بعد عرض فيلم "صوت هند رجب" الذي شارك في إنتاجه براد بيت وواكين فينيكس وروني مارا في مهرجان فينيسيا السينمائي خلال سبتمبر/أيلول الماضي، وحصوله على تصفيق من الحاضرين لنحو 23 دقيقة، عقدت مخرجته كوثر بن هنية سلسلة اجتماعات مع موزعين في أميركا الشمالية. ورغم الإشادة الواسعة التي حظي بها الفيلم، فإنّ أيّ استديو أو منصة بث كبرى لم تتقدم بعرض لشرائه، وفقاً لمخرجته التونسية.
"صوت هند رجب" الفائز بالجائزة الكبرى للجنة تحكيم مسابقة الدورة الـ 82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا السينمائي، يتضمّن تسجيلات حقيقية لمكالمات الطوارئ، مع أداء تمثيلي لإعادة تجسيد اللحظات الأخيرة للطفلة البريئة هند رجب التي قتلها جنود إسرائيليون عمداً في سيارة تقلّها مع أهل لها إلى مكان آمن في غزة، في 29 يناير/كانون الثاني 2024. وقالت المخرجة كوثر بن هنية لموقع "إن بي سي نيوز" في 23 أكتوبر/تشرين الأول الحالي: "لا أحد يصرّح بخوفه من شراء فيلم كهذا. ربما هم خائفون فعلاً، لكنهم لا يستطيعون قول ذلك علناً، لأنّ الخوف من الحديث عن مقتل طفلة أمر مخزٍ".
تتنافس هذا العام أربعة أفلام تتناول قصصاً فلسطينية، تمتدّ أحداثها من عام 1936 إلى 2024، على جائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم دولي، بالتزامن مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة. وهذه الأفلام هي: "اللي باقي منك" للمخرجة الفلسطينية الأميركية شيرين دعيبس، و"فلسطين 36" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و"البحر" من إخراج الإسرائيلي شاي كارميلي بولاك ومشاركة المخرج الفلسطيني باسل عدرا، و"صوت هند رجب". ثلاثة منها عرضت الأسبوع الماضي في مهرجان المعهد الأمريكي للسينما في لوس أنجليس.
وعلى الرغم من الاهتمام الكبير في بدايات التصوير، والدعم من نجوم بارزين في بعض الحالات، لم تنجح أي من هذه الأفلام في الحصول على صفقة توزيع من استديو كبير أو منصة بث، وهو أمر نادر بالنسبة لأفلام نالت ضجة دولية، وفقاً لما لفت إليه "إن بي سي نيوز". ففي السنوات السابقة، حظيت أفلام أجنبية تتناول صراعات كبرى مثل "أنا ما زلت هنا" البرازيلي، و"كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" الألماني، و"منطقة الاهتمام" البريطاني بتوزيع واسع من شركات كبرى.
لكن، ومع تصاعد النقاش داخل هوليوود حول حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ما زال إقناع الموزعين الأميركيين الذين يمثلون الشريان الذي ينقل الأفلام من الهامش إلى دائرة الضوء مهمّة شاقة.
تأتي هذه المجموعة من الأفلام في وقت ما تزال فيه قضية غزة تثير انقساماً وجدلاً في هوليوود؛ أكثر من 5 آلاف عامل في السينما والتلفزيون وقّعوا على عريضة لمقاطعة المؤسّسات السينمائية الإسرائيلية، بينما أدانت شركتا باراماونت ووارنر براذرز هذه المقاطعة. وفي حين يخشى بعض نجوم هوليوود الإدلاء بمواقف علنية، عبّر آخرون بوضوح عن تضامنهم مع الفلسطينيين، مثل خافيير بارديم الذي ارتدى الكوفية في حفل توزيع جوائز إيمي وانتقد الحرب الإسرائيلية علناً.
وفقاً لـ"إن بي سي نيوز"، تواجه هذه الأفلام تحديات في الوصول إلى الجمهور الأميركي الواسع، إذ غالباً ما تتولى شركات توزيع مستقلة الترويج لها بميزانيات محدودة وعروض محصورة في عدد قليل من المدن، وقالت مصادر في بعض الاستوديوهات إنّ السبب في عدم شراء هذه الأفلام يعود إمّا إلى امتلاء جداول الإصدار أو إلى توقعات ضعيفة بشأن الإقبال الجماهيري.
ومع ذلك، أظهر فيلم "لا أرض أخرى"، الفائز بأوسكار في فئة أفضل فيلم وثائقي العام الماضي، أن هناك اهتماماً متزايداً بقصص الفلسطينيين في الولايات المتحدة، رغم الصعوبات التي تواجهها هذه الأعمال. وبعد فشل الفيلم في إيجاد موزّع، تولّى المنتجون توزيعه بأنفسهم، محققين أكثر من 2.5 مليون دولار في شباك التذاكر المحلي، ليصبح ثالث أكثر الأفلام الوثائقية تحقيقاً للإيرادات بعد أفلام عن تايلور سويفت وفرقة "لِد زيبلين".
في ظل هذه المعوقات، قرر الشقيقان الفلسطينيان ــ الأميركيان حمزة وبديع علي تأسيس شركة Watermelon Pictures في شيكاغو عام 2024 لتوزيع الأفلام الفلسطينية، بمشاركة عارضة الأزياء ألانا حديد مديرةً إبداعية وسفيرةً غير رسمية للعلامة. تقول الشركة إنها تسعى لملء "فراغ في السوق"، مشيرة إلى أن الموزعين الكبار غالباً ما يتراجعون عن صفقات شراء هذه الأفلام بسبب "حساسية الموضوع السياسي".
ومن جهة أخرى، واجه بعض المخرجين عقبات من حكوماتهم نفسها. فبعد فوز فيلم "البحر" للمخرج الإسرائيلي شاي كارميلي بولاك بجائزة "أوفير" الملقبة بـ"أوسكار الإسرائيلية"، أدانت حكومة الاحتلال الفيلم وسحبت تمويل الجهة التي منحت الجائزة، لأن الفيلم يصوّر جندياً إسرائيلياً يستجوب فتى فلسطينياً ووالده أثناء محاولتهما الوصول إلى الشاطئ.
قالت المخرجة الفلسطينية شيرين دعيبس، صاحبة فيلم "اللي باقي منك": "كنّا نستعد للتصوير في أريحا في أكتوبر 2023، لكنّنا اضطررنا للإجلاء بعد السابع من أكتوبر، وأغلق كل شيء"، وأضافت لـ"إن بي سي نيوز": "نُدرك اليوم أننا بحاجة إلى الخروج من فقاعاتنا والتحدث إلى الجماهير مباشرة".
كما اضطرت المخرجة آن ماري جاسر إلى تغيير مواقع التصوير لفيلمها "فلسطين 36" من الضفة الغربية إلى الأردن وقبرص، بعد رفض شركات التأمين تغطية العمل في الأراضي الفلسطينية.
ورغم كل هذه التحديات، يرى صناع هذه الأفلام أن رسالتهم يجب أن تستمر. قالت دعيبس التي استعانت بالممثلَين خافيير بارديم ومارك روفالو كمنتجَين تنفيذيَين: "بعد كل ما شاهدناه خلال العامَين الماضيَين، علينا كسر الصمت والوصول إلى الجمهور الواسع".
وسيُعلن في 16 ديسمبر المقبل عن القائمة القصيرة للأفلام الـ15 المرشحة لجائزة أوسكار الدولية، تمهيداً للحفل المقرر في 15 مارس/آذار 2026.
رمان/العربي الجديد/وكالات
