"المنشية": علاج جمعي باستدعاء الذاكرة الفلسطينية

مرام مصاروة

باحثة من فلسطين

"المنشية" ليست مسرحية عابرة، بل نداء من عمق الروح الفلسطينية لاستعادة ما سُرق: الأرض، البيت، اللغة، والرواية. وهي تذكرنا أن القصة، حين تُروى بأمانة وابتكار، قادرة على هز الجدران الصماء، وإحياء ما خمد من ركام الذاكرة.

للكاتب/ة

رواية التاريخ من خلال المسرح ليست فقط أداة للتوثيق، بل هي شكل من أشكال العلاج الجمعي. المسرح، في "المنشية"، هو مساحة اعتراف، وبكاء، وتطهر. إنه نوع من التحليل اللاواعي الجمعي للصدمة، ووسيلة لاستعادة الوعي. وما فعله سامر الصابر، هو إعادة بعث هذه الذاكرة من تحت الركام، ل

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

15/08/2025

تصوير: اسماء الغول

مرام مصاروة

باحثة من فلسطين

مرام مصاروة

ومحاضرة أكاديمية فلسطينية متخصصة في دراسات الفقد والصدمة في المجتمع الفلسطيني، والتربية النقدية والسياسات الثقافية. أصدرت عدة كتب ودراسات أكاديمية، وأدارت مشروعات بحثية وثقافية تربط بين الفنون والعلوم الإنسانية، تقدم حاليا بودكاست أرشيف مع مرام مصاروة على منصة العربي الجديد.

على خشبة مسرح الحكواتي في القدس، وقفنا أمام مسرحية لا تكتفي بسرد حكاية حي، بل تفتح جرح وطن بأكمله. "المنشية"، من تأليف الباحث المسرحي سامر الصابر، إخراج سامر الصابر بالتعاون مع مارينا جونس، ليست مجرد عمل مسرحي يحاكي الماضي، بل تجربة حسية ومعرفية تتغلغل في النفس، تثير أسئلة الهوية، وتستدعي وجع النكبة المتجدد.

المسرحية تسرد قصة حي المنشية اليافاوي، من عشرينيات القرن الماضي وحتى نكبة عام 1948، مرورا بثورة 1936، والاستيطان الصهيوني تحت غطاء الانتداب البريطاني، وانتهاءً بالتهجير وما أعقبه من لجوء وشتات. لكنها لا تكتفي بالوثائقي أو التسجيلي؛ بل تقدم سردية مسرحية إنسانية حية، تركز على القصص الشخصية، وتعيد الاعتبار لتجارب الأفراد الذين تحولوا -في الخطاب السياسي العام- إلى أرقام في تقارير المنظمات الإنسانية ووكالة اللاجئين.

في "المنشية"، لا يتحدث الأحياء فقط، بل الموتى أيضًا. همس أرواحهم يرافقنا في رحلة الزمن، ننتقل بين البيوت، النوافذ، وأصوات الباعة، نسمع دبيب الحياة التي سُرقت، ونشتم رماد الأماكن التي مُسحت عن وجه الأرض. يسحبنا سامر الصابر بأسلوب درامي مبتكر عبر لعبة الزمن: يخلط بين الماضي والحاضر، بين الواقعي والميتافيزيقي، بين صوت الراوي وتفاعل الجمهور.

هذه المسرحية تُشعرك بالألم والخذلان، لكنها لا تتركك في متاهة العدم. وسط الركام، وبين شظايا الذاكرة، يزرع النص بذور الأمل. فرغم القهر، هناك تعويل واضح على المستقبل، على الأجيال القادمة، على إعادة تشكيل الحكاية، لا كماضٍ مضى، بل كنداء مستمر للمقاومة السردية.

 

 

ليس من العبث أن تنتهي خيوط الحكاية في غزة. فالمنشية، التي هجّر الكثير من أهلها إلى الجنوب، تعود في الذاكرة من خلال غزة، الجرح النازف منذ سبعين عامًا وأكثر. وكأن النكبة لا تزال تتكرر بأشكال مختلفة، وكأن ذاكرة الطرد والمحو تتجدد في كل بيت يهدم، وكل شجرة تُقلع، وكل طفل يقتل.

هنا تكمن قوة العمل: الربط النفسي بين النكبة والتكرار القهري للكارثة. فالمسرحية لا تقدم الماضي كمشهد مغلق انتهى، بل كمستمر مفتوح، وكأنها تقول لنا: الماضي لا يُفهم إلا إذا أعدنا روايته من جديد، لا كمادة أرشيفية، بل كصرخة وجود. فالرواية التاريخية ليست مجرد استذكار لما كان، بل هي حاجة سيكولوجية جوهرية يطوّرها كل مجتمع لفهم ذاته وتثبيت وجوده. إن السردية التي يبنيها الفلسطيني عن نكبته ليست فقط أداة مقاومة، بل وسيلة لإعادة بناء الهوية الجمعية وترميم الوعي الجمعي في مواجهة المحو والإنكار.

الأداء التمثيلي كان على قدر المسؤولية التاريخية والنفسية للنص. جسد كل من حسام أبو عيشة، شادن سليم، فراس فراح، ياسمين شلالدة، عزت النتشة، فاطمة أبو علول ومحمد الباشا، أدوارهم بإتقان فني وعاطفي ملحوظ. تنقلوا بين الشخصيات والأزمنة بسلاسة، وأظهروا القدرة على التلون الدرامي، وعلى إيصال انفعالات معقدة دون افتعال.

 

 

إن ما يُميز هذا العمل هو استدعاؤه للنكبة كحالة اجتماعية-نفسية، لا كحدث سياسي فقط. الحاجة إلى رواية القصة -كما تُظهر المسرحية- ليست ترفًا ثقافيًا، بل حاجة وجودية. فالفلسطيني بحاجة لاستعادة روايته كي يُعيد ترتيب ذاكرته، كي يُصالح ذاته، ويقاوم عملية الإلغاء النفسي والاجتماعي التي مورست عليه لعقود.

رواية التاريخ من خلال المسرح ليست فقط أداة للتوثيق، بل هي شكل من أشكال العلاج الجمعي. المسرح، في "المنشية"، هو مساحة اعتراف، وبكاء، وتطهر. إنه نوع من التحليل اللاواعي الجمعي للصدمة، ووسيلة لاستعادة الوعي. وما فعله سامر الصابر، هو إعادة بعث هذه الذاكرة من تحت الركام، لا كحكاية حزينة فقط، بل كإرث حيّ يستحق الحياة من جديد.

"المنشية" ليست مسرحية عابرة، بل نداء من عمق الروح الفلسطينية لاستعادة ما سُرق: الأرض، البيت، اللغة، والرواية. وهي تذكرنا أن القصة، حين تُروى بأمانة وابتكار، قادرة على هز الجدران الصماء، وإحياء ما خمد من ركام الذاكرة.

 

الكاتب: مرام مصاروة

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع