علاء حليحل: أنا كاتب معدوم الولاء للجانرات الأدبية وأترك نفسي رهينة للفكرة الجيدة

2023-08-08 13:00:00

علاء حليحل: أنا كاتب معدوم الولاء للجانرات الأدبية وأترك نفسي رهينة للفكرة الجيدة

أنا أُعتَبر من "المحظوظين" الذين لم تُشرّد عائلتهم في مخيّمات اللجوء، وأعيش اليوم مواطنًا في إسرائيل أملك بعض الحقوق التي يرى فيها الكثيرون مزايا ومحظيّات قياسًا بسائر اللاجئين الفلسطينيّين. لكنّني لم أعشْ تجربة اللجوء ولا الطرد ولا عيش حياةٍ من دون أفق في دولٍ تعامل اللاجئين الفلسطينيّين وكأنّهم أنصاف بشر.

يكتب الروائي الفلسطيني علاء حليحل الرواية والقصة والمسرحية، ويترجم أيضًا، وفوق كل ذلك له تجارب إخراجية. يمكن أن نسميه فنان شامل، لكن على الرغم من ذلك، فهو يميل ويحب النص الذي على قيد الكتابة، فيتحول إلى نصه الأثير ريثما ينتهي من كتابته. ومؤخرًا، حليحل إلى أرض السرد، من بوابة روايته الأحدث "سبع رسائل إلى أم كلثوم"، الصادرة عن "الدار الأهلية للنشر والتوزيع" في عمّان. التي تحكي عبر مستويات من السرد، رحلة انعتاق "هاجر" من مأزق المرأة الشرقية المحبوسة في حياة ضيقة بمباركة المجتمع. تقوم "سبع رسائل إلى أم كلثوم" في أحد مستوياتها على الرمز والدلالة، ثمة ما يمكن قراءته بين السطور وتأويله. هناك تراسلات ووشائج غير منطوقة، ولكن مرصودة بوضوح، ينسج من خلالها علاء حليحل سيرة أسرة صغيرة، تنتمي إلى إحدى قرى الـ48، ومن "بيت البلوطة" المنعزل على تل في القرية، تنطلق الأحداث، وتنمو كأغصان الأشجار، لترسم مسارات لأشخاص، رماديين، بين الأبيض والأسود. يحمل كل منهم في داخله بذرة الخير وبذرة الشر.

حول الرمزية في  "سبع رسائل إلى أم كلثوم"، وحول اللغة في الرواية، والقوالب الأدبية المختلفة، والترجمة والجوائز الأدبية، حاورت "رمان" علاء حليحل.. فإلى نص الحوار. 

تحررت هاجر بعد سنوات من الاستكانة لمصطفى.. مثلما تمردت أم كلثوم على سطوة الأب.. هل تأتي من هذه الزاوية رمزية أم كلثوم الحاضرة في عنوان الرواية ومتنها؟

بالتأكيد. وأضيف أيضًا أنّ العلاقة التي كانت واضحة لي بين هاجر وأم كلثوم أثناء كتابة الرواية هي علاقة صداقة بين امرأتيْن: الأولى قوية حدّ الجبروت أحيانًا، والثانية هشّة حدّ الانكسار أحيانًا. بهذا المعنى فإنّ تمرّد هاجر نضج وبدأ يكبر بعد حادثتيْن كبيرتيْن بالنسبة لها: قراءتها لكتاب عن حياة الستّ، وضرب المعلمة روز لابنها نور. هذا الكتاب فعل مفعول السّحر عند هاجر: فلأوّل مرّة تكتشف تفاصيل ومحطات في حياة أم كلثوم لم تكن تعرفها، وأدركت تمامًا ما هي الأثمان والضرائب التي اضطرّت أم كلثوم لدفعها من أجل شقّ طريقها الصعبة في عالم ذكوريّ-رجوليّ لدرجة إنكار أنوثتها وهي صبيّة وإنكار زواجها كي لا تكون مجرّد "امرأة أخرى" تابعة لرجل كسائر النساء. هذا ما منح هاجر الفكرة الأولى من وراء أيّ تمرّد أو ثورة، سواءً أكانت فردية أم جمعيّة: "أنا أستحقّ أكثر".

أمّا الحدث الثاني، وهو ضرب نور ضربًا وحشيًّا، فكان اعتداءً على أمومتها، وهي أعزّ ما تملك وربما الشيء الوحيد الذي تملكه في هذه الدنيا، بعد تنازلها عن عملها الذي تحبّه من أجل تربية الأولاد، وبعد اضطرارها للزواج من رجل لا تحبّه لأنّه الوحيد الذي رضي بالزواج من امرأة "معطوبة" في عُرف الريف الفلاحيّ.

