التّابع الثّماني وأربعيني وتعزياته

2018-02-15 15:00:00

التّابع الثّماني وأربعيني وتعزياته
مقطع مقرّب لثوب مطرّز، تصوير كيانيه انترياسيان. © المتحف الفلسطيني

بغضّ النّظر عن التّعميم فيما سبق وفيما يلي، هنالك وجهٌ عابسٌ إسرائيليّ تبنّاه العديد من فلسطينيّي أراضي الـ٤٨، بغير وعي أو بفعل العادة والتّمثّل. ذاك الوجه الّذي ينظر باشمئزاز وريبة إلى كلّ ما يدور من حوله. له اسم بالعبريّة والإنكليزيّة: حوتسپاه، أو خوتسپاه (وبالعربيّة، وقاحة، ذات طابع خاصّ). يتفحّص الوضع، يشكّك به، ويمتعض منه. وجهٌ لا يبالي بالمتحدّث أمامه، لا ينظر إليه عند حديثه معه، وإن نظر، فباستعلاء.

"بس شوفي كيف صرنا قدّ حالنا"، قال لي. "الإسرائيليّة عملونا هيك، نحكي شو ما لازم وكيف ما لازم، بجرأة". أنصتّ، إمعانًا ونفورًا، في جدّيّة البوح ومن مضمونه. الجديّة هنا تتأتّى عن صدق الاعتقاد بالفكرة، ومضمونها من عيشٍ تحت احتلالٍ واستعمارٍ لازمَ "التّابع" الفلسطينيّ مدّةً طالت عن معاشرته لأصله، بسكّانه وجغرافيّته. "بإمكاننا الدّفاع عن حقوقنا الآن ونستطيع نقاش أيّ كان في العالم بغير خوف". أكمل حديثه. حديثٌ تبنّاه الكثير من أبناء الأرض المسلوبة. هو توجّه يصرّ على رؤية "نصف الكأس الممتلئ" لمصيبة تبعد عنهم زمنًا وجغرافيا. ربّما لجهلهم/تجهيلهم بها، أو لعيشهم حالة من إنكار الحال أو لاقتناعهم التّامّ باستنتاجهم وعقلانيّته، النّابع عن مقارنات وقراءات، أحيانًا.

نظرة الفلسطيني السّعيد بإسرائيليّته والرّاضي عن معاشرته لمستعمره وتبريرها بأفكار تفيد بتقوية الأخيرة للذّات الفلسطينيّة، هي فكرة تبلورت على مدى عقود وتفي بأهميّة السّيرورة التي اجتازها أبناء الشّعب الفلسطيني الذين بقوا ليصبحوا، على الرّغم من مأساتهم الماضية والرّاهنة، والبعض يقول بسببها، ذوي شخصيّة قويّة، قادرة على التصدّي للكثير. يرون فيها مصدر قوّة وبناء لشخصيّة جماعيّة متنوّعة، وقادرة على الدّفاع عن نفسها. يرون فيها تبنّي لجسدٍ جديد. لفعلٍ جسديّ جديد. 

لكنّه ليس سياسيًا حتمًا، ولا مسموعًا بالضّرورة.

بغضّ النّظر عن التّعميم فيما سبق وفيما يلي، هنالك وجهٌ عابسٌ إسرائيليّ تبنّاه العديد من فلسطينيّي أراضي الـ٤٨، بغير وعي أو بفعل العادة والتّمثّل. ذاك الوجه الّذي ينظر باشمئزاز وريبة إلى كلّ ما يدور من حوله. له اسم بالعبريّة والإنكليزيّة: حوتسپاه، أو خوتسپاه (وبالعربيّة، وقاحة، ذات طابع خاصّ). يتفحّص الوضع، يشكّك به، ويمتعض منه. وجهٌ لا يبالي بالمتحدّث أمامه، لا ينظر إليه عند حديثه معه، وإن نظر، فباستعلاء. ذات النّظرة المتعجرفة الموجودة لدى العديد في حديثهم وسياستهم مع الآخرين -نظرة ”يحقّ لي“- نظرة متطاولة تعلن التملّك واعتقادها بأحقّيتها في كلّ شيء. نظرة لا تتوانى عن الوقاحة الجريئة إن استدعاها الأمر ولا الاختصام مع من يتعدّى على مصلحة صاحبها أو صاحبتها.

تبسّط الباحثة والمفكّرة الهنديّة غاياتري شاكرافورتي سپيفاك تعريفها لـ "التّابع" بذاك "الذي يتلقّى الأوامر"، وتورد في مقابلةٍ لها حادثة ذكرتها في دراستها الشّهيرة "هل يستطيع التّابع أن يتكلّم؟" (١٩٨٨) بحيث يظهر الفعل الجسديّ كفعل سياسيّ. أمّا الحادثة، فهي عن قريبة لعائلتها، خالة أو عمّة لأمّها، كانت قد انتحرت شنقًا بعد انتظارٍ دام ٤ أيّام. انتظرت ٤ أيّام لتحلّ دورتها الشّهريّة وتنتحر من بعدها. فانتحار الفتيات بجيلها اليافع ومن طبقتها الاجتماعيّة غالبًا ما اقترن بحبلٍ غير شرعيّ، ولم تكن تلك حالتها. لم تُرد الانتحار والإشارة إلى موتٍ اجتماعيّ قد تشير به إلى هروبها من فعلةٍ فرديّةٍ ما مرفوضة اجتماعيًا. لم ترد اعتبار انتحارها تهرّبًا مجتمعيًا، لم ترد حصر موتها في ذاتها. فآثرت الانتحار بعد انتظارٍ يتناقض بنتيجته مع الافتراض الأوّل.

بانتحارها أرادت أن تشير إلى موتٍ سياسيّ، إلى تصريحٍ سياسيّ وليس إلى التّنصّل من حكمٍ مجتمعيّ متعارف عليه. في الحقيقة، انتحرت لأنّها لم تتمكّن من تنفيذ اغتيالٍ أوكل إليها من مجموعة مقاومةٍ مسلّحة انتمت إليها وناضلت معها من أجل استقلال الهند في حينه. انتحرت لإدراكها حجم الثّقة والمسؤوليّة المقترنتين بفعلٍ لم تتمكّن من إتمامه. فاختارت جسدها بديلًا، بيانًا عن فعلٍ وقول. ومع ذلك، لم يتكلّم جسدها بما فيه الكفاية، كما تورد سپيفاك أخيرًا. أصرّت الغالبيّة على ربط انتحارها بحبلٍ غير شرعيّ، على الرّغم من تناقض حالها الجسديّة مع الأمر، أو لم يهتمّوا بقصّتها أصلًا. فتنهي مقالتها، بعد إسهابها بالشّرح، بقولها أنّ التّابع لا يستطيع التّكلّم. 

لن يصل كلام التّابع لأحد، أوّلًا لعدم اكتراث الغالبيّة الآمرة به، وثانيًا لأنّ كلامه أساسًا مدموغ برؤية الآمرين وتحليلهم للحياة (وهذا تبسيط شديد لفكرتها). جملة كتلك المذكورة أعلاه، المسموعة بين الفينة والأخرى، والّتي تفيد بقناعة الفلسطينيّ بحاله المؤوّلة وحتّى اعتبارها نوعًا من الانتصار أو الانتهازيّة هي ردّ فعلٍ غير واعٍ لتابعيّته، يعتبر ذاته ويرى إيجابيّاتها بعيون مستعمِرِه. وبينما قد يكون في البقاء في الأرض ومعاشرة مستعمرها الإسرائيلي تقوية من نوعٍ ما، لن تنفصل تلك القوّة عن تابعيّة المستعمَر للآمر، الذي شكّل وما زال يشكّل رؤيته لحاله وأفعاله.

تصريح الفلسطيني بحسنات حاله فعلٌ يعلن عن بقاءٍ ما، بيانَ انتصارٍ ما، لا ينبع بالضّرورة من منطلق التّشبّث بالحقّ والمكان (وليس ذاك فرضًا، أو حكرًا، على أحد بطبيعة الحال) أو الاقتناع بالانتصار. هو بديلٌ ما، خيرٌ من لا شيء، خطابٌ من نوع "جحيمٌ كهذا أفضل من نعيمِ غيرنا الجحيميّ"، أيًا كانوا الجيران، إسكاتًا للعقول الّتي تتجرّأ على رفض الشّبع وطلب المزيد، أو على التّفكير بما قد يعنيه ذلك المُزاد.

على الحالتين، صدق القوّة المضافة أو اعتبارها كذلك، هي نتاجٌ لتشرّد ما، قسريّ، ونابع عن سبعين عام من النّكبة أو أكثر. ولتكن نتائجه ما تكون، لا يجوز تجميله. أوّلًا لأنّه فُرضَ ولم نختره، وثانيًا لأنّه بذاته فُرِض على الغير كذلك، بغير اختياره، ونتج عن حقائق أفظع بكثير. لا يجوز التّغنّي بحسنات التّشرّد هذا ولا رومنطقته بغير مسؤوليّة وانحيازٍ "تابعيّ" - على الرّغم من صعوبة فصل التّابع عن الآمر، جسديًا أو معنويًا. لا يجوز تجميل التّشرد بعبارات تلتحف بحسنات الانخراط والتبنّي. فكما يشدّد إدوارد سعيد في نصّه عن المنفى، يبقى هو "أمرٌ دنيويّ على نحوٍ لا براء منه وتاريخيّ بصورة لا تطاق... وفعل البشر بحقّ سواهم من البشر؛ وأنّه، شأن الموت، إنّما من غير نعمة الموت الأخيرة، قد اقتلع ملايين البشر من منهل التّراث والأسرة والجغرافيا".

قد نسعى لإيجاد ما يطيب لنا فيه وما يعوّض عن خسارة فادحة ما، قد نسعى لتحويله فعلًا سياسيًا، لكن على هذا السّعي أن يعي لمكانته ولا يصدّق رؤية متبنّاة ردّدها كفايةً من الوقت لتصبح حقيقة. خطابٌ تابعيّ مصقول بغير وعي، لمكانة التّابع وتلقّيه رؤى وأوامر لا تنتمي إليه ولم ينتم إليها. على التّابع بالمعاينة المستمرّة، نقد الرّؤية تلك وعدم الاعتياد عليها أو اعتبارها أكثر ممّا هي: جملة عزاء للذّات، لا غير. أي على القوّة المضافة أن تُرى بسياق اللّحظة والماضي، مع الإدراك التّام أنّ تذكّرنا أو تخيّلاتنا عن حالنا الآن كما الأولى، ما قبل الإضافة، قد تكون مشوّشة بعض الشّيء، أو كثيره.