تقدّمٌ بلا حكمة جسدٌ بلا روح؛ يتحرّك ويحيا، لكن بلا معنى.
في زمنٍ تتسارع فيه التقنية، وتتكدّس فيه الإنجازات، يغيب السؤال الأهم: إلى أين نمضي؟
لقد أصبح الإنسان معاصرًا لكلّ شيء إلا لروحه، وأضحى العالم متقدّمًا في كل شيء إلا في الحكمة.
فما قيمة الحركة إن كانت بلا وِجهة؟ وما معنى الحياة إن كانت بلا روح تقودها؟
إن الحكمة ليست زينة التقدّم، بل هي جوهره، وبدونها… يتحوّل كلّ ما نحياه إلى مجرّد ضجيجٍ بلا رسالة.
العالَم اليوم لا يفتقر إلى السرعة، بل إلى البوصلة.
نبني، نخترع، نغزو الفضاء، ونُبرمج الذكاء... لكننا نعجز عن تهذيب الغضب، عن فهم الألم، عن وقف القتل، عن الاعتراف بالآخر.
كلّما ازداد التقدّم المادي، تراجعت القيم التي تمنح الإنسان إنسانيته.
وهكذا نصل إلى مفارقة مرعبة: أن نملك كل وسائل الحياة، لكن نفتقد المعنى الذي يجعلها جديرة بأن تُعاش.
نحن لا نحتاج إلى المزيد من التقدّم.
نحن نحتاج إلى حكمة تُعيد لهذا التقدّم قلبًا، وضميرًا، ومعنى.
فالجسد وحده لا يصنع إنسانًا، كما أن التقدّم وحده لا يصنع حضارة.
الروح هي التي تُنضج، تُهذّب، وتُعلّمنا كيف نمشي، لا فقط إلى الأمام... بل نحو الأفضل.
لكن هذا ليس مجرّد رثاءٍ فلسفي. إنّ هذا الجسد الذي يتحرّك بلا روح، وهذه البوصلة التي ضاعت، لها اليوم مسرحٌ تتجلّى فيه المأساة بكل صدقها… مسرحٌ اسمه غزة.
هناك، يتوقف الكلام وتتكلم الأشياء.
هناك، لا يُقاس التقدّم بمدى ارتفاع مبانينا، بل بعمق الحفر التي تخلفها قنابلنا الذكية.
هناك، يتحوّل "الذكاء الاصطناعي" إلى غباءٍ أخلاقي حين يرسم أهدافًا على أجساد الأطفال، وتتحوّل "وسائل الاتصال" إلى أدوات لنقل أخبار الموت على الهواء مباشرة.
التقدّم الذي بلا حكمة لا يرى في غزة بشرًا، بل يراها "مشكلة أمنية".
لا يسمع بكاء الأمهات، بل يسمعه "ضجيجًا في الخلفية".
يرى في البيوت التي دُفنت على أهلها "أضرارًا جانبية"، وفي الأرواح التي أُزهقت "أرقامًا في تقرير".
لقد أعطانا هذا التقدّم القدرة على تدمير حيٍّ كامل بضغطة زر، لكنه جرّدنا حتى من القدرة على الإحساس بوخزة ضمير.
غزة ليست فشلًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب؛ إنها إفلاس حضاري.
إنها الدليل على أننا بلغنا قمّة التقنية، فقط لنسقط في أعمق هاوية أخلاقية.
وها هي غزة اليوم، لا تسألنا عن أقمارنا الصناعية، ولا عن سرعة إنترنتنا.
لا تطلب طائراتنا ولا دباباتنا.
إنها تقف وسط ركام العالم المتقدّم، وتُلقي في وجوهنا السؤال الوحيد الذي يهمّ: سؤال الحكمة.
"أين أنتم من إنسانيتكم؟"
وهذا هو السؤال الذي إن لم نجب عليه، فكلّ ما بنيناه ونبنيه سيبقى مجرد نصبٍ تذكاريٍ فاخر…
على قبر حضارةٍ فقدت روحها.
