مدخل
مع منعطف القرن الثاني لذكرى ولادة فرانز فانون، لا يعود استحضار أفكاره فعلًا تأريخيًا، بل اختبارًا قاسيًا لمدى استمرار البنى الاستعمارية التي ظنّ العالم أنها انقضت، بينما تتجسد في غزة بأشكال أكثر تعقيدًا ونعومة، ذلك أن غزة لا تستدعي فانون بوصفه مفكرًا من الماضي، وإنما معاصرًا أكثر من أي وقت مضى. فمنذ أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة مرحلة غير مسبوقة من العنف والتدمير الشامل، لم تقتصر آثارها على البنية المادية، بل امتدت عميقًا إلى النسيج الرمزي والاجتماعي للمدينة وسكانها، ولم يعد الحديث عن أعداد الشهداء والجرحى، أو عن حجم الدمار في المساكن والبنية التحتية، كافيًا لفهم عمق ما يجري؛ إذ تجاوزت الكارثة حدود المعاناة الفردية لتعيد إنتاج شرط "معذبي الأرض" بوصفه تجربة جماعية بنيوية تمسّ الذاكرة والمعنى والهوية، وإطارًا تفكيكيًا لمقاربة أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الإنسان والمكان.
في هذا السياق المركّب، تتجلى غزة – حيث يتقاطع القصف العسكري مع سياسات الحصار، وإدارة المساعدات، وآليات الإعمار المشروطة – بوصفها مختبرًا حيًا للعلاقات الاستعمارية الحديثة. فهي ليست مجرد مساحة منكوبة، بل فضاء يشهد إعادة إنتاج متقدمة لأنماط العنف البنيوي وأساليب الإخضاع والسيطرة المزدوجة، المادية والرمزية، التي تناولها فرانز فانون منذ عقود بوصفها جوهر التجربة الاستعمارية، والتي تجعل من إعادة الإعمار ساحة صراع سياسي ورمزي.
الاستعمار، عند فانون، لا يقتصر على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى التحكم بالوعي، وبالذاكرة، وبالقدرة على تخيّل المستقبل. فهو لم يفهم العنف الاستعماري باعتباره مجرد قوة عسكرية – بل كمنظومة شاملة تهدف إلى التدخل في الذاكرة والوعي الجمعي، وطمس القدرة على المقاومة الذاتية، وتشييء الإنسان، وإخضاعه، وتحويله إلى كائن قابل للإدارة – بينما يشكّل التحرر فعلًا لإعادة تكوين الذات المُستعمَرة واستعادة إنسانيتها وقدرتها على الفعل. من هنا، يسعى هذا المقال إلى قراءة ما يجري في غزة من منظور فانوني، لا بوصفه استدعاءً نظريًا مجردًا، بل كأداة لفهم الحاضر، ويطرح أسئلة من قبيل: ماذا يقول لنا فانون اليوم عن العنف، والاغتراب، والتحرر؟ وهل يمكن أن تكون إعادة الإعمار فعلًا تحرريًا، لا مجرد استجابة تقنية لكارثة إنسانية؟
بين التقنية والسيطرة: الإعمار كامتداد للعنف البنيوي
لكل شارع يعاد تأهيله في غزة ولكل مبنى يُعاد بناؤه، وفق معايير التمويل الدولي، يتم تشكيل هويّة فلسطينية مشروطة ومتغيرة حسب اهتمامات القوى المسيطرة، ما يحوّل المدينة إلى مساحة للرقابة والإشراف المستمرين، حيث يصبح كل شيء – من التعليم إلى الصحة إلى الفعل الثقافي والاجتماعي-الاقتصادي – مرتبطًا بالقرار الخارجي، وليس بالحاجة أو الإرادة المحلية. هذا الواقع يجعل من غزة نموذجًا معاصرًا لما وصفه فانون بالفضاء الاستعماري، حيث تُفرض ثنائية صارمة بين من يملك القرار ومن يُختزل إلى موضوع للسياسات. وهي ثنائية لا تنتج تفاوتًا في القوة فحسب، بل تعيد إنتاج الدونية كحالة وجودية مفروضة، وتحوّل السكان من فاعلين في مدينتهم إلى متلقين سلبيين للإدارة ولخطط ومشاريع الإعمار – التي غالبًا ما تُقدَّم بوصفها توظيفًا للموارد والجهود الدولية في شكل استجابات إنسانية عاجلة ومرحلية. غير أن قراءة نقدية لهذه الخطط تكشف أنها ليست منفصلة عن منطق العنف الاستعماري، بل تمثل امتدادًا له بوسائل ناعمة، عبر أدوات واستثمارات سياسية واقتصادية، وخطابات تقنية تُفرغ الإعمار من مضمونه التحرري.
خلال العامين الأخيرين، طُرحت رؤى متعددة لإعادة إعمار القطاع، إلا أن عددًا كبيرًا منها انطوى على حلول وأهداف انتقالية ومؤقتة، والتي تسعى عمليًا إلى إعادة هندسة غزة بما يخدم توازنات إقليمية ودولية، أكثر مما يستجيب لحقوق السكان المنكوبين وحاجاتهم التنموية. في هذا السياق، لا يعود الإعمار مجرد عملية لإصلاح الشوارع أو رفع الأبنية، بل يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين السكان والمكان، دون اعتبار لمعرفتهم، أو خبراتهم اليومية، أو إرادتهم الجماعية في تقرير شكل المدينة المقبلة وإعادة بنائها. ويساهم هذا النموذج في خلق وضع "مؤقت دائم"، حيث يصبح السكان معزولين عن أي سلطة تقريرية حقيقية بطريقة تعمّق وتكرس شعورهم بالتبعية الاقتصادية والسياسية.
ومما لا شك فيه أن غياب إطار زمني واضح لمراحل الانسحاب وفق خطة ترمب، وربط هذا الانسحاب بتحقّق شروط أمنية وسياسية مفتوحة، يعمّق من طابع المؤقتية الدائمة؛ إذ يجعل توقيت الانتقال الفعلي خاضعًا لمتغيرات "ضبابية" وغير محددة زمنيًا، الأمر الذي يعزّز الطابع المفتوح للمرحلة الانتقالية ويحولها إلى وضع مستقر طويل الأمد. بالتالي، فإن هذا التصميم المؤسسي يخلق نظاماً انتقالياً بلا نهاية واضحة، ويجمّد القضايا السياسية الأساسية ويعيد تعريف "المؤقت" بوصفه الوضع النهائي نفسه. ويشبه ذلك أنماط الحكم التي نشأت في كوسوفو، والبوسنة والهرسك، حيث تحولت الإدارات المؤقتة إلى ترتيبات "مرحلية دائمة" ووصاية أممية طويلة الأمد.
وبينما يُفترض أن الإعمار يُعيد الحياة، إلا أنه في هذه الحالة يجعل "المرحلة الانتقالية" إطارًا للسيطرة على المكان والذاكرة وتكريس الهيمنة الرمزية والمادية. ومن منظور فانوني، يمكن القول إن هذا الشكل من الإعمار يجسّد أداة لإدامة السيطرة، لا لتفكيكها، ويعيد إنتاج منطق التشييء ذاته الذي يمارسه العنف العسكري؛ فالإنسان يُختزل إلى رقم، أو إلى شقة في مخطط سكني، بينما يُفصل المكان عن هويته، وتاريخه، وعلاقته الحية بسكانه. وهكذا، فقد تُصبح غزة محكومة فعلياً من خلال إدارة دولية أمنية وتنموية دائمة، من دون إعلان صريح عن وضع جديد أو تسوية سياسية نهائية.
الوعي قبل الجدران: الإعمار كفعل مقاومة
رغم قسوة الواقع ومرارته، إلا أنه لا يلغي إمكانيات المقاومة، بل يعيد تعريفها. ففي مواجهة منطق الإخضاع والإلغاء، تبرز أشكال المقاومة اليومية الرمزية بوصفها ممارسات إعمارية بامتياز، وليست فعلًا حياديًا أو هامشيًا. عندما يكتب الناس شهاداتهم، أو حين يعيد الفنانون تخيّل مدينتهم، فإنهم لا يوثقون الدمار فحسب، بل يستعيدون السيادة على السردية، إنهم يقولون: نحن هنا، وهذا مكاننا، وهذه ذاكرتنا. كذلك، يتحول الفعل اليومي البسيط – تعليم الأطفال في الخيام، الزراعة في إناء مكسور، أو عرض فيلم في فضاء مفتوح – إلى فعل سياسي تحرري، لأنه يواجه منطق الإلغاء والاستثناء. هذه الممارسات لا تُعيد البناء بالمعنى الهندسي، لكنها تعيد إنتاج الحياة، وتحول دون اختزال غزة إلى مساحة دمار خالية من المعنى.
من هنا، لا يُقاس الإعمار الحقيقي بعدد الأبنية التي تُشيَّد، بل بمدى ما يستعيده الإنسان من كرامته، وذاكرته، وقدرته على الفعل في مكانه، والإعمار، لكي يكون فعل مقاومة، يجب أن يعيد للفلسطيني حقه في تعريف مدينته، وحيه، وبيته. والإعمار التحرري، بهذا المعنى، يجسد عملية طويلة تبدأ من اللغة والصورة والممارسة اليومية، وتمتد إلى استعادة الروابط بين الإنسان وبيئته، وبناء الوعي قبل الجدران، والذاكرة قبل الطرق. وهو مشروع يستلزم إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الماضي والمستقبل، كما يتطلب مشاركة فعلية للسكان، لا باعتبارهم مستفيدين، بل شركاء فاعلين. وبذلك، فإن إعادة الإعمار في غزة ليست مسألة مستقبلية فقط، بل امتداد للانتماء والهوية، ومعركة راهنة على المعنى، والسيادة، والتحرر في مواجهة استعمار وعنف بنيوي مستمرين، اتساقًا مع فكر فانون، الذي رأى أن تحرير الإنسان المستعمَر يبدأ بتفكيك شيفرة الهيمنة وبنيتها الرمزية، واستعادة قدرته على صنع العالم الذي يعيش فيه.
خاتمة
غزة اليوم تعيد طرح أسئلة فانون بشكل ملحّ: ما معنى العنف؟ كيف يُنتج الاغتراب؟ وما الذي يجعل التحرر ممكنًا؟ وهذه القراءة تهدف إلى التأكيد على أن إعادة الإعمار، إذا أُديرت بطريقة تشرك السكان في صنع القرار، يمكن أن تصبح فعلًا مقاومًا، يوطد ويعيد صياغة صلة الإنسان بمكان العيش، ويحول تجربة الدمار إلى قوة إنتاجية ثقافية وسياسية؛ فهو لا يُقاس بمجرد رفع الأبنية أو إصلاح البنية التحتية، بل باعتباره مسارًا لإعادة تكوين الذات الفلسطينية وإحياء الوعي الجماعي.
