من الوهم إلى المقاومة: قراءة لمسرح يوجين يونسكو في زمننا المعاصر

من عرض "الكراسي" لعمر العريان.

منى عباس

تكتب بالعربية

ينتقل يونسكو من التشاؤم العميق إلى مقاومة صامتة ولكن حاسمة وصارخة في الوقت ذاته. إن أعماله، كما تثبت إعادة قراءتها ومقاربتها اليوم، أن الأدب والفنون لا يمكن أن يفقدا صلاحيتهما مع الزمن؛

للكاتب/ة

هذه العبارة تُعبّر عن رفض برنجيه القاطع للامتثال والإذعان الجماعي الذي اجتاح مجتمعه، حيث يمثل تحول معظم سكان البلدة إلى وحيد قرن، رمزًا لفقدان الهوية والانصياع للتيار السائد. رغم شعوره بالوحدة والضغط النفسي، يُصرّ برنجيه على التمسك بإنسانيته ومقاومة التحول، مما يجعل من هذه العبارة صرخة تحدٍ في وجه الاستسلام والامتثال.​ 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

04/05/2025

تصوير: اسماء الغول

منى عباس

تكتب بالعربية

منى عباس

يُعتبر يوجين يونسكو (Eugène Ionesco) واحدًا من أبرز الكتاب المسرحيين في القرن العشرين، وهو رائد من رواد مسرح العبث. وُلد في رومانيا في 1909، وهاجر إلى فرنسا في وقت مبكر من حياته. اشتهر يونسكو بكتاباته التي تتسم بالقلق الوجودي والعبثية التي حاول من خلالها معالجة قضايا الإنسان في عالم لا معنى له. في مسرحه، يستخدم التجريد والرمزية لانتقاد الواقع الاجتماعي والسياسي، موجهًا أصابع الاتهام إلى الظروف الثقافية والسياسية التي أدت إلى فقدان الاتصال بين الإنسان وعالمه.

عاش يونسكو في فترة مضطربة في رومانيا، حيث كانت تشهد تقلبات سياسية كبيرة، خلال الحربين العالمية الأولى والثانية وما شهدته كالعديد من الدول الأوروبية في تلك الفترة من تنامي التيارات الشعبوية مفرزة النازية والفاشية كتيارات حكمت المشهد السياسي في تلك الفترة. هذا السياق السياسي والاجتماعي المحبط  كان له تأثير عميق على أعماله، حيث كان يونسكو يراقب العالم من حوله وهو يعاني من العزلة والإنكار، ويرى تدهور القيم الإنسانية وسط تزايد الاستبداد والديكتاتوريات.

بينما كان يكتب مسرحيتي "الكراسي" (1952) و "وحيد القرن" (1959) ، كان يونسكو يعكس من خلال أعماله العبثية السياسية والاجتماعية، ويواجه التحديات الفكرية التي كانت تعصف بعالمه. كانت أوروبا في تلك الفترة، ورومانيا على وجه الخصوص، غارقة في موجات من الشعبوية والعنف السياسي، مما جعله يقدم على استخدام المسرح كأداة للتمرد ضد الظواهر التي كانت تهدد الإنسانية، بدءً من فقدان الهوية الفردية وصولًا إلى التلاعب بالجماهير والمجتمعات. 

عمر العريان: معالجة إنسانية وفلسطينية معاصرة لمسرحية "الكراسي"

قدّم المخرج الفلسطيني عمر العريان، قراءة جديدة لمسرحية "الكراسي" عرضت عام 2022 في مسرح الميديا في لندن. ويتميز هذا العرض بمقاربة شخصية وعميقة تنبع من تجربته الشخصية كفنان وتعكس تجربة شعبه الذي يعيش في ظل الاحتلال والتهجير المتواصل منذ نكبته عام 1948. لا يسع المشاهد للمسرحية التي يقدمها العريان إلا أن مقاربة يستحضر من خلالها العزلة و الخذلان اللذان يعيشهما الفلسطينيون على مدى عقود، فالكراسي الفارغة تصبح رمزا للعزلة الجماعية والنسيان من قبل العالم الخارجي، وهو إحساس يعايشه الفلسطينيون يوميًا، مثلما عاشته وتعيشه الكثير من الشعوب المضطهدة و المقهورة عبر التاريخ و في الوقت الحاضر. 

هذا العرض، الذي تم تقديمه قبل الحرب الأخيرة على غزة، يعكس بشكل واضح اللامبالاة الدولية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني، حيث يظهر الزوجان في المسرحية في حالة من الانتظار المستمر للأمل، لكنه لا يأتي أبداً، وتبقى الكراسي فارغة. تماما كحال الفلسطينيين الذين يواجهون معركة البقاء وسط صمت عالمي وعجز في العمل السياسي الدولي. وفي هذا المعنى، تصبح الكراسي الفارغة، كما صورتها المسرحية، علامة على الخذلان والتجاهل الذي يشعر به الفلسطينيون تجاه معاناتهم المستمرة.

الكراسي: وهم التواصل والعجز عن التغيير

في "الكراسي"، نرى زوجين مسنين يعدّان القاعة لاستقبال ضيوف غير مرئيين، على أمل أن يحمل أحدهم رسالة عظيمة إلى العالم. لكن في النهاية، لا يأتي أحد، وتبقى الكراسي خاوية، فيما يتلاشى الزوجان في الفراغ. هذه المسرحية ترسم صورة قاتمة عن وهم التواصل الإنساني؛ حيث نعتقد أننا نتواصل ونحدث تأثيراً، بينما يغمرنا الصمت واللاجدوى.

إن هذا الموضوع يتصل بشكل وثيق بما يعيشه الفلسطينيون اليوم، حيث يشعرون أنهم محاصرون في دائرة مفرغة من الصراع المستمر، العنف، والصمت الدولي. كما في مسرحية "الكراسي"، يواجه الفلسطينيون شعورًا بالعزلة التامة، رغم محاولات التواصل ونقل رسالتهم إلى العالم. وتصبح تلك الكراسي الفارغة رمزًا للغربة الكبرى التي يشعر بها الشعب الفلسطيني، حيث يحاول كما تحاول جميع الشعوب المقهورة إيصال صوتها، لكنها غالبًا ما تلتقي بجدار من الصمت والعجز الدولي. كأننا نعيش في مشهد من مسرح يونسكو، حيث تتساقط الكلمات في فراغ قاتل.

وفي هذا السياق، قدم المخرج الفلسطيني عمر العريان قراءة جديدة لمسرحية "الكراسي"، حيث منحها أبعاداً سياسية ومقاربة إنسانية عميقة. إذ اكتسبت الكراسي الفارغة بعدا رمزيا يذكر بشعب كامل صوته غائب، ووجوده مهدد بالفناء. وبذلك، انتقل العمل من طابعه الكوني المجرد، ليكون شهادة مؤثرة على معاناة واقعية ما زالت مستمرة.

وهذا يذكرنا بأن الأعمال العظيمة لا تنتمي فقط لزمانها ومكانها، بل تظل حية وقادرة على التعبير عن أزمنة وشعوب مختلفة. فكما عبّر يونسكو عن العبث في أوروبا ما بعد الحرب، نجد صدى كلماته اليوم في معاناة الشعوب المهمشة والصراعات السياسية الحديثة.

وحيد القرن: من الاستسلام إلى المقاومة

على النقيض من "الكراسي"، تطرح مسرحية "وحيد القرن" ليونسكو تصوراً أكثر تحدياً. هنا، نشهد كيف يستسلم المجتمع كله لتحول غريب؛ حيث يصبح أفراده تدريجيا إلى وحيد قرن واحداً تلو الآخر، رمزاً لفقدان الهوية واستسلام الفرد أمام هيمنة الجماعة. لكن بطل المسرحية، برنجيه، يرفض الانصياع، رغم شعوره بالوحدة واليأس. في عالم بات فيه الجميع متشابهاً، يصر على الاحتفاظ بإنسانيته، مهما كان الثمن. هذه الموقف يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للفرد، رغم هشاشته ووحدته، أن يظل متمسكاً بمبادئه في وجه طوفان الجماهير؟ هذه المسرحية التي عمل مؤخراً المخرج عمر العريان على إعادة تقديمها على مسرح الميديا في لندن. 

الرسالة التي تحملها هذه المسرحية ، تبدو أكثر إلحاحًا في الوضع الفلسطيني بل والعالمي الراهن، حيث تأتي مقاربة العريان لمسرحية وحيد القرن بعد ما يقرب من عامين على الحرب على غزة ، تتحول فيها مجتمعات بأكملها إلى ما يشبه "وحيد القرن"، أي الاستسلام الجماعي واختيار الصمت والعجز أمام الواقع، والتخلي عن الهوية الانسانية  أمام آلة الحرب والدمار. ولكن كما في المسرحية، يظل هناك من يقاوم هذا التحول ويرفض السكوت عن الجريمة والتماهي مع مرتكبيها. فالشعب الفلسطيني وكل من يقف بجانبه، وبالرغم من الضغوط الهائلة التي يواجهها، لا يزال متمسكاً بالأمل في المستقبل، ومؤمناً بأنه لا زال بالإمكان التمسك بالقيم الإنسانية في مواجهة العنف والظلم.

إن إصرار برنجيه في المسرحية على البقاء إنسانًا رافضا أن يتحول لوحيد قرن، رغم الجميع، يبعث برسالة أمل لكل من يواجه الظلم: أن المقاومة لا تأتي فقط من الجماعات الكبرى، بل من الأفراد الذين يمتلكون القرار ليرفضوا الاستسلام. وفي هذا المعنى، يمكن القول إن "وحيد القرن" يوجه دعوة إلى الفلسطينيين وكل الشعوب المظلومة للاحتفاظ بإنسانيتهم، وألا يفقدوا الأمل حتى في أحلك اللحظات.

إن الإحساس بالعبثية والعجز عن التواصل الذي يظهر في "الكراسي"، حيث يعيش الأفراد غرباء عن أنفسهم وعن مجتمعهم، يواجهون قوى غامضة لا يستطيعون فهمها أو السيطرة عليها ليغرقوا في عالم من الصمت واللاجدوى، يتحول حين يفتح يونسكو نافذة صغيرة للأمل ، بأن هناك من يتمسكون بالمقاومة ولو الفردية. إذ في نهاية مسرحية "وحيد القرن"، يختتم يوجين يونسكو العمل بعبارة حاسمة ومؤثرة ينطق بها البطل برنجيه:​

"لن أستسلم!"​

هذه العبارة تُعبّر عن رفض برنجيه القاطع للامتثال والإذعان الجماعي الذي اجتاح مجتمعه، حيث يمثل تحول معظم سكان البلدة إلى وحيد قرن، رمزًا لفقدان الهوية والانصياع للتيار السائد. رغم شعوره بالوحدة والضغط النفسي، يُصرّ برنجيه على التمسك بإنسانيته ومقاومة التحول، مما يجعل من هذه العبارة صرخة تحدٍ في وجه الاستسلام والامتثال.​ 

من خلال مسرحيتيه، ينتقل يونسكو من التشاؤم العميق إلى مقاومة صامتة ولكن حاسمة وصارخة في الوقت ذاته. إن أعماله، كما تثبت إعادة قراءتها ومقاربتها اليوم، أن الأدب والفنون لا يمكن أن يفقدا صلاحيتهما مع الزمن؛ بل يكشفان، في كل عصر، عن جوانب جديدة من معاناة الإنسان وأحلامه. ففي عالم يفيض بالكراسي الفارغة والخطابات الجوفاء، تظل مقاومة العبث بالتمسك بالإنسانية عملاً بطولياً. 

الكاتب: منى عباس

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع