دخلت هي؛ ثلاثينيّة تفيض بالجمال والوقار، تصرخ لغة جسدها بالثقة والنجاح، فرضت حضورها الذي ملأ حيّز غرفتي الضيّق، نظرات عيونها الشاخصة أخفضت صوت الموسيقى الكلاسيكيّة من خلفي، هندام متقن ومنصب رفيع في شركة عالميّة...تشكو من ألمٍ حادٍ في الرقبة والكتف الأيسر.
في البداية، كنت أنا من بادر في الحديث، حتى أصبحت الكلمات بتؤدة تخترق حاجز الصمت الذي شحن الغرفة، أما هي فكانت تزين كلماتها بميزان صيدليّ، وتنتقي مفرداتها بملقاط جرّاح، وكأنها تخشى أن ينزلق لسانها في منحدر العفويّة، كانت ترد بجملها المقتضبة مصيبةً بعناية هدف السؤال، لتبدو وكأنها تنقضُّ بدقة ثم تتراجع لتترك خلفها مساحة شاسعة للانسحاب، كجندي ينسحب من أرضٍ لا يأمن مكرها.
مع توالي اللقاءات، وبدعمٍ من حركات التدليك الرتيبة، بدأت تكسر حذرها بنكاتٍ عابرٍة، وتَحَوَّل صمتها المبهم من ثغرات في الحديث الى امتدادٍ عذب ٍله، ثم أسهبت للتتحدث عن ضغوط العمل التي لا تنتهي، ثم انتقلت بسلاسة لتخبرني عن خيبات عاطفيّة قديمة، وتنبش في علاقتها المضطربة بأمها. كنت أمسّد توتر عضلات رقبتها من جهة وهي تنكأ جروحًا في نفسها لم تلتئم من جهة أخرى... ومع ذلك، لم تغب الفكاهة عن أحاديثنا، حتى عن تلك الجديّة منها، تلك التي تحتقن فيها الدموع، وكأننا تحولنا من "معالج ومريضة" إلى ما يشبه صديقين قديمين يتقاسمان أطراف الحديث، لكن ليس على طاولة بارٍ دافئٍ وكأسين، بل فوق سرير العلاج الأزرق البارد ذو الكوة عند موضع الرأس...
حلّ اللقاء العاشر والأخير، وموعد ملئ استجواب تقييم العلاج، لكنه كان أيضا موعد الوداع، حاولت أن أخفي رغبتي بوداعها خلف سؤالٍ مهني باردٍ كجلد سرير العلاج الأزرق: "كيف حال أوجاعك اليوم؟"
ابتسمت ابتسامة فيها قدْرٌ من السخريةِ لا يزيد فيه عن قدْره من الارتياح، وقالت: "الحقيقة، تلاشى الألم منذ اللقاء الخامس أو السادس، ولم يعد لي حاجة لعلاجك".
ابتسمتُ ابتسامة مرتبكة بلهاء كأي ذكرٍ أخرق يفسّر أي رد فعل أنثوي ينم عن شيء من الإيجابية كعلامة محاباة وانجذاب. بسرعة بديهتها، التقفت ارتباكي واستطردت بصوتٍ مختلجٍ يتستر خلف قناع الثبات: "لكنني واصلت المجيء، لأنني مررت لتوي بعلاقة عاطفية فظة معجونة بظروف مهنية وعائلية قاسية، ولم أجد أحدًا لأتحدث إليه؛ فكان المجيء للثرثرة معك أهم لي من العلاج الطبيعي، لقد كان بمثابة علاج نفسي... ثم أردفت بابتسامة ساخرة: وهكذا أكون قد أصبت عصفورين بحجرٍ واحد، وكل هذا على حساب هذه الدولة اللعينة".
ماذا؟! تساءلت في نفسي، كيف لصبية بهذا البهاء والذكاء والمنصب الرفيع، وكل تلك المقوّمات التي لا توحي أبدًا بالوحدة، ألا تجد صدرًا تبثه شجونها؟!
هل قرأت الجريمة والعقاب؟ سألَتْ، فقد سبق لنا وتحدثنا في إحدى الجلسات حتى عن القراءة والأدب.
-قرأتها قبل عدة سنوات ولا أذكر منها الكثير...
لقاء "راسكولينكوف" بـ "مارميلادوف" في الحانة، عندما كان الأخير وهو في قمة سكره، هل تذكره؟
-أمم، ربما لكن ليس بالتفصيل، لماذا؟
لا عليك، فأنا أذكره جيدًا، يقول مارميلادوف:
"لا بد لكل إنسان من أن يجد ولو مكانًا يذهب إليه، لأن الإنسان تمر به لحظات لا مناص له فيها من الذهاب إلى مكان ما، إلى أي مكان.. هل تدرك يا سيدي الكريم، ما معنى ألا يكون للإنسان مكان يذهب إليه؟!"
صمتُّ.
هل تدرك؟
لم أجب
-لا يهم قالت وهي تلملم شتاتها، سجّل في تقييمك على هذا الاستجواب البليد على جميع الأسئلة ١٠/١٠.
تركت بطاقة العمل على الطاولة، غمزتني، شكرتني ومضت خارجة.
أما عن بطاقة الدخول إلى حياتها فأظنها أسقطتها سهوًا عند أول نكتة عن أمها في اللقاء الرابع...
