"حالة عشق": البطل في ملابس البيت

من الفيلم، معدلة.

شادي لويس

كاتب من مصر

وعن الأطفال الذين يصلون إلى غرف العمليات بعد أن يكونوا قد فقدوا كل ذويهم، وعن شح الموارد الذي يحتم قرارات قاسية بشأن من يتم إنقاذ حياته ومن يترك ليلاقى مصيره، وعن احتراق الملابس الرخيصة المصنوعة من البوليستار والتصاقها باللحم البشري و انصهارها داخل جروحه الغائرة.

للكاتب/ة

تتبدل المواقع بين العادي والبطولي، بالنسبة لأبو ستة حياته الاعتيادية في لندن وجراحة التجميل التي يمتهنها هي الجحيم، وتلاحقه كوابيسها حتى وهو في غزة. الرغبة القديمة المجهضة في الالتحاق بمعسكر تدريبي للمقاومة الفلسطينية في عدن،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

28/02/2025

تصوير: اسماء الغول

شادي لويس

كاتب من مصر

شادي لويس

وروائي وأخصائي نفسي

إن كانت السينما بالعموم هي فن علاقات الصورة بالزمن، فإن السينما الوثائقية على وجه التحديد تختص بعلاقات الزمن بوصفه تاريخاً. في هذا تكون الأفلام الوثائقية وثيقة جمالية للتاريخ وعنه. تقليدياً عملت السينما الوثائقية على التاريخ بأثر رجعي، بإعادة فحصه وفضه ونبش آثاره وإعادة تركيبه، إلا أن التطورات المتسارعة في تقنيات التصوير والاتصال ويسر توظيفها، سمح بأفق غير محدود لوثائقيات من نوع آخر، هي وثائقيات آنية ومواكبة للحدث التاريخي وملازمة لشخوصه لحظة بلحظة، بحيث تكاد تكون الكاميرا مشاركة أكثر منها مجرد شاهد آخر على التاريخ

إلى هذا الصنف الأخير، ينتمي الفيلم الوثائقي "حالة عشق" من إخراج كارول منصور ومنى الخالدي، والذي يتتبع سيرة الجراح الفلسطيني غسان أبو ستة على خلفية الحرب الأخيرة في غزة، أو هو بالأحرى يقدم الفيلم وثيقة أخرى عن فلسطين من خلال سيرة أحد أبطالها. يواكب تصوير الفيلم الحرب المتواصلة، بشكل يومي وحميم يتابع النضال المثابر لأبو ستة في غزة وخارجها

بالطبع لا ينقص الفيلم مادة ثرية من الوثائق الشاهدة على فظاعات الحرب، سواء من مقاطع مصورة من داخل غزة أو من شهادات أبو ستة ومن حوله. لكن في سياق حرب تنقل فيه الإبادة على الهواء مباشرة دقيقة بدقيقة، ويتباهى بها مرتكبيها على شاشات الأخبار وعلى مقاطع التيك توك، ما الذي يمكن لمشاهد الركام والانفجارات وأكوام الأجساد الممزقة على أرضيات مستشفياتها أن تضيفه لنا؟ 

يسجل "حالة عشق" حديث أبو ستة عن التفاصيل اليومية للحرب، عن المدافن التي تضم الأطراف المبتورة، وعن الأطفال الذين يصلون إلى غرف العمليات بعد أن يكونوا قد فقدوا كل ذويهم، وعن شح الموارد الذي يحتم قرارات قاسية بشأن من يتم إنقاذ حياته ومن يترك ليلاقى مصيره، وعن احتراق الملابس الرخيصة المصنوعة من البوليستار والتصاقها باللحم البشري و انصهارها داخل جروحه الغائرة. وفي خضم هذا كله، يقول لنا أن أكثر ما يثير الألم في غرفة العمليات، هو التفاصيل الصغيرة لحياة عادية سابقة على كل تلك الأهوال، "فيونكات" الشعر والطلاء الملون على أظافر البنات الصغيرات.

وراء بنية الفيلم التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة، ثمة مصفوفة معقدة من ثنائيات العادي والمأسوي، والعادي والبطولي، والسياق الأوسع للمسألة الفلسطينية وبين الحيوات الفردية. ينتمي "حالة عشق" إلى ما يمكن تسميته وثائقيات غرفة المعيشة حيث تسجل الكاميرا شهادات أبطالها على أرائك بيوتهم بالتوازي مع معايشة حياتهم اليومية. في أحد مشاهد الفيلم، يدخل أبو ستة إلى غرفة النوم في بيته اللندني فيفاجأ بالكاميرا هناك في انتظاره، ومن ثم يشرع في كي الملابس المدرسية لأولاده الثلاثة ويجهز وجباتهم للصباح التالي، كما يفعل عادة. في النصف الثاني من الفيلم يظهر أبو ستة معظم الوقت بملابس البيت، مشاهد البطل في بيجامته وهو يقوم بتنظيف البيت بالمكنسة الكهربائية قبل أن يتوجه إلى مجلس العموم البريطاني ليحضر اجتماعاً مع نوابه، تبدو أيقنة تنزع الهالة عن البطولية، وبالأخص بمفهومها الذكوري. وبديلاً عن هذا، تطرح مخرجتا الفيلم صورة بديلة تبدو أكثر أنثوية، وتتمثل في عنوان الفيلم الشاعري، وفي أفعال العناية والرقة التي يبديها أبو ستة تجاه مرضاه وتجاه أسرته، ويتبدى أكثر في الرسائل الصوتية التي يرسلها من غزة إلى زوجته وأولاده في لندن وهو يطمئنهم على سلامته بينما هو يتوقع الموت بين لحظة وأخرى

تتبدل المواقع بين العادي والبطولي، بالنسبة لأبو ستة حياته الاعتيادية في لندن وجراحة التجميل التي يمتهنها هي الجحيم، وتلاحقه كوابيسها حتى وهو في غزة. الرغبة القديمة المجهضة في الالتحاق بمعسكر تدريبي للمقاومة الفلسطينية في عدن، تتضافر مع شعور مؤنب يتعلق بامتيازاته كفلسطيني من أسرة متوسطة، ترعرع في البحبوحة النفطية في الكويت حيث درس في مدرسة إنجليزية، ومع إحساس غير معلن بالذنب يتعلق بتمتعه بمسار مهني ناجح في بريطانيا. في واحد من أوجهه المتعددة، يروى "حالة عشق" بعض من سيرة الشتات الفلسطيني، عن استحالة أن يعيش المرء حياة عادية حتى بعيداً، وفي هذا يقدم الفيلم أبو ستة مثالاً على أن يكون الفلسطيني مرءً عادياً في سياق استثنائي، أو ضد-بطل يعذبه العادي

الكاتب: شادي لويس

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع