ما هو السيرك المعاصر؟
ما هو السيرك المعاصر؟ متى وأين بدأ؟ وكيف تطور من السيرك الكلاسيكي / التقليدي؟ كانت هذه الأسئلة وأكثر من ذلك بكثير قيد المناقشة منذ تسعينيات القرن الماضي. للإجابة على هذه الأسئلة، علينا أولًا أن ننظر إلى الوراء ونستعرض تطور السيرك في العالم وصولًا إلى حقبة السيرك المعاصر اليوم.
وفقاً لـ AH Saxon 2019 في مقال سابق حول تاريخ السيرك:
"من المحتمل أن تكون الألعاب البهلوانية وألعاب التوازن وألعاب رمي الكرات قديمة قدم الجنس البشري نفسه، وذلك وفقاً لسجلات توّثق هذه الألعاب التي تم تأديتها في مصر منذ 2500 قبل الميلاد. حيث مارس الإغريق الرقص على الحبال، واشتركت أوائل الحضارات الأفريقية في "سيريكاسي" (مزيج من الرقص الفولكلوري والألعاب البهلوانية)، وقام الصينيون القدامى بأداء الألعاب البهلوانية لأعضاء البلاط الإمبراطوري. كما تواجد المهرّجين في كل فترة وحضارة تقريبًا كشخصيات في المسرحيّات الهزلية وكفنّانين فرديين."
تعود أصول السيرك الذي نعرفه اليوم الى انجلترا وهو السيرك (الكلاسيكي / التقليدي)، حيث شهد السيرك العديد من التطورات من نقطة انطلاق السيرك الكلاسيكي / التقليدي. فيما يلي سوف نستكفي بعرض حقبتين رئيستين لتطور السيرك: السيرك الكلاسيكي / التقليدي والسيرك المعاصر.
السيرك الكلاسيكي / التقليدي
يعد السيرك الكلاسيكي / التقليدي الجيل الأول من فنون السيرك كما نعرفها اليوم، وقد ظهر في انجلترا عام 1768، ويعتبر فيليب أستلي مبتكر هذا النوع من فنون السيرك. تقدم هذه العروض غالياً داخل حلبة دائرية وتحت خيمة، ويعتمد العرض على مجموعة من المشاهد الأدائية غير المترابطة، مع تركيز أساسي على مهارات المؤدين، والمهرجين، واستخدام الحيوانات، ويقود العرض عادةً شخصية تعرف بـ the ring master سيّد الحلبة. في تلك المرحلة كان السيرك يصنف كفن ترفيهي بحت، وتمير بعدة خصائص، من بينها العروض الاستعراضية في الفضاءات العامة مثل المسيرات الفنية، وعروض الفروسية، واستعراض المهارات الجسدية، والمهرجين، وتقديم عروض الحيوانات.
السيرك المعاصر
يجمع باحثي السيرك على أن السيرك المعاصر بدأ في تسعينيات القرن الماضي في فرنسا، حيث برزت عروض سيرك تجمع بين عناصر المسرح والرقص ومهارات السيرك المختلفة. منذ ذلك الحين بدأت عروض السيرك تحمل معنى سردياً أو رمزياً، وارتبط بالعديد من فنون الأداء التي يكون جسد الانسان هو الاساس. وتم استبعاد الحيوانات من العروض. ليس من السهل إيجاد تعريف شامل للسيرك المعاصر لأنه مظلة كبيرة وأنماط العروض التي تندرج تحتها مختلفة بالفعل، فبعض العروض موضوعية، والبعض الآخر يركز على خلق حالات مزاجية ومشاعر دون الحاجة إلى موضوع عام رئيس بالضرورة، وبعضها يعتمد على الشخصيات والتواصل من خلال الإيماءات، والبعض الآخر يعتمد على الحركة. خلقت هذه العناصر فئات جديدة مثل: السيرك المسرحي والسيرك الراقص، كما خلق مزيج هذه العناصر مساحة واسعة للآراء المختلفة لتصنيف عروض السيرك، حيث يراها الناس ويتصورونها بشكل مختلف.
ما هو السيرك المعاصر في فلسطين؟
كيف يبدو السيرك المعاصر في فلسطين؟ متى وأين بدأ؟ ما هو شكل عروض السيرك الفلسطينية؟
من الصعب للغاية تتبع تاريخ السيرك في فلسطين، إذ لا توجد موارد أو أرشيف متاح للسيرك بين القرنين السادس عشر والعشرين. ومن أهم أسباب نقص الموارد في العديد من المجالات - والسيرك أحدها – عدم استقرار الوضع السياسي في فلسطين، وتنقل السكان الفلسطينيين داخليًا وخارجيًا بسبب سيطرة الإمبراطورية العثمانية على فلسطين خلال القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر حتى سنة 1917، ثم الاستعمار البريطاني (1920 – 1948) واخيراً الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ( 1948 - اليوم). كانت معظم العروض التي تم تسجيلها في القرن العشرين عبارة عن عروض ترفيهية رياضية يؤديها الرياضيون. حيث انتشرت رياضة الجمباز والألعاب البهلوانية في مختلف المدن الفلسطينية، وتواجدت العروض الرياضية في العديد من الاحتفالات والمناسبات. وخلال تسعينيات القرن الماضي استضافت فلسطين عدة عروض سيرك تقليدية ضخمة لفرق سيرك دولية مثل السيرك الروسي وغيره.

التقطت هذه الصورة في بلدة بيرزيت / رام الله، داخل مبنى جامعة بيرزيت القديم، الذي يعد منذ عام 2011 المقر الرئيسي لسيرك فلسطين. وقد جرى التقاط الصورة أثناء عرض نظمته كلية الرياضة في الجامعة.
شهدت المرحلة التي تلت عام 2000 إطلاق العديد من المبادرات الفلسطينية الهادفة الى تأسيس مدارس السيرك، والفرق والمجموعات، والنوادي التي ضمت بعضاَ من مهارات السيرك كالجمباز بأشكاله المختلفة. وقد تبنّت بعض المبادرات فنون السيرك بوصفها نشاطاً ترفيهياً، في حين ركزت مبادرات أخرى على تعليم السيرك ضمن منهج السيرك الاجتماعي، باعتباره أداة تربوية فعالة للعمل مع الأطفال والشباب لتعزيز القيم الاجتماعية مثل العمل الجماعي، الثقة، التفكير النقدي والتعبير عن النفس، والدعم النفسي. كما اتجهت بعض المبادرات نحو السيرك المعاصر من خلال إنتاج عروض فنية تضمنت افكاراً ورسائل سياسية واجتماعية، جرى التعبير عنها وتضمينها عبر توظيف تقنيات السيرك المختلفة. ويعد السيرك المعاصر في فلسطين ظاهرة حديثة، شأنه في ذلك شأن تطوره في مختلف أنحاء العالم.
يجمع العديد من فناني السيرك الفلسطينيين على أن نقطة الانطلاق للسيرك المعاصر في فلسطين تتمثل في عرض "سيرك من خلف الجدار" لسيرك فلسطين، والذي يعد أول عرض سيرك لسيرك فلسطين، وقد أنتج عام 2007 بإخراج شادي زمرد. يجمع العرض بين عناصر الدراما والرقص الى جانب مهارات السيرك المختلفة كالجمباز الأرضي والهوائي، واللعب بالطابات، ومهارات التوازن وغيرها، حيث جرى توظيف هذه العناصر مجتمعة لخدمة البعد الرئيسي للعمل والمتمثل في موضوع العرض. ويأتي ذلك كما ورد في جزء من ملخص العرض المنشور على الموقع الالكتروني لسيرك فلسطين:
"سيرك من خلف الجدار هو شهادة على واقع الحياة للفلسطينيين: انفصالهم عن عائلاتهم وأحبائهم، وأرضهم ومياههم بسبب الجدار، في العرض هناك أختان يفصلهم الجدار، وعاشقين غير قادرين على الالتقاء بعد الأن. يأتي السيرك لمساعدتهم ليعطيهم الوسائل والمهارات اللازمة لتمكينهم ذهنياً من كسر الحواجز التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن الحواجز الإجتماعية والثقافية والذهنية التي تقسم المجتمع الفلسطيني داخلياً. لا يثنينا الجدار عن العيش، عن التواصل، عن التعبير عن أنفسنا وأحلامنا وعن النضال من أجل حرية أراضينا، فعرض سيرك من خلف الجدار يعكس إيماننا القوي بأن الجدار سينهار يوماً ما."

السيرك كفعل ثقافي فلسطيني
يميل السيرك المعاصر في فلسطين إلى طرح تساؤلات معقدة ونقل رسائل ذات طابع جاد، متأثراً بتاريخ فلسطين بوصفها واقعاً يرزح تحت الاحتلال، وبالقضايا الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده. وبناءً على ذلك، تحمل معظم عروض السيرك في فلسطين مضامين سياسية واجتماعية واضحة. وفي هذا السياق، يوظّف فنانو السيرك مهاراتهم وتقنياتهم بوصفها أدوات للتواصل والتعبير عن أفكارهم ومواقفهم أمام الجمهور.
ويتجلّى دور السيرك بوصفه أداة سياسية في فلسطين كاستجابة وجدانية ومبتكرة للتحديات المعقدة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي ونظامه القائم على الفصل العنصري. إن تشابك الحياة اليومية مع الواقع السياسي يفرض شكلًا خاصاً من التعبير، وقد أثبت السيرك المعاصر قدرته بوصفه وسيطاً فنياً ديناميكياً لنقل الأثر العميق للظروف السياسية. ولا تقتصر عروض السيرك على كونها تعبيرات فنية فحسب، بل تؤدي أيضاً دوراً سردياً فاعلاً يتحدى الرواية الإسرائيلية السائدة، ويسلط الضوء على قضايا سياسية وإنسانية متعددة، وعلى السعي نحو مستقبل أكثر عدالة. ومن خلال تناول موضوعات مثل بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي وغيرها من القضايا السياسية والإنسانية، يبرز السيرك في فلسطين كفعل ثقافي وأداة سياسية مؤثرة تسهم في تعزيز الوعي، وبناء التعاطف، وتعميق فهم التجربة الإنسانية في مواجهة نظام الفصل العنصري.
يمكننا القول أن السيرك المعاصر في فلسطين تجاوز كونه فناً أدائياً مستورداً من السياق الغربي ليغدو فعلاً ثقافياً فلسطينياً أصيلاً، تشكل في تفاعل مباشر مع الواقع السياسي والاجتماعي والإنساني. فمن خلال توظيف الجسد، والحركة، وتقنيات السيرك المختلفة، تحول هذا الفن إلى مساحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية، وأداة لطرح الأسئلة، ونقل الذاكرة، وبناء السرديات البديلة. وبينما يستند السيرك المعاصر في فلسطين إلى منجزات فنية عالمية، فإنه يعيد صياغتها بما يتلاءم مع السياق المحلي، ليؤكد دوره كوسيط فني نقدي يسهم في تعزيز الوعي، وتكريس القيم الإنسانية، وفتح آفاق جديدة للفعل الثقافي المقاوم في مواجهة الاحتلال والظروف القسرية المفروضة على الشعب الفلسطيني.
المراجع
-
A.H. Saxon, 2019, circus, Britannica
https://www.britannica.com/art/circus-theatrical-entertainment -
Stagelync.com
https://stagelync.com/news/what-does-contemporary-circus-look-like-in-palestine -
الموقع الالكتروني لسيرك فلسطين
www.palcircus.ps
