بدأ زياد الرحباني التلحين لوالدته السيدة فيروز في سن مبكر، عام ١٩٧٢، حين لم يكن يتجاوز السادسة عشرة. كانت موسيقى ولحن وكلمات أغنية "سألوني الناس" مشبعة بأجواء الرحابنة الأب والعم، ولم تكن ملامح أجواء أغاني زياد قد بدأت تتشكل بعد.
في أغنية "البوسطة" التي غنتها فيروز عام ١٩٧٥ بدأنا نتعرف على ملامح موسيقى زياد التي تشي بشخصية موسيقية مستقلة ومتفردة، كما عالم كلمات أغانيه.
بدأت ملامح عالم جديد لأغاني فيروز تتشكل. نقلها زياد من أجواء الحلم والرومانسية والخيال والشعرية والنسخة السحرية للعالم المادي، إلى عالم الفوضى اللغوية والسياسية والوجدانية، عالم الواقع المعاش.
فجأة انتقلت فيروز من أجواء "من يومها صار القمر أكبر" إلى "تنذكر ما تنعاد"، من رومانسية "قعدوا على مقاعدنا سرقوا منا المشوار" إلى " كيفك إنت، ملا إنت" أو "أنا ما تغيرنا إنت اللي تغيرنا".
كانت اللغة لعبة زياد والموسيقى إبداعه المتفرد، وكانت كلمات وموسيقى أغانيه توليفة متفردة صعب أن تتخيلها لكنك ستتورط في حبها.
ما فعله زياد الرحباني في فنه هو أن أمسك بيد فيروز وقادها من زمن الرومانسيات والأحلام إلى زمن الحروب والتيه والدماء الذي لم تعد تلائمه أجواء " يمي ما بعرف كيف حاكاني"، فبراءة أجواء القرية اللبنانية انحسرت عن المشهد لتحل محلها قسوة تناقضات حياة المدينة، وبراءة ملامح المشهد الذي تعمرها أعياد ومواسم لم تعد تصلح لتعبر عن لبنان حرب أهلية وحشية، فضلاً عن انحسار المشهد الرومانسي تدريجياً من نمط حياة المجتمعات العربية، جمهور فيروز، بشكل عام.
أمسك زياد بيد فيروز ورحل بها إلى عالم "بخطر لي آخد حبة تا إقدر نام"، عالم عقاقير الصداع والمسكنات، عالم التوتر والتيه وانسداد الأفق السياسي والاقتصادي.
طبعاً لم يكن هذا الانتقال سلساً أو سهلاً، فقد قال زياد في أكثر من مقابلة صحفية إن بعض الأغاني التي لحنها لأمه بقيت محتجزة لديها سنوات قبل أن تقتنع وتغنيها. لكنها حين اجتازت الحاجز النفسي الفاصل بين أجواء عالم الرحابنة وملامح عالم زياد انطلقت على سجيتها، وغنت كلمات ما كان يمكن أن يتصور أحد أن تغنيها، مثل أغنية "رفيقي صبحي الجيز". من كان يتصور أن تلفظ فيروز كلمة "رفيق" خارج نطاق مدلول صحبة الطفولة والشباب ؟ لكن زياد فعلها، و"ورطها" حتى في أجوائه السياسية.
اجترح زياد لغة هي نقيض لغة الأغاني الشائعة مهما كان توجهها، فيها عمق وفلسفة رغم وقعها المضحك أحياناً.
كثيراً ما أتأمل بعبارة "إحنا ما تغيرنا إنتي اللي تغيرنا"، التي لم تغنها فيروز لكن كلمات زياد التي غنتها لا تختلف كثيراً في مشاغباتها اللغوية. ماذا تعني عبارة "إنت اللي تغيرنا" ؟ طبعاً العبارة تخرج عن قواعد اللغة الكلاسيكية، لكن الفن المتمرد في كل العالم كسر الأطر التقليدية، سواء اللغوية أو الموسيقية. لو أردت استبدال هذه العبارة بعبارة كلاسيكية فالمعنى سيكون "لقد تغيرت علاقتنا بسببك "، لكن المتأمل بعبارة زياد المشحونة لوقارنها بالمقابل اللغوي الجامد البارد لوجد فجوة كلبرة.
في السياسة والفن: زياد المتمرد، الحر
تنتمي سيرة زياد الموسيقية إلى الروح العالمية للتمرد أو التعبير الفني عن موقف من الواقع، والتي تتسم في العادة بكسر القوالب السائدة والتمرد عليها شكلاً ومضموناً.
في أوروبا أنتجت الحرب العالمية الثانية بكل الخراب الذي خلفته على الأرض كما في النفوس، مسرح العبث: مسرحاً كسر القالب الكلاسيكي القائم منذ الإغريق، وسخر من كل شيء.
في العالم العربي كان الزلزال الأول هزيمة عام ١٩٦٧، التي أنتجت بدورها فناً مختلفاً.
حين بلغ زياد نضج التعبير الموسيقى كانت الحرب الأهلية اللبنانية على الأبواب، سبقتها أجواء سياسية محتقنة في لبنان والمنطقة.
طبعاً نفس الواقع الذي أنتج موسيقى زياد هو الذي أنتج أغاني مثل "بدنا نتجوز عالعيد" و "لمجوز ألله يزيده"، فرد الفعل على الواقع الذي يولد فيه الفن مرتبط بشخصية الفن لا بالواقع وحده.
كانت البداية هزيمة عام ١٩٦٧ التي "سيست" الشباب، وبما أن الشباب في العالم العربي هم الفئة الأكبر من جمهور الفن الجديد، فكان لا بد أن تنتقل هذه الروح إلى الفن.
ظهرت في لبنان الاغنية السياسية، ومع أنني سأكون حذراً في إسباغ هذا الاسم على ملامح فن زياد، إلا أنه كان مسكوناً بالهم السياسي في ما أنتج من موسيقى ومسرح.
كان زياد يساري التوجه، وقد ارتبط اسمه بالحزب الشيوعي اللبناني، لا أدري إن كان التزم به في أي مرحلة، لكنه كان مقرباً منه، وكانت لمواقفه السياسية ملامح يسارية واضحة، لكن نتاجه الفني، المسيس بشكل لا لبس فيه، لم يكن سياسياً فجاً. ابتدع أشكالاً فريدة للتعبير السياسي في الموسيقى والمسرح. في المسرح اعتمد السخرية السياسية، وكذلك في كلمات أغانيه كما أشرنا سابقاً. في الأغاني كان أهم ملامح ثورته وتمرده هو الخروج عن السائد في الاسلوب اللغوي والموسيقي، وابتكار أشكال إبداعية مبهرة غير مسبوقة.
لو تأملنا في أغنية "شو هالإيام اللي وصلنالا" مثلا: هي أغنية تحمل ملامح زياد لغوياً وسياسياً وموسيقياً وأداء، لكنها تستعير من أغان عربية كلاسيكية (الحلوة دي قامت تعجن من سيد درويش، يا سلام سلم، الهوى غلاب ).
كان للغة أغاني زياد سمة محددة تحمل ملامح هويته اللغوية، أما موسيقاه فقد تنوعت ما بين الأسلوب الشرقي والجاز بل والروك أحياناً، لكنها كلها تحمل بصماته التي لا يمكن أن يخطئها من يستمع إليها، المشاغبة في التعامل مع القوالب، فجمله الموسيقية كما قال أحد كبار العازفين الذين صاحبوه بالعزف موسيقياً في إحدى حفلاته في القاهرة إنها كانت "كابوسا" للعازفين بسبب تفردها الشكلي وبصمات زياد التي كان يضيفها على شكل ملاحظات تكميلية على النوتة الموسيقية.
لا يواكب الفن في العالم العربي، لحسن الحظ، حركة المجتمع كما في المجتمعات التي كانت مسيرة تطور مجتمعاتها عضوية ومنتظمة، فلذلك نجل الفن عموماً، بما فيه الأشكال الأدبية، يحلق فوق الواقع ولا يتماهى مع درجة تطور ثقافته السائدة، فالأشكال الحداثية في الفن تبرز على شكل طفرات فردانية، تظهر فجأة من اللامكان، وتنطفىء فجأة دون أن تؤسس لثقافة تبنى لبنة لبنة ودون أن تضمن لنفسها استمرارية.
لم تكن ظاهرة زياد الرحباني استثناء، فهو الذي استعار من الأشكال الموسيقية العصرية للعالم برغم الواقع الاجتماعي المتردي، كان يحلق في أثير خاص به، فوق النسيج الثقافي السائد لمجتمعه.
رحل زياد، وبقي فنه الموسيقي والمسرحي علامة فارقة جداً في تاريخنا الثقافي.
