رمانة

كان السينمائي: منفى توماس مان في "الوطن" لبافليكوفسكي

"وطن"، معدلة.

سليم البيك

محرر المجلة. روائي وناقد سينمائي فلسطيني

تلك هي اللحظة التي يعيشها مان في ألمانيا التي عقدت آنذاك اتفاقاً مماثلاً، منتقلة من نازية محلية إلى رأسمالية أمريكية وشيوعية ستالينية، أجنبيتين. عاد توماس مان إلى بلاد من منفاه، أو عاد إلى منفى آخر، كان هذه المرة في البلاد ذاتها، في ما تبقى منها.

للكاتب/ة

في الفيلم (Fatherland) يعود ماس مع ابنته إلى ألمانيا، عام ١٩٤٩، بعد هربه منها مع عائلته إبان الحكم النازي عام ١٩٣٣، إلى الولايات المتحدة، لحضور مؤتمرات واحتفاءات به في قسم من البلاد مدار من قبل الأمريكان ثم آخر من قبل السوفيات، في خضم معارك الحرب الباردة.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

15/05/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم البيك

محرر المجلة. روائي وناقد سينمائي فلسطيني

سليم البيك

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

يمكن اعتبار هذا الفيلم امتداداً لفيلمين لبافليكوفسكي (ثلاثيّة؟) هما "إيدا" (٢٠١٣) و"حرب باردة" (٢٠١٨)، في تصوير أحوال الحرب العالمية الثانية وما لحقها، بسويّة أسلوبية ممتدة في الأفلام الثلاثة، أبيض وأسود، أجواء رمادية جنائزية للبلاد. كذلك كانت في ثالث الأفلام، "الوطن"، الذي ينتقل إلى ألمانيا، بعدما كانت بولندا وفرنسا في أول فيلمين، لتكون الثلاثة أفلاماً في مصاب أوروبا من النازية، هو ما امتد لاحقاً إلى مصاب مزدوج من اضطرار الاختيار في ألمانيا، كما قال الابن أوّل الفيلم، ما بين ستالين وميكي ماوس.

لا يختلف الحال كثيراً نهاية الفيلم، نرى الروائي صاحب نوبل للأدب (١٩٢٩)، توماس مان، في السيارة، ولا نسمع من الراديو سوى أناشيد سوفياتية وأغاني روك أمريكية. مشهد سريع يلخّص مأساة الشخصيات التي تمثّل حال أوروبا الكارثي ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما نسمع في أن كلاً من ستالين وتشرشل قسّموا أوروبا بينهما، في إحالة كذلك إلى ألمانيا، ما بعد الحرب، ما بعد المنفى الخارجي لتوماس مان، قبل أن يعود ليجرب منفى داخلياً.

في الفيلم (Fatherland) يعود مان مع ابنته إلى ألمانيا، عام ١٩٤٩، بعد هربه منها مع عائلته إبان الحكم النازي عام ١٩٣٣، إلى الولايات المتحدة، يعود لحضور مؤتمرات واحتفاءات به في قسم من البلاد مدار من قبل الأمريكان ثم آخر من قبل السوفيات، في خضم معارك الحرب الباردة.

الروائي المثالي صاحب "الجبل السحري" كان شخصية مركزية في الفيلم الذي لم يتناول حياته. لكننا لسنا أمام سيرة ذاتية له. نحن هنا أقرب إلى صورة شخصية للبلاد، لألمانيا المنهارة والمقسَّمة، ما بعد الحرب، أمام بورتريه للبلاد من خلال شخصية مركزية فيها آنذاك، أو بورتريه لتوماس مان ذاته من خلال مرحلة محورية للبلاد، في تحوّلها من النازية مروراً بحرب مدمّرة إلى السيطرة السوفياتية والأمريكية.

هذا الدمار المعنوي، مرفقاً بدمار مادي، نراه هنا في إحالة إلى فيلم الإيطالي روبيرتو روسيليني "ألمانيا العام صفر" (١٩٤٨)، لكننا نراه لا بعينَي طفل بل بعينَي روائي في أعوامه الأخيرة، في نهاية مساره الأدبي شاهداً تمزيق بلاده، في إحالات أدبية متكررة في الفيلم إلى روايته "دكتور فاوستوس" (١٩٤٧) حيث يعقد الدكتور الموسيقيّ اتفاقاً مع الشيطان يبيع فيه له عمرَه مقابل العبقرية. تلك هي اللحظة التي يعيشها مان في ألمانيا التي عقدت آنذاك اتفاقاً مماثلاً، منتقلة من نازية محلية إلى رأسمالية أمريكية وسلطوية ستالينية، أجنبيتين. عاد توماس مان إلى بلاد من منفاه، أو عاد إلى منفى آخر، كان هذه المرة في البلاد ذاتها، في ما تبقى منها.

الكاتب: سليم البيك

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع