تنطلق هذه المقالة من النقاش الدائر بين الفنانين والجمهور حول تراك شب جديد الذي ينتقد فيه المغني مروان عبد الحميد/ سانت ليفانت. لا تحاول هذه المقالة أن تتخذ موقعًا في هذا السجال، ولا تقيّم، بالتأكيد، المشروع الفني لأيّ من الطرفين. ومع أنها تأخذ هذه النقاشات بعين الاعتبار، فإنها لا تنطلق منها بالضرورة، بل تلتقط ما هو أبعد من التراك نفسه، أو ما يمكن أن يكون أحد الأسئلة الجوهرية والمتكررة في المشهد الثقافي الفلسطيني، خصوصًا في المرحلة الراهنة: من هو الفلسطيني؟ ومن يمتلك الحقّ في التمثيل؟
لا يكشف هذا السجال عن خلاف بين فنانين أو مشروعين غنائيين فحسب، بل يعيد فتح أسئلة حول الشرعية والهوية والثقافة والتمثيل (representation). من هو الفلسطيني النموذجي؟ ومن يضع شروط هذا التمثيل؟ هل تحدده الموقعية الجغرافية: من هو في الداخل ومن هو في الشتات؟ هل يحدده الجمهور؟ أم الموضوعات التي يحكي لنا الفنان عنها؟
في ثقافة الهيب هوب، يُعدّ الـ diss حقلًا يُعبَّر فيه عن التنافس والعلاقات والمكانة والتميّز والأصالة بين الفنانين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الخلاف بين Jay-Z و Nas في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية، إذ تجاوز الخلاف العلاقة الشخصية بين الفنانين، ليصبح سؤالًا حول من يمثّل مشهد الراب الحقيقي في نيويورك. وقد أصبح هذا الخلاف، وما تبعه من أخذ وردّ، مرجعًا ثقافيًا حول الـdiss بوصفه أداة لرسم حدود الشرعية والتمثيل وصياغة مقولاتهما. وهنا يمكن قراءة الdiss بحقّ ليفانت على أنّه أيضًا مسعىً لرسم حدود الأصالة والشرعية في المشهد الفلسطيني الموسيقي.
يجادل المفكّر ستيوارت هول بأن التمثيل لا يكتفي بوصف الواقع، بل يشارك بدرجة كبيرة في تشكيله، وفي تعريف من يُرى، وكيف يُرى، ومن يمتلك أصلًا سلطة الكلام. وبذلك، لا يعود السؤال: من هو فلسطيني أكثر من الآخر، شب جديد أم سانت ليفانت، أم سواهما أصلًا؟ بل يتجاوز ذلك ليصبح سؤالًا حول عملية بناء شرعية تمثيل فلسطين، والجهة التي تمنح هذه الشرعية أو تنزعها في الأساس.
وبطبيعة الحال، اتخذ النقاش بعد إصدار التراك شكل سجال أخلاقي بين شخصين، ليصبح المطلوب أن نختار من هو الفلسطيني الذي يمثّلنا، ومن هو «فلسطيني أكثر». غير أن هذه الثنائية تُخفي أكثر مما تكشف. وحتى النقاش حول الذكورية في النموذجين أصبح تفاضليًا أكثر من كونه نقديًا، وهذه التفاضلية تستثني الخلفية السياسية والواقعية.
يقدّم شب جديد وسانت ليفانت نموذجين مختلفين للذكورة والرجولة، وُلدا في سياقين سياسيين وثقافيين مختلفين. يقدّم شب جديد ويبني نموذج «ولاد قدس»، وقد تشكّلت تجربته ومفرداته واختياراته الفنية في سياق الاحتكاك المباشر مع الاحتلال في القدس، وبين أسئلة الوجود والنجاة والموت على الحواجز أو بالرصاص الطائش. في المقابل، جاءت تجربة سانت ليفانت في سياق الإنتاج الموسيقي العالمي والليبرالي، ولذلك أصبح النموذج الذي يقدّمه في مشروعه مختلفًا لغويًا وموضوعيًا؛ إذ تخرج معاني الذكورة والنجاة والحبّ من هذا السياق العالمي الأوسع، والاستعماري أيضًا، ولكن بلغة أكثر نعومة، تحكمها نماذج مختلفة للنجاة والنجومية والحبّ والأدوات. وهنا نطرح سؤالًا مختلفًا حول «الفلسطيني» في هذا السياق: كيف أنتج كل سياق نموذجًا مختلفًا لهذه الذكورية؟ وكيف يُبنى الرأسمال الثقافي داخل كل نموذج؟
يقدّم كلّ من الفنانين موقعًا مختلفًا داخل الاقتصاد الموسيقي في فلسطين وخارجها. انطلق شب جديد من فلسطين، وبنى وسرد قصته انطلاقًا من الواقع اليومي والمادي، أمّا سانت ليفانت، فتموضع منذ البداية داخل الاقتصاد الموسيقي العالمي، الذي يأتي بحزمة من النماذج اللغوية والشكلية، وتقابلها حزمة خاصة تنتج من خلال مفاوضة الفنان لنموذجه: اللغة، والرموز، والشكل الخارجي.
نقف هنا أمام نموذجين من التمثيل: الأول بوصفه شاهدًا أول يقف على الحاجز، وتحتكّ به المجنّدة بشكل اعتيادي في الطريق، وينتظر نزول الراتب، ويطرح أسئلة معاشة في الداخل. أمّا النموذج الثاني فهو أيضًا شاهد أول، لكنه يعبّر عمّا يمكن أن نطلق عليه «التمثيل بالترجمة»: يغنّي ويؤدّي لجمهور آخر، تكون إمكانية الوصول إليه أيسر وأوسع. السؤال الأسهل هنا هو: من هو الفلسطيني الأكثر؟ لكن المهمّة الأصعب هي التفكير في الفلسطيني ضمن سياق أوسع وأكبر. فسؤال شرعية الشهادة وارد هنا، لكننا نحتاج أيضًا إلى التفكير فيما هو مطلوب من الفنان الفلسطيني في مختلف الحقول: هل يجب أن يكون شاهدًا على التجربة؟ أم مترجمًا أو ناقلًا لها؟ وهل ينفي أحد الدورين الآخر؟
لا يتوقف النقاش هنا عند التجربتين وما يأتي معهما من معانٍ، بل يمتد أيضًا إلى الرموز التي تعبّر عن فلسطين اليوم. فقد لعبت الكوفية والبطيخة والخارطة الموشومة أو المطبوعة على حقيبة أو قميص دورًا في الحديث عن فلسطين في مواجهة الإسكات والمحو والسيطرة. غير أن هذا الدور، على الرغم من أهميته، جعل التضامن فارغًا أحيانًا، وسهلًا جدًا في أحيان أخرى. وقد حوّلت هذه السهولة التضامن إلى فعل صامت وسلبي في كثير من الأحيان، يعمل ضمن سياسات السوق والاستهلاك وعالم الجماليات.
اليوم، يكفي أن يرتدي أيّ فنان أو مؤثّر، أو من يمتلك رأسمالًا ثقافيًا واجتماعيًا، قلادة على شكل بطيخة، حتى ينال الضوء الأخضر الخاص بالمناصرة من الجمهور. وأحيانًا، وبحكم ثقافة السرعة والاستهلاك، يجب أن نسأل: هل هذا التضامن حقيقي؟ أم أنه مجرّد التفاف على المساءلة في زمن الصمت؟ هل يكفي أن نرتدي قميصًا عليه بطيخة، في الوقت الذي قد يُمنع فيه الفلسطيني أيضًا من السفر والمشاركة في أيّ مهرجان كان؟ وكيف يتحول الرمز، على أهميته، من فعل سياسي إلى منتج ثقافي يُستهلك من دون أي مساءلة سياسية؟
هذه الأسئلة ليست شكلية، وهي تتجاوز مشاريع موسيقية وفنية بعينها، بل تعبّر عن مسؤولية أخلاقية وسياسية وثقافية في زمن الإبادة، وهي مسؤولية يتشارك فيها الفنان والمستهلك والجمهور. إذًا، من يمنح الشرعية ومن ينزعها؟ الموضوع أم الموقع؟ هل يجعل الموضوع الفني فلسطين حاضرة؟ وهل تجعل شدّة هذا الحضور منها غيابًا؟ هل نصبح فلسطينيين أقلّ حين نغنّي للحبّ من دون كوفية؟ وهل الحالة المعاكسة واردة أيضًا؟
وبقدر ما تنطبق هذه الأسئلة على شب جديد وسانت ليفانت، فإنها تنطبق أيضًا على فنانين آخرين، مثل سينابتك وإليانا، وحتى محمد عساف، صاحب المشروع الغنائي المختلف. لماذا لم يُطرح هذا النقاش حول تجربته أيضًا وتجربة من شاركوا في برامج الهواة المتفلزة؟ هل لأن رحلته إلى «أراب آيدول» استغرقت يومين، ومثّلت تجربة معيارية لخروج الفلسطيني من غزّة؟ أم لأننا عرفناه يغنّي للكوفية و«يلوّح فيها»، مع أنه غنّى أيضًا للحبّ ولمسلسلات عربية مع كبرى شركات الإنتاج؟ مرّة أخرى، هل يتحول السؤال هنا إلى محاكمة وطنية؟ وهذه الأسئلة واردة أيضًا في تجربة المغنية إليانا: هل نستطيع التفكير في استخدامها للكوفية في قلب مونديال كأس العالم؟ وهنا، وبالعودة إلى الاقتصاد الموسيقي العالمي، فإنّه لا يلعب دورًا في انتشار أغنية معينة، بل يتعدى دوره إلى صياغة شروط إنتاجها من حيث اللغة المستخدمة، صورة الفنان، وتحديد ماهيّة الموضوعات الأكثر قابلية للانتشار، انتهاءً بالطريقة التي تقدّم فيها فلسطين كسلعة\ كموقف لجمهور عالمي.
هل توجد تجربة فلسطينية واحدة؟ الجواب حتمًا لا، وبما أنّ التجربة ليست واحدة ربما تكمن الإشكالية في الرغبة المستمرّة في إيجاد وخلق فلسطيني "حقيقي". الواقع الاستعماري أعقد من هذه الأحادية بكثير، هناك تناقضات يومية بين المخيم والمدينة والقرية، بين تجربة الإبادة المكثفة في قطاع غزّة، والإبادة البطيئة والمتسارعة في الضفة الغربية، ناهيك عن التجارب المتعددة للشتات، من هم في الولايات المتحدة عمّن هم في مخيّمات لبنان، هناك "فلسطين" مبعثرة في كل العالم، ما يجمع هذه التباينات والتناقضات هو سياق سياسي وتاريخي محكوم بالتشظّي وبأشكالٍ متعددة. ربّما، مواجهة هذه المحاكمة الوطنية المستمرّة هو ليس اختيار أو منح جواز سفر لممثل عن فلسطين، بل أن نؤمن أنّ هناك مساحات مفتوحة لأصوات متنوعة في شتى المجالات، وهذا ليس تهديدًا للفكرة بقدر ما هو أحد شروطها.
