من نداءات الهوية إلى حفرة الوجود: استعادة محمود درويش في زمن "الحفرة" الغزية

Mahmoud Darwish, Palestinian, poet, writer, novelist, portrait, Turin, Italy, 2005. (Getty Images) Modified.

ندى جوني

كاتبة من لبنان

تستحيل غزة اليوم إلى تلك الحفرة الوجودية التي تتسع وتتضخم. ومن هنا، تأتي أهمية اختيار هذا النص لكونه يكشف عمق المأزق الراهن والكوارث الإنسانية التي يواجهها أهالي غزة. إذ يواجه الغزّي اليوم انقطاعاً اخلاقياً عالمياً،

للكاتب/ة

فيما يجري التفاوض عليه والمساومة على شروط وجوده داخل القبر المفتوح أمام أعين العالم أجمع. ليغدو الموت اليومي وتكرار دوامة الحرب الاستنزافية وسط العدم هما السبيل الوحيد لإعادة إنتاج هوية تسحق أمام مرأى العالم منذ 78 عاماً!

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

11/08/2026

تصوير: اسماء الغول

ندى جوني

كاتبة من لبنان

ندى جوني

وباحثة مسرحية، مهتمة بالقضايا الانسانية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي.

تفتتح المشهدية بآلية متكررة؛ تغوص فيها الكاميرا المتطوّرة عالية الجودة في تفاصيل الدمار الفادح. تلتقط أغلب المشاهد في وضح النهار، تحت سماء صافية وأشعة الشمس الحارقة، لتكشف الهوّة الشاسعة بين معنى الحرية الإنسانية اللانهائية، وبين أعتى معاني الانمساخ البشري. انتهى البثّ الحيّ والمباشر بعد عامين، توقف التفاعل المهترئ على مواقع التواصل الإجتماعي، وقذفت غزة خارج حدود العالم. انفصل أهالي قطاع غزة إثر الإبادة الإسرائيلية عن الذاكرة الإنسانية ومعاييرها التراكمية؛ فقد استطاعت اسرائيل هذه المرّة سحق ماهية الوجود الفلسطيني عبر حرب تعيد إنتاج نفسها يومياً رغم انتهائها ظاهرياً؛ يتصارع فيها الغزاوي مع ذاته وواقعه، ويقتطع في أجزاء مبعثرة تحاول التضافر مجدداً في صحراء من جحيم. يبتلع الحاضر قطاع غزّة، داخل خيمة منصوبة بجانب ركام منزل بني بالأصل في مخيم آخر محاصرمنذ سنوات طويلة. 

تنفتح القضية الفلسطينية اليوم على منعطف جديد بعد الكوارث الإنسانية التي شهدتها غزة؛ يعيد النظر في مفهومي "الأنا"و"الآخر" بشكل أوضح وأكثر بديهية، في ظلّ محاولات مستميتة للحفاظ على ما لا يمكن طمسه بالصواريخ الحديثة. قد يبدو هذا المسعى سخيفاً، غير مجدي، ولا يملك أي قيمة أمام هول المشاهد الفظيعة والمؤلمة التي حفرت في الذاكرة الجماعية. إلاّ أن محاولة المساءلة والسردية غدت فعلاً لإثبات الوجود المحق. ومن هنا، تغدو استعادة أجزاء بسيطة من هذا التاريخ حاجة ملحّة لمواجهة التضليل الممارس بحق الفلسطينيين اليوم. 

من هذا المنطلق، تخرج استعادة ذكرى رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش من إطارها الكلاسيكي الضيّق، لتصبح جزءاً حيّاً يصوّر تحوّلات التاريخ الفلسطيني بدقة. لقد استطاع درويش، على مدى عقود أن يختزل عمق التجربة الفلسطينية في شتات الخارج والداخل. بدأت سيرته في اللحظة التي انطلق فيها الرصاص في سماء قرية "البروة" في صيف 1948، ليجد نفسه يركض بين أحراج الزيتون سيراً على الأقدام حتى انتهى به المطاف لاجئاً في لبنان. بدأ يختبر درويش معنى سلب الطفولة، والوعي المبكر على مفاهيم الحرب، الحدود واللجوء. لاحقاً، تصادم درويش بوهم العودة وبأقصى درجات الإغتراب الإنساني، بعدما أدرك معنى أن يكون الإنسان لاجئاً في أرضه، وأن تتحول الخيمة إلى أمر واقع. "لم أفهم معنى أن تكون القرية مهدمة، لم أفهم معنى أن يكون عالمي الخاص قد انتهى إلى غير رجعة، ولم أفهم لماذا هدموا هذا العالم"؟ 

خرج بعدها ولم يعد، وانطلق في تشكيل أفكاره استناداً إلى المستجدّات المرعبة التي تمثلت في أبسط تفاصيل الحياة. ولم يكن شغفه الشعر ميلاً محضاً، بل نتيجة حتمية للظروف القاهرة والتحدّيات القاسية. فكيف استطاع درويش تجسيد صراعات تحوّل الواقع الفلسطيني في شعره؟ 

من نداءات الهوية إلى حفرة الوجود- انعكاس الواقع الفلسطيني في مرآة درويش الشعرية

بعد نكبة 48، أصبحت القضية الفلسطينية الموضوع الأبرز للتعبير الفني والأدبي. ويعدّ محمود درويش الملقب "شاعر القضية"، من أبرز شعراء التحديث الذين جعلوا من القضية الفلسطينية الثيمة الأبرز المحورية في شعرهم منذ البداية. ولا يمكن فصل تطوّر الرؤية الفنية في شعره عن التحولات العميقة للذات الفلسطينية عبر عقود من الصراع، اللجوء، وتكرار المأساة نفسها؛ حتى تجاوزت حدود الاستيعاب البشري. كما يتقاطع المسار الزمني والتجريبي بشكل مذهل مع الراهن الفلسطيني اليوم؛ تحديداً في ما تكابده غزة التي تحولت إلى حفرة وجودية. 

الطفولة الشعرية والوعي الأولي المباشر

نشر درويش ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" عام 1960، وهو عمل عكس من خلاله الشقاء الفلسطيني المباشر بنبرة خطابية، انفعالية، وتقريرية. وصف درويش هذه البدايات بأنها محاولات بدائية غير متبلورة، اتسمت بالمباشرة والسطحية. اعتمد حينها القالب العمودي القائم على وحدة الراوي والقافية، ليجسد طفولة هشّة ووطناً يتحول إلى ذاكرة، مع رغبة جامحة في استحضاره كأنه لحظة حاضرة ممتدة. كما دمج "الأنا" بالجماعة بشكل تقليدي يفتقر إلى الأبعاد الوجودية التركيبية، وهو ما تطابق مع الوعي الجمعي السائد آنذاك، والذي تعامل مع إشكالية الوجود بصفتها "سحابة صيف" عابرة. فضلاً عن ضيق نطاق التجارب الفطرية والعاطفية التي لم يتمّ استيعابها بعد. اعتمد درويش حينها القالب العامودي القائم على وحدة الروي والقافية؛ ليجسد طفولة هشة ووطناً يتحوّل تباعاً إلى ذاكرة محصورة، ورغبة جامحة في استحضاره واختباره وكأنه لحظة حاضرة ممتدّة. كما دمج درويش "الأنا" بالجماعة بشكل تقليدي تكتلي يفتقر إلى العمق والأبعاد الوجودية التركيبية. وكان هذا التوجه متطابقاً مع شكل الوعي الجمعي الفلسطيني في تلك المرحلة؛ إذ تعاملوا مع إشكالية وجودهم على أنها "سحابة صيف"، أي ظرفاً طارئاً مؤقتاً سينتهي في القريب العاجل.

مرحلة الشباب ونضج التجربة 

انتقل درويش بعد ذلك إلى مرحلة جديدة، شكّلت إعلاناً عن بداية نضجه الفني بعد صدور ديوانه "أوراق الزيتون" عام 1964. انتقل الشاعر من صوت "الضحية السلبية" المفجوعة الذي برز في ديوانه الأول، إلى نبرة التحدي ومواجهة الآخر لإثبات الذات. وقد برزت ملامح هذا النضج المتنامي في قصيدته الشهيرة "سجّل أنا عربي"، التي حظيت بانتشار واسع، وتحولت إلى أيقونة للقضية الفلسطينية. عمل درويش على مزج نبرته الفردية بالصوت الجماعي حدّ التماهي: 

"سجّل أنا عربي 

ورقم بطاقتي خمسون ألفاً 

وأطفالي ثمانية 

وتاسعهم سيأتي بعد صيف

فهل تغضب"؟ 

استطاع درويش في هذه القصيدة تحويل الأرقام والإحصائيات إلى كثافة وجودية، ترفض محاولات المحو التهويد. كما انتقل من الخطاب المباشر المبتذل ليلامس الواقع الحسي الحيّ. تاق درويش في هذه المرحلة التي شهدت فيها مدّاً قومياً وصعوداً للهوية العربية إلى التعبير عن حلمه بالرفض والتغيير دون الخوض في تفاصيل هذا الحلم المعقّدة. في حين ظلّت محاولاته الأدبية مجبولة بالمأساة والتواجد تحت حصار دائم ما يلبث أن يتوسع. 

مرحلة الرجوع إلى الذات والأنا الفردية 

فيما بعد شهد العالم العربي تحوّلات جذرية حادّة ، لا سيما إثر اجتياح لبنان 1982، وما تلاه من أحداث مفصلية أطاحت بالمعايير القومية والفكرية السائدة. حينها اتضح أن درويش يخطّ انعطافاته الرؤيوية والفكرية الأهمّ؛ متأثراً بالتحولات المعقّدة التي خلقت هوّة شاسعة بين الرغبة بالعودة والقدرة على تحقيقها. تجلّى هذا التحوّلفي دواوينه الأخيرة ولا سيّما "جدارية" (2000)، و"لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي" (2005). خرج درويش تدريجياً من هيمنة الضمير الجمعي والخطاب الإيديولوجي إلى الذات الفردية، متأثراً بانسداد الأفق بعد مآلات اتفاق أوسلو (1993) والانتفاضة الفلسطينية الثانية. اتجه نحو انكفاء تأمليّ على الذات، وانقلبت المعادلة التأويلية في نصّه بعدما كانت تنطلق من الجماعة وصولاً إلى الفردية، أضحت تنطلق من الذات العميقة وتغوص في دهاليزها الداخلية. وما انقطاع النص وتمنّعه ليس إلاّ تجسيداً فنياً وتجلّياً رمزياً لهذا الإنقطاع الوجودي عن العالم وعن الآخر. 

"سيناريو جاهز" 

 تعتبر قصيدة "سيناريو جاهز" من أعمق النصوص التأملية التي ضمّنها درويش في ديوانه الأخير "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي".جاءت هذه القصيدة على خلفية التحولات التي طرأت على القضية الفلسطينية في العقود الثلاث الأخيرة. تنطلق الرؤية فيها من تبدّل مفهوم الوطن وتجلّيه كحفرة خالية معدمة؛ وهو ما يتطابق بمرارة مع الواقع المأساوي الذي تكابده غزة اليوم. تمثّل الحفرة في قصيدة درويش المأزق الوجودي الذي يعيد إنتاج الجلاّد على أنه الضحية وتبرير أفعاله ومسوغاته. 

"لنفترضِ الآن أَنَّا سقطنا، أَنا والعَدُوُّ، سقطنا من الجوِّ في حُفْرةٍ...

ويمدّونَ حَبْلَ النجاة لنا

فيقول: أَنا أَوَّلاً، وأَقول: أَنا أَوَّلاً

وَيشْتُمني ثم أَشتمُهُ دون جدوى...

تلك تُسَمَّى أَنانيَّةَ المتفائلِ...

ننتظر الحبلَ... لنمضي على حِدَةٍ إلى ما تبقَّى لنا من حياةٍ وحربٍ"

يتكشف في هذا المشهد، صراع النجاة الفردية بصورته البدائية، والسعي الاستنزافي لنيل مقومات البقاء المحض من أجل إثبات شرعية الوجود. وبهذا، يستحيل أمل المتفائل إلى دوامة من الخوف المتأرجح بين استكمال الحرب مع الآخر من جهة، وتكرار مواجهتها مع الذات من جهة أخرى. يخسر المكان قيمته المادية ويتحوّل إلى تكرار أزلي لا يفضي سوى للموت والتلاشي. 

في المقابل، يفكك درويش بنية العقل الإستعماري، معرّياً فخ الشعارات القومية التي خاض العرب معاركهم تحت مظلتها في مراحل سابقة. كما يكشف كيف يتمّ تهميش الضحية الأساسية والمراوغة في قضيتها المحقة، عبر ممارسة الإحتلال الإسرائيلي إقصاءً شمولياً لشرعية الوجود الفلسطيني بكلّ تشعباته. يحاول درويش هنا تجسيد أبعاد الخذلان الحقيقي الذي حوّل فلسطين من واقع ملموس إلى مجرد فكرة ذهنية تعمّق شعور الإنفصال. 

كُلُّ ما صار لي هو لي، وما هو لكْ هو لي ولكْ!

ومع الوقتِ، والوقتُ رَمْلٌ ورغوةُ صابونةٍ...

قال: أَلم تَنْسَ أَني دَفَنْتُكَ في حفرةٍ مثل هذى؟

فقلت له: كِدْتُ أَنسى لأنَّ غداً خُـلَّبـاً شدَّني من يدي ومضى".

من زاوية أخرى، يعمّق درويش فكرة مفادها أن التسوية لا يمكن أن تحصل عبر التهديد المشترك المتمثل في الأفعى. تفرض غريزة النجاة نفسها كفعل طارئ لتبرير التحالف بين الطرفين. يدحض درويش هذا الرهان، مؤكداً على أن هذا الإتفاق هش وعار من أي خلفية أخلاقية أو أيديولوجية. 

"ماذا سيحدث لو أَنَّ أَفعى أطلَّتْ علينا هنا... وفَحَّتْ لتبتلع الخائِفَيْنِ معاً؟

أَنا وَهُوَ سنكون شريكين في قتل أَفعى لننجو معاً أو على حِدَة...

ولكننا لن نقول عبارة شُكـْرٍ وتهنئةٍ... لأنَّ الغريزةَ، لا نحن، كانت تدافع عن نفسها وَحْدَها

والغريزةُ ليست لها أَيديولوجيا"

في المقابل، تبلغ السخرية السوداء ذروتها حين يتهاوى فعل التفاوض السياسي ذاته، فيستحيل داخل الحفرة إلى مساومة عبثية على وتقاسم للعدم والفناء المحتوم داخل قبر مشترك. ثم يختتم الشاعر النص بامتناع درامي يرفض إغلاق المأساة بتسوية وهمية، مُمَرِّراً عبء المأزق الوجودي للوعي القادم:

"قال لي: هل تُفَاوضني الآن؟

قلت: على أَيّ شيء تفاوضني الآن في هذه الحفرةِ القبرِ؟

قال: على حصَّتي وعلى حصّتك من سُدَانا ومن قبرنا المشتركْ!

قلت: ما الفائدةْ؟ هرب الوقتُ منّا وشذَّ المصيرُ عن القاعدةْ

ههنا قاتلٌ وقتيل ينامان في حفرة واحدة...

وعلى شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو إلى آخره!"

تستحيل غزة اليوم إلى تلك الحفرة الوجودية التي تتسع وتتضخم. ومن هنا، تأتي أهمية اختيار هذا النص لكونه يكشف عمق المأزق الراهن والكوارث الإنسانية التي يواجهها أهالي غزة. إذ يواجه الغزّي اليوم انقطاعاً اخلاقياً عالمياً، فيما يجري التفاوض عليه والمساومة على شروط وجوده داخل القبر المفتوح أمام أعين العالم أجمع. ليغدو الموت اليومي وتكرار دوامة الحرب الاستنزافية وسط العدم هما السبيل الوحيد لإعادة إنتاج هوية تسحق أمام مرأى العالم منذ 78 عاماً!

الكاتب: ندى جوني

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع