منذ اللحظة التي بدأ فيها القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وحتى اقتراب العدوان من نهاية عامه الثاني، لم يعد تدمير البيوت والبنية التحتية مشهدًا متكررًا فحسب، بل تحوّل إلى محو شامل لملامح الحياة والذاكرة والعمران. في هذا السياق، يطرح المجتمع الدولي، والمؤسسات الفلسطينية، ودول الجوار مسألة "إعادة الإعمار" بوصفها استحقاقًا إنسانيًا واستثمارًا سياسيًا واقتصاديًا في اليوم التالي. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل لا يزال ممكنًا، بل مجديًا، الحديث عن "إعادة" الإعمار؟ وهل يمكننا أن نعود إلى ما كان، وكأن شيئًا لم يحدث؟ أم أننا أمام ضرورة تاريخية لتبنّي نموذج جديد بالكامل –نموذج لا يعيد البناء بل يؤسس من جديد، ويعيد للناس علاقتهم الممزقة بالأرض والحيّ والذاكرة والكرامة؟
الإعمار كأداة سياسية لا كمجرد استجابة إنسانية
لطالما رُوّج للإعمار باعتباره عملًا إنسانيًا وتقنيًا، يهدف إلى إعادة بناء ما دمّرته الحروب، وتوفير السكن والخدمات، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. غير أن التجربة الفلسطينية –وخاصة في غزة– كشفت زيف هذا التصور، وأظهرت أن الإعمار ليس محايدًا، بل ميدان صراع سياسي، وتحكّم بالمعنى والقرار. فمنذ الحرب الأولى على غزة عام 2008، وحتى العدوان الكارثي الأخير، كانت مشاريع الإعمار رهينة لإرادة إسرائيل أولًا، ثم لرغبات المانحين الدوليين، وأخيرًا لصراعات المؤسسات والفصائل الفلسطينية -أو لنقل توجهاتها المختلفة.
المساعدات الدولية لطالما جاءت مشروطة، والمواد الأساسية خاضعة لرقابة عسكرية صارمة تحت مسمى "الرقابة على المواد مزدوجة الاستخدام"، كما كانت آلية الإعمار (GRM) نموذجًا للتحكم الإسرائيلي في حركة الاسمنت والحديد وقطع الغيار. أما السلطة الفلسطينية، وباستثناء حالات محدودة، فقد كانت على هامش الفعل، تُستخدم كواجهة رسمية لتلقي الأموال دون أن تكون صاحبة القرار الحقيقي والميداني -الذي كان يتم اتخاذه ولو جزئيا في غزة. كل ذلك جعل من الإعمار أداة لإدارة الأزمة، لا لتجاوزها؛ أداة تحافظ على الوضع القائم بدلًا من تغييره.
وحتى في أفضل حالاته، فإن النموذج التقني لإعادة الإعمار تعامل مع الناس كمجرد "مستفيدين" أو "ضحايا" يحتاجون إلى مأوى، لا كمواطنين يملكون الحق في تحديد شكل مدينتهم وطبيعة عمرانها، وموقع ذاكرتهم في الفضاء العام. بهذا المعنى، فإن الإعمار كما عُولج خلال السنوات الماضية يبدو أنه ساهم في تعزيز التهميش والإقصاء المديني بدلًا من إنهاء مظاهرهما، وفي إعادة إنتاج الهشاشة الحضرية بدلًا من معالجتها.
ما بعد التدمير: غزة أمام محو شامل لا مجرد خسائر
ما يميز العدوان الحالي على غزة لا يقتصر على حجمه، بل على نوعيته، فهذه ليست جولة أخرى من "التدمير الجزئي"، بل عملية اقتلاع ممنهجة. الأحياء التاريخية كالرمال الذي صار له من اسمه نصيب، والشجاعية، والدرج، وتل الهوى، والزيتون، وخانيونس القديمة، وغيرها، لم تُقصف فقط، بل اختفت تقريبا من الواقع وظلت اسمًا على الخريطة التي قد لا تلبث كثيرا قبل أن تتغير ملامحها أيضا. مئات آلاف المنازل دمرت، عشرات الآلاف من العائلات فقدت مساكنها للأبد، كذلك المدارس والجامعات والمستشفيات إما جرى تسويتها بالأرض أو تعطيلها الكامل. والخطر المحدق اليوم هو أن تستخدم عملية إعادة الإعمار لطمس التاريخ، أي أن تُبنى مدن جديدة –أو ضواحٍ مؤقتة– تحت مسمى الإعمار، لكنها من دون الذاكرة، ومن دون السكان الأصليين، ومن دون حق الناس في تقرير مصيرهم المكاني. هنا، يصبح الإعمار أداةً لاستكمال الاقتلاع، لا معالجته.
في هذا السياق، لم يعد ممكنًا الحديث عن "إعادة إعمار" بالمعنى الضيق، لأن ما دُمّر لم يكن مجرد مبانٍ، بل نسيج اجتماعي، وذاكرة جماعية، وفضاءات أنتجت حياة ومعنى وهوية. لم يعد في الإمكان العودة إلى ما كان، لأن ما كان لم يعُد موجودًا. ولذلك، فإن كل حديث عن إعادة الإعمار يجب أن يُراجع في ضوء هذه الحقيقة: أن المحو كان منهجيًا واستراتيجيًا، وأن إعادة البناء بنفس الأدوات والخطابات القديمة تعني إعادة إنتاج الشروط التي سهّلت هذا المحو منذ البداية -فهل يمكن إعادة إعمار الذاكرة وبناء المدينة خارج سياق المفروض رُغما وكُرها؟
منطق آخر للإعمار: التأسيس لا الترميم
في ضوء كل ما سبق، فإن المطلوب ليس إعادة الإعمار، بل إعادة التأسيس – أي التخلي عن وهم استعادة ما كان، وتبنّي خيال سياسي وعمراني جديد يُعيد التفكير بالمدينة، وبالعلاقات الاجتماعية، وبالحقوق، وبالذاكرة، وبالفضاء. هذا النموذج الجديد يفترض أن الإعمار ليس مجرد عملية فنية، بل مشروعاً تحرريَا يتطلب أدوات مختلفة كليًا. أدوات تبدأ من التخطيط الجماعي التشاركي الذي يحدد فيه سكان الأحياء احتياجاتهم، وتصاميم مناطقهم، وأولوياتهم -ذلك أنه لا معنى لأي مشروع لا يستند إلى معرفة الناس بما فقدوه وما يطمحون إليه. ومن ناحية أخرى يجب إدماج الذاكرة في الفضاء، إذ لا بد أن يكون لكل حي جديد صلة رمزية بالحي الذي اندثر، وهو ما يمكن أن يتأتى من خلال التسمية، والعمارة، والجدران التذكارية، والمراكز المجتمعية، والمتاحف المحلية. مع ضرورة تجنّب تحويل الفضاء إلى سلعة يتحكم بها السوق والعلاقات الزبائنية.
نحو خريطة جديدة: كيف نحول الفقد إلى مشروع؟
في مواجهة المحو، لا يكفي أن نُعيد البناء، بل أن نحول الفقد نفسه إلى مادة للتأسيس. وهذا يتطلب دمجًا واعيًا للذاكرة في عملية التشييد: أن يتحول الشارع إلى متحف حي، والبيت إلى شهادة على الغياب، والحي إلى نصّ يعيد سرد القصة. الذاكرة هنا ليست نوستالجيا، بل حق جماعي في السرد، وفي مواجهة الرواية الصهيونية التي تُريد أن تُخرج غزة من الخريطة والتاريخ معًا. ولذلك، فإن أي نموذج جديد يجب أن يصون الحكايات الصغيرة –حكايات البيوت، الحارات، الجدران، المصاطب، المقابر، الأسواق– ويُحوّلها إلى مكونات في معمار المدينة المقبلة.
إن ما جرى في غزة ليس نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة تتطلب خيالًا سياسيًا عمرانيًا راديكاليًا. لا يكفي أن نمنع المجاعة، أو أن نُسكّن الناس في كرفانات. المطلوب هو أن نرسم خريطة جديدة: خريطة تُدمج فيها السيادة مع المعمار، والعدالة مع الفضاء، والذاكرة مع المستقبل. في هذه الخريطة، لا يكون الإعمار هو إعادة الإسمنت، بل بناء الحياة من جديد، بكرامة، وبالاستناد إلى التاريخ، وبانفتاح على المستقبل. وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا تحوّلت عملية الإعمار إلى جزء من مشروع وطني شامل، يُعيد تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، وبين الدولة والمجتمع، وبين الحاضر والماضي.
خاتمة: من الرماد إلى الرؤية
غزة اليوم ليست فقط ضحية عدوان غير مسبوق، بل أيضًا فرصة تاريخية لإعادة التفكير بكل ما كان وما يجب أن يكون. الإعمار، إذا أُدير بالمنطق القديم، سيُعيد إنتاج الأزمة. أما إذا أُعيد تعريفه بوصفه فعلًا مقاومًا، تحرريًا، وذاكريًا، فإنه يمكن أن يكون بداية لتأسيس فضاء فلسطيني جديد – فضاء لا يُبنى على أنقاض الذاكرة، بل يُستعاد من داخلها. ربما لا نملك كل الأدوات، وربما لا نملك حتى الأرض الكاملة، لكن ما نملكه هو الحق في الحكاية، والحق في الفضاء، والحق في أن نعيش مدينة تشبهنا –لا مدينة صُنعت لنا.
