مسكين هو الذئب في القصص، فهو غير مدرك أنه رهن إرادة الجدّات، تملكنه في مخيلاتهن ويستخدمنه لمآربهن الخاصة، يحركنه كيفما يرغبن، يجعلنه قوياً في بعض الأحيان، جباناً في أحيان، أو حتى يلغين دوره بالكامل فيصبح دون أدنى أهمية. لعل أشهر الشخصيات هو الذئب الشرير في قصة ليلى والذئب المأخوذة عن ذات الرداء الأحمر والتي تُروى حتى اليوم في ثقافات عدة بنهايات وتفاصيل تختلف عن بعضها، أما أنا فقد تعرفت على القصة بشكل آخر تماماً، بطريقتين مختلفتين لكلّ من جدّتي الاثنتين.
ليلى والقرص
هل لكم أن تتخيلوا مجموعة روائح مع بعض؟ روث البقرة، حليب مغلي، حبوب السماق المقطوف طازجاً من الشجرة والذي تم طحنه بالجرن، والبصل المقلي مع الثوم بزيت الزيتون؟ هكذا كانت رائحتها، امرأة من القرية، ربة منزل، وزوجة فلاح، جدتي أم والدي من قرية بشرائيل في صافيتا. يبدأ روتينها اليومي بإعداد الشاي والفطور للعائلة الكبيرة وبعدها مباشرة البدء بتحضير وجبة الغداء وتنظيف المنزل والقيام بالمهام اليومية التي تشمل الغسيل، طحن السماق، رصّ الزيتون، صنع القريشة أو تجفيف الاشياء على شراشف على سطح المنزل تحت أشعة الشمس كـ الشنكليش والكشك والمشمش والتين لصنع المربى وتخزينهم من أجل الشتاء.، كل حسب الموسم، ولكن هناك دائماً شيء يجب عمله. وفي المساء شتاءً تجلس العائلة للعشاء ومتابعة الأخبار ثم البرامج اللبنانية كما هي العادة في قرى صافيتا لأن هوائي التلفاز كان يلتقط ترددات القنوات اللبنانية بالإضافة للسورية منها لقربنا جغرافياً من لبنان.
بالنسبة لي، الذكرى الأكثر ارتباطاً بجدتي هي قصة ليلى والقرص، لا يوجد ذئب هنا فهو حسب جدتي ليس بأهمية القرص. والأقراص لمن لا يعرفها هي عبارة عن حلويات يتم صنعها في العيد على شكل قرص دائري ويتم وضع اليانسون والشمر داخلها وهي مشهورة في مناطق الساحل وحمص. في الصيف كانت جدتي تقوم برش الماء على الأرض المصنوعة من الإسمنت أمام المنزل، ثم تمد الحصيرة وتلقي الفرشات فوقها لنجلس، بينما يجلس جدي في زاوية على كرسي صغير وطاولة صغيرة يقوم بتقطيع التبغ الذي كان قد جففه لعدة أسابيع ،مشغّلاً قربه راديو صغير أحمر اللون، وعمّي في زاوية أخرى من أرض المنزل تحت شجرة السماق يعزف العود أو يشرب المتة مع عدد من أصدقائه بينما يلعبون الشطرنج. تبدأ جدتي بالروي القصة بلهجتها القروية:
"كانت ليلى متلعب قدام البيت، نادتلا أما وقالتلا ليكي ياليلى، ستك مريضة، خدي هالأكلات وروحي وديهِن لستك، قالت ليلى بس أبعرف الطريق. قام أمها جابت قرص وقالتلا هالقرص بتكرجيه وبتمشي وراه هيكيا تتوصلي لعند ستك وماتوقفي شو ماصار. وقامت ليلى كرجت هالقرص، هو يكرج وهي تكرج وراه، هو يكرج وهي تكرج وراه، هيييك حتى بنص الطريق جاعت ليلى وأكلت لقمة من هالقرص وبعدا أجت تتكرجو ماكان يكرج رد تكرجو ماكان يكرج، وزعلت كتير وقعدت تبكي، وصار ليل وهيه متبكي لحالا ومي عرفانة كيف بدا توصل لعند ستها. وبعد كذا ساعة ومن كتر مابكت ليلى عالقرص صار في حوالاه بركة من الدموع، مسكيتو وكان طري وصارت تسويه هيكيا بـ دياتها (تحرك جدتي يديها كأنها تقوم بتشكيل قرص مدور) حتى رجع شكلو المدور، وكرجيتو قام كرج، وفرحت كتير ومشيت وراه، توصلت لعند ستا وعطيتا الأكلات"
في قصة جدتي هذه لا يوجد ذئب، البطلة الوحيدة هي ليلى والعدو هو ليلى والمنقذ هو ليلى، وفي بعض الليالي وبسبب حسّ دعابتها العبثي الخاص، كانت جدتي تستبدل تفصيل الدموع بأن ليلى تبولت على القرص كي تعيد تشكيله..
عندما تعرفت على القصة الأصلية لاحقاً، بدا لي لوهلة أن التعامل مع الذئب المخادع أسهل بكثير من التعامل مع القرص. ولكن لجدتي الثانية رأي آخر فهي لها نسختها المختلفة تماما! للذئب في قصتها دور مهم لدى الفتيات في تمشيط الشعر والوقوع في الحب ليجد الذئب نفسه مقحماً في قصة من نوع رومانتك كوميدي.
ثريا والذئب
جدتي الأخرى، أمّ أمي، هاجرت في مراهقتها من نفس القرية، بشرائيل، إلى دمشق في السبعينات، ولأن خالها كان يعيش ويعمل في العاصمة استطاع أن يسأل معارفه لمساعدتها. فعاشت في نفس المنزل مع عائلة يهودية كفرد منهم، وهناك كانت تقوم بأعمال المنزل وفي المقابل كانت العائلة تهتم بتعليمها، وبعد مدة أوجدوا لها فرصة لتتعلم القبالة (علم التوليد وليس فلسفة الروحانيات اليهودية) في المستشفى ثم انتقلت للعيش في حرستا في ريف دمشق، ولأنها كانت ماهرة للغاية في عملها، أصبحت قابلة معروفة، تطلبها العائلات من جميع أنحاء المدينة.
بعد انفصال والديّ جئنا للعيش مع جدتي التي كانت تعيش وحدها هناك. كان الحر أشد وأكثر جفافا في الصيف، ولكن جدتي كان لديها مروحة معلقة بالسقف، وكان لديها الكثير من الأشياء الحديثة التي لم تكن موجودة في القرية، بالإضافة إلى أن جدتي هذه كانت ماهرة في في الخَبز فقد كان لديها عدة كتب عن صنع الحلويات الغربية والعربية والأهم من هذا كلّه أننا كنا نتناول الطعام في صحون روميو وجولييت، الذين جعلوا مذاق الطعام ألذ أو ربما أكثر متعة فقط! كانت جدتي ماهرة في صنع الصوف وحاكت لنا الكثير من الكنزات والستر. وكانت تملك مجموعة من الكتب التي لم تكن مناسبة للأطفال مثل كليلة ودمنة، كتب عن آثار إدمان المخدرات في الدول العربية، وبعض الكتب عن توليد النساء، وقصص وأشعار جبران خليل جبران.
أما الحكايات التي كانت ترويها لي فقد كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطقس تمشيط الشعر، الذي كان يعدّ بالنسبة لي طقساً جهنمياً، فقد كنت أعاني من الألم الشديد في كل مرة، وفي كل مرة كانت تمضي قرابة الساعة لتمشيط الشعر خصلة خصلة، ببطء شديد كي لا أشعر بالألم، وكنت أبكي وأصرخ. في تلك الفترة كان يعرض مسلسل الثريا على التلفاز، وهو مسلسل درامي سوري يحكي قصة حب بين عكّاش المتمرد ضد الاحتلال العثماني وثريا ابنة الباشا، وقد استغلت جدتي اعجابي بشخصية عكاش في المسلسل، فعندما كان يحين موعد تمشيط الشعر، تبدأ بروي حكاية ثريا والذئب بلهجتها البيضاء، كي تلهيني عن البكاء::
"كان يا ماكان في قديم الزمان، كان في صبية اسما ثريا وكانت تكره تمشط شعرها، وكل مابدا تمشطو تبكي وتعذّب أهلها. وبيوم من الأيام ماسمعت كلمة ستها وطلعت من البيت بدون ماتمشط شعرها وراحت تفتل هيك لوصلت عالغابة، عاد هنيك شافا الذئب ولأنو شعرها منكوش فكرها جاجة، وصار يركض وراها بدو ياكلا. وصارت ثريا تبكي و تهرب وتنادي للناس يساعدوها، قام مين سمعا بالصدفة؟ عكاش، يلي كان مارق، وراح قتل الذئب وأنقذ ثريا، ووداها عالبيت، وقلها لو ماحكيتي كمان كنت فكرتك جاجة، فخجلت ثريا كتير. تاني يوم الصبح فاقت ثريا مشطت شعرها وجدلتو وطلعت من البيت، ولما شافا عكاش ماعرفا أول شي واتفاجأ انو هي حلوة كتير وحبّا، وتوتة توتة خلصت الحتوتة"
في الحقيقة لم تلغ القصة من شعوري بالألم، ولكني كنت استمتع بالانتقال من الأزمة مع الذئب الى الانفراج في النهاية، وكنت أترقب مشهد ظهور عكاش في كل مرة، خصوصاً ان جدتي في بعض الأحيان كانت تجعل مني أنا بطلة القصة بدلاً من ثريا فتقول اسمي في كل مشهد.
بمعزل عن قصص جدّتيّ الاثنتين، أنا كطفلة لم أكن أخشى الذئب والسبب في ذلك ربما يعود إلى برنامج الأطفال ماوكلي فتى الأدغال، الطفل الذي كبر وعاش مع قطيع من الذئاب، وعندما كبرت كانت صورة الذئب وهو يعوي على القمر عندما يكون بدراً جميلة للغاية. أما الآن فمازال تمشيط شعري يؤلمني، لكنني لا أبكي ولا يحتاج الأمر أكثر من خمس دقائق لإنجاز المهمة، أحب مذاق أقراص العيد مع أنه من النادر أن أجدها، ولكن عند ذرف الدموع فأنا أعرف أنها قد تكون مفيدة لأعيد تشكيل الأشياء.
