مشاعية العنف: من يحكم الضفة الغربية؟

Under the Sun (2026) by Yazan Abu Salameh

أنس أبوعون

صحافي فلسطيني

فالدول لا تُختبر في قدرتها على إدارة الأيام العادية، بل في قدرتها على اتخاذ القرار عندما يصبح المجتمع على حافة الهاوية. أما حين يصبح القرار موزعًا كما هو العنف، فإن الكارثة لا تعود احتمالًا استثنائيًا، بل احتمالًا بنيويًا.

للكاتب/ة

إن أخطر ما في "مشاعية العنف" أنها لا توزع القوة فحسب، بل توزع المسؤولية أيضًا، حتى لا يعود أحد قادرًا على اتخاذ القرار النهائي أو مساءلته. وعندما يغيب مركز القرار، يغدو المجتمع بأكمله رهينة لمنطق إدارة الأزمات بدلًا من معالجتها.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

13/08/2026

تصوير: اسماء الغول

أنس أبوعون

صحافي فلسطيني

أنس أبوعون

كاتب وفاعل ثقافي من فلسطين، تتحرك تجربته بين الكتابة والفنون والممارسة الثقافية.

ضمن آلاف الأسئلة التي ينهض بها الفلسطيني كل صباح، باحثًا عن وجوده مرة، وعن تفاصيل حياته مرة أخرى، يظل سؤال واحد يقفز من بين الحيرة واليقين، كشرارة تظهر ثم تختفي بين أشجار غابة تحترق في عمقها: من يحكم الضفة الغربية؟

يفترض السؤال نفسه وجود مركز واضح للسلطة، وجهة واحدة يمكن ردّ القرار إليها، كما لو أن الحكم وظيفة تحتكرها مؤسسة بعينها أو سلطة سياسية واحدة. غير أن تجربتنا خلال العقدين الأخيرين تنفي هذا الافتراض بصورة متراكمة. فمن يراقب الحياة اليومية في الضفة الغربية يكتشف سريعًا أن السلطة لا تُمارس من مركز واحد، وأن الإكراه لم يعد حكرًا على مؤسسة واحدة، وأن القدرة على فرض القرار أو تعطيله أو الالتفاف عليه موزعة بين فاعلين متعددين، يختلفون في طبيعتهم ومصادر شرعيتهم، لكنهم يشتركون في التأثير في المجال العام.

لا يعني ذلك الفوضى أو انهيار الدولة بالمعنى التقليدي، بل وجود نظام شديد التعقيد والحساسية، يعمل من خلال شبكة من السلطات المتداخلة التي لا تلغي بعضها بعضًا، وإنما تتقاطع وتتزاحم وتتبادل الأدوار أحيانًا. فالاحتلال الإسرائيلي يحتفظ بالسيادة العسكرية والقدرة النهائية على إعادة تشكيل المجالين السياسي والجغرافي، فيما تدير السلطة الفلسطينية قطاعًا واسعًا من الحياة المدنية والأمنية ضمن جغرافيا مشتتة. وتواصل العائلات الكبرى ممارسة نفوذها الاجتماعي، بينما تنتج المصالح الاقتصادية ورأس المال وما تبقى من التنظيمات السياسية أشكالًا مختلفة من السلطة.

تجعل هذه البنية المركبة سؤال «من الحاكم؟» أقل أهمية من سؤال: كيف يُمارس الحكم؟ أو، بصورة أكثر تحديدًا، كيف يُوزَّع العنف بوصفه الأداة الأخيرة لكل سلطة؟

منذ ماكس فيبر، استقر في الفكر السياسي الحديث أن الدولة لا تُعرّف فقط بوجود حكومة أو حدود أو أجهزة إدارية، وإنما باحتكارها الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليمها. لم يكن فيبر يقصد السلاح وحده، بل حق الدولة في الإكراه: الاعتقال، وإنفاذ القانون، وفرض النظام، وحماية الملكية، ومعاقبة الخارجين على القانون. فاحتكار العنف ليس وظيفة أمنية فحسب، بل هو الأساس الذي تقوم عليه فكرة السيادة ذاتها؛ إذ يصعب فهم الدولة الحديثة ما دامت هناك قوى أخرى تمتلك الحق العملي في استخدام القوة خارج إرادتها.

غير أن هذا التصور يصبح أقل قدرة على تفسير حالتنا. فالمشكلة في الضفة الغربية ليست أن السلطة الفلسطينية فشلت في احتكار العنف فحسب، بل إن هذا الاحتكار لم يكن متاحًا لها أصلًا في ظل نظام استعماري يحتفظ بالسيطرة العسكرية العليا. كما أن الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من امتلاكه التفوق العسكري والسيادي، لا يمارس هذا الاحتكار بالطريقة الكلاسيكية التي تمارسها الدولة داخل مجتمعها، بل يعيد توزيع أجزاء منه بين مستويات مختلفة من الفاعلين، ويُبقي لنفسه سلطة التدخل النهائي متى اقتضت الحاجة.

ومن هنا، لا يبدو توصيف المشهد باعتباره مجرد غياب لاحتكار العنف كافيًا. فما نشهده ليس فراغًا في السلطة، وإنما إعادة توزيع للعنف بوصفه موردًا سياسيًا بين فاعلين متعددين؛ أو ما يمكن تسميته «مشاعية العنف».

ولا يُقصد بالمشاعية هنا الفوضى أو الاستخدام العشوائي للقوة، بل انتقال العنف من كونه امتيازًا سياديًا تحتكره الدولة إلى مجال تتقاسمه قوى متعددة، لكل منها مساحة محددة من القدرة على الإكراه، وفي الوقت نفسه قدرة على التنصل من المسؤولية. فكلما تعددت الجهات القادرة على فرض إرادتها على المجتمع، أصبح من الصعب تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها. وبذلك لا تتوزع السلطة وحدها، بل تتوزع معها المحاسبة أيضًا.

تمثل هذه النقطة، في تقديري، التحول الأكثر أهمية في بنية الحكم في الضفة الغربية. فالاحتلال، والسلطة، والعائلة، والتنظيم، ورأس المال، والمستوطن، لا يتنافسون دائمًا على السلطة، بل يشكلون معًا شبكة متداخلة لإنتاجها. قد تتعارض مصالحهم في لحظة، لكنها تلتقي في لحظات أخرى على إعادة إنتاج نظام يصبح فيه كل طرف مسؤولًا جزئيًا، من دون أن يكون أي طرف مسؤولًا بصورة كاملة.

هنا تحديدًا تصبح العودة إلى ابن خلدون ضرورية، لا بوصفه شاهدًا تاريخيًا على المجتمعات التقليدية، وإنما بوصفه من أوائل من أدركوا أن السلطة لا تختفي حين يضعف السلطان، بل يعاد توزيعها بين العصبيات. غير أن العصبية في الضفة الغربية لم تعد تُختزل في العائلة أو القبيلة كما عرفها ابن خلدون، بل أعادت إنتاج نفسها في صور أكثر تعقيدًا؛ فقد تكون مؤسسة أمنية، أو تنظيمًا سياسيًا، أو شبكة مصالح اقتصادية، أو جماعة استيطانية، أو تحالفًا محليًا بين بعض هذه العناصر.

لكن هذا التفسير يبقى غير كافٍ ما دام يبحث عن مركز للسلطة، وهو ما يدفع إلى الاستعانة بتحول آخر في الفكر السياسي مثّله ميشيل فوكو، الذي لم يعد يسأل: «من يحكم؟»، بل: «كيف تعمل السلطة؟». فالسلطة، بالنسبة إلى فوكو، ليست مؤسسة، ولا تقيم في الدولة وحدها، وإنما تنتشر داخل العلاقات الاجتماعية، وتُمارس عبر شبكات المراقبة والتنظيم والانضباط والمعرفة.

إلا أن الحالة الفلسطينية تضيف بعدًا آخر إلى هذا التصور. فالسلطة في الضفة الغربية ليست شبكة فحسب، وإنما العنف ذاته أصبح شبكة. لم يعد مجرد أداة في يد الدولة، بل أصبح موزعًا بين مستويات متعددة من الفاعلين، بحيث يغدو من الصعب الفصل بين الرسمي وغير الرسمي، وبين القانوني والفعلي، وبين من يصدر القرار ومن ينفذه ومن يستفيد من نتائجه.

ومن هذه النقطة يبدأ السؤال الحقيقي: كيف تعمل مشاعية العنف عمليًا؟ وكيف يمكن رصدها في الحياة اليومية؟ وهل هي مجرد مفهوم نظري، أم أنها تفسر بالفعل الطريقة التي يُحكم بها المجتمع الفلسطيني؟

ثلاثة تجليات لبنية واحدة

ويا ليت المفاهيم تأخذ قيمتها من جمال صياغتها، أو ما تتركه من توتر في نفوس مهندسي المساحة في الأراضي، بل من قدرته على تفسير الواقع.

تستعير "مشاعية العنف" اسمها من الأرض المشاع: موزعة بين الجميع، وضائعة بينهم. لكن قيمتها تبدأ حين تتجاوز الاستعارة، فتفسر وقائع متباعدة وتكشف بنيتها المشتركة؛ عندئذ تتحول من توصيف إلى أداة تحليل.

يتجلى ذلك أولًا في ظاهرة عنف المستوطنين، وهي ربما أكثر الأمثلة دلالة على الكيفية التي يعاد بها توزيع العنف داخل المشروع الاستعماري. فالتحليل التقليدي يتعامل مع اعتداءات المستوطنين بوصفها ممارسات تقوم بها مجموعات متطرفة تقع على هامش الدولة الإسرائيلية، وكأن الدولة تفشل في ضبطها أو تعجز عن ردعها. غير أن تكرار هذه الاعتداءات، واتساق نتائجها السياسية والجغرافية، وطبيعة العلاقة التي تنشأ بينها وبين تدخل الجيش، تدفع إلى قراءة مختلفة.

فالمستوطن لا يحل محل الجيش، ولا ينافس الدولة على احتكار القوة. على العكس، إنه يعمل داخل فضاء أنتجته الدولة نفسها. فحين تُحرق قرية، أو يُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، أو تُفرض وقائع جديدة حول مستوطنة قائمة، لا تكون النتيجة مجرد فعل عنيف معزول، وإنما إعادة إنتاج للسيطرة على المكان. وما أن تتغير موازين القوى على الأرض حتى تتدخل المؤسسة العسكرية، لا لتقويض ما أنتجه العنف، بل لتنظيمه وإدارته وتحويله إلى واقع مستقر.

بهذا المعنى، لا يبدو المستوطن فاعلًا مستقلًا عن الدولة، بل امتدادًا لوظائفها. فهو يمارس عنفًا لا تستطيع الدولة، أو لا ترغب في ممارسته دائمًا بصورة مباشرة، بينما تحتفظ هي بحق تنظيم نتائجه وحمايته وإضفاء الشرعية عليه. إنها ليست خصخصة للعنف بقدر ما هي إعادة توزيع لوظائفه. وهنا تكمن المفارقة؛ فالدولة الإسرائيلية لا تتخلى عن احتكار القوة لأنها ضعيفة، بل لأنها قادرة على توظيف فاعلين غير آخرين دون أن تفقد سيادتها عليهم.

ولا يقتصر هذا النمط على العلاقة بين الاحتلال والمستوطن، بل يمتد إلى العلاقة بين السلطة الفلسطينية والمجتمع، حيث لا يعود القانون وحده من يحدد مسار النزاعات، بل تتداخل معه العائلة، والوجاهة الاجتماعية، وشبكات النفوذ، والحسابات الأمنية والسياسية، كما يظهر بوضوح في النزاعات المسلحة ذات الطابع العائلي، ولا سيما في محافظة الخليل.

فالسؤال هنا ليس: لماذا تأخر تدخل الأجهزة الأمنية؟ بل: هل كانت تمتلك أصلًا القدرة على حسم الأزمة؟ فإذا كانت العائلات قادرة على تعبئة المسلحين تحت أعين الشاباك، ولجان الإصلاح تملك شرعية اجتماعية تتجاوز سلطة القانون، والأجهزة الأمنية توازن بين كلفة المواجهة وكلفتها السياسية، بينما يحتفظ الاحتلال بسيطرته النهائية، بل ويتحول أحيانًا إلى وسيط في تبادل المحتجزين بين هذه العائلات، فإن ما نشهده ليس غيابًا للدولة، بل توزيعًا لوظائفها بين سلطات متعددة. وعندها لا تعود المصالحة العشائرية مجرد آلية لحقن الدماء، بل تصبح جزءًا من نظام الحكم نفسه، حيث يغدو القانون أحد عناصر التفاوض، لا مرجعيته النهائية.

ولو كانت مشاعية العنف تقتصر على المجال الأمني، لأمكن التعامل معها بوصفها ظاهرة مرتبطة بالسلاح وحده. غير أن قدرتها التفسيرية تتجاوز ذلك إلى الاقتصاد، حيث تمارس السلطة والإكراه بأدوات مختلفة. ولعل أزمة الوقود تقدم مثالًا واضحًا.

فعندما يواجه المجتمع نقصًا في الوقود، يبدأ الجميع بالبحث عن المسؤول. تُحيل السلطة الأزمة إلى قيود الاحتلال وتكدس الشيكل، بينما تُرجع الشركات والتجار الأمر إلى سياسات التسعير، وأزمة الشيكل، وتعنت البنوك، في حين لا يرى المواطن سوى الاحتكار وسوء الإدارة. وفي النهاية، لا تغيب الأزمة، بل تغيب الجهة التي يمكن مساءلتها عنه.

يكشف هذا المشهد أن ما يتوزع ليس العنف وحده، بل وظائف الدولة نفسها. فالاحتلال يهيمن على البنية الاقتصادية الكلية، والسلطة تدير السوق ضمن هامش محدود، بينما تتحكم الشركات والتجار بسلاسل التوريد والتوزيع. ووسط هذا التشابك، يتحمل المواطن النتيجة من دون أن يمتلك القدرة على مساءلة أي طرف بصورة كاملة. وهنا لا يتخذ الإكراه شكل الرصاص، بل شكل السيطرة على مورد أساسي، ليصبح التحكم بالوقود امتدادًا للسلطة، تمامًا كما يكون التحكم بالطريق أو الأرض أو السلاح.

ولهذا، فإن الأمثلة الثلاثة المستوطن، والخليل، والوقود لا تنتمي إلى حقول متباعدة كما قد يبدو لأول وهلة. إنها تكشف البنية ذاتها من زوايا مختلفة. ففي الأولى يتوزع العنف بين الدولة الاستعمارية ومواطنيها، وفي الثانية يتوزع بين المؤسسة الرسمية والبنى الاجتماعية، وفي الثالثة يتوزع بين السلطة والاحتلال والسوق. أما النتيجة، ففي الحالات الثلاث، واحدة: تعدد مراكز القدرة يقابله تشتت مراكز المسؤولية.

خاتمة

إذا كان مفهوم مشاعية العنف يفسر شيئًا في الحالة الفلسطينية، فهو لا يقتصر على تفسير توزيع القوة، بل يكشف التحول الذي أصاب بنية الحكم نفسها. فلم تعد المشكلة في وجود احتلال يحد من سيادة السلطة الفلسطينية، ولا في صعود فاعلين اجتماعيين ينازعونها بعض وظائفها، بل في تشكل نظام توزعت فيه السلطة بين مستويات متعددة، وغابت المرجعية القادرة على احتكار القرار في اللحظات المصيرية.

قد يبدو هذا النظام قادرًا على إدارة الحياة اليومية، بل وربما ينجح أحيانًا في احتواء الأزمات الصغيرة وتأجيل الانفجارات المتكررة عبر تفاهمات بين مواقع السلطة المختلفة، إلا أن هذه القدرة ذاتها تخفي هشاشته البنيوية. فكلما تعددت مراكز القرار، وتداخلت الصلاحيات، وتوزعت أدوات الإكراه، أصبحت كل أزمة جديدة أكثر تعقيدًا من سابقتها، لأن أحدًا لا يمتلك السلطة الكاملة لحسمها، ولا يتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائجها.

ومن هنا، لا يكمن الخطر الحقيقي في حادثة بعينها، ولا في أزمة أمنية أو اقتصادية منفردة، بل في قابلية هذا النموذج لإنتاج لحظة انهيار تتجاوز قدرة جميع الفاعلين على السيطرة عليها. فالتاريخ يعلمنا أن الكوارث الكبرى لا تنشأ دائمًا من حجم الحدث نفسه، بل من هشاشة البنية التي تستقبله.

إن أخطر ما في "مشاعية العنف" أنها لا توزع القوة فحسب، بل توزع المسؤولية أيضًا، حتى لا يعود أحد قادرًا على اتخاذ القرار النهائي أو مساءلته. وعندما يغيب مركز القرار، يغدو المجتمع بأكمله رهينة لمنطق إدارة الأزمات بدلًا من معالجتها.

فالدول لا تُختبر في قدرتها على إدارة الأيام العادية، بل في قدرتها على اتخاذ القرار عندما يصبح المجتمع على حافة الهاوية. أما حين يصبح القرار موزعًا كما هو العنف، فإن الكارثة لا تعود احتمالًا استثنائيًا، بل احتمالًا بنيويًا.

الكاتب: أنس أبوعون

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع