دَخل (دِش) الطبق بيتنا تقريباً في عام 2002 ، وكانت غَمرة القنوات العربية على النايل سات وعرب سات عارمة ، وكنت مستمتعاً بهذا الإنفتاح أشد الاستمتاع من إقبالي على المسلسلات العربية والأفلام والبرامج بعيداً ، عن حِصار القناة الأولى والثانية التي كانت تُضبط بطلوع الروح، أيام "الأيريال" المعدني على السطح .
كان أبي يومياً في السادسة مقبلاً على قناة دريم 2، يشاهد مسلسل رأفت الهجان بحِرص مؤمنين ، وكنت أيامها أدخل عالم المراهقة براحة أشقياء شوارع ، بعد أعوام طفولية قروية هادئة، أجلس جوار أبي أتلّوك لا يُعجبني هذا المسلسل الباهت الألوان، الأقرب للأبيض والأسود منه للألوان المبهرة في بداية الألفية.
أين اللبمي؟ أين متتاليات هنيدي؟
كانت هذه الأسئلة تدور في ذهني في امتعاض مكتوم جوار أبي وهو يشاهد المسلسل يومياً ، وفي يوم شّب تململي وطلبت من أبي أن يُغير هذا المسلسل لشئ ما أكثر كوميدية، رفض أبي وجلست مجبراً أشاهد محمود عبد العزيز في حلقته الإستعراضية ، أمام محسن ممتاز في غرفة التحقيق بالمشهد الشهير وهو يُداعب بخفة الكلمات "فين الشِلن ، أنت بالذات تقولي فين الشِلن؟"
ضَحكت وانتهت الحلقة .
ومن ثَم وقف أبي أمام مكتبتة الخشبية الصغيرة المُعلقة على الحائط، والتي صنعها في أيام الخير منتصف التسعينيات، وأخرج كتاباً كبيراً، واستخرج من منتصف الكتاب جريدة، هانِئة برائحة الورق الأصفر ، والزَمن وفضيلة العناية والتَخبِئة. وما كانت هذه الجريدة إلا حلقات من أعداد مختلفة من جريدة الأهرام المصرية لعام 1994 ، تحتوي الصفحات فيها على حلقات مذكرات شخصية للجاسوس المصري "رفعت الجمال" أو رأفت الهجان كما عُرف، كانت تنشرها الجريدة في هذه السنوات.
وطلب مني أبي قرائتها ، وأخبرني أن هذا هو الشخصية الحقيقية التي يؤديها محمود عبد العزيز. انبطحت أرضاً فاتحاً حلقات الجريدة ، بالترتيب الذي جَهزه لي أبي ولم أقم من إنبطاحتي هذه إلا مع عودة دقات ساعة أبي – الكاسيو - في العاشرة مساء، وقد انتهيت تماماً من كل الحلقات التى نشرتها الأهرام ، تَشبعت بالحكاية وتعقيدات كانت تَكبر سني.
ومن هذا العصر كُنت أنا أكثر إقبالاً في إنتظار السادسة مساء على قناة دريم 2، في إنتظار رأفت الهجان، أُحضر كوبين من الشاي قبل السادسة بخمس دقائق، لنبدأ الرَشف أنا وهو على رأس الساعة ، منغمسين في دراما الألوان الباهتة لمسلسل رأفت الهجان الحكاية أنني قرأت قصة الجاسوس إيلي كوهين الذي أعلن عن إستعادة متعلقاته من سوريا من فترة ، وكيف كَشفه رفعت الجمال في مصادفة وكانت تُثير فضولي دوماً .
الحكاية لم تبدأ بعد
في الثالث الإعدادي والأول الثانوي مع بدايات العام 2004 تقريباً، كنت قد تَشبعت بالحكاية ورائحة الورق المكتوبة به، وتأثيرها العاطفي العارم والتضحية الاستثنائية التي قدمها الجَمال.
خِلسة أخذت أعداد الجريدة واستثمرت وَقت - التزويغ - من مدرسة الثانوية العسكرية بالمنصورة ، في مقهى إنترنت يدعى "كاربون" في أن أعيد كتابة هذه المذاكرت نقلاً عن الجريدة إلكترونياً، وفيما كان من حولي رفاقي يُنازعون صِراع العمالقة في لعبة "راكيون"!
كنت أنا مُقبل في هَم كِبار بنقل هذه الوثائق بالساعات يومياً، وحين استوقف مُشرف المكان، غرابة إنكبابي المبالغ فيه. سألني عن ما انقله فأخبرته بالأمر بنَبرة غامضة سينمائية رديئة، راقته مع تأثير مؤكد من رائحة الورق الأصفر الذي أنقل منه بإهتمام.
ومن هنا وَجهني "علاء فِلفِل" ولقبه هذا نِسبة لشعره المفلفل الغارق في الجِيل، إلى نشر ما أكتبه على منتدى اسمه شباب مصر. وربما هذا فَضل علاء فِلفل عليّ ، في أن يُدخلى عالم التدوين والصحافة في مراهقة وأيام لم أكن أحسب حساب مستقبلها بعد ذلك ودون أن يدرى هو!
لم أكن وقتها لا أعرف منتديات ولا يَحزنون، جلس جواري وعلّمني كيفية التسجيل والنشر، وكنت منبهر وقتها بفكرة التفاعل حيث سجلت باسمين مختلفين "رأفت الهجان" و "أحمد المصري"، وواظبت على النقل من الجريدة والنشر لأيام. لم يتوقف هوسي بمذكرات الجاسوس المصري رفعت الجمال ، عند هذا الحد ففي قناعة طفولية وسذاجة قروي خام بأن فكرة - الإنترنت - هذه قد تذوب، ويختفى – النِت – فجأة، طلبت من علاء فِلفِل بنسخ كافة ملفات المذكرات التي نقلتها التي كتبتها على سي دي، وتحميل المسلسل كامل بعد أن انبهرت بوجوده على الإنترنت ، وكذلك نقله على سي دي كي، مستشعراً إحساساً وَطنياً بأن نحتفظ بنسخ ، في حال ضياع الإنترنت الهُلامي هذا، وضَجيج إنتشاره في مدينة هادئة كالمنصورة.
جريمة إختطاف سعيد
كان لي صديق من شارع الثانوية يهوي لعب كرة القدم يدعي طارق وكنت كثيرا ما التقي طارق في درس التاريخ، وأحدثه عن كتاب البروتكولات ومذكرات الهجان، وفي يوم أخبرني طارق انه يعرف شخص اسمه سعيد لديه أقارب، أمهم عربية لكنها تحمل جواز سفر إسرائيلياً، لم أكن أيامها على عِلم بتفاصيل فلسطينيو الداخل ، والأقارب هؤلاء تركوا مصر من زَمن الزَمن ويعيشون في ألمانيا وربما يكونون يزورون الكيان.
وهذه قِصة طويلة، خلاصتها أنني تقربت من سعيد هذا عن طريق طارق، وكان يُتقن الإنجليزية بحرفية غريبة نُطقاً وحديثاً. وتعاظمت ساذجتي القروية أيامها إن هذه إشارة على عائلة سعيد الجواسيس هؤلاء، إنه يتحدث بإنجليزية كما إنجليزي أفلام إم بي سي 2 تماماً، أين أنجليزية تعليمنا الحكومي بلهجة الفقر والإدعاء!؟
وَعزز هذا الإعتقاد المراهق أن سعيد كان من سكان منطقة توريل في المنصورة، وتوريل هذه منطقة معروف إنها سُميت على اسم آيلي توريل اليهودي، المولود في الدقهلية عام 1870 مؤسس هذا الحي أو جزء منه بالأحرى دلالة ساذجة أخرى من المؤكد سعيد صهيوني متخفي..
يتحدث إنجليزية الأمريكان، ويسكن توريل كل ما في الأمر أنني رأيت سعيد إيلي كوهين مُصغر، في وَسط المنصورة زُرع بواسطة أقاربة عرب الكيان هؤلاء، ونَصبت له فخاً بعد أن أقنتعه أن فريق منطقة كمال الطوخي في ميت خميس، قادر على أن يَطحن عِظام فريقه المكون من هَجين طلاب شارع الثانوية وشارع عَشرة.
قَبل التحدي كَونه مُغرم بكرة القدم كالمجاذيب، وكنت قد أسررت لبعض الرفاق بشكوكي في سعيد هذا، وإننا علينا آخذه أسير، حتى يُسلم أقاربه هؤلاء أنفسهم للسلطات في مصر للتحقيق معه ، وأعلنوا مباركتهم على خِطة الغدر الثعلبية هذه.
انتصر فريقنا على سعيد ومن معه، ومن ثَم قُدنا هجوماً غادراً انتشلنا فيه سعيد من وسط فريقه، الذي تَضعضع وسط أراضي طرَح البحر لا يفهمون ماذا يحدث!؟
لما هذه المطاردة العنيفة؟
قيدنا سعيد تحت شجرة الجميز الكبيرة، وصفعناه مطالبين أياه بأن يعطينا أي رقم لأقاربه الجواسيس هؤلاء لم يكن هاتف سعيد يحوي سوى رقم أبوه وعدد من رفاق المدرسة الذين يحملون هاتفاً في هذه الأيام الغائمة، فَككنا أسره!
هُزمت في هذا اليوم نفسياً ولفترة طويلة بما فعلته بسعيد، وأنني أقبلت على خداع وإنحطاط أخلاقي بلا مبرر، جّر سعيد من توريل لهذه الموقعة والصفعات الوَقحة التي سددتها له. بعد هذه الواقعة السافلة بسنوات، التقيت سعيد مصادفة في شارع الثلاجة بالمنصورة، كان يعمل في أحد محلات بيع الملابس.
أقبلت عليه بلهفة نادمين رغم مرور سنوات، وقبل إعتذاري الناضج بخفة دم، وما هي لحظات إلا وكان شارع الثلاجة عن بكرة أبيه يشاهد عرضاً غير مفهوم لاثنين من المعاتيه "أنا وسعيد". يضحكون بلا سبب كلما نظر أحدهم للأخر، بلا صَد أو رَد أو حديث، حتى خارت أقدامنا من دموع الضحك على أيام الهياج الوطني الحامي هذا!
