يأخذني زخم الكتابة عن غزة ومنها اليوم، إلى مقولة أدورنو التي يشير فيها إلى الكتابة كاستعارة عن الوطن، إنها تصبح بيتاً لمن فقد وطنه. مقولة يستشهد بها إدوارد سعيد في مقالته (1998 Between Worlds) قبل ما يقارب ثلاثة عقود، حين أدرك حتمية اقتراب موته. وجد نفسه، بعد تشخيص بغيض باللوكيميا، يكتب إلى أمه المتوفاة منذ عامين، رسالة يبدأ بها رحلة في الذاكرة عن زمن تُطوى ملامحه دون أن يسجل شهادته؛ أنه كان هناك يوماً، أنه ابن القدس، والقاهرة، وضهور الشوير، ونيويورك. أنه حمل في اسمه ووسمه كل تلك التناقضات؛ تناقضات أن تكون فلسطينياً.
هذا البيت الذي نلجأ إليه في زمن الإبادة، بيت الكتابة. نؤثثه من أوجاعنا وأفكارنا وحقيقة واقعنا. نذهب إليه حيث لا ينازعنا أحد على فكرة أو هاجس يلامس حقيقة تجربتنا، ذاتيتها، كونيتها، أصالتها التي لا تنفصل عن السياق العام، سياق الإنسان أينما وجد. نكتب شكل حياة سُحبت من بين أيدينا، زوايا الشوارع والبيوت وملامح الفقد في وجوه الناس، ونكتب خوفنا من حياة تنهشها الإبادة من كل جانب. فكانت الكتابة تحت وطأة غياب البيت، استعارة له وعنه. محاولة للوقوف على أرض تنطلق منها لغة الغياب. لغة لا تُجهدها جزالة الشعر، ولا ضوابط الفصاحة الجامعة، لغة تنتفض على التنديد والتعاطف فتحاكي حرارة الخبز في فرن الطين، ومعنى الأمل في طيارة ورقية تختلس فضاءها المسلوب. لغة استطاعت أن تلمس قلب العالم من كل صوب. فليس مصادفة أن نشهد إعلان الكثير من أبناء غزة، ومن ضمنهم أسماء جديدة، عن نشر كتاباتهم في دور نشر عربية وعالمية في الحرب. فترجمة الكثير من القصائد التي كانت تُكتب من قلب الخيمة، أو بين ركام بيت مهدوم، أو من منبر جامعي سُحقت مبانيه وبقي أثره، كانت استجابة لإرادة العالم من وراء البحار، وانتصاراً على همجيته. توق لسماع صوت أصحاب المكان. توق لسماع صوت مجرد من صناعة الخبر وكليشيهات الصحافة.
إنها إرادة للإمساك بلحظة الحقيقة. أن نملك حق قول ما يحدث دون وسيط. أسترجع إصراري أن يصل نص كتبته في بداية الحرب، وكانت الشبكة الإلكترونية تفقد عنكبوتيتها تحت وطأة القصف المستمر. فلا أعلم إن تمت عملية الإرسال، فأعيد إرسال البريد كلما عادت الشبكة. أسترجع لحظة الكتابة تلك، وإصرارها. إصرار على وجود أكتبه، إصرار على استحضار البدايات الذي أعادني إلى سؤال أبي المتوفى منذ سنوات، لماذا غزة؟
تفاصيل حياة تُغفلها قرارات مجلس الأمن ومؤتمرات القمة. لحظة نترقب فيها وجه العالم، الذي لم يوقف امتثاله لعذاباتنا بطش الاحتلال. عالم نفقد التواصل معه كلياً لبعض الفترات فنشعر أننا وقعنا في غيابة الحب. لكن الكتابة والتفكير في الكتابة، لم يكن يسعفنا من انهياراتنا أمام هول الموت، بل هول الحياة مع الموت. فهو موت كثير، كثيف، متربص ولا يتناهى. فوصف الكثير في ممارسة البلاغة على أشلاء الأجساد أمر من الوقاحة، فلا أبلغ من الموت. وبهذا كانت إشارة أدورنو إلى أن الركون إلى الكتابة المريحة المتنصلة عن جراح عصرها هي "كما العيش في بيت دافئ في زمن البربرية؛ تواطؤ معها". لكن لكل منا لحظة انعتاق تنتظره، وينتظرها دون أن يدرك مسافته منها. كانت عبارة محمود درويش في رثائه نفسه، وهو الراثي والمرثي، "فلا تسخر من نفسك إن كنت عاجزاً عن البرهان، الهواء هو الهواء ولا يحتاج إلى وثيقة دم" عتبة العودة إلى النصوص التي أحب وأحفظ في ذاكرة الهاتف، عودة للذات. ولم أكن أعلم أن تلك الذاكرة ستكون بيتي الراسخ الأعمدة أمام تيه الإبادة.
تساءلت في نفسي: هل أجد ملاذاً من الحرب عن الحرب؟ يصف إدوارد سعيد تعلقه بجوزيف كونراد والتصاق معجم عالمه السردي بمعظم كتاباته، باللحن الثابت في المقطوعة الموسيقية، ذلك أنه استطاع أن يجد نفسه في مختلف الحالات التي يصفها كونراد عن تجربة المنفى. فكانت عودتي إلى كاتبي المفضل، وكانت "فهرس" رائعته وأثيرتي في عالم الرواية، أحد قوارب نجاتي في لانهائية الموت. وكان سنان أنطون من الدماثة أن تُجسد كلماته ذلك في ظل وحشية غير مسبوقة. لم يفارق قلمه أحداث الإبادة، ولم يفارقني سؤاله عن مكاني وحالي في قلب تيار الموت الجارف، سؤال يحاول أن يستطيع شيئاً.. فاستطعنا معاً أملاً بدا خافتاً أمام براثن التنين، ونابضاً بهياً في ظل بعض القراءات التي كنا نتبادل الكتابة عنها، إلى أن استطعت الخروج، فأرسلت له: "وأخيراً نتنفس الصعداء".
موت إلياس خوري في الحرب كان سبباً للذهاب إلى عالمه الروائي. أن نتخذ من الموت ضفافاً جديدة للنجاة! المعذرة من حياة إلياس. قرأت وقرأت إلى أن اهتديت إلى دفاتر آدم في "أولاد الغيتو". يكتب في دفاتره عن راشد حسين، سقوط اللد، وانبعاثه في بحر حيفا. بحثه عن المعنى في أرض منفاه، نيويورك. وعن محنة وجوده، محنتي أنا وسبب انعتاقي في غفلة من عقارب الزمن عن عداد الموت، والأخبار تعيد اختلاق أسبابٍ جديدة لاستمرار آلة القتل، وتمويلها، وتجويعنا نحن بالمقابل.
أتنفس الصعداء اليوم بعيدًا عن غزة وعن أمي، فمعايير الدول في استحقاق النجاة تتفاوت. أنا وأمي وإخوتي، تُفرقنا جغرافيا المكان، أو تجمعنا مأساوية الوطن. الجدل الأزلي في بلاد "أنجبتك لتصرعك" على حد وصف درويش، الذي سبقنا إلى كل شيء، كما سبق كونراد سعيد إلى منفاه، وكما سبقتني فهرس إلى ظلمات الحرب. وكما سبقنا إلياس خوري إلى سقوط المدينة. تلك خيوط فككت حصار الألم ووحشته فأصبحت غزة امتدادًا لمسيرة الآلام الأولى، منذ أن تحوّلت المسافة بيننا وبين فلسطين مسافة نسميها "البلاد."
