من طقس شعبي إلى شاشة السينما

"السبع موجات" يروي قصة الغزيين والبحر

من الفيلم، معدلة.

محمد الزقزوق

كاتب من فلسطين

نماذج كثيرة نراها، سواء بصورة خاصة أو ضمن سيرورة الفيلم العامة، تُعطي صورة حقيقية قد تكون مختلفة لمجتمع حيٍّ يريد الاستمرار في ممارسة كافة أشكال الحياة الممكنة، ويناضل لأجل تحقيق ذلك. إنه نضال يومي دؤوب، دون استعراض أو تهويل، وإنما رغبة جامحة وهادئة في آنٍ واحد، ي

للكاتب/ة

نرى في الفيلم بيسان، فتاة غزية رياضية تمارس رياضة التجديف، وهي رياضة غير رائجة في كثير من الدول العربية، لا سيما للفتيات في غزة. تسعى بيسان إلى تحقيق حلمها في مسار نمو طبيعي يُمكِّنها من تطوير مهاراتها والمشاركة في مسابقات، وسط واقع مليء بالتحديات والقيود المجتمعية.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

21/04/2025

تصوير: اسماء الغول

محمد الزقزوق

كاتب من فلسطين

محمد الزقزوق

وباحث من مواليد خانيونس عام 1990، درس اللغة العربيّة وآدابها في جامعة الأقصى، يكتب في العديد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة، عضو ناشط في عدد من التجمّعات والأجسام الأدبّية والثقافية الفاعلة في المشهد الثقافيّ بقطاع غزّة، وكان منسّقًا عامًّا للتجّمع الثقافيّ لأجل المعرفة "يوتوبيا، يعمل في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي منسقاً في برنامج المكتبات المجتمعية والفرق الشبابية، حصلت مجموعة الشعرية " خانني العرّافون" على جائزة على الخليلي للشعر، ضمن مسابقة ملتقى فلسطين الثقافيّ الأولى للكتّاب المبدعين والمبدعات لعام ,2018".

شكَّل بحر غزة، وعلى مدار سنوات طويلة، ملاذًا للمدينة الفلسطينية الصغيرة الواقعة على البحر المتوسط. فالمدينة، التي تُشبه صندوقًا صغيرًا من المباني الخرسانية الجامدة، التي تُهدَم اليوم، وبعد عام وأكثر من الحرب، مساحات هائلة منها، تلوذ بالبحر كما لو أنه الفرصة الأخيرة لبيت مهدّم ومعطوب، لكنه وبالرغم من حالة الخراب الهائلة، لا يزال يمتلك نافذة صغيرة تُطلّ على مدى واسع من زرقة المتوسط الواسعة والكبيرة.

بهذا، تكوَّنت مع البحر، بوصفه ملاذًا وسط كل تلك الأهوال، علاقة خاصة مع الغزيين الذين وجدوا فيه مُخلِّصًا روحيًا ووجدانيًا، ومصدرًا للشعور بالحياة والاستمرار والجدوى وسط حالة غير معقولة من التدمير والعبث وانعدام المعنى والشك الكبير. يعطي بحر غزة مساحة ما من اليقين والقدرة على البقاء وإعادة ترتيب ما بعثرته الحرب من الذات الخاصة والجمعية التي انسكبت عليها طيلة الأشهر الماضية ألوان شتى من العذاب.

طقس "السبع موجات"

في غزة، ومنذ سنوات طويلة، وجد الغزيون، ضمن مجموعة العلاقات الخاصة التي نسجوها مع البحر، طقسًا بحريًا شعبيًا يُسمَّى "السبع موجات". وكغزيٍّ يعيش في المدينة إلى جوار البحر، عشت في طفولتي ذلك الطقس. كانت جدتي، في كثير من الأوقات التي نذهب فيها في نزهة عائلية إلى البحر، وحين نتوجه جميعًا، الصغار والكبار، للاستحمام في مياه الشاطئ، تغمر رؤوسنا بموج البحر. كلما اقتربت موجة، وإلى أن تمرّ من فوق أجسادنا وتنتهي إلى الشاطئ، يستمر الغمر في موجات البحر المتتابعة، إلى أن تمرّ من فوق أجسادنا ورؤوسنا سبع موجات كاملة.

كان الاعتقاد أن هذا الغمر المتكرر في موجات البحر المتتابعة من شأنه أن يُزيل الكرب والضيق ويُبدده في مدى البحر الواسع، فنعود من تلك الرحلة بأجساد أخف، بعد أن يكون الموج قد أخذ منها ما ترسّب فيها من الضيق والحزن. جدتي، اللاجئة من يافا عقب نكبة عام 1948، ورثت هذا الطقس نتيجة علاقة مشابهة مع ذات البحر في شاطئ يافا، وعلى الطريقة ذاتها حاولت أن تستمر بذلك الطقس في علاقتها مع شاطئ غزة. وبدورنا، ورثنا ذلك الطقس كعلاقة خاصة مع البحر في المدينة.

"السبع موجات" في السينما

في فيلم "السبع موجات" للمخرجة الفلسطينية-الأردنية أسماء بسيسو، الذي يُقدِّم توثيقًا للحياة في قطاع غزة قبل الأحداث المأساوية التي بدأت في أكتوبر 2023، يظهر طقس "السبع موجات" تعبيرًا عن عمق العلاقة الخاصة التي يُقيمها الغزيون مع بحرهم؛ فهو ليس مجرد مظهر طبيعي، بل مُخلِّص لأكوام هائلة من الألم التي تتراكم عقب كل مأساة جديدة يعيشونها في المدينة المدمرة. كما يُعدّ ملاذًا يمكنهم من خلاله إعادة تقييم علاقتهم بأنفسهم وبمدينتهم التي تعاني، وبالعالم الذي يُراقب معاناتها عبر ذات الشواطئ في مدن كبيرة مترامية على شواطئ المتوسط.

غزة كما لا يعرفها كثيرون

يُظهر الفيلم، الذي صُوّر قبل اندلاع الحرب الأخيرة في أكتوبر 2023، تفاصيل الحياة اليومية العادية في غزة. المدينة التي تظهر عادةً كمدينة تخوض حروبًا كثيرة، ويعيش سكانها في أجواء من الكآبة والضيق نتيجة المشكلات الكثيرة التي يعانونها، لكن في الفيلم، نرى سكان المدينة بوصفهم مجتمعًا قادرًا على ممارسة أشكال الحياة بتقدير ورغبة كبيرين. مدينة تحاول أن تحيا كما تحيا المدن الأخرى، وسط مساحات من التفاعل الإنساني الحي والرغبة في الحياة. نرى أصدقاء يلتقون في مقاهٍ في أجواء هادئة، وأطفالًا وشبابًا يرقصون في حفلات غنائية تُقام في الشوارع وسط أجواء احتفالية مزينة بالأضواء، وحفلات أعياد ميلاد تُقام ويشارك فيها كثيرون وسط مشاعر دافئة من الفرح والحياة. كما نرى تدريبات رياضية وأنواعًا شتى من الرياضات التي يُمارسها محبّوها، محاولين إيجاد فرصة للنمو واكتساب المهارة وسط المساحات الضيقة والمحدودة للمدينة.

على عكس ما قد يبدو لكثيرين خارج المدينة ممن يعتقدون أنها مدينة ميتة وجامدة، يعيش سكانها في دوامة من المعاناة، يُظهر لنا الفيلم مجتمعًا حيًّا يحاول العيش في مدينة تعاني، لكنها رغم ذلك، تستمر في كونها مدينة محبة للحياة ومقدّرة لها. إنها تركض وراء الأمل وتبحث عن الحياة، رغم أنها مُحاطة بالموت من كل الاتجاهات.

شخصيات من الفيلم

نرى في الفيلم بيسان، فتاة غزية رياضية تمارس رياضة التجديف، وهي رياضة غير رائجة في كثير من الدول العربية، لا سيما للفتيات في غزة. تسعى بيسان إلى تحقيق حلمها في مسار نمو طبيعي يُمكِّنها من تطوير مهاراتها والمشاركة في مسابقات، وسط واقع مليء بالتحديات والقيود المجتمعية. كما نرى محمد بكر، صياد يعيش حياته في بحر غزة، ويعكس في قصته عمق العلاقة الخاصة مع البحر كمصدر للحياة والأمل والرزق.

نماذج كثيرة نراها، سواء بصورة خاصة أو ضمن سيرورة الفيلم العامة، تُعطي صورة حقيقية قد تكون مختلفة لمجتمع حيٍّ يريد الاستمرار في ممارسة كافة أشكال الحياة الممكنة، ويناضل لأجل تحقيق ذلك. إنه نضال يومي دؤوب، دون استعراض أو تهويل، وإنما رغبة جامحة وهادئة في آنٍ واحد، يريدها الناس في غزة ويُقدّرونها تقديرًا خاصًا، كونهم وحدهم من يعيشون أشكالًا شتى من الحرمان منها.

البحر شخصية رئيسية في الفيلم

يظهر البحر في فيلم "السبع موجات" ليس بوصفه موضعًا للأحداث فحسب، بل شخصيةً مركزيةً تتفاعل في فضاء الفيلم بشكل حقيقي، وتُضفي على الأحداث سياقًا خاصًا. إنه ليس مجرد بحر، بل شريك في الحياة، يمتدّ بامتداد العلاقة بين الموروث الشعبي الفلسطيني والحياة الفلسطينية المعاصرة في غزة خاصة، وفي فلسطين عمومًا. البحر هنا هو مرآة لقدرة أهل غزة على الاستمرار في الحياة، كما لو أنه يُشاركهم في حبها وتقديرها، لأنه ملاذهم ومساعدهم، ولأنه، وقبل كل شيء، بحرهم.

يقول الباحث سليم تماري في كتابه "الجبل ضد البحر" إن البحر في وجدان المهاجرين والفلاحين يعني استمرارية لبحر يافا وأسدود، ووجد فيه اللاجئون فرصة لإعادة صياغة هويتهم الجماعية بعد الحروب المتعددة. وفي غزة، جاء البحر ليفعل ذلك تمامًا مع الناس الذين يلجأون إليه كلما أُغلقت في وجوههم بوابات الأرض، التي تُغلق دائمًا. إنه صورتهم عن الانسياب، الذي يجدونه في موجاته المتتالية، وصورتهم عن ذلك المدى المفتوح، الذي يطمحون إليه في مدى أرضيٍّ مُعلَّق.

الكاتب: محمد الزقزوق

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع