صدر أخيراً عن دار نوفل / هاشيت أنطوان الجزء الثالث والأخير من سيرة الأديب محمود شقير، "هامش أخير"، وفيها "يستوفي ما كان ناقصا" في الجزئين الأولين من سيرته المنشورة: "تلك الأزمنة" و"تلك الأمكنة". هنا، قابلناه للحديث عن كتابه الأخير والختامي لسيرته.
كيف تتقاطع سيرتك الذاتية "هامش أخير" مع السير الذاتية "تلك الأزمنة" و"تلك الأمكنة؟" وهل تستطيع الحديث أكثر عن العنوان "هامش أخير"؟
هذا الهامش الأخير هو جزء ثالث لسيرتي الذاتية. كتبت أوّل كتابين "تلك الأمكنة" و"تلك الأزمنة"، وقلت في مقدّمة "تلك الأزمنة "إنّ هذا هو الجزء الثاني والأخير من سيرتي الذاتية." لكن فيما بعد تبيّن لي أن ثمّة أشياء لم أذكرها من قبل وعليّ أن أذكرها. لماذا قلت إنه هامش؟ لأنني تحدّثت تقريبًا عن غالبية القضايا التي كانت تعنيني، وما تبقّى في في النهاية هو هامش. وقلت هامش أخير على اعتبار أنني لن أكتب جزءًا رابعًا. هذا الهامش الأخير هو استكمال للجزئين السابقين، وفيه قضايا تهمّني وتهمّ القارئ وتهمّ كل من يريد أن يطلع على جوانب جديدة من سيرتي الذاتية.
أشرت في السيرة إلى قولك ذات مرّة أن المرء لا يستطيع الكتابة عن مدينة لا يعيش فيها، لكنّك اعتذرت عن هذه المقولة وقلت على العكس إنّك كتبت عن القدس مثلًا وأنت منفي عنها. ماذا عن الكتابة عن مدينة تتآكل شيئا فشيئا؟ عن أماكن لم تعد موجودة، عن مدينة لا يستطيع معظم قرّائك الوصول إليها؟
سأبدأ من الجزء الأخير في سؤالك. المدينة التي تتآكل ولا يعود هنالك ظهور لبعض معالمها ولبعض أحيائها هي مدينة القدس. ولذلك من واجبنا نحن أبناءها أن نوثّق كلّ جزئية، وأن نوثق كلّ حيّ من أحيائها، وكلّ بيتٍ من بيوتها، لكي تظلّ شاهدة على جرائم المحتلّين وعلى إجراءاتهم التعسّفية ضدّ المدينة وأهلها.
أمّا فيما يتعلّق بالجزء الأول من سؤالك، حينما كنت مبعدًا عن القدس وعن فلسطين، شعرت في بعض الفترات أننّي غير قادر على تمثّل المدينة التي كنت أعيش فيها، لذلك توهّمت أننّي لن أستطيع الكتابة عن مكانٍ لا أعيش فيه، ليتبيّن لي في وقتٍ لاحق أنّ هذا ممكن. لكن على الكاتب أن يتمثّل جيدا المادّة التي يكتبها عن المكان، وأن يتمثّل جيدا التفاصيل الخاصة بالبشر. والدّليل أنّني كتبت عن القدس في روايتي الأولى "فرس العائلة"، كتبت عن فترة لم أكن مولودًا فيها حين تمثّلت المكان واستمعت إلى حكاياتٍ وقصصٍ وتفاصيل عديدة من والدي ووالدتي وبعض أقاربي، بحيث أصبحت على معرفة جيّدة بالمكان، ولهذا كتبت عنه. إذًا، كنت مخطئا واعتذرت وعدلت موقفي، وأقول الآن: يمكنني أن أكتب عن مكان لم أعش فيه.
أكدت في السيرة أنّك منحاز للطبقات المسحوقة؛ للنساء والعمّال والفقراء والمهمّشين. وقلت أيضا إنّك مع الالتزام في الأدب، لكن هذا "لا يعني تحويل الأدب إلى دعاية مباشرة،" وأنك مع توسيع مفهوم أدب المقاومة. هل من الممكن أن نتوسع في ذلك قليلا؟ كيف تفكّر بالجمالي والملتزم؟
سادت نزعة الدعاية للمواقف الوطنية والإكثار من الشعارات في فترة من الفترات في التاريخ الفلسطيني الحديث، وفيها مباشرة ووهم بأنّ الأدب قادر على التغيير السريع، وأنّه يجب على الأدب أن يذهب إلى الجبهة لكي يؤدّي واجبه، ولكي يؤدّي وظيفته في التغيير وفي الثورة. هذه الشعارات لا تتناسب مع طبيعة الأدب ومع رسالته. مهمّة الأدب العمل على إغناء الروح، وعلى صقل وجدان الإنسان، والتأثير في حيوات الناس وفي نظرتهم إلى الأمور. من هذا الباب، يمكن القول إنّ تأثير الأدب يتم بشكل غير مباشر وعلى مدىً طويل. لذلك، يجب ألّا نقحم الأدب في شعاراتٍ وفي موضوعاتٍ مباشرة.
بالطبع، هنالك فرصة أمام الأدب الملتزم لأداء دوره في الحياة، لكن مع الحفاظ على الشروط الفنيّة للعمل الروائي أو العمل القصصي. لهذا السبب حين أنظر إلى أدب المقاومة. فإنّي أرغب في توسيع المفهوم إلى أقصى حد، وأتفق في ذلك مع ما قاله محمود درويش في كتابه "أثر الفراشة": "كلّ شعر جميل مقاومة." نقاوم الشرّ وندعو من أجل الخير، ومن أجل الحق والجمال، وبهذا نصون الأدب من جهة، ومن جهة أخرى نصون قضيتنا الوطنية.
في ذات السياق، كيف تعرّف أدب المقاومة؟ وكيف نعرّف أصلًا الأدب في سياق شراسة آلة القتل الصهيونية؟
حرب الإبادة الوحشية التي يشنّها الاحتلال ضدّ شعبنا في قطاع غزّة، والتي يشنّها إلى حدٍّ ما في الضفة الغربية، تحديدًا في شمالها، هي حرب غير مسبوقة في تاريخ الصراع. نتحدّث عن جرائم تجويع وقتل، حتّى الذين يذهبون لطلب المساعدات الغذائية يُقتلون. هذا كلّه إجرام مؤكّد. ولا تستطيع الدعاية الصهيونية المضلِّلة أن تغطّي على جرائمها، أو أن تحاول طمس الحقيقة. الحقيقة واضحة تمامًا. الأدب يؤدّي دوره لكنّه لا يدعي أنه يستطيع أن يواكب الحدث، خاصة في ميدان الرواية والقصّة القصيرة. لا بدّ من توفّر زمن اختمار للعمل الأدبي كي يعبّر عمّا عما حدث. لكن، في المقابل، بإمكان الشاعر أن يعبّر عن الحدث في لحظة وقوعه بالنظر إلى طبيعة الشعر القادرة على التعبير عن مشاعر الإنسان وانفعالاته من دون انتظار.
تحدثت في السيرة عن الدور الذي لعبه المنفى في تجربتك الأدبية، هل نحن منفيون في أوطاننا؟ ماذا يقّدم لنا المنفى اليوم؟ هل منفانا واحد؟
نحن في الأرض المحتلّة لسنا منفيين. يحاول الاحتلال أن يفصل بيننا وبين أرضنا ومدننا وقرانا ومخيّماتنا. لكنّه لن ينجح. يحاول الاحتلال أن يهجّرنا من وطننا. وربما يشعر الأدباء والمواطنون الذين يعيشون في بلدان قمعية أنّهم منفيون في أوطانهم. لكن، بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، فإننا متجذّرون في أرضنا، ولن نصبح منفيين بالرّغم من جميع مساعي الاحتلال لنفينا وإبعادنا، لم ولن ننفصل عن وطننا وسنبقى متشبّثين بالأرض والوطن والمكان.
بالنسبة للمنفى الخارجي، حاول الاحتلال أن يبعدنا، أبعدت أنا من الأرض الفلسطينية لثمانية عشر عامًا، وقد أمل الاحتلال أن يفصل بيني وبين وطني، لكّنه لم ينجح، فقد ازددت تشبّثًا بالوطن والرغبة في العودة إليه، وهذا هو شعور الغالبية العظمى من الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات اللجوء.
بالنسبة للجزء الأخير من سؤالك، ربما كان لكلٍّ منّا منفاه، وله نظرته الخاصة إلى المنفى. بعضنا يضيع في المنفى. وبعضنا يظل متشبثًا بالوطن من أجل أن يعود إليه وهو مبرأ من رغبات الاحتلال في فصله عن وطنه، أو بدقّ إسفينٍ بينه وبين الوطن.
لماذا برأيك، بحسب ما أشرت في السّيرة، لم تحظ كتابات أدب الأطفال باهتمام النقّاد والأدباء؟
حتى هذه اللحظة، لا يمنح النقّاد الوقت الكافي والضروري لمتابعة أدب الأطفال وما يُكتب للفتيات والفتيان من قصص وروايات. والسبب في ذلك ليس موضوعيًا، بل هو نابع من مزاج شخصي عند كثيرين ممّن ينتقدون هذا الأدب، إذ يرون أنّه لا يرقى إلى مرتبة الأدب المكتوب للكبار. وهذا رأي مغلوط وغير صحيح، فالكتابة للأطفال أصعب من الكتابة للكبار.
بعض النقّاد والأدباء يظنّون أنّها أسهل بكثير ممّا يتصوّرون، غير أنّ هذا وهم. إذ لا بدّ من إدراك نفسية الطفل لفهم رغباته وميوله، ومعرفة القاموس اللغوي الخاص بكلّ فئة عمرية. ولا بدّ أيضًا من كتابة تراعي متطلّبات الأطفال: ما هي نوازعهم؟ ما هي رغباتهم؟ ما الذي يضرّهم؟ ما الذي ينفعهم؟ وكيف يمكن أن نقدّم لهم مادة أدبية تحتوي قدرًا من المتعة، وقدرًا من الأفكار والقيم، من غير أن نفرض عليهم آراءً مسبقة، أو إرشادات فوقية مباشرة، بل من الضروري جدًّا، احترام وعي الأطفال، واحترام ذائقتهم، واحترام قدراتهم على التمييز بين الجيد وغير الجيد، مع مواصلة الكتابة لهم. وأنا أرى أنّ الكتابة للأطفال والفتيات والفتيان تتقدّم باستمرار في فلسطين وفي بعض أقطار البلدان العربية، وتزداد تطوّرًا ورسوخًا.
أشرت في السيرة إلى اسهاماتك ودورك في تحرير أدب الأسرى في المعتقلات الإسرائيلية. هل بالإمكان الحديث عن هذه التجربة؟ عن تجربة تحرير نصوص الأسرى بالمعنى المجازي والتقني؟
لقد اهتممتُ بالكتابة عن أدب الأسرى وتحريره حين كانت تصلني مخطوطات من بعض الأسرى، من الرفاق والأصدقاء، المنتمين إلى مختلف التيارات الفكرية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي. كنتُ أرى وأقدّر أنّ هذا أقلّ واجب يمكن أن أؤدّيه تجاه هؤلاء الذين يضحّون بزهرة شبابهم وبقسـط كبير من أعمارهم من أجل الوطن والشعب. علينا أن نقدّم لهم ولو جزءًا يسيرًا مما يستحقّونه في هذا المجال، مجال الكتابة.
كانت تصلني المخطوطات من أسرى مثل باسم خندقجي، حسام زهدي شاهين، أيمن الشرباتي، وسائد سلامة وغيرهم من الأسرى المحكومين بأحكام عالية. فبعضهم محكوم بثلاثة مؤبّدات، مثل باسم، وأيمن الشرباتي محكوم بمؤبّد إضافةً إلى عشرات السنين فوق المؤبّد. كانوا يرسلون مخطوطاتهم من خلال ذويهم، أبنائهم أو أخواتهم، فأقوم بتحريرها من الناحية اللغوية. كنتُ واثقًا من لغتهم، لكن ما كان يحدث أنّ هذه النصوص، حين تُهرَّب بطرق مليئة بالمعاناة، كانت تصل وقد وقعت أثناء نقلها أخطاء لغوية، فأصحّحها.
وفيما يتعلّق بالأفكار والصياغة وأسلوب الكتابة السليم، فقد كنتُ أحترم قدرات الأسرى ولا أتدخّل إلا عند الضرورة القصوى.
في ظلّ حرب الإبادة الجارية على غزّة، وما خلّفته من انهيار للشعارات التي غذّت حياتنا اليومية، والإيمان المطلق بالحرية والعدالة والإنسانية، يبدو أنّ السؤال الثقافي الفلسطيني ملحّ في المعنى الوجودي أكثر من أيّ وقتٍ مضى: ماذا نفعل؟ ولمن نكتب؟ وعن ماذا نكتب؟ كيف ترى تجلّيات هذا السؤال، وما الأدوار المتوقّعة من المثقف الفلسطيني في ظلّ كلّ ما يحدث؟
حرب الإبادة على قطاع غزّة كشفت كثيرًا من الحقائق. أوّلًا: هنالك تخاذل عربي وإسلامي لا يوصف؛ يرون المجاعة والتجويع، يرون القتل، قتل المدنيين الأبرياء من أطفال ونساء، ولا يحرّكون ساكنًا. يتظاهرون بأنّهم يساعدون شعبنا الفلسطيني في قطاع غزّة، لكنّ هذا يحدث جزئيًّا من باب ذرّ الرماد في العيون. مساعدات لا تغني ولا تسمن من جوع، وهي قليلة جدًّا.
والمطلوب منهم بالطبع ليس أن يحرّكوا الدبابات والطائرات، لا، لا، بل أن يضغطوا على أمريكا التي تتحكّم في مصير هذه الحرب، وأن يضغطوا على حكّام إسرائيل لوقف هذه الحرب.
على الصعيد الشعبي هناك تظاهرات واسعة في المدن الأوروبية المختلفة وفي الولايات المتحدة. وقد اتّخذت بعض الحكومات إجراءات بسبب ضغط شعوبها عليها، لكنّها ليست كافية. المطلوب وقف المجاعة. المطلوب وقف القتل وإنهاء هذه الحرب.
وفي كل الأحوال، سيظلّ الشعب الفلسطيني صامدًا، مصرًّا على حقّه الثابت في وطنه. ومن هنا يأتي دور الأدب لجهة التوثيق للأجيال القادمة ولجهة التأثير الإيجابي، فرغم كلّ الصعوبات علينا أن نواصل الطريق من أجل الدفاع عن شعبنا وعن قضيتنا، بالطرق المناسبة التي يمكن أن تصل إلى الرأي العام العالمي وتترك أثرًا إيجابيًا فيه، مثلما تترك أثرًا إيجابيًّا في شعبنا وفي شعوبنا العربية.
يمكن من هنا الاطلاع على موادنا السابقة حول الروائي المقدسي محمود شقير، كما يمكن قراءة فصل من كتابه الجديد في الرابط أدنا:

