يبدأ فيلم "ماديون" لمخرجته سيلين سونغ بمشهد غير متوقع: مشهد بدائي لرجل وامرأة من عصور ما قبل التاريخ، يقدّم الرجل للمرأة باقة زهور وأدوات حجرية. الكاميرا تتوقف على هذه اللحظة وعند الأدوات المقدمة وكأنها مَهر، لتتركنا نتساءل: هل هي لحظة غرامية أم عرض للأمَان والضمان عبر تلك الأدوات التي لا شك أنها تمثل رأس مال هذا الرجل. لا تمثل الافتتاحية حركة جمالية أو مشهدا هزليا، بل هي إعلان واضح عن سؤال الفيلم المركزي: هل الزواج تعبير عن الحب كعاطفة خالصة أم أنه تَرتيب اجتماعي واقتصادي يوفّر الاستقرار؟ ومنذ هذه اللقطة، يرسم الفيلم مساره كسخرية أنيقة من آليات الحب في ظل الرأسمالية المتأخرة، حيث لم يعد القلب بعيداً عن قوانين السوق، بل صار جزءاً منها، يخضع لمنطق العرض والطلب، ويُقاس بالقدرة على توفير الأمان الاقتصادي والمالي أو تجسيد المكانة الاجتماعية.
يعرض الفيلم قصة "لوسي"، وسيطة الزواج والمواعدة التي تجسدها الممثلة داكوتا جونسون، التي تنغمس، بسبب طبيعة عملها إلى حد ما، في منطق السوق، الذي يسيطر على فهمها لعملها، فعملها يشبه استشارات الاستثمار: هناك بنود غير قابلة للتفاوض، وهناك مميزات إضافية، وهناك حسابات دقيقة للطبقة الاجتماعية، والانتماءات السياسية، والخلفية العائلية تحدد توافق أي شخصين لأن يكونا شركاء حياة. لا يتحدث زبائن لوسي عن الحب أو الشغف أو الانجذاب، بل يتخلص ما يبحثون عنه ببضع المواصفات مثل الدخل والطول والمكانة الاجتماعية، وهي كناية عن القدرة على العيش في شقق فاخرة (بنتهاوس) أو على إرسال الأطفال إلى مدارس معينة، أو على ضمان شبكة من العلاقات المهنية. إنها صورة كاريكاتورية، ولكنها دقيقة عن منطق المواعدة في المدن الكبرى وفي ظل الرأسمالية في يومنا هذا، حيث يتحوّل الشريك العاطفي إلى ملف بيانات، وتتحول المشاعر إلى سلع قابلة للتصنيف والتبادل.
في وسط هذا السوق وبين هذه السلع والبضائع، يظهر هاري، الذي يقوم بدوره بيدرو باسكال، بوصفه الرجل المثالي، والتعبير الأوضح عن الميم الذي انتشر على منصة تيك توك السنة الماضية: رجل طويل القامة، ثري، هادئ الأعصاب، يعمل في الخدمات المالية. شخصية هاري تمثل تجسيداً لرغبة معاصرة متكررة، رغبة مرتبطة بأمان مادي ووجاهة اجتماعية أكثر مما هي مرتبطة بالحب ذاته. في المقابل يقف جون، الذي يؤديه كريس إيفانز، كممثل شغوف، يعيش على الهامش الاقتصادي لكنه يمتلك صدقاً إنسانياً صريحاً ومتَّقداً. بهذا الشكل يبني الفيلم مثلثاً عاطفياً يعكس التوتر بين الحب بوصفه نزعة مثالية، وبين الحب كحِساب مادي واجتماعي.
قوة "ماديون" كَتعليق ساخر على هذه الظاهرة الاجتماعية تتجلى بوضوح في مشاهد الوساطة والمقابلات التي تديرها لوسي. هناك نبرة ساخرة دقيقة تكشف عن طبيعة السوق العاطفي: الزبائن يناقشون شركاء محتملين كما لو كانوا عقوداً مالية، يقيمونهم على أساس الدخل، والقدرة على السفر، والمظهر الخارجي والطول. هنا يلمع الفيلم أكثر من أي مكان آخر، لأنه يعرّي ببساطة كيف يُختزل الحب في قيمة تبادلية. فالشخصية ليست فقط دافئة أو مضحكة، بل قابلة للتحويل إلى رأس مال اجتماعي. هذه المشاهد تمثل ذروة الفيلم، لأنها تحوّل ما نراه يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي إلى صور ملموسة: كيف يصبح الحلم العاطفي امتيازاً طبقياً، وكيف تتحول العلاقة إلى وسيلة لتثبيت الموقع الاجتماعي.
مع ذلك، ورغم هذه الحدة الساخرة، يظل الفيلم ناقصاً من ناحية العمق التحليلي. نرى جون يلهث وراء شغفه بالتمثيل، ولوسي تذكر مروراً عابراً خلافات والديها حول المال، ونرى في الخلفية نزعة مستمرة نحو المكانة والثروة، لكننا لا نرى أي سياق مادي حقيقي يفسر هذه السلوكيات. لا نرى قلقاً من الإيجار، أو ضغطاً ناتجاً عن ديون الدراسة، أو خوفاً من البطالة، أو تآكلاً ناتجاً عن الاستغلال في العمل. الشخصيات تتحرك بوصفها أنماطاً أكثر من كونها أفراداً مشكّلين بتاريخ اقتصادي واجتماعي محدد. لوسي هي السمسارة الباردة، جون هو الفنان الطموح، هاري هو المثال الأنيق، والمتسلقون الذين يطمحون إلى البنت هاوس هم مجرد رموز لطموح سطحي. وهذا الفراغ يجعل من المادية في الفيلم خياراً فردياً أو نزوة نفسية، بدلاً من كونها استجابة تاريخية لشروط اقتصادية خانقة.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: فيلم يحمل عنوان ماديون ينتهي في بعض لحظاته إلى خطاب لا مادي، بل يكاد يكون جوهرانيّاً. إنه يقدم المادية بوصفها خطأ شخصياً أو خللاً أخلاقياً، لا نتيجة لبنية اقتصادية أوسع. هذه المفارقة تمنح الفيلم سحره الساخر، لكنها تضعف حجته. فبدلاً من أن يرينا كيف تجعل سوق الإسكان، أو هشاشة العمل، أو انسحاب الدولة من الرعاية الاجتماعية، أو التضخم المالي وغلاء الأسعار، أو صعوبة البحث عن العمل في ظل صعود تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، من "الزواج من أجل الأمان" خياراً منطقياً في 2025 يكتفي بعرض مشاهد أنيقة تُظهر الناس وكأنهم ببساطة سطحيون أو جشعون بشكل جوهري.
إلا أن هذا لا يعني أن الفيلم يخلو من القوة الفنية، بل على العكس، تثبت سيلين سونغ موهبتها السينمائية ونظرتها الجمالية من خلال مشاهد الفيلم الدقيقة، وحواراته المقتضبة التي تنقل البرود العاطفي لمعظم شخصيات الفيلم، داكوتا جونسون تمنح لوسي عمقاً من التعب والتشاؤم الساخر، وبيدرو باسكال يقدّم شخصية هاري بالبرود المدروس الذي يتطلبه عمله في شركة الاستثمارات الخاصة لعائلته، بينما يمنح كريس إيفانز جون مزيجاً من الهشاشة الحساسة والإصرار، التي لولاهما لما قدر أن يكون ممثلاً أو أن يستمر في سعيه لشق طريقه هذا، الكاميرا في معظم الأحيان تحافظ على مسافة باردة من الشخصيات، وكأنها تقلّد تحفظهم العاطفي، فيما عدا المشاهد التي تجمع لوسي وجون، حيث تتجاوز الكاميرا هذه المسافة لتأخذ لقطات مقربة لوَجهيهما، تفصح عن ما يشعران به. هذا الخيار السينمائي يزيد من حدة النقد ووقع الشعور.
لكن النهاية، حين يتجه الفيلم نحو لحظة رومانسية واضحة، تختار لوسي حبها لجون بعد إدراكها أن ثراء هاري ليس كافياً لبناء علاقة بينهما، قد ينقسم المشاهدون هنا بين من سيرون فيها إعلان أمل، محاولة للتأكيد أن الحب قادر على مقاومة التشييء والتسليع، إلا أنها في ظني تمثل تراجع، فبعد تشخيص المشكلة بدقة، تنسحب شخصيات الفيلم تجاه الحلول الفردية، وتترك البنى الاجتماعية والاقتصادية على حالها. النتيجة هي نهاية مترددة نوعًا ما، تعود إلى راحة الأجوبة الجاهزة عن "قوة الحب" وقدرته على مقاومة التسليع. "ماديون" يشخص مشكلة هيمنة القيمة التبادلية على المشاعر دون تفسير الأسباب وتحديد موقعها داخل الشخصيات الثلاث الرئيسية، أو الدعوة لأي علاجات تتجاوز العبارة المستهلكة والمبتذلة "الحب دائمًا ينتصر"، لأنه كما يكرر لوسي وجون، "سهل".
ماديون عمل متوازن بين الذكاء والسخرية، بين الرهافة الجمالية والمحدودية التحليلية. فيلم يلتقط اللحظة الثقافية المعاصرة بدقة: الميمات، الخيال الرومانسي المرهون بالمكانة، اللغة الباردة التي تصف العلاقات كجداول بيانات. لكنه لا يقدم تفسيراً حقيقياً لما يجعل هذه الحسابات ضرورية وملحّة في عصرنا ولا يتتبع أسبابها في التجارب الحياتية لشخصياته. وهنا مكمن ضعفه: أنه يعطي المشاهد صوراً مثيرة للتأمل، لكنه لا يقدّم الأرضية الاجتماعية التي تجعل هذه الصور أكثر من مجرد انعكاس لسطحية فردية. وبذلك، فإن الفيلم ينجح كتشخيص ساخر للأعراض، لكنه يفشل كحجة سياسية متكاملة كما أرادت له مخرجته أن يكون حين قالت "الفيلم بأكمله يدور حول محاربة الطريقة التي تحاول بها الرأسمالية استعمار قلوبنا واستعمار الحب."
وربما هذا هو ما يجعل الفيلم ممتعاً ومخيّباً في آن. ممتع لأنه دقيق بصرياً وذكي في لغته، ومخيّب لأنه يكتفي بإعادة إنتاج المفارقة التي يعيشها أبطاله من دون أن يذهب أبعد في تفسيرها. فحين نخرج من السينما، نظل نرى بوضوح كيف تحوّل الحب إلى سوق جديدة، لكننا لا نعرف لماذا حصل هذا أو ما الذي يفسر سعي الناس للحصول على الأمان المادي من خلال علاقات الزواج في يومنا هذا. وربما هنا تكمن المفارقة: فيلم اسمه "ماديون" يذكّرنا طوال الوقت بأننا نعيش الحب كمعَادلة اقتصادية، لكنه في النهاية يطلب منا أن نؤمن – بكل بساطة – أن الحب أقوى من السوق. المفارقة جميلة فنياً وعاطفياً، لكنها هشّة سياسياً وفكرياً. وهذا بالضبط ما يجعل مشاهدة ماديون ممتعة ... ومحبِطة في آن واحد.