يبدو مصطفى ضحية للتربية الخانعة التي ورثها عن أبيه حول ضرورة "الابتعاد عن السياسة".. غير أن مصطفى يراجع ثوابته ثم يبدأ في دعم الانتفاضة سرا. وهو بعد كل شيء رجل يعتني بأهل بيته وإن كان بطريقة غليظة نوعا. ألا ترى أن هاجر تسلقت على جثة مصطفى لتصل إلى تحررها على حسابه؟

لا أسمّيه "تسلّقًا على الجثة"، بل حاجة عميقة وقويّة لاستعادة السيطرة على حياتها. لا يمكن تحقيق مثل هذا الأمر من دون الانتصار على القامع أو سارق الحريّة- حتّى لو لم يكن يفعل ذلك بدافع الشرّ أو الحقد. هذه معارك أزليّة بين قوى تتشاطر السرير نفسه وتحارب بعضها بعضًا في الآن ذاته. أنا أعتقد أنّ هذا يُشكّل بعدًا كبيرًا في مفهوم الحياة الزوجيّة. فهي معركة على التسويات في نهاية الأمر، وإذا برز طرف ضعيف في هذه المعركة فإنّه سيضطرّ لتقديم التسويات الأكبر والأكثر. لذا، أنا أرى أن تمرّدها على مصطفى لم يسرق منه شيئًا، بل كان استعادةً لمزاياها وحقوقها التي سُرقت منها أصلًا وهي ليست مُلكه.

ثمة ميزان دقيق في العلاقة التي تجمع الولدين مع أبويهما، نور يحب هاجر ويزن يحب مصطفى.. الأول معني بالحياة، والثاني معني أكثر بـ "مكتسبات الحياة".. ربما حدث ذلك على أسس جينية في الأساس. هل هناك "قصور تربوي" أنتج تلك التحزبات الأسرية وقاد في النهاية إلى حدوث هذا الشرخ؟

نحن جميعًا نُخلق مع طباع خاصّة بنا، يمكن اعتبارها وراثيّة. وباعتقادي أنّ التربية الجيدة تُحسن تفهّم هذه المسألة والتعامل معها بحكمة. هو حوار مستمرّ وشائك -خصوصًا في السنوات السبع الأولى المؤسِّسة لشخصيّة الإنسان- وأيّ خلل في هذا الحوار بين الأهل والأولاد سيؤدّي بالضرورة إلى تحزّبات وشروخ في العلاقات. دعنا لا ننسى أنّ مفهوم الأخوّة الذي نحبّه جميعًا ونسعى من أجله، ليس مفهومًا طوباويًّا كما نعتقد. الأخوّة -مثل الصداقة- تجمع بين ثناياها المصالح والمنافع، وكلما تحقّقت هذه المنافع المشتركة كانت الأخوّة مثاليّة. أمّا في حال تبدّل الحال واختلال هذا الميزان الدقيق نبدأ بتبيّن ملامح الغيرة والحسد وربما الكيد. وفي سياق نور ويزن تحديدًا، هي في النهاية تبسيط ونموذج قريب جدًّا من قصّة قابيل وهابيل.

هل هناك رمزية ما لـ "عزلة بيت البلوطة" عن باقي بيوت القرية يمكن أن نسقطه هنا على علاقة عرب 48 بباقي الجسد الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة؟

طبعًا. عُزلة بيت البلوطة تمتدّ على منحييْن: رغبة مصطفى الطوعيّة بالعزلة المجتمعيّة، والعزلة الرمزيّة القسريّة في سياق فلسطينيّي الداخل. الأولى عزلة تأتي من رغبة داخليّة بالابتعاد والاستغناء، والثانية عزلة بالقوّة تؤدّي في النهاية لتحويل كسر هذه العزلة إلى مطلب سياسيّ خلاصته "حقنا في التواصل مع فضائنا العربيّ والفلسطينيّ". المفارقة الكبيرة هنا أنّ هذا تحقق في أجزاء كبيرة منه بعد هزيمة نكسة 1967 وفتح الحدود مع الضفة الغربيّة وقطاع غزة، وبعد اتفاقات السلام التطبيعيّة منذ نهاية السبعينيّات وحتى اليوم. كأنّ الالتحام بفضائنا الطبيعيّ لا يتأتّى إلّا من خلال "انتصارات" إسرائيليّة بالسّلاح أو بالتطبيع.  

اخترت أن تستخدم كلمات من العامية الفلسطينية في السرد الفصيح.. ما الحكمة من ذلك؟ ألم تخشَ أن تحد بعض تلك الكلمات شديدة المحلية "تعربش مثلا" من فهم قراء عرب لا يعرفون تلك المفردات؟ ومن انتشار النص؟ وكيف ترى جدلية "مستويات اللغة والفصحى والعامية" في السرد الروائي والقصصي؟

ثمّة تخوّف طبعًا، لكنّ الفائدة أكبر برأيي. فدمج كلمات عاميّة في السّرد، واستخدام الحوارات العاميّة، هما جزء من الجماليّات الأدبيّة التي تمنح ألوانًا زاهية للمكان والزمان والشخصيّات، وتنفخ فيها روحًا وحياةً. زدْ على ذلك طبعًا أنّ غالبية الكلمات تُفهم من السياقات السرديّة، تمامًا كما نفهمها نحن عند قراءة رواية مغربيّة أو يمنيّة مثلًا. تصوّر لو أنّ أحدًا اعترض مثلاً على العاميّة المحكيّة في "الخبز الحافي"... هل كنّا سنشاطره هذه الاعتراض رغم صعوبة القراءة لي كفلسطينيّ؟ 

هذا سؤال من قلب الرواية: "مَن يموت أكثرَ وأسرعَ يا سومة: الذي يحمل في قلبه صورة النبعة والبيادر وآخر دبكة في آخر عرس، أم مَن يستيقظ كلَّ صباح للذهاب إلى العمل أجيرًا على أرض جدّه التي ضاعت؟"

الصراحة أنّني لا أعرف الإجابة عن هذا السؤال. أنا أُعتَبر من "المحظوظين" الذين لم تُشرّد عائلتهم في مخيّمات اللجوء، وأعيش اليوم مواطنًا في إسرائيل أملك بعض الحقوق التي يرى فيها الكثيرون مزايا ومحظيّات قياسًا بسائر اللاجئين الفلسطينيّين. لكنّني لم أعشْ تجربة اللجوء ولا الطرد ولا عيش حياةٍ من دون أفق في دولٍ تعامل اللاجئين الفلسطينيّين وكأنّهم أنصاف بشر. لذلك أقول صدقًا: لا أعرف. ما أعرفه أنّ المرور بجانب أطلال قديتا أو سُحماتا مثلًا يثير الحرقة والغضب والحزن مع أنّه يشحن الرغبة بالبقاء مجدّدًا ودائمًا. لا يمكنني إلّا التكهن بما يمرّ في بال ابن عائلتي المهجّر في مخيّم عين الحلوة الآن، ولا يمكنني حتّى تصوّر مدى غضبه وحزنه على وجوده هناك لا في قرية جدّه.
 


عندما قرأت الرواية عرفت من أين جاء اسم موقع "قديتا" الثقافي الذي شرفت بالنشر فيه قبل سنوات.. هل يمكن للثقافة أن تخلّد قرى أفناها الاحتلال وزرع مستوطناته مكانها؟

سأجيب عبر منحًى عينيّ جدًّا من مفهوم الثقافة وهو "الإبداع" أو "الإنتاج". الثقافة تملك روافد أخرى كالتوثيق والاستهلاك وحفظ الذاكرة. أمّا مفهوم الإبداع في سياق الفعل الأدبيّ فهو عمليّة استحضار لا شكّ في ذلك. إذا كان بيت جدّي في قديتا قد هُدم، فإنّ الكتابة عنه هي فعل استحضار أرواح والتواصل معها. هذه قوّة الفعل الإبداعيّ الذي يُعيد ترميم المكان وتأهيله وبثّ الحياة في شخوصه. هذا عمل هام جدًّا في سياق حياتنا اليوم في خضمّ المعركة المحتدمة مع الصهيونيّة الإسرائيليّة على الرواية والذاكرة أولًا، وهو هامّ أيضًا على مستوى ترسيخ الذاكرة لدى أجيال اليوم. رغم كلّ ذلك، يجب على الأدب أن يكون أدبًا قبل أيّ شيء (النواحي الحرفيّة والمهنيّة والسّرديّة والفهم والإدراك الجماليّ والحسيّ) كي يكون بمقدوره احتواء طقوس الاستحضار خارج الكتابة المباشرة والمتكرّرة.  

أي صعوبات تواجه الأدباء من 48 عن باقي الأدباء الفلسطينيين؟

لا أجد اليوم صعوبات خاصّة بنا صراحةً: هي الصعوبات المشتركة لكلّ الكتاب في العالم العربيّ: المعارك مع الناشرين، وتزوير الكتب، والرقابة الذاتيّة. وأنا أرى أنّ هذه الأخيرة هي طامة كبرى على شقّيْن: الأوّل الرقابة الذاتيّة التي بدأ الكثير يقعون في مطبّاتها في السنوات الأخيرة بعد نزوح إسرائيل إلى اليمين الفاشيّ واستغلال مسألة الميزانيّات كوسيلة ضغط؛ والشقّ الثاني هو الرقابة الداخليّة على المستوى الجمعيّ الفلسطينيّ، كأن نُسكت الأصوات النقديّة ولا نتطرّق إلى مسائل حارقة بحجّة أنّ "هذا ليس وقته"، وأنّ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. هذان تحدّيان كبيران برأيي يواجهان الكتابة وأهل الكتابة على اختلاف نواحيها. في الماضي كانت صعوبات أخرى تلاشت عمليًّا، مثل صعوبة النشر في دور نشر عربيّة في بيروت وعمّان القاهرة وغيرها، وصعوبة الحصول على الكتب الصادرة في العالم العربيّ، وهما صعوبتان غير موجودتيْن اليوم.

تكتب الرواية والقصة والسيناريو والمسرحية.. هل تختار الفكرة قالبها أم يحدث ذلك بقرار مسبق؟ وأيها أحب إليك؟

الفكرة تختار قالبها، وعندما تفعل ذلك أنغمس فيها لدرجة أنّ هذه الكتابة تصبح هي المفضّلة لي في تلك اللحظة: إذا كنت أكتب مسرحيّة فهي المفضلة عندي حتى الانتهاء منها. وإذا بدأت بكتابة رواية تصبح الكتابة الروائيّة الأحبّ إليّ. بهذا المعنى أنا معدوم الولاء تمامًا للجانرات والأساليب وأترك نفسي رهينةً بلا حول ولا قوّة أمام الفكرة الجيّدة التي أسلّمها زمام الكتابة تمامًا. ففي نهاية الأمر كلّنا نلهث بلا توقف وراء الأفكار الجيّدة التي لولاها لمُتنا جميعًا من الملل: نحن الكُتاب ومعنا القُرّاء.

حصدت العديد من الجوائز الأدبية.. برأيك هل الجائزة مرجع حقيقي للأدب الجيد؟

الجوائز هي من أكثر الأمور اعتباطيّة في حياتنا. فكلّ قرارات اللجان تتعلّق في نهاية الأمر بتركيبة أعضائها، ولو مَنحتَ 50 رواية للجنة "أ" والخمسين ذاتها للجنة "ب" فستحصل على نتائج مختلفة بالتأكيد. بهذا المعنى، ثمّة أهميّة كبيرة لهُوية أعضاء اللجان، وإذا كانوا من مُحبّي أسلوبك فسيمنحونك الجائزة. وكي يحدث هذا -أن يجتمع أعضاء لجنة في السنة التي تصدر فيها عملك الجديد يُحبّون أسلوبك ومواضيعك- أنتَ بحاجة للحظ لا شك. لذلك فإنّ علاقتي مع الجوائز منفصمة: من جهة أحبّ الحصول عليها بسبب الاهتمام والانكشاف والنقود ورواج مؤلفاتي، ومن جهة أخرى لا يُعميني الفوز بها ولا يُحبطني عدم الفوز بها. ومن المفارقات "الجميلة" مؤخرًا أنّني كنتُ عضو لجنة تحكيم في مؤسّسة عربيّة ثقافيّة داعمة، وفي السنة التالية رُفض طلبي الذي قدمته في مجال الدعم نفسه.

ترجمت كتبًا عدة، ويقال إن الترجمة هي "التبرع بدم الكتابة للغرباء".. هل هذا صحيح؟ وما الذي نحتاجه لإنتاج حركة ترجمة عربية قوية؟

الترجمة الجيّدة بنظري هي من أجمل أنواع الخيانة قاطبةً. أنتَ تعيد كتابة نصّ بلغة ثانية وبالتالي أنتَ تلد هذا النصّ من جديد. هذا فعل حاسم وكبير وخطير جدًّا في الوقت ذاته. خُذْ مثلًا جائزة مان بوكر البريطانيّة للأدب المترجم إلى الإنجليزيّة، حيث تُقسم الجائزة مناصفةً بين المؤلف(ة) والمترجم(ة). هذا برأيي منصف جدًّا ويدلّ على فهم عميق لفعل الترجمة كفعل ولادة ثانية. ومن خلال متابعاتي في السنوات الأخيرة أنا أرى ترجمات عربيّة على مستوى أعلى من قبل، ولربما يعود ذلك إلى انخراط أجيال عربيّة جديدة (أبناء اللاجئين) في المجتمعات الأوروبيّة والغربيّة الأمر الذي يُمكّنهم من فهم اللغة الأصليّة للعُمق بكامل تركيباتها ومدلولاتها، ما يُنتج في نهاية المطاف ترجمات أفضل من قبل. 

ما نحتاجه من أجل حركة ترجمة عربيّة قويّة هو ناشرون جيّدون لهم رؤيا حقيقيّة كناشرين لا كتُجّار كتب (رغم أهميّة تُجار الكتب ومكانتهم محفوظة). لكنّ رؤيا الناشرين المتميّزين هي التي تُدير عجلة الثقافة والتثاقف والترجمات وتوسّع مدارك القارئات والقراء العرب أكثر وأكثر.