فلسطين في تاريخ الأدب التركي: من القداسة إلى القضية

Levnî, “Tradesmen Procession: Millers and Bakers”, (Detail), Sûrnâme-i Vehbi, apro. 1728, TSM Topkapı Palace Museum Library Collection

جنى حسن ورافاييل لايساندر

كاتبة فلسطينية وكاتب سوري

لا يعمل التمثيل الفلسطيني في الأدب التركي كشكل من أشكال الترجمة الثقافية؛ أي محاولة جعل التجربة الفلسطينية مفهومة للجمهور التركي، بقدر ما يعمل كشكل من أشكال التأمل التاريخي، وفرصة للتفكير في الروابط بين مختلف تجارب النزوح والصدمات والمقاومة.

للكاتب/ة

النتيجة هي أرشيف أدبي يعامل المعاناة الفلسطينية باعتبارها حالة خاصة لا يمكن اختزالها وأهمية عالمية، ومحددة تاريخيا ومرتبطة بالأساطير - وهو ما قد يكون أقرب ما يمكن لأي أدب أن يصل إليه لتحقيق العدالة للتجارب التي تتجاوز القدرة الطبيعية للغة لتمثيلها.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

04/10/2025

تصوير: اسماء الغول

جنى حسن ورافاييل لايساندر

كاتبة فلسطينية وكاتب سوري

جنى حسن ورافاييل لايساندر

رافاييل لايساندر: كاتب من سوريا مهتم بالفلسفة والفنون. جنى حسن: صحفية وكاتبة فلسطينية

تحوم الكتابة حول مشاغلها وما يحمل كل كاتب/ة على الكتابة، بين الحيز الذي يسعى لملأه وذلك الذي يريد إزاحته أصلاً.تشغل فلسطين وغزة- تحديدًا -اليوم العالم كله، أراقب منذ فترة المواد الصحفية والأعمال الأدبية التي كُتبت عن الحرب، تبدو نصوصًا لاهثة مسرعة تسعى لتغليف الخبر في هذا السياق أو ذاك درجة أنها صارت ساخطة من نفاذ القول على (القول) والفعل ككتابة وفعل تحرري.

بدأتُ وصديقي تتبع الكتابة حول فلسطين في اللغة التركية، ليس ولعنا باللغة هو السبب الوحيد، بل اللغة نفسها التي أصفها دائمًا "بالخياطة" ينساب النص بما يلزمه من أفكار وشخصيات دون أن يؤذي عملية الكتابة نفسها، وحول فلسطين بالذات لأن الكتابة ارتبطت بفلسطين لسنوات طويلة-وما تزال- تبعًا لما تحمله من قيمة دينية وتاريخية عميقة.حمل الأتراك على الكتابة عن فلسطين

ليس من منطلق تقديس لغوي - مع أهمية خصائص اللغة - بل لأن تفاعل الأدب التركي مع فلسطين يُقدم دراسة حالة في كيفية تعامل الكُتّاب مع هذا التقاطع الخطير بين التعاطف والإسقاط. فاللغة التركية، ببنيتها التراكمية، تبني المعنى من خلال التراكم وليس الاستبدال، مما يُتيح إمكانيات لبناء علاقات إضافية لا استيلائية. فاللغة لا تكتفي بالوصف؛ بل تتراكم وتُكوّن طبقات وتبني علاقات بين المفاهيم بطرق تعكس نوع العمل التضامني الذي يتطلبه الأدب الفلسطيني الفعّال.

تصبح هذه الخصوصية اللغوية حاسمة عندما ندرك أن الكتابة عن فلسطين ارتبطت لعقود بالتضامن الحقيقي وأشكال مختلفة من الاستعمار الأدبي. يكمن التحدي الذي يواجه الكُتّاب الأتراك - بل وجميع الكُتّاب الذين يتعاملون مع التجربة الفلسطينية من مواقع امتياز نسبي - في تطوير ما يُمكن أن نُسميه "التعاطف المسؤول": وهو شكل من أشكال التفاعل الخيالي الذي يُقرّ بحدوده ويُركّز على الأصوات الفلسطينية بدلاً من إزاحتها.

فلسطين في الشعر التركي 

بدايةً تناول الأدب التركي فلسطين تبعًا للقيمة الدينية وتغنيًا بالإسراء والمعراج، وجعل منها مهمة أكثر هو دخول السلطان سليم الأول لها عام ١٥١٦، اختصت تلك الفترة بما عرف بال "معراجيات"، وكذلك تتابع الحديث عنها في أدب الرحلات التي كانت تركز كذلك على الشكل الهندسي والزخارف لقبة الصخرة ومسجد الاقصى.كتب سزائي كاراكوتش عن حادثة إحراق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩ قصيدة بعنوان "ساعة القدر". عندما يكتب كاراكوتش عن شمعدانات دمشق وقبر سليمان، وعن الجنّ المتحول إلى بشرٍ والوحوش ذات العيون المنطفئة، فإنه لا يكتفي بنشر صورٍ إسلامية، بل يسعى إلى خلق إطارٍ أسطوريٍّ مناسبٍ للرعب السياسي المعاصر.

