينة الفلسطينية؛ فالعديد من المؤسسات المدنية التي كانت تعمل كرموز للهوية السياسية –مثل بيت الشرق– ما تزال مغلقة. أما المنظمات الأهلية والنقابات، فقد باتت تواجه قيودًا مشددة على التمويل، والملاحقة القانونية، والمنع الإداري. حتى المؤسسات الدينية، مثل دائرة الأوقاف، تتعرض لتضييق متزايد، لا سيما في ظل اقتحامات الشرطة الإسرائيلية للحرم القدسي وتكثيف الوجود الاستيطاني في محيط البلدة القديمة. هذا التآكل المؤسسي بالتأكيد لا يحدث بالصدفة، بل هو جزء من منطق حكم استعماري يهدف إلى محو أو تحويل الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة إلى وجود غير سياسي، خافت، بلا ذاكرة مؤسسية أو أدوات تمثيل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانب ذلك، تصاعدت الإجراءات الإسرائيلية بحق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، حيث سعت سلطات الاحتلال إلى تقويض عملها ووقف أنشطتها التعليمية والصحية باعتبارها تمثل مرجعية دولية للوجود الفلسطيني وحقوقه. فالأونروا تدير في القدس عشرات المدارس التي تضم نحو 9,000 طالب فلسطيني، وتشكل هذه المدارس في كثير من الأحيان البديل شبه الوحيد أمام العائلات المقدسية في ظل تقييد التعليم العربي الرسمي. كما توفر الوكالة خدمات الرعاية الصحية الأولية لما يزيد عن 120,000 مستفيد من سكان القدس ومحيطها، عبر عياداتها ومراكزها. وبالتالي، فإن محاولات إسرائيل إغلاق هذه المرافق أو التضييق على عملها، سواء عبر الملاحقات القانونية أو القيود على التمويل والأنشطة، ليست مجرد مسألة إدارية، بل تعكس منطق الحوكمة الاستعمارية الذي يسعى إلى إضعاف الركائز المؤسسية التي تمنح الفلسطينيين أدوات صمود واستمرارية، وتحويل مجتمعهم إلى جماعات معزولة بلا حماية أو مظلة دولية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من ناحية أخرى، خسر كثير من المقدسيين إقاماتهم على مدى عقود نتيجة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، حيث تم سحب إقامات ما لا يقل عن 14,500 فلسطيني منذ عام 1967. بالإضافة إلى ذلك، يعيش حوالي 240,000 مستوطن إسرائيلي في القدس الشرقية، مما يشكل ضغطاً على الوجود الفلسطيني. وفي ذات الإطار، مثّلت الانتفاضة الثانية وبناء جدار الفصل العنصري بين عامي 2002 و2005 نقطة تحول حاسمة، إذ بدأت القوة القائمة بالاحتلال تتجه إلى سياسات العزل الأمني والحصار الإداري بدلًا من التسامح الانتقائي. فعلى سبيل المثال، تم توسيع استخدام سياسة سحب الإقامة –التي كان قد تم البدء بتنفيذها بوضوح مع بداية التسعينيات، حيث يمكن أن يفقد الفلسطينيون حقهم في السكن في المدينة إذا ما اعتُبر أنهم لم يحتفظوا بـ"مركز حياتهم" فيها. واليوم يتخوف نحو 140 ألف مقدسي يعيشون في الأحياء الواقعة خارج جدار الفصل العنصري من سحب إقاماتهم -في ظل الحديث المكثف مؤخراً عن إمكانية إخراج هذه الأحياء من حدود بلدية القدس، وتسليم صلاحيات العمل فيها لجيش الاحتلال. كذلك تصاعدت سياسة الهدم بشكل كبير، حيث تشير المعطيات الأممية إلى أن السلطات الإسرائيلية أقدمت، منذ مطلع سنة 2010 وحتى منعظف السنة الحالية، على هدم ما يزيد عن ألفي منشأة فلسطينية، معظمها بذريعة عدم الترخيص، علمًا أن الحصول على رخصة بناء أمر شبه مستحيل في المناطق المخصصة للفلسطينيين. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ترتبط هذه السياسة بالمخططات الهيكلية الإسرائيلية التي تقيّد البناء الفلسطيني وتفتح المجال أمام توسع المستوطنات. وتُشير هذه التطورات إلى تحول النموذج الحاكم من استثناء مؤقت إلى إقصاء مؤسسي دائم، حيث أصبحت أدوات مثل القانون والتخطيط الحضري أدوات طرد ونفي مدني، وتحولت القدس الشرقية بحلول عام 2025 إلى فسيفساء حضرية مكونة من مجموعة من الأحياء الفلسطينية المفككة والمعزولة. إن تكوين هذه الجزر المفتتة لا يهدف فقط إلى الحصار الجغرافي، بل يخدم أهدافًا ديمغرافية وسياسية، منها احتواء الوجود الفلسطيني ضمن حدود ضيقة، وتفكيك تماسكه الاجتماعي، ومنع تشكّل أي مركز مقاوم أو تمثيلي حقيقي. فالتفتت المكاني يعكس تفتيتًا سياديًا يُبقي الفلسطينيين في حالة من "اللامكان السياسي". وهناك العديد من الأحياء مثل سلوان والعيسوية وشعفاط أصبحت محاطة بالحواجز، والطرق الالتفافية، والمستعمرات الاستيطانية. كذلك يؤدي جدار الفصل إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، حيث أصبح بعض السكان، كما في مناطق كفر عقب وعناتا والزعيّم، يعيشون خارج الجدار وهم يحملون بطاقات إقامة مقدسية، بينما تُمنع الخدمات الأساسية عنهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي هذا الإطار، يبرز مخطط </span><span style="font-weight: 400;">E1</span><span style="font-weight: 400;"> كترجمة عملية لمنطق الحوكمة الإقصائية التي تتشكل في القدس الشرقية، وكواحد من أخطر مظاهر سياسات التخطيط الاستبعادية. فهذا المشروع، الذي يهدف إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس الغربية، لا يمثل مجرد توسع استيطاني، بل هو جزء من البنية الكولونيالية الأوسع التي تحوّل الاستثناء إلى إقصاء مؤسسي دائم، وتستخدم التخطيط الحضري كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والديموغرافية. كما يندرج ضمن استراتيجية أشمل تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني في المدينة وتحويل الأحياء المقدسية إلى مناطق غير مترابطة، إضافة إلى عزل القدس الشرقية عن محيطها الطبيعي في الضفة الغربية. فالمخطط يكرس الانقطاع الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويحوّل القدس إلى مركز سيادي مغلق تحيط به الكتل الاستيطانية، الأمر الذي يعمّق الطابع "الهجين-الإقصائي" للحكم الإسرائيلي في المدينة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تشير التحولات الحالية إلى أن القدس الشرقية لم تعد مجرد ساحة للتنازع على السيادة، بل أصبحت ميدانًا لتجريب أدوات الحكم الاستيطاني-المديني، حيث تتقاطع الهندسة القانونية مع التقطيع المكاني، وتتحوّل الاستثناءات إلى أعراف بيروقراطية تقنن الإقصاء بدلًا من "التعايش" الذي يروج له البعض. فقد أصبح الإلغاء الإداري للإقامة، والهدم الممنهج للمنازل، وخنق المجتمع المدني، وتفتيت المشهد الحضري الفلسطيني، وسائل مركزية في ممارسة السيطرة وإحكام الطوق على القدس الشرقية، وتكريسها كفضاء خاضع للسيطرة دون دمج. وبالتالي، فإن خطورة </span><span style="font-weight: 400;">E1</span><span style="font-weight: 400;"> لا تكمن فقط في نتائجه العمرانية والديموغرافية، بل في كونه يعكس تصعيدًا نوعيًا في آليات الحوكمة الاستيطانية، حيث يتداخل القانون مع التخطيط الحضري ليؤسس لواقع لا رجعة فيه من التفتيت والسيطرة، وتجسيداً لهذه السياسة بأوضح صورها، والتي تتمثل في إعادة إنتاج الوجود الفلسطيني كوجود مُحاصر، منزوع المركز، يفتقد الاتصال الجغرافي والاجتماعي بمحيطه، مقابل اندماج استيطاني متسارع يعيد رسم حدود المدينة بما يخدم منطق الإقصاء الكولونيالي وأولويات الاستعمار الاستيطاني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ورغم كل هذه التحولات، لم تختفِ منطقية "الاستثناء" تمامًا، بل أُعيد تشكيلها وتم إعادة إنتاج الحوكمة الاستثنائية بصيغة جديدة؛ فبعض الشبكات الفلسطينية غير الرسمية –مثل خدمات الطوارئ أو التعليم الأهلي– ما زالت تعمل في القدس بشكل هامشي وغير رسمي، إلا أن هذه الهامشية مشروطة ومدارة ومراقبة بعناية ضمن منطق "السيطرة عبر التقنين"، حيث يُسمح بحدود دنيا من النشاط والأداء الخدمي لتفادي الانهيار الكامل، دون السماح بوجود تمثيل سياسي مستقل أو تعبير سيادي. كما لم تعد دولة الاحتلال "تتغاضى" عن هذه البنى، بل تديرها عبر ما يمكن تسميته "اللامركزية الخاضعة". وبذلك تحوّلت "السلطة الاستثنائية" من منطق تسامح عملي براغماتي إلى سياسة إقصاء بيروقراطي مؤسسي، إذ لم يعد الوجود الفلسطيني متروكًا أو مُدارًا بمرونة، بل أضحى هدفًا للتنظيم والتقنين والتجريد التدريجي من المكان والحق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلاصة القول، إن القدس الشرقية لم تعد اليوم مجرد فضاء سيادي متنازع عليه، بل صارت حقل اختبار لتقنيات الحكم الاستيطاني في المدن، إذ بتنا أمام نمط جديد يمكن وصفه بـ"التحكم الهجين المنظم"؛ والذي يجسد مزيجًا من الهيمنة القانونية، والإقصاء المكاني، والسماح المدروس بمساحات ضيقة من العمل الفلسطيني غير المُمأسس -بما يحقق هدف الإزاحة الصامتة ويتيح "السيطرة دون دمج". ومع ذلك، فإن هذا التآكل لا يعني نهاية الفعل السياسي، فرغم استمرار الاحتلال في محاولات محو الجغرافيا السياسية للفلسطينيين، إلا أن الجغرافيا والأماكن –مثل الذاكرة– لا تُمحى بسهولة، ومع كل عملية هدم، وكل أمر إخلاء، يتجدد الحضور الفلسطيني عبر أشكال مختلفة من الصمود والمقاومة اليومية، والدفاع القانوني، والمبادرات المجتمعية. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37282">بين الإقصاء والسيطرة: التخطيط الاستيطاني والحوكمة الاستعمارية في القدس الشرقية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الفلسطينيون في بيروت: ذاكرة سياسية في مدينة متغيرة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37102</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 19 Dec 2025 09:22:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37102</guid>

					<description><![CDATA[<p>فضا</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37102">الفلسطينيون في بيروت: ذاكرة سياسية في مدينة متغيرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0050;"><b>مقدمة: حين تبتلع المدينة نفسها</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لطالما كانت بيروت فضاءً مدينياً نابضاً بالحياة؛ مدينة تتقاطع فيها الأزمنة وتتداخل فيها الطبقات، تنبض بأسواقها، وأرصفتها، ومقاهيها، وساحاتها العامة التي نشأت وتطورت عبر عقود طويلة من التفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي. كانت المدينة -في لحظةٍ ما- تحتضن التعدد والتنوع في نسيجها المعماري والاجتماعي، لتتحول تدريجيًا إلى كيان حضري يبتلع نفسه، حيث تُختزل الحياة المدينية في واجهات لامعة تحجب خلفها تآكلاً عميقاً في مفهوم المجال العام. إنها المدينة التي أعادت الحرب رسم ملامحها، وجعلت من الإعمار معركة جديدة، لا تقل ضراوة عن القصف، ولكنها أكثر خبثًا، معركة تُخاض عبر قوانين السوق، وخرائط الاستثمار، ومفردات "التطوير الحضري" التي كثيرًا ما تتخذ من الحداثة قناعًا لتبرير طرد السكان، ومصادرة المساحات المشتركة، وتحويل المدينة من مجال للعيش والتفاعل إلى سلعة تُباع وتُشترى. ذلك أن مشاريع إعادة الإعمار في بيروت، وعلى رأسها مشروع "سوليدير"، لم تكن يوما مجرد جهود عمرانية، بل شكلت جزءًا من مسار سياسي واقتصادي أعاد ترسيم الخريطة المكانية وفق مصالح رأس المال المحلي والعابر للحدود، وأعاد إنتاج ديناميكيات مجتمعية جديدة أقل اتساعاً في استقبال الآخر. ووسط هذه التحولات، تراجع حضور فئات اجتماعية عديدة عن قلب المدينة، ومن بينها اللاجئون الفلسطينيون الذين لطالما وجدوا في بيروت امتدادًا رمزيًا وفعليًا لفلسطين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ نكبة 1948، تماهت المخيمات الفلسطينية في محيط بيروت مع لحظة المدينة ذاتها. لم يكن الفلسطيني فيها غريبًا، بل شريكًا في الفضاء والنضال. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ساهم الفلسطينيون في الحراك الطلابي والنقابي والثقافي، وشكّلوا مع القوى اليسارية اللبنانية أفقًا سياسيًا واسعًا، كانت بيروت فيه حاضنة خطابٍ تحرري مشترك. لكن هذا الزخم تراجع تدريجياً، لا نتيجة إقصاء مباشر دائم، بل بفعل تحولات المدينة نفسها، واتساع المسافة بين المخيم والحي، بين الذاكرة واليومي. وإن كانت بعض السياسات قد حدّت من إمكانيات الحضور الفلسطيني في الحيز المدني، فإن المخيم ظلّ يمدّ بيروت بصداها السياسي، وذاكرتها التي لا تغيب. الفلسطيني في بيروت لم يكن طيفًا، بل صدى لصوت آخر لم يغب. في الشوارع، في الساحات، في الجداريات، يترك الفلسطيني أثره، في مدينة تتغير، لكنه لا ينفصل عنها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>بيروت كمجال عام: المدينة التي كانت</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الذاكرة الجمعية لسكان بيروت، تتجسد صورة مدينة لا تشبه تلك التي نراها اليوم. لم تكن بيروت مدينة الأبراج الزجاجية، ولا "المولات" المغلقة، ولا الكافيهات ذات الأصناف "العالمية" المُسعّرة بالدولار. بل كانت مدينة الأرصفة المتعرجة، والأسواق التي لا تُغلق أبوابها، والمقاهي التي يتقاسمها الشعراء والطلاب والباعة الجوالون، ويلتقي فيها الناس على اختلاف انتماءاتهم. كانت ساحة الشهداء، التي لطالما شكلت نقطة التقاء اجتماعية وسياسية، مساحة للوجدان الجمعي، والشاطئ العام في الرملة البيضاء ملتقى لأجساد تعرّت من الفروقات الطبقية تحت شمس واحدة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في بيروت "السابقة"، لم تكن المدينة مقسّمة إلى مناطق استهلاكية وأخرى مهمّشة، بل كانت تتنفس بتوازن هش، يحفظ مساحةً للجميع، وفي ذلك التوازن كان يكمن معنى المدينة. لكن هذا التوازن تراجع مع الزمن، تحت ضغط التحولات الاقتصادية والعمرانية، دون أن تغيب عنه مظاهر المقاومة، لا سيما في المساحات التي ما زالت تحوي حياة يومية حقيقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحوّلت الواجهة البحرية من فضاء مشترك إلى حيز مُستحوَذ ورمز لهندسة اجتماعية جديدة. وقد كانت الرملة البيضاء، آخر الشواطئ العامة، رمزًا للمقاومة اليومية في وجه الاستئثار. وفي خلفية هذا المشهد، يطل المخيم الفلسطيني كذاكرة حيّة، حيث يُمارس الفلسطيني يومياته في مساحات صغيرة لكنها مليئة بالمعنى. على هوامش الصورة الرسمية للمدينة، تتشكّل مقاومات ناعمة، عبر مبادرات ثقافية، وأسواق شعبية، ومشاريع تعليمية. هذه الفضاءات لا تُلغي الفجوة، لكنها تعيد التأكيد على الحق في أن يكون للفلسطيني مكان في المدينة، ولو من موقع الهامش الذي لا ينفصل عن القلب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد أظهرت الاحتجاجات التي اختبرتها بيروت في السنوات الأخيرة، أن هناك وعياً متزايداً بضرورة استعادة المجال العام، وأن المدينة لما تزل تشهد لحظات فارقة تعيد التذكير بأنها لا تزال تمتلك صوتاً مضاداً، وذاكرة ترفض الطمس. الحراك الشعبي، كان ذلك بمثابة محاولة رمزية لاستعادة المدينة من قبضة الاستثمار الخاص، فاستعادت الجماهير الفضاءات المصادرة وحولتها إلى مسارح احتجاج تؤكد أن الفضاء العام، حين يحتله الناس، يصبح أكثر من مجرد شارع، يصبح فضاء للذاكرة، وللمطالبة، ولإعادة الكتابة. وما جرى في بيروت يؤكد أن المدينة لا تُستعاد فقط عبر السياسات، بل أيضًا عبر الجسد الجماعي الذي ينزل إلى الشارع والساحة ليس فقط كي يحتج، إنما ليُعلن: نحن هنا. في ثورتهم، لم يكن الناس يطالبون فقط بإصلاح سياسي، بل كانوا يعيدون تعريف المدينة، من خلال إعادة احتلال ساحاتها، وتطهيرها رمزيا من سلطة رأس المال.</span></p>
<p><span style="color: #ff0050;"><b>الانتفاضة اللبنانية 2019 والفعل الفلسطيني: هوية مشتركة في مدينة منتفضة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين انطلقت الانتفاضة اللبنانية في تشرين 2019، لم يكن الفلسطيني متفرجًا. شارك من موقعه، وبصوته، حاملاً قضاياه ومعاناته، ومندمجًا في الإيقاع العام للغضب الشعبي. ظهرت أصوات فلسطينية في الساحات، وأطلقت مبادرات تتقاطع مع المطالب الاجتماعية في لبنان. كانت تلك لحظة بلورة جديدة لهوية فلسطينية-لبنانية هجينة، تتقاطع فيها الهموم وتتشكل أطر جديدة للمواطنة الفعلية، لا بالوثائق بل بالفعل الميداني. فلبنان، الذي شكّل في لحظة من تاريخه ساحة مركزية للنضال الفلسطيني، لم ينفصل تمامًا عن هذه الوظيفة الرمزية. وحتى في أصعب ظروف التقييد، ظلّ الفلسطيني يحمل صدى بيروت في وعيه، كما حملت بيروت صدى فلسطين في حاراتها وشوارعها وساحاتها. وفي زمن تتوسع فيه الإبادة في غزة، تصبح الذاكرة أكثر إلحاحًا، ويصبح الوجود الفلسطيني في بيروت، وإن من موقع الهامش، امتدادًا صوتيًا لذلك الصراع المفتوح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن بيروت، في معناها العميق، ليست فقط العاصمة أو المركز الجغرافي، بل هي كائن سياسي واجتماعي، تُعيد تشكيله القوى الفاعلة كل يوم -والحيز المديني، كما يقول ديفيد هارفي، ما هو إلا نتاج الصراع الاجتماعي. ومما لا شك فيه أن بيروت تقف اليوم عند مفترق طرق؛ هل تبقى مدينة مفتوحة للجميع، حيث يستطيع سكانها العيش والتفاعل بحرية؟ أم أنها ستواصل طريقها نحو أن تصبح مدينة مغلقة، لا يسكنها إلا رأس المال، بينما يتم إقصاء بقية السكان إلى الهوامش؟ ولعل من بين أكثر الأسئلة إلحاحاً لم يعد فقط "من يملك المدينة؟"، بل "لمن تُصمّم؟"، و"من يُقصى منها؟"، و"ما الذي يعنيه أن تكون مواطنًا أو لاجئا في مدينة تُعيد طردك كل يوم؟" والإجابات في واقع الأمر ليست سهلة، ولا تتوقف فقط على السياسات الحكومية أو القرارات الاقتصادية، بل على قدرة الناس أنفسهم على المطالبة بحقهم في المدينة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن التجربة التاريخية لبيروت، الممتدة بين الحرب والسلم، بين الطرد والاحتلال الرمزي، وبين القمع والمقاومة، تشير إلى أن المعركة لم تُحسم بعد. والفلسطيني في بيروت –رغم لجوئه- ليس منفيًا بالكامل، بل متجذرٌ في التفاصيل الصغيرة: في ملصق، في كتاب، في بائعة على الرصيف، في طالب يرفع صوته ضد النسيان. وتبقى بيروت، رغم كل التغييرات، مدينة تسكنها الذاكرة، وتقاوم فيها الأصوات من أجل الحق في الحياة، والعدالة، والمدينة. ذلك بعد أن أُعيد رسم الخريطة المكانية وبلورة تراتبيات وهويات جديدة، لا وفقاً لاحتياجات السكان، بل وفقاً لخطط استثمارية ضخمة جعلت من مركز المدينة مسرحًا لا يسكنه أحد، ومن أطرافها مقابر لحياة اجتماعية أُقصيت قسراً. وما بين الخصخصة والاستعادة، تقف المدينة كجسد معرّض، يعيد طرح الأسئلة حول المواطنة والانتماء: من له الحق في الحيز؟ من يُرى؟ ومن يُستثنى؟ وما معنى أن تكون فلسطينيًا في مدينة تتغير دون أن تنكرك؟ وما معنى أن تُعيد إنتاج نفسك من صدى المدينة لا من نفيها؟</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37102">الفلسطينيون في بيروت: ذاكرة سياسية في مدينة متغيرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أنقاض الذاكرة ومشاريع الطمس: الإعمار في غزة بعد المحو</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36937</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 16 Nov 2025 09:19:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36937</guid>

					<description><![CDATA[<p>منذ اللحظة التي بدأ فيها القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وحتى اقتراب العدوان من نهاية عامه الثاني، لم يعد تدمير البيوت والبنية التحتية مشهدًا متكررًا فحسب، بل تحوّل إلى محو شامل لملامح الحياة والذاكرة والعمران. في هذا السياق، يطرح المجتمع الدولي، والمؤسسات الفلسطينية، ودول الجوار مسألة "إعادة الإعمار" بوصفها استحقاقًا إنسانيًا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36937">أنقاض الذاكرة ومشاريع الطمس: الإعمار في غزة بعد المحو</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">منذ اللحظة التي بدأ فيها القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وحتى اقتراب العدوان من نهاية عامه الثاني، لم يعد تدمير البيوت والبنية التحتية مشهدًا متكررًا فحسب، بل تحوّل إلى محو شامل لملامح الحياة والذاكرة والعمران. في هذا السياق، يطرح المجتمع الدولي، والمؤسسات الفلسطينية، ودول الجوار مسألة "إعادة الإعمار" بوصفها استحقاقًا إنسانيًا واستثمارًا سياسيًا واقتصاديًا في اليوم التالي. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل لا يزال ممكنًا، بل مجديًا، الحديث عن "إعادة" الإعمار؟ وهل يمكننا أن نعود إلى ما كان، وكأن شيئًا لم يحدث؟ أم أننا أمام ضرورة تاريخية لتبنّي نموذج جديد بالكامل –نموذج لا يعيد البناء بل يؤسس من جديد، ويعيد للناس علاقتهم الممزقة بالأرض والحيّ والذاكرة والكرامة؟</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الإعمار كأداة سياسية لا كمجرد استجابة إنسانية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لطالما رُوّج للإعمار باعتباره عملًا إنسانيًا وتقنيًا، يهدف إلى إعادة بناء ما دمّرته الحروب، وتوفير السكن والخدمات، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. غير أن التجربة الفلسطينية –وخاصة في غزة– كشفت زيف هذا التصور، وأظهرت أن الإعمار ليس محايدًا، بل ميدان صراع سياسي، وتحكّم بالمعنى والقرار. فمنذ الحرب الأولى على غزة عام 2008، وحتى العدوان الكارثي الأخير، كانت مشاريع الإعمار رهينة لإرادة إسرائيل أولًا، ثم لرغبات المانحين الدوليين، وأخيرًا لصراعات المؤسسات والفصائل الفلسطينية -أو لنقل توجهاتها المختلفة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المساعدات الدولية لطالما جاءت مشروطة، والمواد الأساسية خاضعة لرقابة عسكرية صارمة تحت مسمى "الرقابة على المواد مزدوجة الاستخدام"، كما كانت آلية الإعمار (GRM) نموذجًا للتحكم الإسرائيلي في حركة الاسمنت والحديد وقطع الغيار. أما السلطة الفلسطينية، وباستثناء حالات محدودة، فقد كانت على هامش الفعل، تُستخدم كواجهة رسمية لتلقي الأموال دون أن تكون صاحبة القرار الحقيقي والميداني -الذي كان يتم اتخاذه ولو جزئيا في غزة. كل ذلك جعل من الإعمار أداة لإدارة الأزمة، لا لتجاوزها؛ أداة تحافظ على الوضع القائم بدلًا من تغييره.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحتى في أفضل حالاته، فإن النموذج التقني لإعادة الإعمار تعامل مع الناس كمجرد "مستفيدين" أو "ضحايا" يحتاجون إلى مأوى، لا كمواطنين يملكون الحق في تحديد شكل مدينتهم وطبيعة عمرانها، وموقع ذاكرتهم في الفضاء العام. بهذا المعنى، فإن الإعمار كما عُولج خلال السنوات الماضية يبدو أنه ساهم في تعزيز التهميش والإقصاء المديني بدلًا من إنهاء مظاهرهما، وفي إعادة إنتاج الهشاشة الحضرية بدلًا من معالجتها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ما بعد التدمير: غزة أمام محو شامل لا مجرد خسائر</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يميز العدوان الحالي على غزة لا يقتصر على حجمه، بل على نوعيته، فهذه ليست جولة أخرى من "التدمير الجزئي"، بل عملية اقتلاع ممنهجة. الأحياء التاريخية كالرمال الذي صار له من اسمه نصيب، والشجاعية، والدرج، وتل الهوى، والزيتون، وخانيونس القديمة، وغيرها، لم تُقصف فقط، بل اختفت تقريبا من الواقع وظلت اسمًا على الخريطة التي قد لا تلبث كثيرا قبل أن تتغير ملامحها أيضا. مئات آلاف المنازل دمرت، عشرات الآلاف من العائلات فقدت مساكنها للأبد، كذلك المدارس والجامعات والمستشفيات إما جرى تسويتها بالأرض أو تعطيلها الكامل. والخطر المحدق اليوم هو أن تستخدم عملية إعادة الإعمار لطمس التاريخ، أي أن تُبنى مدن جديدة –أو ضواحٍ مؤقتة– تحت مسمى الإعمار، لكنها من دون الذاكرة، ومن دون السكان الأصليين، ومن دون حق الناس في تقرير مصيرهم المكاني. هنا، يصبح الإعمار أداةً لاستكمال الاقتلاع، لا معالجته. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، لم يعد ممكنًا الحديث عن "إعادة إعمار" بالمعنى الضيق، لأن ما دُمّر لم يكن مجرد مبانٍ، بل نسيج اجتماعي، وذاكرة جماعية، وفضاءات أنتجت حياة ومعنى وهوية. لم يعد في الإمكان العودة إلى ما كان، لأن ما كان لم يعُد موجودًا. ولذلك، فإن كل حديث عن إعادة الإعمار يجب أن يُراجع في ضوء هذه الحقيقة: أن المحو كان منهجيًا واستراتيجيًا، وأن إعادة البناء بنفس الأدوات والخطابات القديمة تعني إعادة إنتاج الشروط التي سهّلت هذا المحو منذ البداية -فهل يمكن إعادة إعمار الذاكرة وبناء المدينة خارج سياق المفروض رُغما وكُرها؟ </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>منطق آخر للإعمار: التأسيس لا الترميم</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ضوء كل ما سبق، فإن المطلوب ليس إعادة الإعمار، بل إعادة التأسيس – أي التخلي عن وهم استعادة ما كان، وتبنّي خيال سياسي وعمراني جديد يُعيد التفكير بالمدينة، وبالعلاقات الاجتماعية، وبالحقوق، وبالذاكرة، وبالفضاء. هذا النموذج الجديد يفترض أن الإعمار ليس مجرد عملية فنية، بل مشروعاً تحرريَا يتطلب أدوات مختلفة كليًا. أدوات تبدأ من التخطيط الجماعي التشاركي الذي يحدد فيه سكان الأحياء احتياجاتهم، وتصاميم مناطقهم، وأولوياتهم -ذلك أنه لا معنى لأي مشروع لا يستند إلى معرفة الناس بما فقدوه وما يطمحون إليه. ومن ناحية أخرى يجب إدماج الذاكرة في الفضاء، إذ لا بد أن يكون لكل حي جديد صلة رمزية بالحي الذي اندثر، وهو ما يمكن أن يتأتى من خلال التسمية، والعمارة، والجدران التذكارية، والمراكز المجتمعية، والمتاحف المحلية. مع ضرورة تجنّب تحويل الفضاء إلى سلعة يتحكم بها السوق والعلاقات الزبائنية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>نحو خريطة جديدة: كيف نحول الفقد إلى مشروع؟</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مواجهة المحو، لا يكفي أن نُعيد البناء، بل أن نحول الفقد نفسه إلى مادة للتأسيس. وهذا يتطلب دمجًا واعيًا للذاكرة في عملية التشييد: أن يتحول الشارع إلى متحف حي، والبيت إلى شهادة على الغياب، والحي إلى نصّ يعيد سرد القصة. الذاكرة هنا ليست نوستالجيا، بل حق جماعي في السرد، وفي مواجهة الرواية الصهيونية التي تُريد أن تُخرج غزة من الخريطة والتاريخ معًا. ولذلك، فإن أي نموذج جديد يجب أن يصون الحكايات الصغيرة –حكايات البيوت، الحارات، الجدران، المصاطب، المقابر، الأسواق– ويُحوّلها إلى مكونات في معمار المدينة المقبلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن ما جرى في غزة ليس نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة تتطلب خيالًا سياسيًا عمرانيًا راديكاليًا. لا يكفي أن نمنع المجاعة، أو أن نُسكّن الناس في كرفانات. المطلوب هو أن نرسم خريطة جديدة: خريطة تُدمج فيها السيادة مع المعمار، والعدالة مع الفضاء، والذاكرة مع المستقبل. في هذه الخريطة، لا يكون الإعمار هو إعادة الإسمنت، بل بناء الحياة من جديد، بكرامة، وبالاستناد إلى التاريخ، وبانفتاح على المستقبل. وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا تحوّلت عملية الإعمار إلى جزء من مشروع وطني شامل، يُعيد تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، وبين الدولة والمجتمع، وبين الحاضر والماضي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>خاتمة: من الرماد إلى الرؤية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غزة اليوم ليست فقط ضحية عدوان غير مسبوق، بل أيضًا فرصة تاريخية لإعادة التفكير بكل ما كان وما يجب أن يكون. الإعمار، إذا أُدير بالمنطق القديم، سيُعيد إنتاج الأزمة. أما إذا أُعيد تعريفه بوصفه فعلًا مقاومًا، تحرريًا، وذاكريًا، فإنه يمكن أن يكون بداية لتأسيس فضاء فلسطيني جديد – فضاء لا يُبنى على أنقاض الذاكرة، بل يُستعاد من داخلها.</span> <span style="font-weight: 400;">ربما لا نملك كل الأدوات، وربما لا نملك حتى الأرض الكاملة، لكن ما نملكه هو الحق في الحكاية، والحق في الفضاء، والحق في أن نعيش مدينة تشبهنا –لا مدينة صُنعت لنا.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36937">أنقاض الذاكرة ومشاريع الطمس: الإعمار في غزة بعد المحو</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الأكاديميا وتسييس المعرفة: من يملك حق السرد؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36717</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 14 Oct 2025 13:35:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36717</guid>

					<description><![CDATA[<p>في خطوة أثارت جدلاً ونقاشًا واسعًا حول حرية التعبير والضمير الأكاديمي، أعلن المؤرخ الفلسطيني البارز رشيد الخالدي، أستاذ الدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا، وأحد أبرز الأصوات الأكاديمية في حقل دراسات الشرق الأوسط، انسحابه من تدريس أحد مقرراته خلال الفصل الخريفي، احتجاجًا على تبنّي الجامعة تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية. هذا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36717">الأكاديميا وتسييس المعرفة: من يملك حق السرد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في خطوة أثارت جدلاً ونقاشًا واسعًا حول حرية التعبير والضمير الأكاديمي، أعلن المؤرخ الفلسطيني البارز رشيد الخالدي، أستاذ الدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا، وأحد أبرز الأصوات الأكاديمية في حقل دراسات الشرق الأوسط، انسحابه من تدريس أحد مقرراته خلال الفصل الخريفي، احتجاجًا على تبنّي الجامعة تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية. هذا التعريف، الذي يتضمن أمثلة تعتبر بعض أشكال انتقاد إسرائيل معاداة للسامية، بات موضع جدل واسع في الأوساط الأكاديمية والحقوقية، لما يحمله من مخاطر على حرية التعبير وشرعنة قمع التضامن مع الفلسطينيين. موقف الخالدي قد يبدو بسيطًا من الخارج لكنه مشحون بالرمزية ومحمّل بالدلالات العميقة، وقد كانت خطوته بمثابة صفعة قوية لواجهة الليبرالية الأكاديمية الأمريكية، وجرس إنذار لنظام معرفي يُدار تحت سطوة التمويل والتحالفات السياسية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول الخالدي في مقاله المنشور في صحيفة "الغارديان" البريطانية في الأول من آب 2025، إن قراره هذا لم يكن سهلًا، بل جاء بعد "صراع طويل ومؤلم مع الضمير". مبينا أنه لا يرفض الانخراط في التدريس الأكاديمي من حيث المبدأ، لكنه لا يستطيع أن يعلّم في سياق يتعارض فيه ما تمثّله الجامعة مع المبادئ التي عاش ودرّس من أجلها لعقود. إذن قرار الخالدي لم يأت من فراغ، وهو لم يترك قاعة الدرس بسبب خلافات أكاديمية أو مطالب مالية، بل احتجاجًا على ما يمكن اعتباره تواطؤًا مؤسساتيًا مع أجندات سياسية تسعى لقمع السردية الفلسطينية داخل الحرم الجامعي -إثر قرار إدارة جامعة كولومبيا بالموافقة على تبني التعريف الذي يُتهم باستخدامه سياسيًا لقمع النقد المشروع تجاه إسرائيل. ووفقًا للتقارير، فإن قرار الإدارة جاء ضمن تسوية أوسع بين الجامعة وإدارة ترامب، التي كانت قد أدرجت كولومبيا ضمن الجامعات المعادية للسامية، مهددة بقطع التمويل الفيدرالي عنها. وبدلاً من خوض معركة مبدئية دفاعًا عن حرية التعبير والاستقلال الأكاديمي، اختارت الجامعة ما يمكن وصفه بأنه نوع من "الاستسلام الأخلاقي".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويبدو أن ما شكّل ذروة هذا الاستسلام هو التناقض الصارخ بين دفاع الجامعة المستميت عن حرية التعبير حين يتعلق الأمر بمواضيع أخرى، مقابل تقييدها الواضح لأي خطاب ناقد لإسرائيل. فرشيد الخالدي، الذي أمضى عقودًا في العمل الأكاديمي والبحثي، وجد نفسه مضطرًا للانسحاب من قاعات التدريس لأن الجامعة لم تعد تتيح له المجال ليعبّر عن مواقفه بحرية، أو ليحمي طلابه من الرقابة والتخويف. هذا الانسحاب لم يكن فقط موقفًا احتجاجيًا، بل رسالة رمزية تقول إن المؤسسة الأكاديمية فقدت إحدى وظائفها الأساسية: أن تكون فضاءً نقديًا حرًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد شكّل تبنّي إدارة كولومبيا لتعريف معادة السامية المشار إليه نقطة تحوّل في تاريخ الجامعة وتوجهاتها المعلنة. فالتعريف الذي صاغه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لا يكتفي بتحديد معاداة السامية ككراهية لليهود، بل يتضمن أحد عشر مثالًا، يُدرج بعضها نقد إسرائيل ضمن السلوك المعادي للسامية. من بين هذه الأمثلة: وصف إسرائيل بأنها مشروع عنصري، أو التشكيك في حقها في الوجود، أو مقارنة سياساتها بسياسات النازية. وقد لاقى هذا التعريف معارضة واسعة من قبل أكاديميين وجمعيات حقوقية، من بينها منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، التي رأت فيه تهديدًا لحرية التعبير، خاصة عند استخدامه في المؤسسات الأكاديمية. ورغم أن جامعة كولومبيا كانت "منارة للحرية الأكاديمية"، إلا أنها لم تعد كذلك حين تخلّت عن حيادها المفترض وتبنّت تعريفًا يجرّم فعليًا أي انتقاد جوهري لسياسات إسرائيل –واستخدمت شعارات مثل "مكافحة الكراهية" كغطاء للرقابة الفكرية.</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الخالدي، الذي عمل لعقود على توثيق السردية الفلسطينية وتاريخ الاستعمار الصهيوني، يرى في تبنّي الجامعة لهذا التعريف محاولة لإسكات الأصوات الفلسطينية والتضامن معها. وهو، كما يظهر في مقالته، ليس وحيدًا في هذا القلق. فعدد كبير من أعضاء هيئة التدريس والطلاب في كولومبيا عبّروا عن رفضهم لهذه الخطوة، واعتبروها تراجعًا خطيرًا عن القيم الليبرالية التي يفترض أن تحكم العمل الجامعي. لكن ما يبدو أنه شكّل لحظة فاصلة بالنسبة له هو شعوره بأن الجامعة "عقدت صفقة" مع السلطة حين استجابت لضغوط سياسية خارجية تتعارض مع استقلالها الأكاديمي. عندها، تصبح حرية التعبير مرهونة بما لا يُزعج الحلفاء والقوى النافذة، بحسب تعبيره، وتتحوّل الاتهامات بمعاداة السامية إلى أداة لإعادة إنتاج "الغيرية" –أي لإبقاء الفلسطيني في موقع الخارج، كآخر لا يُسمح له بسرد روايته أو المطالبة بحقوقه دون وصم أو تجريم. في هذا السياق، لا تعود المسألة متعلقة فقط بتعريف أكاديمي لمعاداة السامية، بل بإطار أيديولوجي يعيد تشكيل حدود المشروعية السياسية داخل الجامعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعد الخالدي من أبرز الأصوات الأكاديمية التي واجهت المسألة الفلسطينية بمنهج نقدي وتحليلي، وقد شكل كتابه "حرب المئة عام على فلسطين" مرجعًا مركزيًا لفهم كيف تم نزع الطابع السياسي عن القضية الفلسطينية في الخطاب الغربي -حيث يقدم قراءة تاريخية توثيقية للصراع، تُظهر كيف تمّت هندسة الروايات الغربية لتهميش السردية الفلسطينية، والتعامل مع الفلسطينيين كعقبة ديموغرافية أو أمنية. واللافت في موقفه أنه لا ينبع من غضب عابر أو رد فعل شخصي، بل من تحليل أعمق لطبيعة التحوّلات داخل الحقل الأكاديمي الأميركي. فالهجوم على الخطاب الفلسطيني في الجامعات ليس وليد اللحظة، وقد تصاعد مع تزايد النفوذ السياسي للمنظمات الموالية لإسرائيل، ومع صعود الإسلاموفوبيا، وتجريم حركة مقاطعة إسرائيل “BDS”، وتوسع خطاب "الأمان العاطفي" الذي يُستخدم أحيانًا لحظر الفعاليات الفلسطينية بحجة أنها "مزعجة" للطلاب اليهود. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، يمكن فهم قراره الأخير كاستمرار لهذا المشروع الفكري، الذي لا يفصل بين العمل الأكاديمي والموقف الأخلاقي، وتعبيرًا عمليًا عن موقف لطالما ناضل من أجله، مفاده أن الصراع ليس فقط على الأرض، بل أيضًا على المعاني، والسرديات، وأدوات المعرفة. كل ذلك يأتي في لحظة تتعرض فيها غزة لتدمير ممنهج، وتُمنع فيها التغطية الإعلامية، وتُقمع الأصوات المنتقدة في الغرب. أمام هذا الواقع، يصبح الصمت نوعًا من التواطؤ، وهو ما يبدو أن الخالدي أراد كسره. فانسحابه من التدريس لا يعني الانسحاب من الفعل، بل هو تعبير رمزي حاد عن الرفض، وتجسيد للامتناع كفعل مقاومة. إنه يستخدم موقعه الأكاديمي، وامتيازاته، ليس لحماية الذات، بل لكشف تناقضات المؤسسة التي ينتمي إليها. في مقاله، يذكّرنا الخالدي بأن كولومبيا لطالما كانت ساحة للمواجهة الفكرية، وأنها استضافت رؤساء دول مثيرين للجدل، كأحمدي نجاد، باسم حرية التعبير. فكيف تُعاقب اليوم أصواتًا فلسطينية أو متضامنة، لمجرد أنها تنتقد الاحتلال أو تطالب بالمساواة؟ المفارقة، كما يشير، أن الجامعات التي تدّعي الليبرالية أصبحت من أبرز مواقع تكميم الأفواه، وهذا ما يجعل المسألة أخطر من مجرد خلاف أكاديمي؛ إنها أزمة أخلاقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بيان الخالدي لا يدين فقط جامعة كولومبيا، بل يضعنا جميعًا أمام سؤال جوهري: ما هي حدود الصمت التي نقبل بها؟ وأين يقف المثقف حين يصبح قول الحقيقة جرمًا؟ كما أن موقفه لا يجب أن يُقرأ كحدث فردي معزول، بل كجزء من تحوّل أوسع تشهده الجامعات الغربية. فمع تزايد الضغوط السياسية والتمويل المشروط، ومع صعود الشعبوية اليمينية، تتقلص مساحة الحرية الأكاديمية، ويُعاد تعريف "الخطاب المقبول" وفق حسابات تتجاوز حدود المعرفة. وفي هذا السياق، تصبح المقاومة فعلاً معرفيًا، واختيار الانسحاب تعبيرًا عن الحضور، لا الغياب. إذ ما معنى أن تكون أستاذًا جامعيًا إذا لم تستطع الدفاع عن حرية التفكير؟ وما معنى أن نعلّم عن العدالة والحق، فيما نحن عاجزون عن تسمية الظلم باسمه؟ في هذه الأسئلة تكمن دلالة موقف الخالدي، فهو لا يدّعي البطولة، بل يضع نفسه أمام مرآة المؤسسة التي أفنى فيها عمرًا، والتي خذلته حين قررت أن تخون رسالتها. لذلك نجد أنه أشار في ختام مقاله إلى أنه سيواصل التدريس، لكنه لن يفعل ذلك في سياق "تمت فيه مقايضة المبادئ بالاسترضاء السياسي". </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36717">الأكاديميا وتسييس المعرفة: من يملك حق السرد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>على خطى كنفاني: &quot;رمان&quot; تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36254</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 24 Aug 2025 09:24:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[رمان]]></category>
		<category><![CDATA[غسان كنفاني]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36254</guid>

					<description><![CDATA[<p>فضا</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36254">على خطى كنفاني: &quot;رمان&quot; تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في اللحظة التي تدخل فيها "رمان الثقافية" عامها العاشر، لا تبدو المسألة مجرد ذكرى سنوية أو احتفال شكلي يضيف رقماً إلى عمر مجلة. مرور تسع سنوات من الكتابة والجدل وتراكم التجارب يعني أن المجلة تقف اليوم أمام ذاتها أولاً، قبل أن تقف أمام قرائها. فهي ليست في مواجهة ماضٍ مضى، بقدر ما هي في مواجهة أسئلتها الأولى: لماذا بدأت؟ كيف استمرت؟ وإلى أين تريد أن تمضي؟ هذه الأسئلة لا تعكس فقط حصيلة عقد أوشك على الانتهاء، بل تكشف عن وعيٍ متجدد بمسؤولية الكتابة ودورها، وعن رغبة في إعادة طرح معنى أن تكون مجلة ثقافية عربية في زمن متداخل بالهزائم والأمل. في هذه المناسبة تختار "رمان" أن تضيف إلى هويتها البصرية شعاراً بصرياً موازياً، يستحضر ملامح غسان كنفاني من إحدى الرسومات المنشورة في مجلة "الهدف" عام 1972. للوهلة الأولى يبدو الأمر وكأنه مجرد تكريم لشخصية فلسطينية استثنائية، لكن سرعان ما يتضح أن الأمر يتجاوز الرمزية التذكارية إلى كونه فعلاً ثقافياً ومقاومة تحررية بامتياز. فالشعار لا يأتي ليحلّ محلّ هوية المجلة البصرية، بل ليعكس خياراتها الثقافية والنقدية والوجودية، وليقف بجوارها كتجسيد لفكرة تتجاوز الشكل نحو المعنى؛ نحو ذلك الخيط المتصل بين مشروع ثقافي نقدي وميراث أدبي وسياسي لا يزال يحفر أثره في الوعي العربي والفلسطيني. هو إعلانٌ بأن المجلة تنحاز إلى المعنى الذي جسّده كنفاني، وتجد فيه مرآة لهويتها وخياراتها الفكرية والجمالية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ تأسيسها، حملت "رمان" مشروعاً يتجاوز الصحافة الثقافية التقليدية، لتصبح مساحة للنقاش، للتفكيك والجدل، ولإعادة صياغة الأسئلة حول الأدب والفن والهوية والسياسة. ومع دخولها عامها العاشر، يبدو طبيعياً أن تبحث عن رمز مكثف يعبر عن مسيرتها، وعن إرثها النقدي والفكري. لم يكن هناك من هو أقدر من غسان كنفاني ليجسد هذه الروح؛ المثقف العضوي، الكاتب الذي وحّد بين النص والواقع، والذي قدّم نموذجاً فريداً للمثقف المنخرط في قضايا شعبه حتى آخر لحظة في حياته. فكنفاني ليس اسماً عابراً في الذاكرة الفلسطينية والعربية، بل هو علامة كبرى، ونصّ مفتوح على احتمالات المقاومة وتجديد المعنى، وشخصية تحوّلت إلى أيقونة حيّة لا تهدأ. في صورته كما في كلماته يتجسد سؤال الكرامة والحرية والعدالة، وفي وجهه ما يتجاوز الملامح الشخصية؛ ثمة قدرة عجيبة على أن يتحول الوجه ذاته إلى سؤال، وعبارته الشهيرة "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" لم تعد مجرد جملة داخل رواية، بل تحولت إلى سؤال وجودي وسياسي وثقافي يلاحق أجيالاً متعاقبة. ففي زمن الاستهلاك السريع للرموز، تظل إعادة توطينها في سياق نقدي وفكري جديد ضرورة ملحة. ويبدو أن اختيار صورة غسان كنفاني شعاراً موازياً لم يكن خياراً عابراً أو زخرفياً، بل إعلاناً واعياً بأن المجلة وهي تعبر عقدها الأول لا تبحث عن زينة، بل عن جذرٍ يُعمّق حضورها ويراكم أسئلتها. فثورة كنفاني ليست فقط في نصوصه الأدبية أو في نضاله السياسي، بل أيضاً في صورته وقدرتها على أن تصبح علامة تذكّر القارئ بأن الثقافة ليست ترفاً، وإنما موقف ورؤية وسؤال مفتوح على المستقبل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد نجحت "رمان" في أن ترسم لنفسها موقعًا خاصًا في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني؛ فهي لم تكن منبرًا للنشر فقط، بل مختبرًا للتجريب، ومساحة مفتوحة أمام أصوات جديدة وأساليب غير مألوفة. في نقد الأدب والفن، كما في مقاربة الأسئلة السياسية والاجتماعية، قدّمت المجلة نموذجًا للكتابة التي لا تتردد في اقتحام المساحات الشائكة، خارج أطر البلاغة الجاهزة والحياد المزيّف. تسع سنوات مضت شهد العالم خلالها تغيرات كبرى في مشاهده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمشهد الثقافي تبدّل على نحو دراماتيكي. وسط هذه التحولات، واصلت "رمان" بناء مكانتها كمنصّة للتفكير الجماعي، لا كأرشيف ساكن للنصوص، مثبتة أن هناك جمهورًا واسعًا يبحث عن نصوص متأنية، نقدية، تعيد مساءلة المسلّمات وتقف في وجه التفاهة المتسيدة. جمهور شاب في غالبه، هو الامتداد الطبيعي لقراء كنفاني قبل نصف قرن، إذ ما تزال الأسئلة نفسها مطروحة: الهوية، العودة، معنى النضال، وحدود الكتابة ذاتها. ولعل ما يميز تجربة "رمان" أيضًا هو قدرتها على الموازنة بين المحلي والعالمي، فهي تنطلق من السياق الفلسطيني والعربي، لكنها لا تنغلق فيه، بل تنفتح على النقاشات الفكرية الكونية. هكذا تقترب أكثر من روح كنفاني الذي ظل مشغولًا بالإنسانية كقيمة عليا وبالعدالة كمعيار لا يتجزأ، حتى وهو غارق في تفاصيل القضية الفلسطينية. واليوم، مع اقترابها من منعطف عقدها الثاني، تضع المجلة على عاتق كتّابها وقرّائها مسؤولية أوفى لذلك الدرس: أن الثقافة لا يمكن أن تكون محايدة، وأن المثقف إذا لم ينحز للحرية والعدالة ينقلب صوته إلى صدى بلا معنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا المسار هو الذي يجعل صلة المجلة بغسان كنفاني أكثر من مجرد استلهام رمزي، واختيار المجلة لهذا الوجه، وهي </span><span style="font-weight: 400;">على عتبة جديدة من مسيرتها</span><span style="font-weight: 400;">، هو بمثابة تجديد للعهد مع السؤال أكثر مما هو احتفاء برمز. وكأنها تقول: وظيفتنا ليست تزيين المشهد الثقافي العربي بمزيد من النصوص، بل أن نظل الصوت الذي يقلق السكون، ويعيد فتح الجروح التي يحاول الجميع تغطيتها. ذلك أن "رمان"، منذ عددها الأول، لم تبحث عن مكان آمن في سوق الثقافة أو في ظل المؤسسات المانحة، وكتبت من موقع الهشاشة، لا من موقع السلطة. فالنصوص التي نشرتها كانت أقرب إلى مساحات للتفكير بصوت عالٍ، بعيداً عن خطب الأيديولوجيا الجاهزة أو بريق الأكاديميا المغلقة. لم تلهث المجلة وراء معيار فكري أو ثقافي مغلق، بل جعلت من النص أداة لاقتراح معنى جديد، أكثر التصاقاً بالحياة اليومية وهمومها، وأقل خضوعاً للبلاغة الرسمية. بهذا المعنى، فإن دخول المجلة عامها العاشر لا يمكن أن يُقرأ كاستمرارية فحسب، بل كإعادة طرح للسؤال الأول: ما الذي يعنيه أن تكتب اليوم بالعربية؟ أن تكتب من فلسطين وحولها، وللعالم؟ وكيف يمكن أن تحافظ الكتابة على قدرتها في زمن الانهيارات الكبرى؟ ومثلما كان كنفاني يصرّ على أن الأدب لا ينفصل عن السياسة، وأن السياسة بدورها ليست سوى صراع على المعنى، اختارت رمان أن تحفر مكانها في هذا التماس بالذات؛ لم تعامل الأدب كزينة للسياسة، ولا السياسة كسلطة فوق النص، بل سعت إلى فتح مسارات متبادلة بينهما. من مراجعات الأدب والفن، إلى مقالات الفكر والسياسة، مروراً بالشهادات الشخصية والنقاشات الجمالية، بنت المجلة جداراً من النصوص المتنوعة، هشاً أحياناً لكنه صلب في جوهره، قادراً على الصمود في وجه التبسيط والتسطيح. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المحصلة، فإن اختيار صورة غسان كنفاني اليوم هو تذكير بأن الشهيد لا يُستدعى للتقديس فقط، بل للمساءلة أيضاً؛ إذ ماذا يعني أن نرفع صورة كنفاني بعد أكثر من خمسين عاماً على اغتياله؟ هنا يتجاوز الشعار وظيفته البصرية ليصبح إعلان موقف، ووعدًا بأن الثقافة لن تستكين. بهذا المعنى، يتجاوز الشعار حدود الشكل ليصبح موقفاً كاملاً؛ فاستحضار كنفاني لا يعيد إنتاج الماضي بقدر ما يفتح على المستقبل، رابطًا زمنين مختلفين بسؤال واحد</span><span style="font-weight: 400;"> ومنطق متسق </span><span style="font-weight: 400;">لم يفقد راهنيته: القدرة على طرق الجدران. ولعل ما يضاعف أهمية هذا الخيار هو استحضار إعلان المجلة أنها تحاول بدورها أن تدق جدران الخزان، أن تزعج الصمت، وأن تفتح فضاءً للنقاش النقدي الذي يواجه الاستكانة والقبول بالأمر الواقع، لا أن تكون مجرّد منصة للنشر العابر. وبالتالي، فإن دخول "رمان الثقافية" عامها العاشر، اليوم، بشعار غسان كنفاني ليس حدثًا شكليًا بل إعلانًا عن مرحلة جديدة: مرحلة وعي بالمسؤولية واستمرار في الانحياز إلى الثقافة النقدية، وإيمان بأن الكلمة لا تزال قادرة على أن تكون سلاحًا ضد التهميش والتزييف. واستعادة كنفاني هنا ليست مجرّد مظهر احتفالي، بل تجديدٌ لقناعة بأن الثقافة تظل ميدانًا للمقاومة، وأن الكلمة تملك القدرة على زحزحة ومشاكسة الواقع، حتى في أزمنة الإحباط والانكسار. بهذا المعنى، تطرح "رمان" نفسها امتدادًا لمشروع ثقافي مقاوم، ولكن بأدوات وأساليب معاصرة؛ فإذا كان سؤال كنفاني الأشهر "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" قد تحول إلى لازمة في وجدان أجيال كاملة، فإن "رمان" تريد أن تؤسس لنفسها هوية أكثر رسوخاً، هوية ترتبط بغسان كنفاني لا كماضٍ مغلق، بل كأفق مفتوح. وأن تجعل من هذه الصورة لازمتها الخاصة وصوتها الداخلي الذي يذكّرها دائماً بأن دورها لا ينتهي عند النشر، بل يبدأ منه.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36254">على خطى كنفاني: &quot;رمان&quot; تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-09 14:33:23 by W3 Total Cache
-->