فلسطينيات في الميدان: تجاربهن بين المرئي واللامرئي

امرأة فلسطينية تصرخ في وجه جندي إسرائيلي بعد اعتقال ابنها، 1995. مجموعة زياد يوسف، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

سمر عزريل

كاتبة من فلسطين

الفلسطينية بوصفها فلسطينية، وهناك أقصد وبكل انحياز النساء اللواتي توزعن على مرآى ناظري بين 450 ألف وثيقة في مجموعات أرشيفية يجمعهن أغلبهن، غياب الاسم الكامل من المصدر،

للكاتب/ة

وهناك أقصد وبكل انحياز النساء اللواتي توزعن على مرآى ناظري بين 450 ألف وثيقة في مجموعات أرشيفية يجمعهن أغلبهن، غياب الاسم الكامل من المصدر، والشال الأبيض الذي يلتف حول رؤوسهن، وينسدل معلنا انعتاق الرقبة من طقس غطاء الرأس في أغلب الأحيان على امتداد الأجيال والحقبات التاريخية والجغرافيا الموزعة،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/03/2026

تصوير: اسماء الغول

سمر عزريل

كاتبة من فلسطين

سمر عزريل

يعتاد من يعمل في مجال التأريخ، إلى تأريخ قصص النصوص، تماما كما حدث معي عندما هممت لكتابة هذا مقال عن قصص الفلسطينيات الرائدات في الميدان، واللامرئيات في ميادين النخبة والقوة والسلطة. ما بين أن أكتب قصص أعيد ترتيبها وانثر فوقها تأسيسا نظريا وفقا لأحد أشكال الكتابة النقدية أو النظرية أو أن أنقد من خلاله أحد منظري النظرية النسوية الذين تجاهلوا صوت المغلوبة بوصفها فاعلا أثره لا يختفي ولا يحتفى به، سألت نفسي، هل تريد الفلسطينية التي صالت وجالت في الميدان أن يحتفى بها؟ وهل عليها أن تعترف بأنها بطلة؟ لتعترف بها النصوص والدراسات والأبحاث والروايات والمنصات وحتى الأرشيفات؟

 

اعتصام أمهات الأسرى في غزة، أما مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. مجموعة زهيرة كمال، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

 

الفلسطينية أجابت باقتدار سيرتها على عبور الزمن المرئي واللامرئي إلى عوالم أبقى وأرقى بدورها اليومي والفعلي في المنزل والحقل والسجن وساحة الحارة وشوارع المدن ما بين مظاهرة ومواجهة وفي كل ميادين النضال. وهنا وجدت أن النص وجوبا سينحاز في تقديمه للفلسطينية، إلى ما قاله غسان كنفاني في وصف شخصية أم سعد

يقول كنفاني: "ومع ذلك فأم سعد ليست امراة واحدة، ولولا أنها ظلت جسدا وعقلا وكدحا، في قلب الجماهير، وفي محور همومها، وجزءا لا ينسلخ عن يومياتها، لما كان بوسعها أن تكون ما هي،  ولذلك فقد كان صوتها دائما بالنسبة لي هو صوت تلك الطبقة الفلسطينية التي دفعت غاليا ثمن الهزيمة.

والتي تقف الآن تحت سقف البؤس الواطئ في الصف العالي من المعركة، وتدفع، وتظل تدفع أكثر من الجميع."1 كنفاني، غسان. رواية أم سعد. دار الرمال. 2013، ص 8.

منذ تأسيس أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي، ونحن نوثق صوراً وأوراقاً ومقتنياتٍ تحكي عن الفلسطينيات، وبطبيعة الحال وكأي فعل أرشيفي حتى وإن كان يتخد من تاريخ القاعدة الإجتماعية محطة انطلاقه، ستجد أثر (للمال، والنخبة، والاستعمار) بوصفه قوة مسيطرة حاضرا في مكان ما من هذا كله، الذي بدوره أسس لشكل نمطي لنرى من خلاله الفلسطينيات، يشبه تماما الشكل النمطي الذي فرضته أدوات القوة على شكل ودور المرأة العربية، خلال تأسيس العمل النسوي ومأسسته في دول العالم العربي، في الأرشيف سنجد فيضا من الصور والأوراق عن الفلسطينيات سليلات العائلات المتنفذة والمتعلمات والرائدات في مجال العمل النسوي، اللواتي تقلدن مناصب مرموقة ومهمة ومؤثرة في صناعة القرار، في المقابل سنجد صور ووثائق وأوراق لنساء فلسطينيات كن في الميدان وفي مواجهة الأحداث العصيبة، قسم كبير من هذه الوثائق وخاصة الصور ظلت بطلاتها مجهولة الاسم لنا، حقيقية الواقع والتأثير لكل من يعرفها وعاش زمنها، عجز القلم والمؤرخ، وانتصرت الفلسطينية في هذه اللحظة.

يبدأ السؤال لدي هنا من نشرة صدرت عن المؤتمر النسائي الشرقي للدفاع عن فلسطين، الذي انعقد في القاهرة في تشرين الأول 1938، والذي ضم وفدا فلسطينيا مكونا من 28 سيدة فلسطينية، غلب عليهن أنهن من عائلات فلسطينية لها مكانتها وتتمتع بنفوذ، وجلهن من سكان المدن الفلسطينية الرئيسية القدس وغزة ونابلس ويافا وحيفا، إذا لم يكن من بينهن في الأصل من يقطن مصر نفسها، والتمثيل الوحيد لأهالي الشهداء والمشاركين في الثورة والأحداث من عام 1935 - 1938، اقتصر على ورود اسم ميمنة عز الدين القسام، ابنه الشيخ عز الدين القسام، وعند تفقد كتاب المؤتمر لم أجد ما يشير إلى أنها قدمت خطابا في فعاليات المؤتمر وخلال جلساته، إلا أنه ورد نص موقع باسمها يشير إلى مشاركتها بخطاب في حفلة الشاي التي أقيمت في النادي الفلسطيني خلال أحد الفعاليات الثانوية التي رافقت انعقاد المؤتمر، على الرغم من أن أغلب المشاركات الفلسطينيات الأخريات حظين بفرصة إلقاء خطاب في جلسات المؤتمر وخصصت لكل منهن مساحة في الكتاب للإشارة لاسمها ولقبها وصورتها.

 

(المؤتمر النسائي الشرقي للدفاع عن فلسطين 15 – 18 تشرين الأول 1938، مجموعة محمود خريشة، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي

 

ويبقى السؤال هل استطاع المؤتمر المخصص للحديث باسم نساء العالم الشرقي، وكان يمثل النساء الشرقيات والعربيات بشكل عام والفلسطينيات بشكل خاص، أن يعبر عن دورهن وواجبهن؟ في حين سجلت البلاد قبل شهرين من انعقاد المؤتمر، حادثة استشهاد امرأتين فلسطينيتين رميا برصاص جنود الانتداب البريطاني في قباطية قضاء جنين وهما سعاد العلي وآمنة الحاج ياسين؟.2 يوميات أكرم زعيتر "الحركة الوطنة الفلسطينية"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ط 2. 1992، ص 424، 482 -484.

لا يختلف الحال كثيرا لما تستطيع استنباطه عن دور الفلسطينية، لاحقا إلا إذا ما فتشتت جديا في خبايا الأسماء وملامح الوجوه وجوهر الفعل، فالسير في منتصف طريق على جانبيه تجربتين متوازيتين تحاولان التقاطع، واحد من الأشكال التي يعرضها أرشيف المتحف الفلسطيني، وهذا ما يجعلنا أمام نفي أو إثبات حقيقة انه عندما استمرت الفلسطينيات بمأسسة عملهن، اختفت أسماء الفلسطينيات المؤثرات في الميدان الفعلي، وصعدت الناشطات من المؤسسة لتعبر عن أصوات الفلسطينيات المناضلات بمالا يشبههن، وهنا لا نلغي دور المؤسسة النسوية بل نسأل وننقد ذلك ليس إلا.

قصاصة من العدد 1227 من جريدة الدفاع الصادر في 4 آب 1938.

 

خلال النكبة سجلت الفلسطينيات دورا بارزا، ظل أسير ما ينشر بالحد الأدنى عن تجربة بعض الجمعيات والمؤسسات النسوية في الدفاع عن البلاد أو المساعدة عند وقوع الكارثة، مثل دور تنظيم زهرة الأقحوان وغيرها، دون التطرق للدور الريادي للعاملات في الجمعيات النسوية بوصفهن فلسطينيات خضن تجارب مهمة، وخاصة العاملات في قطاع الخدمات الطبية كالممرضات، اللواتي كان لهن دور مهم في تقديم الرعاية الصحية وقت الحرب، فلكل ممرضة قصة وحكاية تقودنا إلى عوالم أكبر في فلسطين، لا نعلم عنه الكثير، ستجد في الأرشيف صورة لمجموعة من الممرضات برفقة الطبيب السوري أمين رويحة والهيئة الإدارية لجمعية الاتحاد النسائي العربي في نابلس، ويغيب عن التوثيق أسماء الممرضات اللواتي تطوعن للعمل مع رويحة  في رعاية جرحى النكبة وخاصة من جيش الإنقاذ، كذلك هو الحال مع قصة عدلة فطاير وفاطمة أبو الهدى اللتين تطوعن في خدمة الجرحى في الميدان مع جيش الانقاذ، حتى اللحظة لم اسمع أو أقرأ قصة ما فعلته الشابتين، سوى ما كتب عن الدور العام لجمعية الاتحاد النسائي خلال الحرب.

لم تنتظر الفلسطينية بوصفها فلسطينية أو صفتها أم، زوجة، ابنة، أخت، لاسير أو مناضل فلسطيني، طوال تجربة النضال التي خاضتها، أن يكتب عنهن أو أن يقوم أحد بدورهن في الدفاع عن حق فلسطين وابنائها بالحرية والنضال، فتقدمن صفوف المظاهرات، وملأن الساحات أمام مقرات الصليب الأحمر في اعتصامات قدنها للمطالبة بلإطلاق سراح أبنائهن وأقاربهن. خير مثال على ذلك تجربة فرحة البرغوثي من قرية كوبر التي وقفت برفقة ثلاثة نسوة أمام قبة الصخرة في القدس معتصمة محتجة على استمرار اعتقال ابنيها عمر ونائل البرغوثي، فرحة التي صارت اسما وبطلة رواية "فرحة " لوليد الهولدي فيما بعد.

 

مجموعة الاتحاد النسائي العربي في نابلس، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي

 

كذلك هو حال عايشة علاونة (أم أمجد علاونة) التي قدر لها أن تلعب ثلاثة أدوار فلسطينية خالصة بامتياز، زوجة أسير، ثم زوجة شهيد، وأخير والدة أسير، عايشة علاونة هي زوجة الشهيد عبد الله علاونة، الذي كان ناشطا سياسيا وطلابيا، اعتقل أكثر من مرة كان آخرها في عام 1989، أفرج عن علاونة في عام 1990، وبعد إطلاق سراحه بستة أيام أصيب بسكتة قلبية حادة استشهد على إثرها، ومع اندلاع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية اعتقلت سلطات الاحتلال ابنها الأوسط نعمان علاونة، الذي أمضى 15 عاما، لتعود من جديد إلى الميدان بين سجن وآخر واعتصام وآخر.

عن الأم الفلسطينية تكتب فليستيا لانغر في أحد الأعداد الصادرة من جريدة الأتحاد في عام 1975، في زاوية من مفكرتي قصة بعنوان "أم الشيخ"، والتي رصدت من خلالها جزء من قصة والدة الشيخ محمد أبو طير إمام مسجد قرية أم طوبا قضاء القدس، والذي ترافق اعتقاله مع اعتقال والده، لتصبح والدته هي المعيل الوحيد للعائلة بأكملها، وأجمل ما تذكره لانغر عند حديثها عن أم الشيخ هو أنها زارت الحقل وقطفت اللوز الأخضر وأعدت الخبز قبل مجيئها إلى مكتب المحامية، وأحضرت معها منه وقدمته للانغر تقديرا لها على كل ما تفعله في الدفاع عن ابنها، وكتعبير عن عميق شكرها على كل ما تقوم به، هكذا ببساطة الأم الفلسطينية وعفويتها وثقل ما تحمله على كاهلها.

 

صورة فرحة البرغوثي وثلاثة من امهات الأسرى في الحرم القدسي، 1997، مجموعة عمر ونائل البرغوثي، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

 

لم يقتصر الميدان الذي صنعت فيه الفلسطينيات تجاربهن على النضال السياسي، بل خاضت النساء دورا مهما في سبيل التعليم والتربية والنضال لنيل كافة أشكال الحرية والتحرر الأخرى. تذكر الكثير من الدراسات والأبحاث الدور المهم الذي لعبته الجمعيات والمؤسسات النسوية بالشراكة مع المؤسسة التعليمية في محاربة الأمية بين الفلسطينيات في الضفة وغزة.

ويغيب عن التدوين في أغلب الأحيان الدور الحقيقي  الفعلي للفلسطينيات اللواتي أخذن على عاتقهن رغم كل مشاق الحياة بين الأرض والمنزل والأمومة واحيانا كثيرة غياب الرجل، أن يجتزئن وقتا لأنفسهن ويتعلمن القراءة والكتابة، فضجت مدراس العديد من قرى الضفة الغربية بصفوف محو الأمية، على سبيل المثال في شهر كانون الثاني من عام 1979، درست 22 فلسطينية من قرية فرخة قضاء سلفيت في صف مكافحة الأمية، كان منهن 17 فلسطينية متزوجة وتعيل أسرة، اغلبهن كان عدد أفراد أسرتها أربعة.

 

مجموعة الشهيد عبد الله علاونة، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

توثق  صورا أخرى التعليم  في صفوف محو الأمية التي درست فيها الأستاذة الفاضلة هيام أبو غزالة في بيرزيت، حيث تجتمع النساء من القرى المنطقة ليتعلمن، كذلك هو الحال في الخليل ونابلس وجنين وغزة، وطولكرم، وهنا علينا الاعتذار لكل فلسطينية كانت جزءا من هذه الصفوف ولا نملك معلومة تقودنا لاسمها وقصتها الكاملة.

الفلسطينية بوصفها فلسطينية، وهناك أقصد وبكل انحياز النساء اللواتي توزعن على مرآى ناظري بين 450 ألف وثيقة في مجموعات أرشيفية يجمعهن أغلبهن، غياب الاسم الكامل من المصدر، والشال الأبيض الذي يلتف حول رؤوسهن، وينسدل معلنا انعتاق الرقبة من طقس غطاء الرأس في أغلب الأحيان على امتداد الأجيال والحقبات التاريخية والجغرافيا الموزعة، تقاسيم الوجه التي لا تخفي معالم وجوههن الجملية، وهن في نظري حاضرات بقوة فيما قاله كنفاني عندما علل لنفسه ما يلي "ومع ذلك فإنه يبدو يقينا أننا لم نتخرج من مدارس الجماهير، المعلم الحقيقي الدائم، الذي في صفاء رؤياه تكون الثورة جزءا لا ينفصم عن الخبز والماء و أكف الكدح ونبض القلب".3 كنفاني، غسان. رواية أم سعد. دار الرمال. 2013، ص 7.

 

جريدة الاتحاد 1975، مجموعة خليل توما، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.
صف محو الأمية في عنبتا، مجموعة اتحاد الجمعيات الخيرية في شمال الضفة، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.
مجموعة جمعية سلفيت النسائية الخيرية، أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

الدارسات في صف محو الأمية برفقة الاستاذة هيام أبو غزالة في بيرزيت، مجموعة إميل عشراوي. أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

 

الهوامش

الكاتب: سمر عزريل
  • 1
    كنفاني، غسان. رواية أم سعد. دار الرمال. 2013، ص 8.
  • 2
    يوميات أكرم زعيتر "الحركة الوطنة الفلسطينية"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ط 2. 1992، ص 424، 482 -484.
  • 3
    كنفاني، غسان. رواية أم سعد. دار الرمال. 2013، ص 7.

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع