وإنتا زينة
في دمشق عاصمة الثقافة العربية ذهبنا لكي نشاهد زياد ونسمعه.
عند الموت، يتوجب البدء مثل الجميع، التوقف في منبر العزاء ذاته، من تلك الحفلة التي جمعت السوريين القادمين من كل المدن: 2008، السنة التي ودعنا فيها براءتنا لننتقل إلى براءات جديدة أو إلى حياة برية حدودها متفرقة في البلاد وخارج البلاد.
منذ سنوات، بدأت علاقتي بالأشياء تتحوّل إلى رموز. يصير الموت زهرة لوتس، وأصير بحيرةً صغيرةً أطفو فوقها.
منذ انقطاع ورد البراءة الأول، حين سافرت، وحين اندلعت ثورة انفكّ عنها دم كثير من الأبرياء، وحين تكسّرت الأحلام في المنفى، ثم عادت لتبحث عن ملاذ منذ الثامن من ديسمبر الماضي، قبل أن تتكسّر من جديد مع مجازر الساحل والسويداء، ومع التساؤلات المعلّقة في هواء الخوف من المستقبل. كنا نراقب... ونحزن. ثم جاء موتك، ليفجّر الحديقة.
حلم أو حقيقة؟ أنا وسط عدة مرايا، مرآة من الجنوب، مرآة من الشمال، مرآة من الماضي من المجازر القديمة، مرآة من المجازر الجديدة، مرآة غاضبة، تشبه وجه الشعوب، مرآة منكسرة من الداخل، تشبه وجه الشعوب، مرآة عن العجز، تجلس منكمشة هناك، منتظرة لحظة تجمعها بالغضب حتى تتهشم. لكن أين؟ إنه أشبه بالكابوس.
حلم أو حقيقة؟ أعود من موعد على الغداء مع رجل لبناني تعرفت عليه بعد قراءة شعرية، يخبرني بأنه قطع علاقته باللبنانيين الآخرين المقيمين في فرنسا لأنهم سيؤطرونه في خانته الطائفية، أفتح موبايلي لأرى خبر وفاة زياد الرحباني. من المهم توثيق بعض اللحظات في ظل المد الجماعي من الموت، كأننا رموزه.
ماذا عن رمزية الطريق النضالي البسيط القصير، على مقاسي؟ عن رمزية العلاقة بين فيروز وابنها؟
في إحدى المرات بعد وصولي إلى فرنسا، ذهبت إلى جنازة لشخص يُدعى فرنسيس. تفاجأت بأنهم وضعوا في الكنيسة أغنية لجاك بريل لم أكن أعرفها من قبل. ولأول مرة، شعرت أن الموت يمكن أن يكون مترافقًا مع الرغبة، ومع حب أسمى من الدمع الخائف، حب قريب من السماوات، لكنه في الوقت نفسه قريب من الأرض، كما لو أنه وردة على قبر.
أهديك أغنية جاك بريل: لا ننسى شيئا
أبدا، بل نتعود،
هذا كل شيء.
لا ننسى
لا هذه الرحلات ولا هذه السفن
ولا هذه الأسفار التي تطيح بنا
من منظر إلى منظر
ومن وجه إلى وجه
كيف غيَّرنا زياد؟
لا يتعلق الأمر بالمحبة فقط، بل بالصدى، بالخلفية، كأن حياتي، حياة جيلي، حياة من كبر على أغنياته ومسرحياته، هي مقدمة أو خلفية لما كتبه ونطقه سخرية. كثيرا ما أحاول أن أكون جادة حيال الحياة ثم تنتشلني السخرية مثل إبرة من بين جموع الأقمشة. هل أفسدتَنا؟
لا أتذكر تلك اللحظة التي صارت كاسيتات زياد تصلني، أنا المنكمشة على طفولتي ومراهقتي، من الآخرين المنفتحين على الحياة: أخي، أقربائي، الجيران. أذكر تلك الليلة من ديسمير 1997، متحلقين حول التلفاز نشاهد جيزيل خوري تحاور زياد الرحباني في حوار العمر. أثارت وقتها تلك المقابلة ضجة بين الناس. تسللت عفوية النجم ووقاحته الذكية لتحل محل الأيقونية والمسافات التي خلقها نجوم آخرون، أو لترفدها.
زياد، ابن فيروز، التي كانت قد تسللت كغيمة ممتنعة عن المطر ودائمة العبور والاخضرار بين المدن والجبال والسيارات في سوريا.
بالنسبة لي، لحلقتي الضيقة، والتي اكتشفتُ حين كبرت، أو بعد موتك، بأنها تضم الكثيرين، كنتَ الحائط الذي نعلق عليه صور الفنانين ورائحة الذكريات، صوتها ونبرتها.
بحثنا عن مقاربات تشبهك أو تذكرنا بك: وودي ألن؛ صديقي السوري اليائس في تولوز؛ كأس العرق الأبيض الذي يحيل الليلة كلها إلى نجوم؛ أو، وبشكل كنا لا نتمنى أبداً حدوثه أو انتشاره، هذا المد الطائفي الذي عاد موجات وموجات محملة بقناديل بحر تلسع وتجعلنا ننكفئ عن السباحة.
الفنان الشعبي الذي يشتم على الهواء وفي الشارع، الذي يبدي ضعفه أمام من يحب، أمام المرأة، الرجل المفكك كما يقال بالفرنسية. ابن الأيقونة الذي ترك المعبد وانتقل إلى الحقل والبار والشارع، حاملا أمه الأيقونة معه. هل بوسعنا ألا نصفق لتلك الجرأة؟ كم نحتاج لرجال مفككين بهذا المعنى، تجردوا من القيم الجامدة، من الكبرياء المزيف بلباس الذكورية.
حين صدر ألبوم كان غير شكل الزيتون اشتعلت الأوساط الثقافية مع وضد، وكنت صغيرة. مع الوقت تصالحنا مع تلك المقولات التي قد تبدو خالية من الشعر أو الاستعارات المحلّقة في "الملكوت"، لكنها صنعت لنا شجر الزينة الأرضي، شجرا مصنوعا من خيوط يومياتنا ومن اقتباسات لمّاحة تشبه زجاجات الحامض المكثف والمعروض للشمس في القرية.
زياد والسياسة
في موتك خرجت لسعة المقاومة الممحية داخلنا، الخافتة، الخجولة. خرجت كزهرة حمراء، كتلك الزهرة التي حملتها سهى بشارة في توديعك، عدنا من خلالها عشرين سنة إلى الوراء، ونظرنا إلى المستقبل كمن يبحث عن ورد… وعن أبطال.
ما معنى أن تموت في اليوم التالي لخروج جورج إبراهيم عبد الله من السجن الذي كان من الممكن أن يكون مؤبدا في الجنوب الفرنسي؟ قريبا من مكان عيشي؟ هل هي نوتة موسيقية أخرى؟ مصنوعة من طائرات؟ عادية أو ورقية؟ من أراض وبحار ممتدة بينها وبيننا وتعزلنا عن الحب والألفة؟
يعيب البعض على زياد الرحباني موقفه من الثورة السورية وأفهمهم، لكن محبتي عادلة أيضا، محبة امرأة لمشعل الحكايا والخيال. تلك الحيوية التي خلقت رمزا في لا وعيي لما يمكن أن يكون عليه الفنان، أو الرجل، أو الخيال البعيد، أو بلورة قراءة المستقبل عبر السخرية والفن. لم يكن موقف زياد الرحباني وليد مصلحة شخصية، بل نابعًا من ميلٍ إلى النأي، والتباسٍ مقصود أو لا، وترتيب داخلي من الأولويات يُترجم من خلاله قراءة المرحلة.
حين أحيا زياد حفلة دمشق كانت العاصمة في أوج ازدهارها الفني، حفلات لا تتوقف، وكانت تلك هي المرة الأولى التي نعرف أن لحجارة القلعة وأرضية دمشق القديمة لونا مختلفاً عن السياسة الميتة آنذاك، وعن الفن المتجمد في حفلات مهرجان المحبة المتكررة.. لم نكن نعرف ماذا سيحدث لاحقا. دمشق 2008 لفظتنا، إلى النيران والهجرات والعبث السوري الكبير. في الوقت الذي غنى فيه زياد للمواطن في قلعة دمشق، كانت الفروق الاقتصادية تترسخ بين أهل المدينة وأهل الريف، أهل الانفتاح التجاري، الفاسدين منهم، وطبقة الشعب التي كانت تكمل حياتها بأدواتها السياسية والاقتصادية المعطاة لها منذ أكثر من 30 سنة. بعد 2008 كل شيء تغير، لي وللوطن، أو ربما هذه ما أراه من زاويتي الضيقة والبعيدة من على ضفاف نهر الغارون في تولوز، بينما يتناهى إلى سمعي الغناء، يصدح كعصفور بسعادة، قرب قلعة دمشق آنذاك. بالمناسبة ماذا غنيت في تلك الليلة؟ أكاد أنسى من تكرار موتك والأغاني على الفيس بوك في هذه الأيام الحزينة من المجاعات والحروب الطائفية.
ميس الريم
حين سماني والدايّ "ميس الريم"، اختار أبي "الميس"، واختارت أمي "الريم". لم يسمّياني تيمّنًا بالأغنية، بل تأثرًا بالمسرحية.
كبرتُ، وسافرتُ إلى فرنسا، حيث أصبحت "اللام الشمسية" جسرًا يصعب عبوره بين "ميس" و"الريم" لدى الفرنسيين.
منذ يومين، تتكرر مقدمة "ميس الريم" على الإذاعات بعد خبر رحيلك، ومن بينها إذاعة France Musique.
كانت تلك أول مرة أسمع اسمي بالفرنسية، يمر بين مقطوعتين موسيقيتين، مصحوبًا بلامٍ شمسية.
هل قضية الهوية مهمة؟ أو "قاتلة" ؟ حين أرهق من التفكير بها، أو حين يفيض اللاوعي بتجلياتها، أضع موسيقى "هدوء نسبي".. نحن جيل يهدّئ اضطرابه بمسكنات لحنية، تتأرجح بين الشرق والغرب، جيل يسكنه ليل طويل، وسجائر آخره، جيل ينسج خياله في خزانة مليئة بالويسكي داخل حانة تُدعى، "بالنسبة لبكرا شو؟".
نحن أبناء واقع لا يتغيّر، يدفعنا إلى السفر بحثًا عن سبل العيش، لكنه يزرع فينا اضطرابًا في الهويّة، فنعود إلى "هدوء نسبي"... أو ما يشبهها.
في المراهقة، أمضيت كثيرا من الليالي مع كاسيت "العقل زينة"، وحيدة في غرفتي. مع الأفلام والكتب الأولى، شكّلَ المكانَ البديل لتشريح مجتمعٍ كنت بعيدة كل البعد عن الاندماج به.
شكرا على الضحك الذي شكل صدى للوحدة، شكرا على ما تركته خلفك من خيط، ومن ظل طويل.
كان من الصعب الكتابة عنك بجدية وسامحنا لأننا رثيناك بالكلمات. ربما موت من نحب فرصة لنتطهر في أزمنة التعب هذه.
وإنتا زينة.
