لم يكن الفن بريئاً يومًا، وعليه، فذائقتنا الجمالية تورط في تلك العلاقة.
فالأشكال الجمالية -أيًا يكن جنسها، صوتية أو مكانية أو بصرية، أو أدائية أو غير ذلك- تحمل في طياتها ديناميات ومحمولات السياسة والسياق التاريخي والعلاقات الاجتماعية واقتصادياتها. في العالم العربي، لم تأتِ الحداثة بما هي عملية محايدة تبدأ من القاعدة إلى القمة، بل فُرضت بعنف بعكس هذا المسار، وتم التفاوض حولها، وغالباً ما تم مقاومتها. من عمارة الدولة الضخمة إلى أنغام أغاني الاحتجاج، أصبحت الجماليات ميداناً تتصارع فيه الذاكرة والسلطة والهوية. يستكشف هذا المقال كيف تكشف الحداثة وما بعد الحداثة العربية عن الطبيعة السياسية العميقة للأشكال الفنية الجمالية، وعلاقات القوى فيها.
الصوت:
الصوت كحيّز مضاد للدولة: من الكاسيت إلى الضوضاء
ليس الصوت مؤثرًا ماديًا خاملًا، بل وسيلة تعبير، وبنية مقاومة، وحقل اشتباك، وأداة لإنتاج المعنى بالعلاقة مع ديناميات وعلاقات القوى المختلفة. فحين نُعيد طرح العلاقة بين الصوت والسلطة مثلًا، يتّضح أن الصوت لا يخضع فقط للسمع، بل لاقتصاد سياسي كامل: من يتحكم فيه؟ من يملك أدواته؟ ومن يُقرّ بمشروعية الصوت أو يُسميه "ضوضاء"؟
تنطلق هذه المقاربة من فهم الدولة الحديثة بوصفها تركيبًا ثلاثيًا: إقليم، سكان، وسيادة. ووفق هيغل، لا تكتمل أهلية جماعة لأن تُنتج تاريخًا إلا عبر امتلاك الدولة، والكتابة بوصفها مادتها. فـ"لا كتابة، لا تاريخ"، كما قال هيغل، ومن ثم عُدلت العبارة الهيغلية في القرن التاسع عشر لتكون "لا دولة، لا تاريخ".
وهنا تتبلور ثنائية راسخة:
الصوت / السمع / الشفاهة / اللادولة
في مقابل:
النص / البصر / الكتابة / الدولة.
بموجب هذا التوازي، تصبح الكتابة فعلًا سلطويًا يُنتج حيزًا وجغرافيا وسيادة، بينما تُعامل الشفاهة بما هي مؤقت صوتي، عابر، غير مؤرشف، ولا يستحق الحفظ. هذه البنية المعرفية تستبعد المجتمعات الشفاهية من التاريخ، وتُلحق بها صفات "التخلف" أو "الجهل" أو "البدائية"، كما في وصف هيغل لشعوب أمريكا الأصليين. وهكذا، يصبح الصوت قرينًا للهامش، واللادولة، والتاريخ غير الرسمي.
لكن هذه الهامشية الظاهرة، كما توضّح ثقافة الكاسيت في العالم العربي، كانت مساحةً لإنتاج تاريخ سمعي مضاد. ففي السبعينات والثمانينات، مثّل شريط الكاسيت تمردًا على بيروقراطية البث الرسمي، ونقابة الموسيقيين، ومؤسسات الدولة الثقافية. لقد حمل أصواتًا ممنوعة: أناشيد دينية، موشحات شعبية، مونولوجات ساخرة، ورسائل سياسية. فلم تكن هذه فقط أصواتًا بديلة، بل أرشيفًا حيًّا لجماعات لا تملك حق الوصول إلى الإذاعة الرسمية، لكنها تكتب صوتيًا ما لم يُكتب نصيًا.
هذا الفضاء السمعي غير الرسمي لا يُعرّف فقط بما يُقال، بل بكيفية تدفق الصوت، بأدواته المحمولة، وطقوس تداوله الأفقي، بعيدًا عن المؤسسات. الكاسيت إذًا، لم يكن مجرد وسيط، بل تقنية لامركزية للذاكرة، تنتج الحيّز، وتنقله من ساحة الدولة إلى "العتبة"، حيث المقهى، السيارة، السوق، والمهرجان الشعبي، وكل تلك المساحات الثالثة، التي أنتجت حراكات اجتماعية وسياسية مغايرة.
في الزمن الحاضر، يتكرّر هذا الاشتباك عبر صعود موسيقى المهرجانات، التي تعيد صياغة الصوت كأداة سيادة مضادة، وإن بدت ظاهريًا محكومة بالموقع الاقتصادي لها. فهي تفرض ذاتها على المدينة دون إذن، وتخترق المجال العام بوسائل رخيصة وقابلة لإعادة الإنتاج والتداول والتفاوض. الصراع بين فناني المهرجانات ونقابة المهن الموسيقية، هو في جوهره صراع سرديات استعمارية ورأسمالية: بين سردية كبرى تمثلها الدولة وموسيقاها "الرسمية" (كأعمال عمر خيرت في المطارات المصرية، بوصفها صوت السيادة)، وسردية صغرى تنبثق من الأحياء الفقيرة، دون ضمانات جمالية أو سياسية، ولا تلتزم بطبقية البنى الموسيقية الرسمية (الواردة في أغلبها من الرجل الأبيض)، لكنها مشبعة بالوجود الآني والغضب الاجتماعي. بهذا المعنى، يتحوّل الصوت إلى فعل سيادة جماعية خارج القانون، لا تطلب الاعتراف بل تفرض الحضور.
يتعمّق البعد السياسي للصوت حين ننتقل من الموسيقى إلى الضوضاء، ذلك النص السمعي المديني المراوغ الذي يصعب الإمساك به. فالضوضاء، لا تحتاج أن تكون صاخبة لتكون فعّالة؛ هي لا تطلب الانتباه لكنها تنتزعه. هي ليست خارج اللغة فقط، بل خارج الأرشفة، خارج التفسير والتأويل بما هو ترسيم لعلاقات (ما). ومثل الصمت، تقع الضوضاء خارج منطق السلطة الحداثي الذي ينظّم الأصوات ضمن هرمية عقلانية، تقبل بها السلطة، أي سلطة. فالموسيقى الكلاسيكية، كما تعلمنا الحداثة، تُقيّد الصوت بنوتة، وتُعرّفه بـ"نغمته" كما أراد هيغل. أما الضوضاء، فهي لا تقبل التعريف، ولا تخضع للقياس، ولا يمكن تصنيفها بسهولة. إنها صوت المدينة المضادة، الهامش الذي يتزن عليه المركز.
في لحظات استثنائية، كما في حظر التجوال الذي فُرض على القاهرة بعد ثورة 2011، لا يصبح الصمت غيابًا للصوت، بل إعادة تشكيل قسرية للمجال السمعي. لم يكن الصمت آنذاك حالة فراغ، بل مساحة سمعية مضبوطة عبر صفارات الشرطة، تحكمها وتُديرها الدولة. فالصمت لم يُخل المدينة من الأصوات، بل أفرغها من الأصوات التي لا تسمح بها السلطة. وبذلك، لم يكن الصمت سوى صوت السلطة وقد تحوّل إلى أداة سيطرة إيقاعية.
ورغم ذلك، تظل الضوضاء والصمت يحتفظان بصفتهما كفضاءين عصيين على الضبط الكامل، حيث يُمكن لما يسميه فوكو بـ"الهيتروتوبيا" أن يظهر: فضاءات مغايرة تنشأ من داخل المدينة، لا تخضع كليًا للمنطق الأمني أو المعماري، بل تعيد إنتاج ذاتها من خلال الاحتكاك، المفاجأة، والاحتلال المؤقت للصوت، وأحيانًا الإخلال به، مثلما هو الحال مع تاريخ غناء "النشاز"، الذي مثله تيار ممتد من الشيخ إمام إلى الآن.
في هذا التوتر، يظهر منطق ما بعد الحداثة كما شرحه ليوتار: لحظة لا تنهي الحداثة، بل تزعزع سردياتها الكبرى من الداخل، وتُفسح المجال لسرديات صغرى، موقعيّة، تتشكّل من الضوضاء، هتاف الباعة، موسيقى المهرجانات، وقع الأقدام، والأصوات غير المصنّفة. هذه كلها نصوص صوتية ما بعد حداثية تُعيد رسم علاقتنا بالحيّز، بالزمن، وبالجسد، لا من خلال المعنى الثابت، بل من خلال الحضور الحسيّ المتحوّل.
الصوت هنا لا يُعرض في صالة، ولا يُقرّ له بالشرعية ضمن معجم الدولة، لكنه يتسرّب في اليومي، يتكثّف في زوايا المدينة، ويُنتج وجودًا لحظيًا لا يحتاج إلى أرشفة ليكون فعّالًا، ونجد أنفسنا شركاء فيه. الصوت لا يطلب اعترافًا، بل يمارس السياسة بوصفها وجودًا جسديًا لا يُمثّل بل يُعاش. وكما تقترح تجربة الصوت في المدن المركزية، كالقاهرة، فإن الصوت هو السياسة حين لا تعترف السياسة به.
العمارة: المدينة كأداة سلطة واستثمار في الفراغ
المدينة، في السياق العربي الحديث، لم تُبنَ لتُسكن فقط، بل لتُراقَب وتُملَك وتُستثمَر، فهي استعارة حداثية ممتدة من التاريخ الاستعماري الأوروبي القائم على قطيعة من التراث المديني العربي. المعمار هنا لا يحمي الأجساد بقدر ما يقيّدها ويراقبها؛ لا يخلق حيّزًا للفردانية الشخصية إلا من خلال انقطاعها عن المشترك الجمعي، ما يفرض حيّزًا للسيطرة. في هذا الإطار، لم تكن الحداثة المعمارية في العالم العربي مشروع تحرر، بل بنية عنف مُمَأسَسة، تستورد أدواتها من المركز الاستعماري، وتُلبِسها لغة وطنية، وتعكس الدولة والسلطة طيلة الوقت.
تُظهر شوارع المدن العربية، ومرافقها العامة، وعماراتها الحكومية، كيف يتحوّل التصميم المديني إلى تجلٍ للسلطة، كما يشرح إدوارد سوجا حين يؤكد أن إنتاج الحيّز هو إنتاج للسلطة ذاتها. فالمخططات التنظيمية ما بعد الاستقلال استندت غالبًا إلى نماذج استعمارية: الطرق المستقيمة، الأحياء المفصولة، مناطق الإدارية المحصّنة، كلها أشكال لإعادة إنتاج السيطرة تحت غطاء "الحداثة" التي استعارت تقنين الهيمنة من خلال التخطيط، من خلال نموذج البارون هاوسمان في باريس في القرن الثامن عشر، والذي صمم المدينة لغايات السيطرة على سكانها، ومن ثم ألبسها لبوسًا حداثيًا.
غير أن هذا العنف لا يُمارَس فقط عبر التنظيم الصارم، بل أيضًا من خلال الدمار والإزاحة. وليس ببعيد عن غزة، حيث الإبادة المدينية (urbicide) تستهدف الحيّز بوصفه سجلًّا حيًّا للمقاومة اليومية. نجد الهدم والإزاحة في القاهرة وبيروت وجدة، لغايات إعادة ترتيب الاجتماعي طبقيًا وسلطويًا، على حساب طبقات اجتماعية احتضنت الذاكرة والتكافل والسردية غير الرسمية.
يتّضح هنا كيف يتحول العمران إلى رأسمال، لا إلى بيئة للعيش. حيث لا يُبنى الحيّز لتلبية الحاجات، بل لتثبيت التحالف بين الدولة ورأس المال، مشاريع البنية التحتية الضخمة (الجسور، الأنفاق، الكباري) لم تُصمم لتربط الأحياء المهمّشة، بل لتخترقها، تُقطّعها، وتُعيد ترتيب المدينة كشبكة من العزل والسيطرة، القائم على حركة رأس المال، وتأكيد سلطته، عبر تحويل المدنية إلى علاقة خدمية.
يتقاطع هذا مع تحولات المدينة العربية. فالتحوّل نحو "المدن الذكية" و"المجتمعات العمرانية الجديدة" يوازيه تهميش كامل للفئات التي لا تملك حق التملك أو التعبير، ما يفرغ المدينة من بعدها الحي، ويدفع نحو "الفراغ المنظّم": مساحة تُظهر الحداثة، لكنها تمحو الحياة.
هذا النمط من العنف المعماري لا يُشاهد فقط في مشروعات الهدم أو التهجير، بل في المنطق الكلي للتخطيط: إزالة الأسواق الشعبية، إحاطة الساحات بالكاميرات، منع التجمعات، تدجين الأماكن العامة، طرد سكان العشوائيات، وتحويل المسكن من حق إلى امتياز. كل ذلك يضعنا أمام سؤال جوهري: من يملك المدينة؟ ومن يُسمَح له بأن يكون مرئيًا فيها؟
إن ما يبدو "تنمية" و"تنظيمًا" هو في جوهره عملية إقصاء طبقي–سياسي ممنهج، تُبنى فيه المدن لتُدار لا لتُعاش، وتُفرَض فيها الخرسانة كأداة إسكات. هذا هو عنف المعمار حين يتحوّل إلى خطاب صلب، يصمت لكنه يحكم، يُخفي لكنه يُحدّد.
الخطوط: أيعقل أن تكون مادة استعمارية؟
الخط ليس مجرد وسيلة تقنية في الرسم أو الهندسة. في سياقات الحداثة، وخصوصًا مع تحويراتها الاستعمارية والنيوليبرالية، يتحوّل الخط إلى بنية سلطة. وكما ينبهنا مانليو بروزالين في كتابه "قصة الخطوط"، فالخط ليس أثرًا بريئًا ولا مجرد امتداد بين نقطتين، بل أداة إدراكية تستحضرها السلطة فور شروعها في إخضاع الحيّز: من أول ترسيم للحدود الدولانية إلى أول درس يُلقَّن لطلبة العمارة والتصميم حول "رسم الخطوط". هنا، لا يعود الخط تقنية بل تمرينًا على السيطرة، تمرينًا على ترويض الفضاء.
في العالم العربي، جاء الخط المستقيم كاستعارة للاستعمار، والعقلانية الصلبة للحداثة الأوروبية. من تقسيمات سايكس–بيكو، إلى الحدود المصطنعة بين الدول، إلى تخطيط المدن وفق شبكة متعامدة تفصل الأحياء والأجساد والطبقات. هذه الشبكات لم تكن تُرسَم على الأرض فحسب، بل كانت تُغرس في المخيلة: كل ما هو مستقيم يُعدّ متطورًا، وكل ما هو منحنٍ بدائيًا أو فوضويًا.
تاريخيًا، يعود تمركز الخط في البصريات والرسم المعماري إلى عصر النهضة، حين قام فيليبو برونالشي وليون ألبرتي بتأسيس المنظور الهندسي كقاعدة للرؤية. حينها "رُفع" الخط وجعل منفصلًا عن الجسد، بعيدًا عن اللمس، وعن الحركة الحيّة. ما نتج عنه، إحساس بارد ومنهجي بالمكان، يُضفي على الخط صفة أخلاقية: فكونه مستقيمًا يعني أنه "عقلاني"، "متّزن"، و"متّسق مع خلق إلهي منظّم". هكذا، تُنتج الحداثة ذاتًا متألهة ترى في الخط امتدادًا لسيطرتها، لا لعلاقتها بالعالم.
حتى حين تتحوّل الخطوط إلى أشكال منحنية، لا يعني ذلك انكسارًا للسلطة، بل إعادة إنتاج ناعمة لها. كما يوضح دولوز، الخط المطوّق" لا يفصل فحسب، بل يحيط، يُخفي الهيمنة تحت مظاهر الانسيابية.
وفي المقابل، ترفض الفنون والممارسات الجمالية ما بعد الحداثية هذه البنية الخطّية. فهي تعيد الاعتبار للتعرجات، للتشظي، للخطوط اليدوية، وللرسم غير المنضبط. السرد غير الخطي، الشكل الحلزوني، والأعمال التي تُفكك المنظور الكلاسيكي، كلها أفعال مقاومة وجودية ضد استقامة الخط وإرادته في السيطرة. يكتب تيم إنغولد أن الخط هو "علاقة متصلة بين الجسد والمكان"، وإذا ما انقطع هذا الاتصال، أو أُعيد توجيهه، فإننا أمام فعل مقاومة مادي–رمزي، يعيد خلق المكان ويغيّر منطق inhabitation (السكن/الانتماء).
هكذا، لا يُخفي الخط المستقيم التعرجات فقط، بل يُقصي التاريخ الحي، يختزل الذاكرة، ويُسكت الصوت. هو تمرين على الطاعة من خلال الشكل، لكن مقاومته—بالفوضى، بالمنحنى، بالصمت، أو بالتجريب—هي استعادة للحيّز، للذات، ولإمكانات أخرى لرؤية العالم.
الذائقة: هل نملك ذائقتنا حقًا؟
الذوق ليس خيارًا حرًا كما نحب أن نعتقد.
إن ما نُفضّله ونميل إليه في الفن، الطعام، اللباس، أو العمارة، ليس انعكاسًا لذات فردية مستقلة، بل نتيجة شبكة مركّبة من التفاعلات الطبقية، والتنشئة الاجتماعية، والرأسمال الرمزي. الذوق يتكوّن كأداة تمييز، ويمارس عمله كتمرين على الامتثال داخل هرمية رمزية تُخبرنا، دون وعي منا، بما "ينبغي" أن نحب، وما يُعتبر "جميلاً" أو "راقيًا".
في السياقات العربية، لعب الاستعمار الثقافي وما تبعه من مشاريع تحديث فوقية دورًا في إزاحة الأذواق المحلية لمصلحة نموذج غربي حداثي، أُعيد إنتاجه في مناهج التعليم، وخطابات الدولة، ومؤسسات الفن. تُفضَّل الفنون التشكيلية الأوروبية الممتدة من النهضة على غيرها، ويُحتقر الفن الشعبي، ويُنظر للعمارة المحلية باعتبارها رجعية أو معدومة القدرة على مواجهة العصر. هذه الهيمنة الرمزية لا تفرض ذوقها بالقوة المباشرة، بل تبني فينا رغبة في التشبه بالمركز، فيصبح الامتثال للمعايير وترسيمات الذائقة الغربية علامة على التحضّر، والانتماء إلى مشروع حداثي "راقٍ".
لكن هذا التشكيل القسري للذوق لا يقتصر على ما نحب، بل يتعداه إلى كيف نرى. فالرؤية الجمالية ليست بريئة، بل مشروطة. وكما تبيّن جوديث بتلر وإدوارد سعيد، فالنظرة تتضمّن سلطة: من يرى؟ ومن يُرى؟ ومن يُسمح له بتأويل ما يُرى؟ في السياقات ما بعد الاستعمارية، يُؤطّر العمل الفني العربي غالبًا عبر عدسة خارجية: النظرة الاستشراقية التي تفتّش عن "الشرقي الغامض"، أو النظرة الإنسانية التي تُجمّد المعاناة في صورة قابلة للتعاطف، أو النظرة النضالية التي تختزل العمل في رمزية المقاومة، وتتناول في أغلبها قضايا الهوية بمركزياتها الغربية على حساب تاريخ ممتد من التهووي العربي والإسلامي.
وهنا، يتقاطع الذوق والرؤية في إنتاج نظام تأويلي مسيطر، يحوّل الفن إلى أداة تصنيف، ويقيد المعنى ضمن توقعات معينة. تُعرض جداريات مخيمات اللاجئين في المتاحف الغربية كمجرد وثائق إنسانية، تُنزَع من سياقها السياسي المقاوم؛ وتُقرأ صور الثورات العربية بتأويلات متنافسة -هل هي فوضى؟ أم تحرر؟- بحسب من يراها ومن يمتلك سلطة التفسير.
ومع ذلك، ثمة مقاومة. في الثقافة العربية المعاصرة، تظهر ممارسات ترفض هذه القوالب: من السينما التجريبية في بيروت، إلى فن الراب الفلسطيني، إلى الكولاج الرقمي الذي يصنع ذائقة هجينة بين الرسمي والهابط، بين المحلي والعالمي. هذه الأذواق الجديدة لا تكتفي باستهلاك الصور، بل تُعيد صياغة منطق النظر ذاته. إذ ثمة تيار كبير من الفنانين والفنانات العرب وآخرين من الجنوب العالمي، لم يقدموا ويقدمن فقط أعمالًا فنية، بل طرحوا تفكيكًا للنظرة: عبر السخرية، والتكرار، وتشويه الكليشيهات، ما يدعونا لنرى بشكل مختلف، أن نخلخل عملية التلقّي.
الذائقة، إذًا، ليس قدرًا فرديًا، ولا الرؤية فعلًا تلقائيًا. كلاهما يُنتجان ضمن سياقات هيمنة قابلة للتفاوض والمقاومة. وعليه، فإن إعادة تشكيل الذوق لا تعني فقط تغيير ما نحب، بل كيف نرى ولماذا. فأن نحب فنًا شعبيًا، أو أن نلتقط صورة ضد القاعدة البصرية السائدة، هو أيضًا فعل سياسي يعيد للذات صوتها، وللعين استقلاليتها.