مدينة القدس، هي تلك المدينة التي بُنيت في السماء وأُنزلت إلى الأرض

مدينة الربّ ومدينة الإنسانية جمعاء

المدينة التي تُخفي الحمم تحتها

تُجسّد هذه الأبيات استراتيجية رومانسية كلاسيكية: تُعمّم الخاص وتُخصّص الكوني. تصبح القدس أبدية ("مبنية في السماء") ودنيوية ("مُنزّلة إلى الأرض") في آنٍ واحد، إلهية وإنسانية، مسالمة وثائرة. لكن استعارة الحمم البركانية المخفية مثيرة للاهتمام كونها تُوحي بأن استقرار القدس الظاهري يُخفي عنفًا كامنًا، وأن المدينة ليست مجرد رمز للسلام، بل رمز لدمارٍ بالكاد يُحتوى. وهو، بالنظر إلى التاريخ، إما نبوئي أو واقعي ببساطة.

ماذا تقول القدسُ لي الآن؟ 

ألم تعدني بشمعدان دمشق

كنتَ ستضعه على قبر النبي سليمان

مصباحاً ينير الارواح، ويحوّل العفريت إلى إنسان

سوف يطفئ عيني الوحش".

يأتي سزائي على ذكر القدس ودمشق معًا في قصيدته هذه، وهو في حياته بقي ملتزمًا بالفكر الإسلامي والنهضة وربطته طويلاً أفكار دينية وعربية بالكتابة عن القدس والعلاقة العربية التركية، لا يأتي على ذكر السياقات الدينية والفلسطينية معًا سزائي فقط، في قصيدة للشاعر رضوان جانم "القدس الآن كربلاء"

انظروا، فلسطين الآن كربلاء.

 رام الله وغزة والقدس أصبحت كلها كربلاء. 

كربلاء الآن الأردن ولبنان. 

العراق، تلك كربلاء الأبدية. 

أفغانستان، الشيشان، كربلاء. البوسنة، كوسوفو، 

آه كربلاء هي كربلاء. 

قلوبنا جغرافيتنا بأكملها كربلاء. 

أشهرنا دائمًا محرّم. 

قلوبنا كربلاء.

وفي قصيدة أخرى يقول :

يُطلقون الرصاص من اثنتين وسبعين ناحية، ولا تسقطي

اثنتان وسبعون وردة تتفتّح في جسدكِ، واثنان وسبعون قلباً ينفجر من الخوف

 كيف أصبحتْ عيناكِ كربلاء فجأةً؟

كيف يشبه قلبكِ فلسطينَ، كيف؟".

نفهم هنا أن الكتابة عن فلسطين باستخدام الرموز الدينية، هو أكثر من مجرد ذكر رمز ديني، سنيًا أو شيعيًا، بل هوية جمعية تقوم على الألم كتاريخ مشترك بين الشعوب، ورغبة جامحة بالتحرر، ليست لغة تجريد من الذنب الذي يلاحق الانسان، في النكبات أو تفريغ للحزن، الذي لا شك بأنه عميق لدى أغلبنا اليوم، لكن إيقاعه لا يعلو على ما نحاول أن نحكيه، كما يستحق (ونستحق) أن يُروى.

يقول الشاعر التركي نوري باكديل "بدون حبّ القدس، لا يمكن للمرء أن يعبر من بوابة الإنسانيةويتطابق المعنى مع غسان كنفاني حين يقول: "الالتزام بالإنسانية هو جوهر الالتزام بالقضية الفلسطينية، وهذا ما تحمله كل الثورات الأصيلة"، الشاعر الذي حمل لقب "شاعر القدس" وفي رائعته "الأمهات والقدس" يسرد ماذا تعني القدس له، وفي معناها الكبير كرمز للشعب الذي آثر البقاء والصمود ماذا تعني؟ وداخلنا ماهي ؟

عِشْ على جبل الطور لتعرف أين القدس 

أحمل القدس كساعة يد 

سيضيع الوقت هباء إن لم تضبطه على القدس

 ستتجمد 

ستفقد بصرك

 تعالي وكوني أمًا

 لأن الأم تصنع من الطفل قدسًا 

عندما يصبح الرجل أبًا 

يحيي القدس في داخله

امشِ يا أخي لتأتِ قوة القدس.

يكمن التحدي في الكتابة عن فلسطين بطرقٍ تُكرّم خصوصية التجربة الفلسطينية وعالمية المعاناة الإنسانية، دون دمج أحدهما في الآخر أو استخدام أحدهما لتبرير الآخر. لعلّ أصدق ما يمكن قوله هو أن كل ما كُتب عن فلسطين - بما في ذلك هذا التحليل - لا يفي بموضوعه، وأن هذا القصور ليس فشلاً، بل هو إدراكٌ لحدود اللغة في مواجهة الظلم المستمر. إن نجاح الشعراء الأتراك الذين نتناولهم هنا لا يكمن في حلّهم لهذه المشاكل، بل في إبرازها، والظهور أحيانًا هو الخطوة الأولى نحو العدالة، حتى عندما - وخاصةً عندما - لا نكون متأكدين مما ينبغي أن تكون عليه الخطوة التالية.

وفي الرواية

إن ما يُثير الاهتمام بتمثيل فلسطين في الأدب التركي - وهو أمرٌ يُطمس في معظم النقاشات النقدية، ربما لجلاءه أو لتعقيده، أنه يعمل وفق مجال جاذبية مختلف تمامًا عن الإطار الاستشراقي الغربي المُعتاد. أي أن الكُتّاب الأتراك لا ينظرون إلى فلسطين بقدر ما ينظرون من خلالها، مُستخدمينها كنوع من العدسة التاريخية والروحية التي يمحصون من خلالها ثقافتهم، وعلاقتهم بالفقدان والنزوح، وذلك النوع الخاص من الكآبة الحضارية الذي يبدو مُتأصلًا في المخيلة الأدبية التركية.

توظف رواية "أصوات الموز" لإيجي تيميلكوران الصادرة عام ٢٠٠٩، ما يمكن أن نسميه وعيًا جغرافيًا ثلاثيًا: بيروت، أكسفورد، إسطنبول. لكن هذه ليست مجرد مواقع؛ إنها عقد في شبكة ذاكرة تاريخية ترفض الثبات، وتستمر في النزيف عبر الحدود الزمانية والمكانية بطرق تجعل بنية السرد التقليدية تبدو فقط غير كافية، بل وتكاد تكون فاحشة.

تطوع الرواية ذكريات الماضي والرسائل لاستخراج تجارب المهاجرين في مخيم شاتيلا خلال الهجمات الإسرائيلية عام ١٩٨٢، وتحمل شخصيات عالم تيملكوران جروحًا عميقة يتدفق منها "غبار الزمن" "كالسخام"، وهناك هذا النمط المتكرر من الناس الذين يتظاهرون بالنسيان بينما يتذكرون كل شيء، والذي يعمل كآلية تكيف فردية واستراتيجية تاريخية جماعية في آن واحد. بمعنى آخر، يصبح الجرح بمثابة أرشيف. ما يلفت الانتباه بشكل خاص، هو نقد تيميلكوران للامبالاة العامة اللبنانية تجاه الهجمات الإسرائيلية على غزة. وتشير إلى أن مثل هذه الأحداث الكارثية "نادرًا ما تُناقش" في الخطاب العام، وتحظى باهتمام أقل من نتائج كرة القدم، التي "قد تكون كافية لإثارة المشاعر العامة". هذا ليس استعلاءً استشراقيًا حيث يُبدي المثقف الغربي استياءه من اللاعقلانية الشرق أوسطية، وإنما إحباطٌ من تطبيع الفظائع وكيف تصبح الصدمة مُتفشّية لدرجة عدم ملاحظتها.

يبدو تناول الرواية للانقسامات الطائفية والسياسية كالأشرفية المسيحية مقابل الضاحية التي يسيطر عليها حزب الله، وفصائل 14 آذار مقابل 8 آذار السياسية، أشبه برسم خرائط حضرية للصراع، حيث تُمثّل حدود كل حيّ شقًا تاريخيًا آخر، موقعًا آخر تُمزّق فيه الهوية الشخصية على يد قوى خارجة عن سيطرة الفرد. تستكشف شخصيات مثل فاطمة/رولا هويتها الدينية عبر خيارات تبدو عادية - ارتداء الحجاب أو خلعه - تحمل في طياتها كامل ثقل السياسة التنظيمية والإرادة الشخصية. أي أن حتى أكثر أفعال تقديم الذات حميميةً تصبح أشكالاً من الخطاب السياسي.

وهنا تبرز أهمية الأمر، أو على الأقل تعقيده: فرغم سلسلة الصدمات التاريخية المتواصلة من حرب بيروت الأهلية عام ١٩٧٥، إلى حصار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ١٩٨٥-١٩٨٦، والهجوم الإسرائيلي على شاتيلا تحديداً في ١٧ يوليو ١٩٨١، إلا أن شخصيات مثل سيتانيك ووسام تمكنت من إيجاد "لحظات من الفكاهة والحميمية"، حتى أنها مازحت حول تشكيل وحدة "مهرج مقاومة" لحزب الله. هذا ليس فكاهة سوداء تماماً، وإن كان ينسجم مع هذا التقليد؛ بل هو أقرب إلى شكل من أشكال التحدي الوجودي، ورفض أن تُحسم الكارثة أمرها في معنى أن تكون إنساناً. يُعطي أسلوب السرد الذي تسميه تيميلكوران "ذاتي المرجعية"، مما يوحي بأن قصتها عن بيروت تختلف اختلافًا جوهريًا عما قد يكتبه الصحفي العادي، الأولوية للتجربة المعاشة على ما تسميه "الأعراف الأدبية التقليدية". هذا ليس مناهضًا للفكر، بل هو نوع من الثورة المعرفية: الادعاء بأن بعض أشكال المعرفة لا يمكن نقلها إلا من خلال كثافة التجربة الفعلية وتناقضها، وليس من خلال التجريدات المُنقّحة للصحافة المهنية أو التحليل الأكاديمي.

تختتم الرواية بما تسميه تيميلكوران "الطبيعة الدورية للصراع" - استمرار القنابل وصفارات الإنذار، مما يوحي بـ"دورة لا نهاية لها من المعاناة". لكن هذا ليس قدرية تمامًا؛ بل هو أقرب إلى إدراك أن بعض الجروح التاريخية لا تلتئم بقدر ما تندمج في نسيج الحياة اليومية المستمر. رغبة الشخصيات في "الضياع" تُمثّل "هروبًا من واقع الصراع"، لكنه هروب يُقرّ باستحالة تحقيقه، إذ لا سبيل للخروج من دوامة الصراع.

ما يُبرزه "موز شيشلري" إذًا ليس تمثيلًا لفلسطين بحد ذاتها، بل هو تأمل في كيفية تداخل معاناة الفلسطينيين مع النسيج الأوسع للتجربة الشرق أوسطية - كيف تصبح خاصة وعالمية في آنٍ واحد، تاريخية ومرتبطة بالأساطير. هذه مساهمة الأدب التركي في تمثيل الفلسطينيين من خلال الإدراك الداخلي للظروف التاريخية المشتركة عوضًا عن النظرة الخارجية للمراقب المتعاطف.

إن البنية الزمنية للتفاعل الأدبي التركي مع فلسطين - وهنا تكمن الغرابة الحقيقية، بمعنى أن التقدم التاريخي الخطي يبدو مبدأً تنظيميًا غير كافٍ - تعمل وفق منطق أثري بدلًا من التسلسل الزمني. أي أن كل طبقة تاريخية تحتوي على كل طبقة أخرى، وتحتضنها، بحيث تتواجد ذاكرة الإمبراطورية العثمانية، وصدمة لاجئي الحرب العالمية الثانية، والمنفى السياسي المعاصر، جميعها في آنٍ واحد في نفس الفضاء النصي، مما يخلق هذه المخطوطات الزمنية الغريبة، حيث ينهار الماضي والحاضر في بعضهما البعض بطرق تبدو مربكة وحتمية بشكل غريب.

لو نظرنا في رواية شوكت ثريا أيدمير "سويو أريان آدم" (الرجل الباحث عن الماء)، الصادرة عام ١٩٧١، والتي تتناول تجارب تمتد إلى أوائل القرن العشرين. نجدا بدأ من العنوان نفسه تجسيدًا لما يُطلق عليه المؤلف صراحةً "استعارة للسعي الدؤوب وراء المعنى والهدف"، ولكنه أيضًا أكثر واقعيةً وإلحاحًا: الحاجة الإنسانية الأساسية للعيش في بيئة استُنزفت مواردها بشكل منهجي بفعل كارثة تاريخية. يبدأ سرد آيدمير بـ"ذكرياته الأولى، حريق في أدرنة"، التي "ترمز إلى الصراعات الأوسع التي تجتاح المنطقة"، ونحن نتعامل بالفعل مع هذا الانضغاط الزمني الغريب حيث يُرسم التطور النفسي الفردي مباشرةً على الانهيار الحضاري.

يُوثّق الكتاب ما يُشبه سلسلة من التحولات الأيديولوجية - طفولةٌ شكلها "قطاع الطرق والكوميتاتشي"، وتعليمٌ يُؤكد أن "أعظم الأمم كانت مُولعةً بالحرب ومُقدّر لها غزو العالم"، وخدمة عسكرية على جبهة القوقاز خلال الحرب العالمية الأولى، وانخراطه في الحركة الطورانية، وخيبة أمله في نهاية المطاف من المشروع الإمبراطوري بأكمله. لكن الأهم هنا هو كيفية انخراط فلسطين في هذا المسار: ليس ككيان جغرافي منفصل له منطقه الداخلي الخاص، بل كعنصر مما يسميه أيدمير "الأراضي العثمانية الشاسعة، والتي تواجه تحديات متزايدة". فلسطين، سوريا، سينا - هذه "جبهات قتال ضد قوى مختلفة"، مواقع "واجه فيها جنود الأناضول صعوبات جمة" في خدمة إمبراطورية صارت بحلول الوقت الذي كتب فيه أيدمير عنها أثرًا تاريخيًا.

يُقدّم المنظور العثماني من خلال وعي أيدمير فلسطين كجزء من "مشهد جيوسياسي أوسع وأكثر تنافسًا، يمتد من اليمن إلى القوقاز". هذا ليس الاهتمام المُركّز والدقيق إثنوغرافيًا الذي يُميّز معظم الكتابات الغربية عن المنطقة؛ بل هو أشبه بالمنظور من خريطة عسكرية، حيث تُعدّ الأراضي الفردية ذات أهمية أساسية فيما يتعلق بالمخاوف الاستراتيجية الأوسع. وهناك شيء إمبريالي وحزين في هذا المنظور ــ الشعور بأن هذه المقاطعات البعيدة كانت ضائعة بالفعل منذ الأزل، وأن "البؤس الذي لا يصدق في الأناضول والافتقار إلى البنية الأساسية الأساسية" جعل من المستحيل الحفاظ على السيطرة على مثل هذه الأراضي البعيدة.

تظهر هنا وجهة النظر "الامبراطورية" لتعامل صنف من الأدب التركي مع فلسطين: تجربة بطل الرواية المباشرة مع الحرب وتراجع الإمبراطورية في هذه المناطق تُفضي إلى خيبة أمل" ليس فقط تجاه الطموحات الإمبراطورية التركية، بل تجاه الإطار المفاهيمي الذي نظّم حياته المبكرة. "الرؤية المثالية لـ"طوران الكبرى" والتوسع الإمبراطوري" تتبدد منهجيًا عند ملامسته لما يسميه "التكلفة البشرية الباهظة، حيث تُستهلك الملايين في هذه الصراعات". هذا ليس مجرد تثقيف سياسي؛ إنه نوع من المحاسبة الوجودية للفجوة بين التجريد الأيديولوجي والواقع المعاش.

وهذا ما يقودنا إلى الحالة الغريبة لـ"سيريناد" لزولفو ليفانيلي، حيث تُمثّل فلسطين نقيضًا لما تُمثّله في عمل أيدمير: ليست موقعًا للخسارة الإمبراطورية، بل "وجهة حاسمة ورمز أمل للاجئين اليهود الفارين من الاضطهاد النازي". تدور أحداث الرواية حول مايا دوران، وهي أم عزباء وأستاذة جامعية تواجه صعوبات مالية، وتربي ابنها كيرم، المنغمس في حاسوبه باستمرار، وتعاني من شعور بالوحدة والتباعد العاطفي عن الآخرين. نحن الآن في سياق زمني مختلف - إسطنبول المعاصرة بدلًا من الإمبراطورية العثمانية المنهارة - لكن البنية الأساسية متشابهة: أزمة نفسية فردية تُرسم على صدمات تاريخية بطرق تجعل المعاناة الشخصية والسياسية تبدو وكأنها تعبيرات مختلفة عن نفس الحالة الأساسية.

لقاء مايا مع البروفيسور ماكسيميليان فاغنر - "أستاذ ألماني مسن وأنيق وغامض" فر من ألمانيا النازية ولجأ إلى تركيا خلال الحرب العالمية الثانية" - يجذبها إلى ما يسميه ليفانيلي "لغزًا تاريخيًا معقدًا". إلا أن اللغز هنا لا يتعلق بما حدث (مأساة ستروما) بقدر ما يتعلق بكيفية انتقال الصدمة التاريخية عبر الأجيال، وكيف يصبح "الحب العميق لامرأة يهودية تُدعى نادية" المبدأ المنظم الذي تُبنى حوله الذاكرة والهوية. تُعتبر "سيريناد نادية" بمثابة قطعة أثرية مؤلمة - "شهادة على الحب ورمزًا للصدمة المشتركة والصمود" التي "تُركت في إسطنبول، وربما حُفظت في الأرشيفات النازية في ألمانيا". يُصبح سعي مايا للعثور على هذه النوتة الموسيقية "مقاومةً لشرور العالم". وحقيقة أن "سيريناد" ربما "حُفظت في الأرشيفات النازية" تُنشئ هذه الحلقة الزمنية الغريبة، حيث يتطلب البحث المعاصر عن المعنى مواجهةً مباشرة مع الجهاز البيروقراطي للإبادة الجماعية.

معالجة ليفانيلي لمأساة ستروما - "حدثٌ واقعيٌّ حيث غرقت سفينةٌ تحمل لاجئين يهودًا من رومانيا إلى فلسطين عام ١٩٤٢ في البحر الأسود، مما أسفر عن مقتل المئات" - تُؤطرها صراحةً على أنها "جريمةٌ مشتركةٌ بين عدة دول، بما في ذلك إنجلترا وروسيا وتركيا وألمانيا ورومانيا". هذا ليس التهرب القومي المعتاد من المسؤولية التاريخية؛ وإنما أمر أقرب إلى محاولة للتفكير في الإبادة الجماعية كظاهرة منهجية. وتؤدي "الروح الفوضوية" للرواية إلى "نقد ضمني لـ"الدول" كمصدر "للحدود المصطنعة" و"المعاناة"، مما يضع معاناة الفلسطينيين ضمن نقد أوسع لنظام الدولة القومية بحد ذاته.

اللافت للنظر في رواية "سيريناد" هو كيفية تناولها لمسألة إخفاء الهوية: نادية "وُلدت يهودية، واتخذت الاسم المسيحي ديبورا لتنجو من الاضطهاد النازي"، بينما تكتشف مايا أن "اسمها الأصلي، مايا، هو اسم جدتها الحقيقي، والذي أُخفي لأسباب تاريخية". هذا يُنشئ نوعًا من سلسلة نسب للهوية الخفية، حيث ترتبط تجربة اللاجئين الفلسطينيين بأنماط أوسع من البقاء من خلال المحو الذاتي الاستراتيجي. يُشير تركيز الرواية على "هشاشة الهوية والأثر المدمر للتحيز" إلى أن نزوح الفلسطينيين جزء من قصة أوسع من القرن العشرين، حول كيف تُجبر الكارثة السياسية الناس على أن يصبحوا مختلفين عن أنفسهم من أجل البقاء.

يُوازي تحول مايا طوال الرواية - من "شخصية قاسية" و"شابة مُسيطرة بشكل مُفرط" إلى "شخصية أكثر سلامًا، وأكثر حنانًا، وأكثر تفهمًا" - فهمها المُتنامي لكيفية انتقال الصدمات التاريخية عبر الأجيال. يُمثل إهداؤها الأخير لترجمتها لكتاب "محاكاة" إلى ماكس وناديا، معبرةً عن أملها في أن "يجدا السلام في قبورهما البحرية"، نوعًا من النصب التذكاري الأدبي الذي يُقر باستحالة استعادة التاريخ بالكامل مع الإصرار على الضرورة الأخلاقية للشهادة.

يُظهر التناقض بين المنظور العسكري العثماني لآيدمير وتركيز ليفانيلي الإنساني المعاصر التعقيد الزمني للتفاعل الأدبي التركي مع فلسطين: فالمساحة الجغرافية نفسها تؤدي في الوقت نفسه دور موقع الخسارة الإمبراطورية والكارثة الإنسانية، كأرض استراتيجية ووجهة رمزية، كذاكرة تاريخية واهتمام سياسي معاصر. بعبارة أخرى، تُرشح معاناة الفلسطينيين عبر طبقات متعددة من التجربة التاريخية التركية بطرق تجعل من المستحيل فصل الصدمة الفلسطينية عن الصدمة التركية، وتجربة اللاجئين عن الانهيار الإمبراطوري، والتضامن السياسي المعاصر عن الشعور بالذنب التاريخي.

إن مسألة اختلاف تمثيل فلسطين في الأدب التركي عن أطر الاستشراق الغربي، أو ربما تجاوزه، هي الكلمة الأدق، تتلخص في النهاية فيما يمكن أن نسميه الفرق بين الفضول الإثنوغرافي والإدراك الوجودي. أي أنه بينما يميل الاستشراق إلى مقاربة "الشرق" كمشكلة تحتاج إلى حل، أو لغز يجب سبر أغواره، أو مشهد غريب يجب استيعابه، يتعامل الأدب التركي مع فلسطين باعتبارها ما يمكن أن نسميه نصًا مرآويًا، أي موقعًا يمكن للكتاب الأتراك من خلاله دراسة محنتهم التاريخية من خلال عدسة المعاناة الفلسطينية المنفصلة. ويتضح هذا جليًا عند النظر إلى البنية الرمزية الأوسع التي تبنيها الروايات التركية حول التجربة الفلسطينية. ففي الأدب التركي الكلاسيكي، تظهر القدس (القدس) بشكل رئيسي من خلال عدسة "القداسة والفضائل والجمال"، وخاصةً فيما يتعلق بـ"معجزة المعراج" (رحلة الإسراء والمعراج للنبي محمد). هذه ليست الروحانية المُثيرة التي تُميّز الكثير من كتابات الاستشراق الغربي - خيال لورنس العرب عن تصوف الصحراء - بل هي بالأحرى شكل من أشكال التبجيل الديني الذي يضع القدس في سياق الهوية الإسلامية التركية، لا في سياقها الغريب.

ولكن في فترة ما بعد خمسينيات القرن الماضي، أصبح التمثيل الفلسطيني معقدًا بحق، أو على الأقل بدأ يعمل وفقًا لما يُمكن أن نسميه منطق "قضية فلسطين". لننظر إلى كتاب نوري باكديل "الأمهات والقدس"، الذي يُنشئ هذا الربط المفاهيمي القوي بين "صورة الأمهات" والقدس، رمزًا إلى "الأمل والصمود في وجه الهزيمة والعار". تنجح هذه الاستعارة لأن الأمهات والقدس كلتيهما مصدران للرزق غير المشروط في عالمٍ تدور أحداثه حول الهجر والخيانة. وهناك هذه الصيغة الاستثنائية حيث يُوصف فعل "العيش" نفسه مجازيًا بأنه "انتفاضة" ضد الموت - مما يُحوّل المقاومة السياسية الفلسطينية إلى مفهوم وجودي عالمي.

ينبثق نظام رمزي من هذا النوع من الكتابة، حيث فلسطين ليست مجرد كيان جغرافي، وإنما تحذير نبوءي للعالم. إن عبارة "سيكون العالم يومًا ما بيروت" ترفع المدينة، ومن ثم تجربة الشرق الأوسط الأوسع من التشرذم والصمود، إلى مستوى "نموذج تحذيري أو حتى كارثي للعالم أجمع". هذه ليست رومانسية العالم الثالث أو سياحة ثورية؛ بل هي أقرب إلى اعتراف بأن معاناة الفلسطينيين تُمثل النهاية المنطقية لعمليات تاريخية مُحددة تجري بالفعل في كل مكان.

تميل الصور التي توظفها الروايات التركية حول التجربة الفلسطينية إلى التكتل حول عدة زخارف متكررة، يعمل كل منها كوصف حرفي وتكثيف رمزي في آن واحد. تبدو المدن كأنقاض (enkaz) "تنبع منها الحياة بعناد"، مع "ثقوب رصاص على المباني تبدو كما لو كانت موجودة منذ الأزل"، مما يوحي ليس فقط باستمرار الصراع، بل أيضًا بتحوله إلى نوع من القواعد المعمارية، أي بناء لغوي بصري يُشكل الإدراك اليومي. بمعنى آخر، يصبح الجرح جزءًا من الخصائص الشكلية للمشهد بدلًا من أن يكون شذوذًا قد يلتئم في النهاية.

هناك أيضًا هذا الشكل المتكرر لـ"الهوية التي يصوغها الصراع" - فكرة أن "الحرب تجعل الأفراد "أكثر وسامة" أو أن الصراع "اختلط بدمائهم". هذا مجال محفوف بالمخاطر، بالطبع، لأنه يُخاطر بإضفاء طابع جمالي على العنف بطرق تُحاكي أسوأ جوانب الأساطير الفاشية. لكن في السياق التركي، يبدو أن هذه الصور تُمثل شكلاً من أشكال الاعتراف الإثنوغرافي - إقرارٌ بأن شعوباً معينة قد تأثرت سلباً بالصدمات التاريخية بشكل منهجي لدرجة أن الصراع لم يعد مجرد حالة سياسية، بل أصبح وجودياً، وسمةً أساسيةً لمعنى أن تكون إنساناً في ذلك الزمان والمكان تحديداً.

اللافت للنظر بشكل خاص هو كيف يتحدى بعض الكُتّاب الأتراك بشكل مباشر إضفاء طابع رومانسي على تجربة الشرق الأوسط عبر جماليات الابتذال المتعمد. إن استخدام صور عادية، تكاد تكون مهجورة - مثل كراسي بلاستيكية، وإضاءة فلورية، وزهور بلاستيكية مغبرة يُمثل نوعاً من الإيماءة المعادية للغرابة، ومحاولةً لتكريم التجربة الفلسطينية برفض عزاء المعاناة الخلابة. هذا ليس إباحية فقر أو استعلاءً إنسانياً؛ بل هو أقرب إلى إصرار على أن الحياة الفلسطينية تستحق أن تُمثل بكل تعقيداتها العادية، بدلاً من اختزالها في التجريدات البطولية للتضامن السياسي أو التجريدات المأساوية للضحية. لكن لعلّ الجانب الأكثر تعقيدًا في تعاطي الأدب التركي مع فلسطين يكمن فيما يُمكن أن نُسمّيه معالجته لمسألة السلب الثقافي. إن استعارة القوى الخارجية "التي تأخذ قصصنا" وتُعيد "خردة كخرز زجاجي إلى الأمريكيين الأصليين" تُشير إلى شكل من أشكال "الاستغلال الثقافي والانحطاط" حيث "تُسرق الرواية الحقيقية للمنطقة وتُستبدل بتقليد سطحي". وهذا يُعالج مُباشرةً مُشكلة الاستيلاء التمثيلي - الطريقة التي تُصفّى بها التجربة الفلسطينية من خلال أطر تفسيرية خارجية تُفرغها من محتواها الخاص، مُدّعيةً احترام أهميتها العالمية.

يتضح التناقض مع التمثيل الاستشراقي جليًا عندما نُفكّر في كيفية تعامل الأدب التركي مع البُعد الزمني للتجربة الفلسطينية. فبينما يميل الاستشراق إلى تصوير الشرق على أنه ساكن زمنيًا إما مُجمّد في ماضٍ مثالي أو عالق في دورات مُتكررة من الأحقاد القديمة، تُصرّ الروايات التركية على الديناميكية التاريخية للمعاناة الفلسطينية. ولا يُقدّم "الطبيعة الدورية للصراع" كدليل على اللاعقلانية الشرق أوسطية، بل كنتيجة منطقية للتخلي السياسي المُمنهج. وعندما يكتب تيميلكوران عن "استمرار القنابل وصافرات الإنذار، مما يشير إلى دورة لا نهاية لها من المعاناة"، فإنه لا يركز على حتمية هذه الدورة ولكن على الخيارات السياسية التي تعمل على إدامتها.

يمتد هذا التعقيد الزمني إلى معالجة الأدب التركي لتكوين الهوية الفلسطينية. فنمط إخفاء الأفراد لهوياتهم أو خلفياتهم للبقاء أو الاندماج كما هو واضح في شخصيات مثل نادية، التي "استخدمت اسم ديبورا للبقاء"، أو مايا، التي تكتشف "الماضي الخفي" لجدتها - لا يُقدم كدليل على عدم استقرار جوهري في الهوية، بل كشهادة على الضغوط المنهجية التي تُجبر الناس على أن يصبحوا مختلفين عن أنفسهم. بعبارة أخرى، تبدو الهوية الفلسطينية مرنة ومتكيّفة، قادرة على الصمود حتى في وجه أشد أشكال الضغط السياسي تطرفًا.

خاتمة

ما يميز التمثيل الأدبي التركي لفلسطين عن الأطر الاستشراقية الغربية في نهاية المطاف هو رفضه لترف البعد. لا يستطيع الكُتّاب الأتراك مقاربة معاناة الفلسطينيين كمراقبين خارجيين، لأن التجربة التاريخية التركية - انهيار الإمبراطورية، وتبادل السكان، وصدمة التحديث، والنفي السياسي - تجعل النزوح الفلسطيني يبدو وكأنه تنويع على مواضيع مألوفة بدلًا من كونه شذوذًا غريبًا. النتيجة هي شكل من أشكال التضامن الأدبي الذي يعمل من خلال الاعتراف لا التعاطف، والتماهي لا التملك.

هذا لا يعني أن الأدب التركي يقدم بديلاً تقدمياً خالياً من الإشكاليات للاستشراق الغربي. إن استمرار الحنين الإمبريالي، ورومانسية الصراع أحياناً، والميل إلى تعميم التجربة الفلسطينية بطرق قد تحجب خصوصيتها - كلها تمثل قيوداً حقيقية. لكن ما يقدمه الأدب التركي هو نموذج للتفاعل مع التجربة الفلسطينية، يُقر بالمأزق التاريخي المشترك دون تقويض الاختلافات المهمة، ويُكرم خصوصية المعاناة الفلسطينية وأهميتها الأوسع لفهم كيف تنهار الإمبراطوريات وتترك شعوبها لتتحمل تبعاتها.

في النهاية، لا يعمل التمثيل الفلسطيني في الأدب التركي كشكل من أشكال الترجمة الثقافية؛ أي محاولة جعل التجربة الفلسطينية مفهومة للجمهور التركي، بقدر ما يعمل كشكل من أشكال التأمل التاريخي، وفرصة للتفكير في الروابط بين مختلف تجارب النزوح والصدمات والمقاومة. النتيجة هي أرشيف أدبي يعامل المعاناة الفلسطينية باعتبارها حالة خاصة لا يمكن اختزالها وأهمية عالمية، ومحددة تاريخيا ومرتبطة بالأساطير - وهو ما قد يكون أقرب ما يمكن لأي أدب أن يصل إليه لتحقيق العدالة للتجارب التي تتجاوز القدرة الطبيعية للغة لتمثيلها.

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع