اجتمع على الناس في غزة الفقر وهو كافر والجوع وهو كافر والخذلان وهو كافر، لكن لم يكفروا، بل ينمو لديهم الأمل بغدٍ أفضل، اليوم أصبح أهالي قطاع غزة يرددون كلمات أغنية زياد الرحباني التي سمعوها منذ سنين مضت لأنهم يعيشونها واقعاً مريراً يومياً، فقد تفاعل رحباني مع حالة من الثورة والظلم الاجتماعي في وطنه، وكان مناصراً للقضية الفلسطينية.
يستشعر اليوم الفلسطينيون غياب الرحباني الذي قال: "لا أحد سيحرر فلسطين إلا أهلها" في عمق ضجيج الحياة وألمها في غزة، حيث تتراقص أرواحنا على إيقاع اليأس والأمل، رحل السبت الموافق 26 يوليو 2025، زعيم الفن والوعي، زياد الرحباني، عن عمر يناهز 69 عاماً. رحيل يترك فراغاً مدويا في المشهد الثقافي والفني، ويجعلنا نردد بمرارة أغنيته: "أنا مش كافر بس الجوع كافر".
فقد كان صوتاً قوياً في وجه الطائفية والاستغلال والقهر، واقفاً في صف الفقراء والضعفاء، ربما شعر الفلسطينيون، وفي غزة تحديداً أن كلماته أصبحت مطابقة لواقع حياتهم بشكل كامل.
يرتبط المبدع الراحل زياد الرحباني بتاريخ طويل مع الفن الفلسطيني، فقد وزع أغنية "أحمد الزعتر" من شعر محمود درويش عام 1977 ، وكذلك "مديح الظل العالي"، وفي العام 1982 وضع الرحباني موسيقى فيلم عائد إلى حيفا عن رواية الكاتب غسان كنفاني.
زياد الرحباني لم يكن فناناً عابراً، بل كان تجسيداً حياً لمقولة ستيوارت هول: "الثقافة ليست انعكاساً بسيطاً للواقع الاجتماعي، بل هي مجال إنتاج المعنى" وهو ما ميز الرحباني، وجعل من رحيله حدثاً مختلفاً، فقد شكلت ألحانه الوعي الإنساني والوطني، ليتحول فنه من ترفٍ نخبوي إلى صوت للمواطن، وصوت لكل شارع عربي يحكي عن قبح الواقع ومرارته.
ترك الرحباني إرثاً فنياً متكاملاً، مزج بين عمق المسرح وقوة الألحان ليغادر العالم جسداً وتبقى ألحانه وشخصياته حية على خشبة المسرح، بحكايات تقدم نقدا ساخرا لاذعاً. ففي كل فصل من مسرحياته جسد الواقع الثقافي وأبرز جرأته الفنية التي تخطت حدود لبنان إلى كل بيت في الوطن العربي. خشبة المسرح التي تقدم أعمال الرحباني كانت عنوانا للحديث عن أزمات المجتمع وهموم الإنسان العربي في كل مكان لتصفع الواقع وتوقظ الوعي.
فكل فصل من مسرحياته كان تجسيداً لواقع ثقافي أبرز جرأته الفنية ففي مسرحية" بالنسبة لبكرا شو؟" جعل الجمهور يضحك ويبكي في آن واحد، ليعكس بصدق معاناة وأحلام البسطاء ويأسهم من المستقبل المجهول، لتتحول المسرحية عام 2017 إلى فيلم سينمائي، شاهدها الملايين، وكأنها تعرض لأول مرة.
لقد كانت كل مسرحية يقدمها زياد الرحباني أشبه بصفعةٍ على وجه الوجدان الجمعي، تدفع المتفرج إلى التفكير، وإلى التمرد على السائد، لتُرسّخ مكانته كواحد من أبرز فرسان الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي الجريء ليقدم أعمالاً ستبقى خالدة في الذاكرة العربية.
كما ناقش الرحباني في مسرحية "فيلم أمريكي طويل" قضايا الهوية والانتماء، الواقع والوهم، الجنون والعقل، ليقدم تأملاً نقدياً للحرب وتأثيرها على النفس البشرية وأثرها على مفهوم الهوية. أما "شي فاشل"فشكلت صرخة فنية تعكس غياب الأمل ومحاولات التعايش مع اليأس المحيط في فترة الحرب الأهلية.
ولم ينس الرحباني أن يناقش التصالح الوطني والجروح التي خلفتها الحرب والبحث عن الكرامة المفقودة بطريقة عميقة في ظل واقع سياسي واجتماعي معقد في مسرحية "بخصوص الكرامة والشعب العنيد."
كما عكست مسرحية "لولا فسحة الأمل" نظرة الرحباني المتشائمة للواقع اللبناني بشكل خاص، والعربي بشكل عام بعد الحرب، في فترة ما بعد الحرب الأهلية. المسرحية تستعرض حياة شخصيات تعيش حالة من اليأس والإحباط، وكأن لا بصيص أمل يلوح في الأفق. تعمقت في تحليل النفس البشرية التي تئن تحت وطأة الظروف القاسية، وغياب أي أفق للتغيير الإيجابي. وتثير التساؤلات حول معنى الاستمرارية كما حال أهالي قطاع غزة بعد مرور أكثر من عام لحرب الإبادة .
أما ألحانه فلم تكن مجرد ألحان عابرة، بل بناءً فنياً متكاملاً، وحواراً ثقافياً وحضارياً، كانت موسيقى الرحباني إبداعية متجددة، منحها روحاً تتجاوز الحدود، لتصبح "موسيقى زياد الرحباني" نوعاً قائماً بذاته، لم يقلد بل فكك القوالب الجامدة للموسيقى، ومزج بين المقامات الشرقية الأصيلة وأنغام الجاز، ليخلق حواراً مميزاً بين ثقافة الشرق والغرب. فمن يستمع إلى " أنا مش كافر" يسمع صرخة مدوية أمام حالة الإحباط واليأس من الواقع السياسي. يقدم فيها رسالة تشير إلى الواقع القاسي الذي يحاصر الإنسان ، وتشكل دعوة للتفكير في ماهية الكفر الحقيقي: هل هو في المعتقد، أم في الظروف التي تدفع بالإنسان إلى حافة الهاوية؟
شكلت موسيقى الرحباني في ألبوم "أنا مش كافر" صوتا للألم والتمرد والسخرية من الوضع القائم على الظلم والفوضى، والفساد. رسائل ضمنية عديدة لذلك مازلنا نرددها حتى اليوم، ونستخدمها للتعبير عن الغضب والإحباط من الواقع المرير الذي نعيشه في قطاع غزة ، مما يؤكد أن الرحباني لم يكن مجرد فنان، بل كان قائداً للمقاومة الثقافية، وأكد في أعماله أن الثقافة ليست انعكاسا فقط وليست مجرد قيم أو فنون بل هي موقع لصراع المعاني ومكان تتبلور فيه علاقة الهيمنة والمقاومة.
لقد كانت ألحانه مرآةً للتحولات الاجتماعية والسياسية في لبنان والوطن العربي، فلم تكن مجرد نوتات موسيقية جميلة متناغمة، بل كانت تتضمن رسائل صادقة، أحياناً ساخرة وأحيانًا حزينة. مزجت موسيقى الرحباني بين الكوميديا والتراجيديا، بين الأمل واليأس، تمامًا كما هي حياتنا الآن.
فقد كتب ولحن أغنية "صمدوا وغلبوا" وأهداها لأهل جنوب لبنان وغزة، ورسم فيها لوحة فنية موسيقية تتحدث كيف أنهم حفظوا العدوان جماعة البسطاء والذين لولاهم لما بقي الوطن وأولادهم ماتوا ليبقى لنا أولاد بينما هرب تجار المال.
رحيله اليوم يرسخ ألحانه وأعماله الفنية كجزء أصيل من التراث الموسيقي العربي المعاصر، فهي ليست مجرد مقاطع صوتية، بل هي فصول من تاريخ فني وثقافي، لفنان آمن بقوة الموسيقى في التغيير، فلحن سيمفونيات باقية لا تموت.
