Author Name

مجلة ثقافية فلسطينية

للكاتب/ة

وقد تتراجع بعض الوسائط، لكن الجدار، بما يحمله من أثرٍ بصري، سيظل شاهداً على زمنٍ قاوم، وعلى شعوبٍ آمنت بأنّ الصورة يمكن أن تكون سلاحاً، وبأنّ الفن، حين ينحاز إلى الإنسان، لا يفقد رهانه أبداً.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/02/2026

تصوير: اسماء الغول

رنا علوش

مجلة ثقافية فلسطينية

رنا علوش

ومحرّرة وفنّانة تشكيليّة. تعمل حاليّاً ككاتبة صحافيّة مستقلّة مع عدّة جهاتٍ صحافيّة لبنانيّة وعربيّة. يشغل كتاباتها بشكلٍ أساسيّ تسليط الضوء على الفنانين الشباب في المنطقة.

من "ملتقى" في بيروت إلى "مرسح" في طرابلس، انتقل أخيراً معرض "في البدء… كانت المقاومة"، حاملاً معه ذاكرةً بصريّة تختصر تاريخاً طويلاً من النضال والتحرّر. يضمّ المعرض نحو خمسين ملصقاً نضالياً تعود إلى حقبة الستينيات وما بعدها، من إبداع فنانين ينتمون إلى بلدان الجنوب العالمي، شكّلوا عبر أعمالهم وعياً جمعياً تجاوز الجغرافيا والحدود.

المعرض من تصميم الفنان السوري يوسف عبدلكي، فيما تولّى تنظيمه أصدقاء الراحل جوزف سماحة، الذين أشاروا على أحد جدرانه إلى أنّه يأتي "تحيّةً ووفاءً لذكرى الراحل زياد الرحباني، الذي شكّل صوته وفكره جزءاً لا يتجزّأ من وجدان المقاومة والثقافة النقدية العربية". لا يكتفي المعرض باستحضار الملصق بوصفه أداة فنيّة، بل يربطه بسياق ثقافي وسياسي أوسع، حيث يتقاطع الفن مع الموقف، والذاكرة مع الفعل.

أرشيف بصري لنضالات الجنوب العالمي

من كوبا إلى البرازيل، ومن جنوب أفريقيا إلى سوريا ولبنان وفلسطين، تتوزّع الملصقات على جدران "مرسح" لتتحوّل إلى ملحق بصري يوثّق نضالات الشعوب وأحلامها وانكساراتها. أسماء عديدة وقّعت هذه الأعمال، من بينها مارك رودن ويوسف عبدلكي وكمال بلاطة وإسماعيل شموط وبول غيراغوسيان ونذير نبعة وأنطونيو مارينو ورفاييل إنريكه وكارلوس لطوف ومؤيّد الراوي وغيرهم من الفنانين الذين شكّلت أعمالهم جزءاً أساسيّاً من الذاكرة النضالية والثورية في بلدانهم وخارجها.

هذه الملصقات، المعلّقة اليوم داخل إطارات خشبيّة وعلى جدران بيضاء، لم تُنتَج يوماً لتكون زينةً صامتة، بل وُلدت في الشارع، موجّهة إلى الناس مباشرة، ومشحونة برسائل تحريضية واضحة. هي أعمال لم تُصمَّم للنخبة، بل للجموع، وكانت تُقرأ وتُفهم بسرعة، وتنتقل من يدٍ إلى أخرى، ومن حائط إلى آخر.

قبل الشاشة… كان الملصق

قبل أن تصبح الشاشات في متناول الجميع، وقبل أن تتيح منصّات التواصل الاجتماعي مشاركة الصور والرسومات والآراء السياسية على نطاق واسع، كان هناك الملصق. منذ بدايات القرن العشرين، لعب الملصق النضالي دوراً محورياً في حركات التحرّر الوطني، فشكّل لغةً بصريّة نشأت في شوارع بلدان الجنوب العالمي، حتى باتت أحياناً أقرب إلى الناس من أي خطاب سياسي مكتوب أو مسموع.

في سياقات اتّسمت بالقمع وندرة وسائل الإعلام الحرّة، تحوّل الملصق إلى وسيلة تواصل مباشرة مع الجمهور، يخاطبه بالألوان الحادّة، والرموز البسيطة، والوجوه الثائرة. لم يكن هدفه الإقناع فقط، بل التحريض وبناء وعيٍ جماعي، وترسيخ فكرة أنّ الشارع مساحة سياسيّة بامتياز، وأنّ الجدار يمكن أن يكون منبراً.

العصر الذهبي للملصق في بلاد الشام

في بلاد الشام، بدأ العصر الذهبي للملصق النضالي في ستينيات القرن الماضي، وبرزت رموزه الخاصة: الكوفية والمفتاح والبندقية والعلم الفلسطيني ووجوه المناضلين. ملصقات اختصرت أحلام شعبٍ بأكمله، وانتصاراته، وهزائمه، وقيمه، وأصبحت اليوم وثائق تاريخيّة تحفظ أهم لحظات المقاومة، وتذكّرنا بأنّ الفن، حين يخرج إلى الشارع، يمكن أن يكون فعلاً ثورياً بحدّ ذاته.

إلى جانب ملصقات بلاد الشام، أتاحت ملصقات كوبا والبرازيل وجنوب أفريقيا تداخل الفنّ الشعبي مع الخطاب السياسي، ودمج الصورة مع الشعار في توليفة مكثّفة وسهلة التداول. أمام هذه الأعمال، يصبح المشاهد شاهداً على تاريخٍ مشترك من القمع والمقاومة، وعلى تضامن أممي عابر للقارات.

شعارات، رموز، وذاكرة حيّة

"انتصرنا… سننتصر"، "تل الزعتر عناق البطولة والشهادة"، "ثورة حتى النصر"، "عاش النضال الكوبي الفلسطيني"، "لا صبرا وشاتيلا ثانية"، "صامدون في سجون العدو"، "من دمنا تولد الحياة"، "الأرض"… شعارات تحملها الملصقات وترافقها رموز تختصر محطات وأحداثاً مفصلية. تذكّرنا هذه الشعارات بأنّ النضال كان وما زال مستمراً، وأنّ المجازر التي تحلّ بشعبنا ليست وليدة اليوم، وأنّ شعوباً كثيرة خاضت معاركها ضد الإمبريالية والاستعمار.

تحضر النساء في بعض هذه الملصقات، تارةً وهنّ يحملن أطفالهنّ والبنادق، وطوراً كفلّاحات يحملن سلال البرتقال. لم تكن النساء يوماً عنصراً هامشياً في قضايا النضال، بل كنّ في صلبه. كذلك يحضر الفلّاحون، أهل الأرض المتمسكون بها رغم المجازر والاقتلاع. تحضر البندقية، ويجاورها القلم، في إشارة إلى أنّ الكلمة لم تكن يوماً أقلّ فاعلية من السلاح. كما تطلّ وجوه نضالية بارزة، من بينها وجه غسان كنفاني، رمز المثقف الملتزم الذي واجه الاحتلال بالكلمة والدم.

يوسف عبدلكي: الجدار ما زال يتكلّم

المعرض، المستمر حتى 28 فبراير، يأتي في سياق التأكيد على حق الشعوب في المقاومة والدفاع عن مكتسباتها، ومحاولة الربط بين ماضي النضال وحاضره. لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: في زمن الشاشات والهواتف الذكية، هل ما زال الملصق النضالي يتمتّع بالقدرة نفسها على التأثير؟

توجّهنا بهذا السؤال إلى الفنان يوسف عبدلكي، مصمّم المعرض، الذي راكم خلال مسيرته إنتاجاً غزيراً من الملصقات المحفورة في ذاكرتنا النضالية. يقول عبدلكي لـ"رمّان": "من دون شكّ، إنّ انتشار وتأثير الملصق الجداري تقلّصا اليوم بشكل كبير بسبب وجود وسائل إعلام أكثر اتساعاً، من التلفزيون إلى الحاسوب والهواتف المحمولة. هذه الأدوات باتت توفّر مساحة أوسع للإعلام والتحريض. لكن في الوقت نفسه، طالما هناك جدران في المدن، وطالما هناك مشاة في الشوارع، سيبقى الملصق الجداري موجوداً، وسيبقى له تأثيره، مهما بدا هذا التأثير محدوداً".

الفنّ امتدادٌ للنضال

"في البدء… كانت المقاومة" ليس معرضاً استعادياً فحسب، بل تذكير بأنّ النضال لا ينفصل عن الفن، وبأنّ الذاكرة البصريّة تشكّل جزءاً أساسيّاً من معركة الوعي. قد تتغيّر الأدوات، وقد تتراجع بعض الوسائط، لكن الجدار، بما يحمله من أثرٍ بصري، سيظل شاهداً على زمنٍ قاوم، وعلى شعوبٍ آمنت بأنّ الصورة يمكن أن تكون سلاحاً، وبأنّ الفن، حين ينحاز إلى الإنسان، لا يفقد رهانه أبداً.

 

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع