زياد الرحباني

زياد الرحباني: حين يتحول المسرح إلى جبهة

زياد في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟"، معدلة.

شام السبسبي

كاتبة سورية

إن زياد يدعو الجمهور في مسرحه إلى إطلاق ضحكة مريرة أثناء محاولة فهم الكارثة المشتركة، فالسخرية ليست زينة لغوية، أو حيلة من حيل النص، وإنّما موقف سياسي وتمرّد ناعم على منطق الحرب ومنظومة السلطة.

للكاتب/ة

واليوم، بينما صرنا في زمن متخم بالأرشيفات المُعدة والوثائق المحرّرة، تظلّ مسرحيات زياد بمثابة "أرشيف حي" ينبض بالضحك والارتباك والأسى، ويترك لنا فرصة قراءة حكايا البشر كما هي دون تنميق.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

27/07/2025

تصوير: اسماء الغول

شام السبسبي

كاتبة سورية

شام السبسبي

وطالبة في المعهد العالي للفنون السينمائية.

لم يكن زياد الرحباني (١٩٥٦- ٢٠٢٥) مجرد ابن لعائلة فنية أسطورية، أو حتّى وريثاً متوقعاً لتركة الرحابنة، إنّما ظهر كحالة نادرة وفنان حوّل اللحظة التاريخية إلى مادة حيّة على المسرح، مسلّحاً بذخيرة من اللغة الساخرة، والكوميديا السوداء، والشخصيات الهشّة المهمّشة في مسرحيات مثل "بالنسبة لبكرا شو؟" و"نزل السرور" و"فيلم أمريكي طويل"، والتي لم تجسّد الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية ومعاناة الحرب فحسب، وإنّما تركت المشاهد يعشيها في تفاصيلها الصغيرة التي تبدأ من سعر علبة السجائر وتنتهي بالقلق من الموت المجاني، عبر أبطال هم دوماً من البسطاء والفقراء، الغائبين عن كتب التاريخ ونشرات الأخبار والصحف الرسمية.

ولم تكن الطائفية في مسرح زياد مجرد "أزمة سياسية" فحسب وإنّما مأساة يومية معاشة بين الجار والجار وأهل البلد الواحد، ولم تكن غاية الفكاهة في أعماله هي الضحك وإنّما البقاء، ولم تكن غاية الموسيقى الفرح وإنّما الاحتجاج.

وعبر المسرح والأغنية والدعابة والشتيمة نجح زياد في تدوين وقائع تلك السنوات قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥- ١٩٩٠) وخلالها، لا كما نقلها الخطاب الرسمي، ولا كما نَظّرت لها الأحزاب، بل كما عاشها الناس من المقهى أو الفندق أو الغرفة أو المستشفى.

لذلك فإن قراءة الأعمال المسرحية لزياد في سياق الحرب لا تكشف عن فنان ساخر فقط وإنما عن عقل نقدي مركّب قرأ لحظته بدقّة، ورفض الاصطفاف المريح، فصاغ رؤيته بلغة هجينة هي خليط من اللهجة العامية حادة النبرة، وموسيقى الاحتجاج، والأبطال الذين يفتقدون صفات البطولة.

واليوم، حين نعود بعد عقود لأعمال زياد ندرك أنها ليست "نصوص مرحلة" ولا "موسيقى مرحلة" بل أعمالاً تتجاوز زمنها وتشتبك مع بنية الخراب العربي الذي لم ينتهِ حتّى الآن، ولهذا ليس غريباً أن تبقى جملة "بالنسبة لبكرا شو؟" حيّة في الذاكرة العربية، فإلى جانب كونها عنوان مسرحية، هي سؤال جيل، وسؤال بلاد، قرّر زياد أن يترك جوابه مفتوحاً.

وبالعودة إلى الحرب، لم يتعامل زياد مع الحرب الأهلية اللبنانية بوصفها حدثاً طارئاً واستثنائياً عكر صفو الحياة وإنّما كواقع مقيم يشكّل ويصمّم الخلفية النفسية والاجتماعية لكلّ ما هو يومي ومعاش، فالحرب هنا ليست معارك على الجبهات ولا اشتباكات مسلّحة، بقدر ما هي مجموعة من الأسئلة المفتوحة عن الحياة والمستقبل.

في مسرحيته الأيقونية "بالنسبة لبكرا شو؟" (١٩٧٨) صوّر زياد الواقع اللبناني عبر مجموعة من الشخصيات التي يجمعها ملهى ليلي في شارع الحمراء، فقدّم للجمهور الواقع المعقّد للبلاد آنذاك بداية من الصراعات الطبقية والاقتصادية، وليس انتهاءاً بضبابية المستقبل واليأس من الغد.

وبالرغم من أن الحرب لم تحضر بشكل مباشر، إلا أن أسباب انفجارها حاضرة بقوّة في المسرحية، من اليأس والقلق حول الغد، إلى اللهاث وراء كسب المال لتوفير متطلبات المعيشة، إلى الرغبة بالهجرة نحو الخليج، إلى العلاقات الإنسانية الموشكة على الانهيار.

أمّا في مسرحيته "فيلم أميركي طويل" (١٩٨٠) يقرّر زياد اختبار الحرب من الداخل، فيعرض علينا وجوه الحرب من قلب مصح الأمراض النفسية، لكنها وجوه مسلّحة بالأسئلة لا بالبنادق، أسئلة تبدأ بالاستفسار عن أسباب التواجد في المصح، وتنتهي بأحاديث يومية هي بمجموعها مجاز عن بلاد تتحدّث عن نفسها.

هناك في المسرحية سبعة مرضى، ومدمنين اثنين، وجميع هؤلاء موصوفون بالجنون، فهم في النهاية شخصيات أفرزتها الحرب، لكن كل شخصية من هذه الشخصيات ترمز إلى عقلية شريحة من الشرائح المشاركة في الحرب الأهلية اللبنانية: أهل السلطة، الطبقات المتضرّرة، طبقة المفكرين والمثقفين، ويشترك جميع هؤلاء بأن محاولات علاجهم تفشل، بينما يتحوّل الوضع فيما بعد إلى حالة من العبثية تشمل الطاقم الطبّي لا المرضى فقط، كاستعارة عن انهيار المجتمع اللبناني خلال سنوات الحرب.

وعلى خلاف السرديات الكبرى التي اختزلت الحرب إلى مواجهات بين خير وشر، وضحية وجلّاد، فإن مسرحيات زياد لم تبحث في الحرب عن بطل أو خائن، بل صوّرت الضياع الجماعي والانهيار في المعنى، لتبدو الحرب شبيهة بمرض مزمن أكثر من كونها انفجاراً لحظياً، وتتجاوز الحدث السياسي لتصير نمط عيش، وخللاً في الإيقاع الداخلي للفرد والمجتمع.

وبينما تعجز اللغة الرسمية في زمن الحروب على نقل الوقائع، يقترح علينا زياد شكلاً آخر من الفهم، ويعطي للسخرية دوراً أساسياً: أداة نقد قادرة على فضح النظام الاجتماعي والسياسي، وآلية مقاومة للواقع والسلطة والخطابات المعلّبة والجاهزة.

ولا تنفصل السخرية في مسرحيات زياد عن الألم، فمثلاً نرى شخصية زكريا (زياد الرحباني) في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟" تقول لصديق: الفقر بيفزِّع يا نجيب.. بس نحن كنا فيه وما كنا شايفينو.. عايشين هيك طبيعي ما حاسين.. بس طلعنا شوي منه شفناه من بعيد.. بيفزِّعْ أكتر صار".

وفي مشهد آخر يغضب زكريا من زوجته ثريا (نبيلة زيتوني) التي صارت تجالس زبائن الملهى لكسب المال، ويتهمها بأنها واقعة في غرام سائح إسباني، فترد هي أن الإسبان يدفعون أكثر من الإنجليز، ويتحوّل النقاش إلى جدال عما إذا كان الإسبان أكثر كرماً من الإنجليز أم لا، في استعارة عن النقاشات العبثية خلال فترات الحروب، تلك التي تعنى بتقييم الأفضل بين هذا وذاك دون الالتفات لما خلفته الحرب من كوارث على الصعيد الشخصي والوطني.

بينما يقول زياد في مسرحية "فيلم أمريكي طويل" التي يلعب فيها دور مريض يدعى رشيد وهو يتحدّث مع معالجه في المصحة: "حكيم إذا في خمس لبنانية هول مش خمسة، هول واحد وواحد وواحد وواحد وواحد" في إشارة إلى تفكّك المجتمع اللبناني خلال سنوات الحرب.

إن زياد يدعو الجمهور في مسرحه إلى إطلاق ضحكة مريرة أثناء محاولة فهم الكارثة المشتركة، فالسخرية ليست زينة لغوية، أو حيلة من حيل النص، وإنّما موقف سياسي وتمرّد ناعم على منطق الحرب ومنظومة السلطة.

واللافت أن سخرية زياد لا تترك أحداً، فلا قداسة في قاموسه لزعيم أو تيار أو مثقف أو مواطن، إنها سخرية تُربك وتُزعج أحياناً لكنها تفضح الواقع وتعريه في حالة العجز عن تغييره.

وكما أسلفنا، لم يكن مسرح زياد منصة للنخب الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية، وإنما مسرحاً للعمّال، والموظفين، ومدمني القمار، والبؤساء، والمرضى، إنهم أبطال المرحلة وضحاياها ومحللوها وشهودها في آن.

ففي مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟" يسافر زكريا وثريا الزوجان الفقيران إلى بيروت لتحسين أحوالهما والعمل في حانة، فنرى زكريا يعيش صراعاً ممتداً محوره المال وكسب لقمة العيش، بينما لا تتوانى زوجته ثريا عن مجالسة الزبائن الأجانب تحت الضغوط المالية، إنهما شخصيتان واقعيتان تعانيان من ضيق العيش والانتظار القاتل لمعجزة لا تأتي.

بينما هناك في مسرحية "فيلم أميركي طويل" مجموعة من الشخصيات المختلفة التي تمثّل مكونات المجتمع اللبناني، رشيد (زياد الرحباني) الشاب المتمرد والعدائي الذي يُحمِّل الجميع مسؤولية اندلاع الحرب، وعبد الأمير (رفيق نجم) الأستاذ الذي يبحث في نظريات المؤامرة الكبرى على البلاد، وإدوارد (فهد أبو عبسي) المسيحي المتوجس من صعود تيارات الإسلام السياسي، وأبو ليلى (جوزيف صقر) الذي تدفعه الحرب للإدمان، والطاقم الطبّي كاملاً والذي سيدخل فيما بعد في النقاشات الطائفية داخل مؤسسة الطبابة الرسمية، تجتمع كل هذه الشخصيات على البؤس وقلّة الحيلة، لتصير "العصفورية" في الفيلم صورة مصغّرة عن البلاد المصابة بحالة من الجنون الجماعي. 

 وفي مسرحيته "نزل السرور" (١٩٧٤) يجمع زياد الفقراء والضحايا والعمّال ومدمني القمار في نزل (فندق) هو الآخر صورة مصغّرة عن لبنان قبل عام من اندلاع الحرب، فينقل لنا صورة المجتمع الذي يعاني من اليأس والتردّد والخنوع، ويتناول قضايا القهر الطبقي والاجتماعي عبر قصّة مجموعة من البؤساء الذين يسيطرون على الفندق ويطالبون بحقوقهم بينما تتجاهلهم السلطة.

ربّما يكون جميع هؤلاء "كومبارس" في دراما الحرب الطاحنة، لكنهم أبطال الرواية من وجهة نظر زياد الذي نسف المنظومة التقليدية للبطل المسرحي العربي، وتحوّل بالبطولة من معاني الشجاعة والكرامة إلى معاني الهشاشة واليأس والخوف والأحلام الصغيرة، فأعاد الاعتبار إلى مهمّشي المجتمع بوصفهم الأجدر بالكلام والأصدق في التعبير.

إن كل تفصيل صغير في مسرح زياد من حوار عابر في مصح، إلى نكتة مرتجلة على لسان موظف يائس، كلها تحمل دلالات على واقع معقّد، ومنقسم، وعصي الفهم والإدراك عبر الشعارات والبلاغات السياسية، ولهذا يمكن اعتبار أعمال زياد بمثابة "ذاكرة مضادة" توثّق الحرب وأسباب اندلاعها بلسان المتروكين في الظل: الخائفين، العاشقين، الفقراء، والمتعبين.

ولعل ما يميز تجربة زياد من جهة أخرى هو قدرته على تحويل الخراب الجمعي إلى مادة فنية بعيدة عن البكائيات والخطاب العقائدي، عبر قالب مسرحي مليء بالتناقضات وعبثي بالرغم من واقعيته.

واليوم، بينما صرنا في زمن متخم بالأرشيفات المُعدة والوثائق المحرّرة، تظلّ مسرحيات زياد بمثابة "أرشيف حي" ينبض بالضحك والارتباك والأسى، ويترك لنا فرصة قراءة حكايا البشر كما هي دون تنميق.

الكاتب: شام السبسبي

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع