هوامش الحرب والحنين

The Great War. Rene Magritte. Original Title: La Grande Guerre. Date: 1964; Belgium.

سارة علام شلتوت

شاعرة من مصر

تراكم الحرب غضبًا ينام في جوفي كنار، أريد أن أسب العالم بما يليق بعام من الدم الفائر. وأريد أن أوجه سبابًا خاصًا لهؤلاء الذين رأوا العالم نفسه يدور حولهم كثور ينتج بالدوران أكاذيبًا جديدة

للكاتب/ة

أنظر وأسأل نفسي: كيف ننجو من جلودنا ؟ وكيف نغير ألسنتنا؟ هل رأيتم كلب ينكر صاحبه يوم الحشر؟

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/11/2025

تصوير: اسماء الغول

سارة علام شلتوت

شاعرة من مصر

سارة علام شلتوت

كاتبة مصرية صدر لها ثلاث مجموعات شعرية وكتاب وتدرس حاليًا لنيل درجة الدكتوراة في جامعة سانت اندروز البريطانية.

١

جزء كبير من الإحساس بالاغتراب تولده اللغة 

كأن تشعر إن غيرك يتكلم في فمك 

أردت أن أرسم الغضب في الهواء فتلجلج لساني بما لا يكفي للحزن وما لا يليق بالفاجعة

هذه الحروف التي تتناثر في البرد 

تسقط على الأرض وأنا أشتم في رأسي  "يا ولاد الكلب"

أحيلها للإنجليزية فتخرج مرتجفة وخائفة 

This is unacceptable 

هذا الانتقال النفسي بين العبارتين يشبه تمامًا الحياة في أوروبا

أنت ملتزم وطيب وأخلاقي ومنمق وحتى غضبك لا بد أن يكون منضبطًا كحواشي الأبحاث

٢

هناك أشياء تتعلمها في الغربة، تحتفظ بها كبطاقة عبور 

كأن تفهم ما تعنيه الحدود

يعلمك الغيم أن تصنع حدودًا متينة كأن تقول لا بوضوح 

وأن تزيح الأذى بهدوء 

وتنفضه عن ملابسك ، تطير اعتذارات في الهواء كخيوط دخان ترتسم وتطير

وأن تلتمس الأعذار للجوعى والمرضى والمتألمين والخائفين والمرتجفين

قد تصير مثلهم أو إنك هم لولا اختلاف التوقيت 

هناك أمور تدركها في الوطن

كأن تمنح مخاوفك لمضيفة الطيران مع بقايا وجبتك الساخنة

تجر حقائبك نحو البيت

وحين تفتحها تذوب في أصابعك 

 حبوب القلق

بصمات العابرين على ملابسك

ونبرة صوتك المرتعشة

في الصباح التالي

تضبط الساعة

تعيد عقارب للوراء 

تدور كاملة على أيامك

أنت هنا والآن 

تستوحش الغربة

تستثقل الوطن

٣

يغضب جسدي كثيرًا على الطقس، تتفكك مفاصله رويدًا فتسمع لها دقات ككعب امرأة تمشي على عجل يلحظها المارة ووحدها لا تعرف ماذا يصير

لأسبوع كامل، أشعر بالوخز في أذني فأمنحها أعذارًا عديدة

أثر السباحة أو درجة الحرارة أو مجرد ألم خفيف حتى أصحو على ألم يشبه نخر العظام أو دق المسامير في فتحة الأذن

يقول الطبيب " التهاب حاد في الأذن الخارجية وتحتاج للرعاية والعلاج"، أغادره، يزداد النقر على يساري حتى إذا بلغت البيت سمعت نجارًا يدق مساميره في أذني

حين ينفتح الباب أسمع هبة رياح آلفتها وأرى مقعدًا شاركني الوحشة لأحبه   

أدرك إن أذني هناك في بلاد باردة وعيني ها هنا في بيت لم يختبر الريح حتى إنه يهندس مقعدًا للألفة في رأسي

٤

تعلمنا الهجرة أن نتكيف، أو ستنتهي الرحلة

كأن تكون سمكة بحرية صغيرة تعرف مسالك الماء المالح ثم تجد نفسك في النهر ، لا أمواج تراقصك ولا ملح يرفعك لتطفو 

يتغير مزاجك، وتتبدل عاداتك، كأن تصير أكثر هدوء أو أقل ضجيجًا وربما تطيل النظر في سقف الغرفة

حين تفتح الباب وتمشي في الشارع يواجهك السؤال

هل حقًا أعيش في هذه المدينة؟ أم إنه مجرد فيلم ينتهي بعد ساعتين؟

تنصب ظهرك وتجيب: هي حياتي السفينة قد سارت بي حيث هنا وأنا مجرد طائر يحط رحاله حيث يشاء القدر

في هذه الرحلة تنسى أن جسدك أيضًا شريك في لعبة التكيف كأن تأتي بدب قطبي يغطي جلده الفراء وتتركه في غابة استوائية 

في البلاد الباردة، يلسعك الصقيع ثم تنمو البرودة فوق جلدك رويدًا، تتبدل درجة حرارة جسدك ويتعلم مع الوقت أن يكف عن الرجفة لينجو

في عامي الأول في بريطانيا، عدت لمصر شتاء وقد كانت الحرارة مرتفعة فلم أستطع ارتداء أي من ملابسي التي حملتها معي، وقد احتجت أنفي فنزفت دمًا وكأنها أنف امرأة أخرى لم تزكمها عوادم القاهرة

حين عدت صيفًا، شكوت عدة مرات من انخفاض ضغط الدم، انخفاض مربك يصيب بالدوار والنعاس والصداع

قال الطبيب: تعانين من الإجهاد الحراري، فرق درجات الحرارة مربك، جسدك تعلم البرودة

غادرت عيادته، أقول لنفسي 

هذا الجسد قد خَبر أوروبا ، تنكر لطفولتي الحارة بين جبال الصعيد، وعشريناتي في صيف القاهرة ولهيبها

يا إلهي.. هذا الجسد يخونني ويتنكر لعرقه وتاريخه الطويل مع الطقس الحار ويلتحف بالفراء كدب قطبي تركوه في غابة استوائية

٥

في حديث جامعي قلت أمامهم إنني لم أحب الإنجليزية يومًا أو إنني لا أكرهها أو إنني أفشل في بناء علاقة عاطفية معها وكأنها زوجة أبي التي حاولت أن تصير أمي دون مخاض أو لهفة

جاءت سيدة تحمل دهشتها في فمها لتسأل كيف لك أن تكرهي لغة ثم تأتي بها إلى الدكتوراة أي إنتاج المعرفة؟

شرحت لها كيف جررت الإنجليزية من شعرها لتلين وتتوقف عن خيانتي حين يمر المجاز العربي في حلقي كشاعرة سابقة 

رسمت لها دمعًا ونافذة وطاولة صاحبوا الليالي الطويلة التي رفعتني إلى هنا أفتش عن أم في البرودة

٦

اتعامل مع كلمة "السلام" بالكثير من الريبة، فكلما رفعها أحدهم في وجهي علمت أن القادم يعني طأطأة العنق والاستعداد لتقديم تنازلات من دم ولحم

أسمع في كلمة "السلام" الباهتة صوت الغضب المكتوم وكأنها مجرد غطاء خشبي لموقد يغلي، ينبعث البخار منه فنتظاهر بالعمى لأنه مجرد بخار يطير في الهواء كوعود السياسيين

أحب "التصالح" بديلًا ففي الكلمة ما يعني إن طرفين اجتمعا لإصلاح ما بينهما من أعطاب و جراح و شقاق أي إن التنازلات قد حدثت باتفاق بين اثنين متساويين ترك كل منهما بعضًا من ماضيه عند عتبة الأخر

كفتاة خَبرت أصوات الرصاص في جبال الصعيد، أرى في "السلام" حملًا للكفن كما يفعل القاتل في طريقه لبيت القتيل بعد أن أنهكت الحرب كليهما، ولكنها ورغم "سلاميتها" كممارسة تظل مرتبطة لأجيال وأجيال بالعار لهؤلاء الذين لم يستطيعوا التأكد من أن حمل الكفن لا يخبئ سكينًا للمستقبل

٧

كان هذا يومًا ثقيلًا من أيام الحرب وكأنها أنزلت حمولها كجبل فوق رأسي ونامت

تكمل عامها الأول كأكبر مجزرة في التاريخ الحديث نراها بأعيننا مسجلة ومصورة تعيش في القلب والعين والدمع والذاكرة ، تفقدنا القدرة على النطق وتمنحنا أسبابًا للصريخ في وجه كل هذا البغي فنكظم غيظنا

كل يوم من أيامها، تنازعني رغبات كثيرة ومشاعر متضاربة تتأرجح ما بين الأمل والهزيمة ، التفاؤل واليأس، الحنق والتشفي وكأنها جاءت لتضعنا أمام أسئلتنا الكبرى جميعًا

تعيش الحرب معي كسؤال كبير أفقد معه القدرة على إنجاز أعمالي بالكفاءة والسرعة التي أعرفها عن نفسي. أمام شاشة الكمبيوتر المفتوحة على نوافذ الأبحاث والنظريات يطل أطفالًا قتلى ونساء جائعات وجثث متناثرة وآهات تمتد من هناك لتترأى أمامي وتطرح السؤال الصعب: 

ما قيمة كل ذلك؟ النظريات التي لا يؤمن بها أحد، العلم الذي قطعت لأجله بحارًا ونهرًا وظننت إنه محاولة لتفسير العالم وموقعي فيه أو إنه طريقًا أُعبده للحالمين فتزهر جراحهم ورودًا

هذا الكلام المتراص على الشاشة مجرد جبر على ورق، لا يغير ماضيًا يمضي أو لا يمضي ولا يوقف البركان

أنفث غضبي على صفحة الفيسبوك ، أمرر كلماتي برفق حتى نعبر من الرقابة، أما الكلام نفسه فقد انتقيته بعناية الملتزم بالقانون البريطاني لأن أي انفعال زائد قد يفقدك الإقامة وتفقد معها هذا الحبر على الورق الذي كنت أظنه حلمًا قبل شهور

تراكم الحرب غضبًا ينام في جوفي كنار، أريد أن أسب العالم بما يليق بعام من الدم الفائر. وأريد أن أوجه سبابًا خاصًا لهؤلاء الذين رأوا العالم نفسه يدور حولهم كثور ينتج بالدوران أكاذيبًا جديدة

يسألني الناس: لماذا تتورطين في الحرب هكذا؟ 

أنظر وأسأل نفسي: كيف ننجو من جلودنا ؟ وكيف نغير ألسنتنا؟ هل رأيتم كلب ينكر صاحبه يوم الحشر؟

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع